معجزة خلق الإنسان ـ رحم الأم أفضل مكان للجنين وأكثره أماناً
الرحم عضو مجوف له جدار مكون من عضلات متينة، ولا يزيد حجمه عن خمسين سنتمتراً مكعباً . ولاشك أن مثل هذا الحجم لا يكفي لنمو الطفل واستيعابه على الرغم من جميع التحضيرات المهيأة له، لذا كان من الضروري تغير بنية الرحم أيضاً . وهكذا يزداد حجم الرحم على الدوام طوال فترة الحمل حتى يصل إلى 1100 سنتمترا مكعب . لذلك كان الرحم بفضل خاصيته هذه أفضل مكان لنمو البويضة المخصبة حتى تحولها إلى طفل كامل الملامح والأعضاء جاهز للخروج إلى الدنيا . وعلاوة على هذا فإن وجود الرحم في وسط عظم الحوض للمرأة يجعل هذا الرحم ملاذاً وملجأ أمنا للبويضة المخصبة حيث تتم صينانتها وحفظها طوال نموها وتطوره [1]
[IMG]//www.harunyahya.com/images_books/images_human_creation/yaratilis175.jpg[/IMG]قال تعالى .. ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ..
( أي الجنين الأولي ) في مكان مناسب، ويجب أن يكون هذا المكان مختاراً بعناية وأن يكون مكاناً مصاناً وصالحاً أيضاً لتحقيق الولادة بعد تسعة أشهر، ويكون ـ علاوة على هذا ـ في مكان قريب من الأوعية الدموية للأم التي تحمل الغذاء إلى الجنين .
إن الجنين الموجود في قناة فالوب والمتوجه إلى الرحم يتصرف وكأنه على علم بهذه الأمور، ولذلك فإنه لا يحاول الالتصاق بأي نقطة أو موضع في قناة فالوب طوال الأيام التي يوجد فيها والتي تتراوح بين ثلاثة أيام وأربعة لأنه يعرف بأنه إن التصق أو انغرز في أي نقطة قبل وصوله إلى الرحم فإن هذا يعني نهاية وجوده، لذا يتقدم نحو الرحم ويفتش هناك عن موضع تكثر فيه الأوعية الدموية ويلتصق به . وعلى مثال البذور المنثورة في التربة والتي تنمو من جانب فوق سطح الأرض وتمد جذورها من جانب آخر إلى أعماق التربة، نرى أن الجنين يستمر في النمو وفي نفس الوقت فإنه ينغرز أكثر فأكثر في أعماق النسيج الذي يوفر له الغذاء، حيث يجد أوعية دموية جديدة تمده بغذاء جديد.
من المفيد هنا الإشارة إلى نقطة هامة، وهي أن قيام الجنين باختيار أفضل موضع له يعد ـ بحد ذاته ـ معجزة، فقد أشار فلاناغان، مؤلف كتاب " بداية الحياة " إلى هذا الأمر العجيب قلائلاً : " إن قيام مجموعة من الخلايا ( أي الجنين في مراحله الأولى ) يمثل هذا الأختيار الدال على نظرتها المستقبلية الحكيمة أمر يدعو على الدهشة " [2]
النقطة التي يشير إليها فلاناغان مهمة جداً، ومن أجل فهم هذه الأهمية نعطي مثالاً .
تصوروا أننا وضعنا طفلاً صغيراً بدأ بالمشي أمام بناية لم يرها من قبل وهي أكبر منها بملايين المرات، ثم انتظرنا أن يجد هذا الطفل غرفة هيئت فيها جميع متطلباته وحاجاته . فهل يستطيع مثل هذا الطفل الصغير أن يجد هذه الغرفة ؟ طبعاً لا يستطيع . وكما يستحيل على طفل صغير لم يبلغ العمر الذي يعقل فيه هذه الأمور ولم يملك بعد الخبرة والتجربة الكافية لإنجاز هذا الأمر، كذلك يستحيل على قطعة لحم حجمها بضعة سنتمترات ومتروكة في فراغ مظلم في الجسد أن تجد أفضل موضع لها والأكثر أماناً وحفظاً، بل إن الاستحالة لتبدو هنا أكبر .
وفوق هذا فإن الجنين لم يصبح بعد إنساناً، وعلينا ألا ننسى أن الجنين يكون آنذاك عبارة عن بضع مئات من الخلايا فقط، أي أنه لا يملك لا أذناً ولا عيناً ولا يداً ولا ذراعاً ولا دماغاً، بل هو مجرد قطعة صغيرة من اللحم، ولكننا نرى أنه يقوم بإبداء قابلية عجيبة ومدهشة في التعرف على أفضل موضع وأفضل مقر له .
و لا تنتهي المعجزات في خلق الإنسان بهذا، ففي كل مرحلة من مراحل هذا الخلق نحد سلسلة من المعجزات متداخلة الواحدة بالأخرى .
إلى هنا ذكرنا كيفية تكاثر البويضة المخصبة ،و كذلك كيفية اهتدائها إلى أفضل موضع لإدامة نموها وتطورها . غير أن سؤالاً يظهر أمامنا في هذه المرحلة، وهو : كيف تستطيع مجموعة من الخلايا المتشابهة تماماً والتي لا تملك أي خطاف ( أو كلاب أو صنارة أو أي عضو مشابه ) أن تلتصق وتتعلق بجدار الرحم ؟
إن الأسلوب الذي يستعمله الجنين في الالتصاق والتعلق بجدار الرحم أسلوب معقد جداً ويدعوا إلى التأمل تقوم الخلايا الموجودة في الطبقة الخارجية من الجنين بإفراز إنزيم يدعى " هيالورنديز"ومن مزايا هذا الإنزيم أنه ـ كما ذكرنا في موضوع الحُوينات ـ يستطيع تفتيت الطبقة الحامضية ( المتألفة من حامض الهيالورونيك ) الموجودة في جدار الرحم، كما يساعد هذا الإنزيم خلايا الجنين على اختراق غشاء الرحم والدخول إليه . [IMG]//www.55a.net/images/16/body/Clip_37.jpg[/IMG]
تقوم كومة الخلايا المسمات حوصلة الارومة blastocyst والتي وصلت إلى الرحم بمساعدة قناة فالوب بالاتصاف بجدار الرحم . وإن نجاح هذه المجموعة أو الكومة من الخلايا الكروية الشكل والتي لا تملك أي صنارة أو كلاب أو خطاف أو أ ي نتوء .. إن نجاح مجموعة الخلايا هذه في التعلق بجدار الرحم يعد معجزة من معجزات الخلق وتدين هذه المجموعة بهذا النجاح إلى الإنزيمات التي تفرزها الارومة المغذية trophoblast الموجودة على سطحها الخارجي .
وبفضل ذلك تستطيع بعض خلايا الجنين التهام بعض خلايا الرحم والتوغل فيه، فينغرز الجنين في جدار الرحم بشكل قوي ومتين .
يحتاج الجنين إلى الأوكسجين وإلى الغذاء على الدوام لكي يبقى حياً ولكي ينمو، وهكذا نرى أن هذا الجنين الذي نشأ من خلية واحدة مخصبة سيتزود بجميع حاجاته من هذا الموضع طوال تسعة أشهر .
إن قيام الجنين بالاهتداء إلى أفضل موقع له تم معرفته بأن من الضروري له الالتصاق بهذا الموضع وانغرازه فيه يعد ـ كما قلنا من قبل ـ أمراً محيراً ومدهشاً لأن هذه الكتلة الصغيرة من اللحم المؤلفة من مجموعة من الخلايا ترينا ـ بتصرفها هذا ـ أنها تملك القدرة على معرفة وعلى حساب حاجاتها وأنها تتصرف في ضوء هذه المعرفة . غير أن معرفة الجنين كيفية الالتصاق والانغراز وامتلاك بعض خلاياه قابلية خاصة لتحقيق هذا الأمر يعد أمراً محيراً ومدهشاً بنسبة أكبر، لأن من المستحيل تماماً قيام الجنين باستخدام العقل والإرادة وتحليل حامض الهبالورونيك الموجود في جدار الرحم ثم الإيعاز إلى بعض خلاياه للقيام بإفراز إنزيم هيالورنديز الذي يفك هذا الحامض ويفتته .
وكما ذكرنا سابقاً فإن أي إنسان لم يدرس الكيمياء دراسة خاصة يعجز عن معرفة هذه الأمور، بينما نرى أن بعض خلايا الجنين على علم بهذه الكيمياء ! وعلاوة على هذا العلم فهي تقوم ـ استناداً إلى هذا العلم ـ بإنتاج مواد كيميائية أيضاً للإبقاء على وجودها . ونحن لا نجد هذه القابلية المدهشة في جنين واحد بل في جميع الناس الذين عاشوا في السابق والذين يعيشون حالياً، حيث إن الجنين ( الذي يعد المرحلة الأولى لنشأة الإنسان ) ينجح بشكل خارق في الاهتداء إلى الموضع الصحيح وفي الالتصاق به .
وكما يظهر مما شرحناه حتى الآن حول تكوين الجنين والتغيرات الحاصلة في الخلايا الحاضنة له، فإن هناك خطة واعية بشكل ظاهر لكل مرحلة . ففي اللحظة المناسبة تماماً تحدث تغيرات في الخلايا المكونة لقناة فالوب، وفي اللحظة المناسبة أيضاً تقوم الخلايا الخارجية للجنين بإفراز إنزيم الهيالورونيداس .
إن وجود مثل هذا التخطيط الواعي في جسم الإنسان يشير بحق إلى أن هذه الفعاليات كلها تقع تحت سيطرة قدرة إلهية خارقة :
قال تعالى : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:6).

التصاق وتعلق الجنين في الرحم معجزة قرآنية :
عند التدقيق في الآيات القرآنية حول موضوع استقرار الجنين في الرحم والتصاقه به تظهر معجزة قرآنية مهمة، فعندما يذكر الله تعالى بدء نمو الجنين في رحم الأم يشبه هذا الجنين بالعلق : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5}) العلق 1ـ3
ويأتي العلق في اللغة العربية بمعنى الشيء المتعلق بموضع ما . وانسجاماً مع هذا المعنى أطلقت هذه الكلمة على ذلك المخلوق الذي يلتصق ويمص الدم .
والجنين يتعلق بجدار الرحم تماماً كما ورد في الآية الكريمة أعلاه . واستعمال القرآن منذ أكثر من ألف سنة هذه الكلمة في أيراد هذه الصفة للجنين النامي في بطن الأم والكشف عن هذه المعلومات قبل عدة عصور وفي عهد لم يكن مستوى العلم يسمح بالوصول إلى هذه الحقيقة يعد بلا شك إحدى معجزات القرآن .

المهمات المختلفة التي تنجزها الخلايا :
في اليوم الثامن من نمو الجنين تبدأ خلاياه بالتمايز حتى تظهر فيه ط
طبقتان : الطبقة الداخلية والطبقة الخارجية . خلايا الطبقة الداخلية ( واسمها " أمبريوبلاست" ) هي الخلايا الدائمة للجنين طوال حياته، أما خلايا الطبقة الخارجية ( تروفوبلاست ) فهي الخلايا المساعدة التي بتقى مع الجنين حتى الولادة، أي خلال تسعة أشهر فقط . وبعد هذه المدة تقوم خلايا الطبقة الداخلية بفصل نفسها عن خلايا الطبقة الخارجية التي استخدمتها خلال التسعة الأشهر ولا تبقى إلا المنطقة التي سيظهر منها الحبل السري الذي يربط ما بين الجنين والمشيمة في المستقبل . وهنا تأخذ خلايا أمبريوبلاست شكلاً قرصياً وتدعى " الأقراص الجنينية " .
يتم النمو التالي بشكل متناظر حول طرفي هذين القرصين . وتعد هذه العمليات بداية عمليات التنظيم في الجسم، ففي طرفي هذا الخط المستقيم تبدأ خلاياه جديدة بالتشكل، وهي خلايا إكتوديوم وخلايا إندوديرم وبينما خلايا ميزوديرم وكل طبقة من هذه الطبقات الثلاث ستشكل في المستقبل الأقسام المختلفة لجسم الطفل. [3]
تقوم الخلايا الخارجية ( خلايا إكتوديرم ) بإنشاء الأعضاء والغدد والأنسجة الداخلية، ومن هذه الأنسجة ينشأ الدماغ والحبل الشوكي وأعضاء الحواس وعدسات العينين، كما تقوم هذه الخلايا بإنشاء الجلد الخارجي والغدد العرقية وميناء الأسنان والشعر والأظافر . أما الطبقة الداخلية من الجنين ( خلايا الإندوديرم ) فتقوم بتكوين أعضاء الجهاز الهضمي والتنفسي ( أي بتكوين الكبد والرئتين والنبكرياس .. الخ ) وكذلك الأنسجة العائدة لهذين الجهازين ( كالغدة الدرقية والغدة السعترية .. ) أما الطبقة الثالثة ( الميزوديرم ) فتتكون بين هاتين الطبقتين، ومن هذه الطبقة ينشأ الدم والأنسجة الدهنية والأنسجة الرابطة، كما تنشأ من هذه الأنسجة الغضاريف والعضلات والأوعية الدموية والهيكل العظمي وأجهزة الدورة الدموية، وكذلك الأنسجة الداخلية التي تغطي الأقسام الداخلية للأعضاء . فجميع خلايا الأنسجة الموجودة في الجسم تنشأ من هذه الخلايا الأصلية .
من المهم جداً فهم الجملة الأخيرة والتفكير فيها وتقييم المعلومات الواردة فيها بشكل صحيح، إذ لا يمكن إدراك ومعرفة وفهم الأمر الخارق لظهور الإنسان إلا بهذه الطريقة .
إن تكون بنية الإنسان بأجمعها ( الأغشية والأنسجة والأنظمة والأوعية والدم ..)
من هذه الطبقات الثلاث التي تكون الجنين سيسوق كل إنسان مفكر ومتأمل إلى البحث عن جواب حول كيفية ظهور هذا العقل الخارق الظاهر في خلايا الإنسان .
وفي هذه الأثناء يجب عدم إهمال العديد من التفصيلات التي تزيد من إعجازية هذه التغيرات، فمثلاً يلاحظ وجود تفاهم وتناسق كاملين بين هذه الطبقات الثلاث من الخلايا، فنشوء أكثر من مئتي نوع من أنواع الجسم من ثلاثة أنواع رئيسية يحتاج ـ طبعاً ـ إلى ترتيب وتسلسل زمني معين . فمثلاً يوجد فرق واضح في الترتيب بين التغير الحاصل عند تشكل خلايا الجلد وهذا الوضع الخارق والمعجز يجلب معه أسئلة عديدة .
كيف تتحقق الفعالية المخططة للخلايا التي تعطي الشكل لجسمك ؟
لو تتبعنا الخلايا في هذه المرحلة فسوف نرى حركة مواصلات كثيفة بينهما . فالخلايا المتشابهة تماماً تبدأ بعد فترة بالتكاثر بعمليات الانقسام لتشكل بنى وتراكيب مختلفة فيما بينها، ولا يفهم سر حركة المواصلات والتنقلات هذه آنذاك، ولكن بمضي كل يوم يتضح أكثر فأكثر بأن حركات التنقل هذه ضرورية جداً لتحقيق الفعاليات بشكل مخطط ودقيق وضرورية لإنشاء جسم الإنسان. فالخلايا تتحرك كمجموعات مثل مجموعات العمال الذين يتوزعون في ساحة العمل، ثم تتجمع الخلايا التي تكون العضو نفسه معاً وتلتصق مع بعضها البعض وتتضاعف عدداً وتتهيأ لتكوين ذلك العضو، وفي نهاية هذه الفعاليات تتحول بعض الخلايا إلى عظام وبعضها الآخر إلى جلد وأخرى إلى عضلات .
تتجمع خلايا العظام في المواضع التي توجد فيها العضلات، وتتجمع خلايا أخرى في الأقسام الداخلية من الجسم لتكوين الأحشاء والأعضاء الداخلي في الإنسان، فبعضها بشكل الدماغ وبعضها العينين وأخرى الأوعية الدموية، وبمرور الوقت تلتحق بهذه المرحلة مراحل أخرى، مثل هجرة الخلايا إلى جهات مثبتة ومعينة وإنشاء الأعضاء بواسطة إهلاك مخطط لبعض الخلايا .. إلخ .
والخلاصة أن استراتيجية كاملة ودقيقة تطبق في أثناء عمليات التغيير هذه، حيث تتحرك الخلايا وتتصرف ضمن خطة معينة . وفي أثناء هذه التحضيرات تكون كل مجموعة من الخلايا قد ألهمت على حدة بكيفية تصرفها .
إن المعلومات المسجلة في جزئ DNA لكل خلية هي نفس المعلومات في جميع الخلايا، ولكن تقوم كل مجموعة من الخلايا باستعمال هذه المعلومات ضمن إطار الخطة الملهمة الها .
لذا يحصل كل عضو على البنية الخاصة به والتي تساعده على أداء مهمته الموكلة إليه .
وبينما تتمايز الخلايا بهذا الشكل ـ من جهة ـ يزداد عددها بعمليات الانقسام من جهة أخرى . لا يوجد في هذا التنظيم الدقيق مكان لأي فوضى، وبفضل هذه التحضيرات لتكوين القلب والعين والدماغ والذراع والساق وسائر الأعضاء الأخرى يبدأ جسم الإنسان بالتشكل شيئاً فشيئاً
حسناً ولكن من الذي يعطي هذا الأمر لهذه الخلايا الناشئة كلها من خلية واحدة مخصبة وكيف تستطيع هذه الخلايا المحرومة من العقل ومن الشعور فهم هذا الأمر وكيف تستطيع تطبيقه وتنفيذه ؟
قام العلماء بملاحظة أن الخطة الموضوعة لتحقيق تمايز الخلايا وحلولها في المواضع الواجب وجودها فيها مخزونة بشكل شيفرات في جزيئات DNAوهنا يواجهنا سؤال آخر وهو : من الذي وضع هذه الخطة الكبيرة والوسعة وبهذا الأسلوب الكامل والبديع في بنك المعلومات المجهرية في نواة الخلية بشكل جزيئات .؟
وحتى لو كانت هذه الخطة مدرجة ومكتوبة في جزئ الـ DNAفما هو العامل المؤثر الذي يمكن الخلايا من قراءة هذه الخطة هذه القراءة الدقيقة الخالية من الأخطاء ؟ كيف تستطيع خلية من مليارات الخلايا الموجودة في الجسم قراءة هذه المعلومات الهائلة الموجودة في بناء المعلومات في الـ DNA واستخراج كل خلية المعلومات الخاصة بها والقيام ـ بعد ذلك ـ بتغيير بنيتها حسب هذه المعلومات والأوامر ؟
فمثلاً : كيف تستطيع الخلايا الصانعة للعين معرفة أين تقف عند عمل شبكية العين وفي أي بنية أو تركيب تقوم بالإنتاج وفي أي مرحلة عليها أن تقف ؟ كيف تستطيع معرفة كل هذا ؟ أو لنأخذ الخلايا الصانعة للكبد والكلية والبنكرياس .. كيف تعرف خصائص هذه الأعضاء التي لم تعرفها من قبل . وكيف تغير نفسها وبنيتها حسب هذه الخصائص؟
وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه الخلايا عند قيامها بتكوين هذه الأعضاء عليها أن تضع أموراً عديدة نصب أعينها . فمثلاً عندما تتغير إحدى الخلايا كي تصبح خلية في الدماغ عليها أن تعرف وأن تضع في اعتبارها مسألة وجوب تغذية الدماغ والنظام العصبي وعملية تبادل الأوكسجين ووجوب اتصال الدماغ بكافة أنحاء الجسم بواسطة الأعصاب، منطقة ً منطقة ً وموضعاً موضعاً، وأن الدماغ ينقسم إلى مناطق عديدة منها منطقة للرؤية وأخرى للسمع وأخرى للإحساس أي يجب معرفة كل خواص الدماغ ووظائفه، كما على الخلايا الأخرى أن تحتاط ضد احتمال أي ضرر يصيب الدماغ، لذا تقوم بالإحاطة به وتكوين تركيب وبنيته يحفظ هذا الدماغ من أي ظروف سيئة عند الولادة .
ولكن كيف تستطيع هذه الخلايا أن تكون صاحبة مثل هذه النظرية البعيدة للمستقبل ؟ .
كل هذه الأسئلة تظهر بشكل واضح كيف أن ولادة أي إنسان معجزة كبيرة . ومن هنا نرى أن نظرية التطور ( التي تدعى أحياناً "نظرية النشوء والارتقاء " قد دخلت في مأزق، لأن أنصار نظرية التطور لا يستطيعون تقديم أي تفسير حول التعاون الجماعي المشترك الخارق للجينات الموجودة في الـ DNA عندما تقوم الخلايا بتكوين الأعضاء وتشكيل الجسم، لأن قيام الجينات (التي هي عبارة عن مجموعات من الذرات ) بمثل هذه الأعمال المنظمة والواعية عن طريق المصادفات مستحيل استحالة تامة . وبسبب هذه الحقيقة الواضحة نرى أن التطوريين يفضلون عدم التطرق إلى هذا الموضوع !
يقول العالم التطوري الألماني هوبمارفون ديتفورث حول التطور المدهش والمعجز الحاصل في بطن الأم :
كيف أمكن ظهور كل هذه الأعداد الكبيرة من الخلايا المختلفة نتيجة انقسام خلية البويضة الواحد؟ إن الظهور التلقائي للاتصالات والعمل الجماعي المشترك والمنظم بين هذه الخلايا هو في مقدمة الألغاز التي تشغل عقول العلماء " [4]
ويضع فلاناغان، مؤلف كتاب " بداية الحيارة " إشارات واستفهامات عديدة فيقول : " كيف يمكن النجاح في وضع مثل هذا التنظيم الصعب ؟ فما الذي يعين أين ستذهب هذه الخلايا وإلى ماذا ستتحول وماذا ستعمل ؟ وما الذي يجعلها تفهم وتعقل ما تفعله ؟ وما الذي يجعلها تعمل باتساق وتلاؤم مع الخلايا الأخرى ؟[5]
أما الجواب الذي أورده هذا الكاتب على أسئلته هذه فقط كان بعيداً عن أي تفسير لهذه الفعاليات الإعجازية ،فقد حاول تفسير هذه الفعاليات كما يأتي : " إن هذه الأسئلة تقودنا إلى أصغر جزيئة في الدنيا مختبئة بين الخلايا والتي تقوم بتكوين الجينات وتصنيع البرنامج والتخطيط الجيني . وبتقدم علم الأحياء فقط تم ولأول مرة إظهار بعض هذه الفعاليات وتفسيرها . لقد انفتح فجأة كتاب الحياة، ولكن مجرد بعض الصفحات المثيرة منه، فنحن لا نزال بعيدين جداً عن معرفة كامل القصة . من الواضح أن الخلايا تعمل بتناسق كبير فيما بينها، وهي تتكيف حالاً مع التعليمات الجينية ضمن هذا الحوار . وهذه التعليمات مخبوءة في الجينات على شكل شيفرات، ويظهر البرنامج الجيني في اليوم الأول من اتحاد خلية الأم مع خلية الأب، ثم يتم ـ بعد ذلك ـ استنساخ ونقل هذه البرنامج عند صنع أي خلية جديدة، لذا تحمل كل خلية في الجسم الجينات نفسها وتحتوي على البرنامج الجينيي نفسه . ولو كان هذا البرنامج فعالاً في كل وقت لقامت كل خلية باستنساخ خلايا تحمل صفاتها، ولكن ليست جميع الخلايا فعالة على الدوام . ويمكنكم تخيل هذا الأمر كما يأتي : لنفرض أن هناك مجموعة من الناس يشتركون في تخطيط معقد لبناية كبيرة جداً . ولا بد من تعاونهم في هذا الأمر . كل شخص فيهم يعرف التخطيط الأساسي ويعطي إشارات من الآخرين، ويستطيع كذلك الإجابة عليها لتأمين تنفيذ التخطيط بشكل جماعي .[6]
من الواضع مما اقتبسناه أن المؤلف يقول بأن الخلايا تبدأ بالتمايز والاختلاف عن بعضها البعض، حيث تتصدى كل مجموعة منها لوظائف مختلفة، وأن البرنامج الجيني هو الذي يوفر الحركة الانسيابية والانسجام فيما بينها ضمن خطة معينة . وهذا صحيح، فقد أدمج داخل كل خلية برنامج كامل لا نقص فيه . ولكن المهم هو : من الذي عمل هذا البرنامج الكامل الخالي من القصور وزرعه داخل الخلايا ؟ لأن البرنامج المذكور هنا ليس برنامج عادياً كبرامج الحاسبات، فهو برنامج تطبقه خلايا تعمل ـ في النهاية ـ على تشكيل إنسان يملك مليارات الخلايا ونظماً معقدة متداخلة فيما بينها ،إنسان له تركيب معقد يرى ويسمع، ويشعر ويفكر ويتخذ القرارات، ويسعد ويتألم، ويحس بالجمال ويتذوقه، ويستطيع هذا الإنسان فحص جزيئات DNA العائدة إليه والتواصل إلى نتائج معينة . ثم إن قيام خلية مشكلة من مجموعة من البروتينات بفهم مثل هذا البرنامج المعقد والشعور بضرورة التصرف حسب هذا البرنامج وتنفيذ كل مرحلة من مراحل بحذافيرها يعد ـ بحد ذاته ـ معجزة كبيرة .
لذى نرىأن أحد أنصار نظرية التطور المعروفين ( وهو رتشارد داروكنز ) يبدو بلا حول ولا قوة أمام العمل الجماعي المشترك للجينات التي تحمل البرنامج الجيني للإنسان حين يقول : " عند نمو الجنين نرى وجود شبكة من العلاقات العديدة المعقدة بين الجينات بحيث نرى من الأفضل عدم التطرق إليها أو المساس بها .[7]
لقد أدرك داوكنز بأن العلاقات الموجودة بين الجينات الموظفة في أثناء معجزة خلق الإنسان والقابليات المدهشة والخارقة التي تظهرها هذه الجينات لا يمكن وجودها عن طريق المصادفات، كما لا يمكن تفسير مثل هذا النظام المعقد والمتشابك بآلية التطور، ولذا اضطر إلى مثل هذا الاعتراف . غير أنه يتجاهل نقطة مهمة، وهي أن استحالة المصادفات هنا لا تظهر فقط في سلسلة المعجزات الجارية في أثناء نمو الجنين بل تظهر حتى عند تكون عضو واحد، بل حتى في خلية واحدة فقط .
إن خلية واحدة متكونة في رحم الأم تتحول في ظروف تسعة أشهر إلى إنسان يرى ويسمع ويشعر ويتنفس ويفكر، ويتحقق كل تفصيل من تفصيلات هذا التحول ضمن خطة كاملة وبديعة والشيء المثير أن هذه المعجزة مستمرة منذ ملايين السنوات بنفس الكمال والدقة .
أما أنصار التطور يدَّعون أن هذه العملية الإعجازية تتم بقرارات صادرة من الذرات العديمة الشعور التي كّونت خلايا الإنسان عن طريق المصادفات، ففي أحد الأيام ( كما يتخيلون ) صدر قرار من هذه الذرات بالتجمع معاً وكونت أعضاء لم تشهدها ولم تعرفها من قبل ! وقد استغرقت هذه الادعاءات غير المنطقية واستولت على أفكارها إلى درجة أنهم لا يستبعدون قيام هذه الذرات غير الواعية بتقاسم الأعمال ومعرفة كل ذرة منها إلى أي مكان في الجسم يجب التوجه إليه لتكوين أعضاء جسم الإنسان، وأنه لم يحصل هنا أي تدخل خارجي بل ثم كل شيء تلقائياً ونتيجة المصادفات العمياء، وأن الذرات والخلايا تعرف كيفية إنجاز كل عملية على أحسن وجه وتتخذ قراراتها بنفسها وتستطيع تكوين وإنشاء الجسم الكامل للإنسان دون أي خطأ أو قصور . ومع أنهم لا يوافقون على وصفنا هذا لمزاعمهم، إلا أن الادعاءات التي يسوقونها تنتهي ـ في الحقيقة ـ في نهاية المطاف إلى هذا المفهوم وإلى هذا المعنى . وهنا يظهر كيف أن التطوريين يواجهون في هذه النقطة هزيمة منطقية كبيرة .
إن كل جزئية وكل تفصيل من التفصيلات التي أوردناها حتى الآن والتي سنوردها فيما بعد تثبت وتبرهن ـ خلافاً لادعاءات التطورين ـ استحالة تكون وتحقق أي مرحلة من مراحل الإنسان وتكامله عن طريق المصادفات . ففي هذه العمليات الخارقة لا يمكن التحدث عن جهود الخلايا أو الجزيئات والذرات التي تكون هذه الخلايا، بل تتم هذه العمليات وأجمعها بأمر " كُن" الصادر من الله تعالى صاحب القدرة اللانهائية :
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر:67)

منقول