أن الأمومة تتضمن الحب غير المشروط، ولكنها لا (تقتصر) على ذلك، مع ملاحظة أن الحب غير المشروط لا يجب أن يدفعك إلى التدليل بحجة حب طفليك، بل إن الحب يجب أن يكون دافعًا لإثابة الطفل عندما يجيد ولعقابه عندما يخطئ، ويجب أن توضحي له بصورة قاطعة أنك في الحالتين تتصرفين بدافع الحب، فعند الثواب تكافئينه لأنك تحبينه وتسعدين لأنه (اختار) التصرف السليم وتشجعينه بالثواب على الاستمرار فيه ليكون رائعًا معظم الوقت، فلا يوجد أطفال -أو كبار- رائعون دائمًا.

وعندما تعاقبينه فإنك تفعلين ذلك؛ لأنك تحبينه وترين أنه أخطأ في حق نفسه عندما (اختار) التصرف الخاطئ، وأنه طفل رائع لا يجب أن يفعل مثل الأطفال السيئين، ولديه كل المقومات لكي يكون طفلاً جميلاً وسعيدًا، فلماذا (يشقي) نفسه باختيار الأخطاء والاستسلام لها وبالتالي اقترافها، وبالتالي فإن عقابه ليس موجّهًا إلى شخصه ولا ينقص من حبك له، وإنما الخطأ هو ما جرّ عليه هذا العقاب الذي غالبًا ما تكونون قد اتفقتم عليه قبل وقوع الخطأ، بمعنى أن بينكم اتفاقًا لو فعل الفعل السيئ الفلاني فإن العقاب سيكون كذا.. فإذا ما أخطأ كان هو ما يعاقب نفسه ويعاقبه سلوكه.

كما أن الأمومة لا تقتصر على الحب غير المشروط للأبناء فلا بد أن يمتزج ذلك بالوعي المتزايد، وضرورة الاطلاع الدائم على معظم مجريات الحياة من حولنا واكتساب الخبرات والنضج، واستيعاب أسئلة الأطفال والرد عليها بحب واحترام لعقولهم وإفساح الطريق لشخصياتهم؛ لكي تنضج عن طريق تشجيعهم على التصرفات الإيجابية وعدم الرضوخ لصراخهم ومنحهم العواطف الصحية بدون تفريط أو إفراط، فلا تتعامل معهم على أنهم محور الكون، وأننا لا نستطيع أن نحيا بدونهم ولا نسارع بتحقيق كل طلباتهم على الفور حتى وإن كانت مبالغًا فيها كي لا يصبحوا أنانيين، بل يجب أن نرفض الطلبات غير المعقولة بحزم وهدوء موضحة لهم أسباب عدم تمكنكم من إحضار هذا الطلب عبر نقاش هادئ تدخلين لهم من خلاله مفاهيم جميلة وقيم رائعة، وأن لديهم أشياء كثيرة يمكنهم الاستمتاع بها.

ويجب أن يدرك طفليك أنك رغم شدة حبك لهما لن تقبلي بأي تجاوز في الحديث معك، فلا بد أن يناديك طفلك بلقب: أمي ولا يخاطبك باسمك مجردًا إلا من قبيل اللعب أحيانًا، ولا تضحكي أبدًا على تجاوزاته في الحديث معك، ولا ترضخي لدموعه ولا تجعلينها وسيلة لإرغامك على ما ترفضين.

* الحب الإيجابي:
باختصار اجعلي حبك الشديد لطفليك حبًّا إيجابيًّا يساعدك على أفضل تنشئة صحية ونفسية ودينية ممكنة، واحذري من أن يكون هذا الحب (الرائع) وسيلة لإفسادهما -لا قدر الله- واحترمي مجهودك الذي تبذلينه من أجلهما ولا تقللي منه أبدًا، وتذكري أنك ما زلت في أول مشوار الأمومة (الجميل) والمستمر طوال الحياة بمشيئة الرحمن فلا تقارني ما تفعلينه في سنوات طفليك الأولى بما فعلته والدتك بارك الرحمن لها طوال حياتها وعبر مشوارها الطويل؛ لأن هذه المقارنة ظالمة لك بكل المقاييس، ولعل مشاعرك الطيبة ونيتك الصادقة مضافًا إليهما الخبرة والوعي الذي ستسعين إلى اكتسابهما وتحرصين عليهما دائمًا سيقودانك بمشيئة العزيز الحكيم إلى أن تكوني أمًّا صالحة ورائعة بكل المقاييس، وتذكري دائمًا حديث رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه، حيث قال ما معناه: "رحم الله امرأ أعان ابنه على بره".
فساعدي طفليك على برك بتعويدهما -مبكرًا- على حسن التعامل معك وعلى مبادلتك الحنان والتدليل أيضًا، وعلى مساعدتك في أمور المنزل وفقًا لسن كل منهما وتدرجي في ذلك، فطفل الثالثة يستطيع مساعدتك في ترتيب المنزل، وفي أداء بعض الأمور البسيطة التي ستسعده مع التصفيق له والتشجيع المستمر والغرض هنا مزدوج فمن ناحية سيعتاد على مشاركتك في أداء مسئولياتك ومن ناحية أخرى سيشعر بالفرحة للمشاركة في إنجاز الأعمال المنزلية، فافعلي ذلك حتى لو كنت ربة منزل ولا تقولي لا أحتاج إلى ذلك، فالهدف أكبر من تخفيف عبء المسئوليات المنزلية عنك ويتلخص في إيجاد الإحساس بالمشاركة من الابن تجاه الأم وتقوية العلاقة بينكما بأداء الأعمال المشتركة واكتسابه بعض الخبرات المبكرة.

* وقت للبهجة والتعلم!
ونود أن تقومي بشراء كتب للأطفال وأن تخصصي وقتًا يوميًّا لقراءة قصة لطفلك وأداء بعض الألعاب يوميًّا، ولو كان ذلك لنصف ساعة فقط يوميًّا، ففي ذلك تعميق لمشاعر الحب بينكم وانتهزي هذه الفرصة لتغرسي بداخله القيم الدينية والأفكار الإيجابية بشكل محبب للنفس وبصورة غير مباشرة وعيشي طفولتك واستمتعي بأمومتك وقومي بإشاعة البهجة في المنزل، ونمي شخصية طفليك تدريجيًّا وشجيعهما على الاختيار بين بدائل توافقين عليها كأن تقولي لطفلك هل أحضر لك كوبًا من الحليب المحلى بالعسل أم كوبًا من العصير الطازج، وبالتأكيد فإن كلا الخيارين مرغوب ومطلوب صحيًّا، وعند شراء الملابس اختاري أكثر من طاقم للطفل يعجبك نوع قماشه ويلائمك سعره، واجعلي الطفل يختار ما يريد والهدف هنا إشعار الطفل أنه يختار، وقولي له بأنك تفعلين ذلك؛ لأنك تحبينه ولأنه طفل ذكي يجيد التصرف وما تراه طفلها جميل وهم أصدقاء؛ ولهذا فالحديث بينهم جميعًا متواصل، فإذا أراد الاستمرار في هذه المعاملة الخاصة، فعليه أن يكون طفلاً رائعًا لا يخطئ، وإذا أخطأ فمن الجميل أن يعترف بالخطأ، ولا يحاول أن يكذب ليداري الخطأ، وأن يسعى دائمًا ألا يكرره..

وتدريجيًّا ستتمكنين بمشيئة الرحمن من التوصل إلى أساليب إيجابية و(تخترعين) طرقًا خاصة بك للتعامل مع طفليك بأفضل ما يمكنك، شريطة أن تتحلي بالهدوء وأن تلتزمي الوسط، وأن يدرك طفلك أنك تمتلكين الحزم ويمكنك عقابه بلا أي إحساس بالذنب أو بالضيق إذا ما أصر على الخطأ، ورفض التراجع والاعتذار أو إذا تعمد تكرار الخطأ واستهان بأوامرك، وبالفعل لا تشعري بالذنب وقتئذ، بل قولي لنفسك: سأنفذ العقاب بكل هدوء وسأحتفظ بـ(هيبة) الأم كاملة، وسأحمي ابني من الآثار المدمرة للتدليل الزائد؛ لأنها تصنع رجالاً فاشلين، فالحياة لن تجامل من يخطئ ولا بد أن يدرك طفلي ذلك مبكرًا، وأطفال اليوم في غاية الذكاء ولو أدرك طفلك أنك لن تعاقبيه لشدة حبك له فأنه سيتمادى في الأخطاء، فتنبهي لذلك مبكرًا ووازني بين أدوارك الأخرى في الحياة كزوجة وابنة وأخت وصديقة وواصلة رحم وربة بيت، ونمي هواياتك مثل القراءة والإطلاع على الإنترنت ولا تختزلي حياتك في دور الأم حتى لا تظلمي نفسك وتظلمي أولادك أيضًا وأخيرًا نهنئ طفليك بك، وندعو لكم جميعًا بحياة رائعة تستحقونها جميعًا، وفقك الله..