تسير الحياة بسرعة دون أن تترك الوقت الكافي للعناية بتربية الطفل وصحته، فيترك الإهمال آثاراً سلبية على سلوك الطفل تجاه القضايا الحياتية واليومية في الأسرة.
وتطرح في هذا الشأن أسئلة مهمة تحاول إيجاد تفسير لهذه الظواهر والمشاكل، تبرز المشكلة التربوية ضمن هذه المشاكل التي لا تحصى لتوضح العلاقة المفترضة الكامنة بينها والعملية التربوية، ليس لأن الظروف المادية الحسنة تكون مصدر راحة الأسرة وسعادتها، ولا لأنها المرجع في كل شيء، بل لأنها تدخل ضمن الوسائل التربوية المخصصة للطفل، كما أن لتداول ومناقشة الأمور والحيثيات المتعلقة بهذه المشاكل في الوسط الأسري انعكاسات على تربية الطفل ونفسيته، وتعيش الأسرة بأمان دون متاعب، كذلك الطفل
ويصبح الحديث في المادة والمعيشة مستساغاً لا ضرر فيه، إلى أن تدخل الأسرة في صعوبات مادية، ويتطلب منها شد الحزام، وتصبح تعابير «الراتب، نهاية الشهر، انتهاء الفلوس، لا نستطيع شراءه الآن..»، شائعة في جو الأسرة التي كانت حتى زمن قريب تعيش في رفاهية. فتشكل هذه التعابير صداً سلبياً لدى الطفل الذي لم يتعود بعد على التقشف وحياة الشح، ويصبح القلق هاجسه، فما الحل أمام هذه الهواجس التي يعاني منها الطفل، جراء الحاجة أو قلة المورد؟ هل نحدثه عنها؟ كيف نبدأ، ومتى؟ عندما تبدأ الهموم المادية في الظهور منذ بدايتها وما يخلفها من قلق للأسرة، ونتائج مضرة بالنمو الجسدي والفكري لدى الطفل، فإن الأمر يحتم المجاهرة والمناقشة، ولكن ليست بطريقة عشوائية، نتحدث عنها متى ما نشاء وكيفما نشاء.
وفي كل الظروف والأسباب، ولأن الصمت وعدم التحدث لا يزيد إلا من قلق وهواجس الخوف من المستقبل لدى الطفل، الذي يتخيل في كثير من الأحيان انه السبب وراء هذه المشاكل والهموم.
ويبدأ برسم خيالات وتصورات وعمل سيناريوهات في نفسه ولنفسه بعيدة عن الواقع، وهنا تتحدث مدام بلرين، إحدى اختصاصيات تربية الطفل في جامعة باريس عن القاعدة العملية للتحدث مع الطفل في الأمور المادية ومشاكلها، تقول: «يجب ألا نعتبر الطفل ذلك الصديق الحميم والموثوق به، فنحدثه عن كل شيء ونحاوره في كل شيء ونبني علاقة متساوية معه، فنقع في الخطأ الأكيد، يجب اختيار الوقت المناسب واختيار الموقف المناسب للحديث عن المشكلة المادية أمام الطفل بالرغم من فضوله ومحاولاته لمعرفة كل شيء، ولمعرفة ما يدور في الخفاء».
فالمهم كما تؤكده الدكتورة بلرين «عدم الاسترسال في الحديث المادي أمام الطفل..».وليس بالإنجاز الكبير أن يوفر الوالدان الأمن والأمان لأطفالهم، وإنما نجاحهما يكمن في معرفة أسباب تشاؤم الطفل ويأسه أمام الغموض الذي يكتنف حياة والديه، والعجز الذي يعانونه أمامه والصعوبات المادية في الحياة اليومية، وإبداء المزيد من الحذر في اختيار الكلمات لمخاطبتهم «فبإمكان الأب القول: إنه يبحث عن حل، بدلاً من القول إن لديه مشكلة..».
وهكذا فإن الدقة في اختيار كلمات المخاطبة والحديث لها تأثيرها الإيجابي في طمأنة الطفل عما يحدث للأسرة، وإحساسه بأن والديه لن يخبئا عنه شيئا.