دراسة حول أهمية العلاج الجراحي المحافظ في علاج القدم السكرية
د. علي محمود - أخصائي جراحة عظمية
إذا كانت كلمة Diabetes تعني عند أرسطو »يركض ما بين« كناية عن سعي المريض الدائم إلى الشرب والتبول، وإذا ذكرَ ابن سينا الداء السكري على أنه »الدوارة والدولاب« فإن مريض السكري وبعد فترة من إصابته يركض كدوارة ودولاب ما بين اختلاط وآخر (اعتلال أعصاب وأوعية محيطية، الأذية الكلوية، اعتلال الشبكية، الاختلاطات القلبية الوعائية، اختلاطات هضمية وجنسية… إلخ) غير أن الاختلاط الأكثر قابلية للوقاية بالضبط والتثقيف الصحي الجيدين هو القدم السكرية.

هدف الدراسة:

تبيان أهمية العلاج الجراحي المحافظ في علاج الأقدام السكرية رغم صعوبته غير التقنية وذلك بغية الإقلال قدر الإمكان من العلاج الجراحي الجذري. طريقة الدراسة:

تمت الدراسة بشكل راجع على ’’34‘‘ مريض سكري تتراوح أعمارهم ما بين (45-75 سنة) حيث يتم علاجهم ومتابعتهم لفترات تتراوح ما بين (1-6 أشهر) في المرحلة الأولى مع مراجعات دورية خلال العشر سنوات الماضية (1995-2005). كانت المتابعة ما بين العيادة وبعض المشافي العامة (المواساة ـ الأسد الجامعي ـ تشرين العسكري) كذلك بعض المشافي الخاصة (الخميني ـ يافا ـ الحريري). القواعد الأساسية للدراسة:


أولاً: الخطوة الأولى والمتبعة في التشخيص لأي قدم سكرية مصابة كانت الفحص الوعائي وهنا يتم تقسيم المرضى إلى فئتين:
أ - مرضى مصابين بقرحات مع نبض مجسوس بشكل جيد ويتم تمييزها عن القرحات الوعائية وتتم المعالجة فوراً.
ب - مرضى مصابين بقرحات مع غياب أو خفوت واضح للنبض وهنا تتم استشارة أخصائي الأوعية الدموية لإجراء الاستقصاءات السريرية والتقنية اللازمة. هؤلاء المرضى مرشحون لإجراء مجازات وعائية لتأمين التروية الدموية وهذا بدوره كفيل بتحسن وضع القرحة مع التذكر هنا بضرورة تجنب الأدوية المقبضة للأوعية والتأكيد بعدم فعالية الأدوية الموسعة (لم تثبت فعاليتها).
ثانياً: تحديد فيما إذا كان المريض بحاجة لدخول المشفى أو المتابعة في العيادة فإذا كان المريض بحاجة إلى ضبط سكر الدم مع ضرورة تناول الصادات الوريدية كان التوجه نحو المشفى.
ثالثاً: يتضمن العلاج العام ضبط محكم للسكر مع إجراء حمية صارمة وتغطية واسعة بالصادات (ثلاثية)، مع تغيير طريقة الضماد المتبعة. إضافة لذلك يجب التركيز على العامل النفسي للمريض فهذا يساعد في ضبط السكر وتحسين مناعة المريض مع إجراء الرياضة الممكنة (تمارين فاعلة ومنفعلة لمنظم مفاصل وعضلات الجسم). إن الحصول على ثقة المريض والإقلاع عن التدخين لأمرٌ مهم في العلاج.
من الجدير ذكره هنا أن الإنتان الشديد يعني ارتفاع شديد في قيم سكر الدم والعلاج الجراحي المحافظ والناجح مع علاج دوائي جيد قد يجعل من مستوى سكر الدم تحت السيطرة، كذلك فإن فرط سكر الدم الشديد يعني نقصاً في مقاومة الإنتان ومن هنا تكمن أهمية الضبط الجيد لسكر الدم من خلال العلاج الدوائي والحمية الصارمة.
رابعاً: يتضمن العلاج الموضعي التنضير الذي يعتبر أفضل علاج يمكن أن يقدم عندما يكون تروية القدم جيدة ويجب أن يكون التنضير هجومياً في المرحلة الأولى بحيث لا نسمح بوجود أنسجة متموتة ومتنخرة حتى ولو كانت وترية أو عظمية (التنضير الهجومي يعني أيضاً الحفاظ وبقوة على الأنسجة الحية المحيطة مهما كانت صغيرة).
يجب أن لا يكون التنضير جائراً على الصفاق الأخمصي منعاً لحدوث تسطح في القدم كذلك عدم رض الأنسجة الحية المحيطة بالأدوات الجراحية مع ضرورة أن يكون الشق المجرى للخراجة كافياً بحيث لا تبقى أية جيوب لا تسمح بالشفاء أيضاً يجب التضحية بالأنسجة المتموتة والمتنخرة سواء كانت في الجلد أو الأوتار أو العظام دون الخوف على مستقبل القدم مع ضرورة الوصول إلى الأنسجة الحية.
بعد ذلك يجرى الضماد مرتين في اليوم حيث لا يفضل ترك الضماد لفترة طويلة كي لا نسمح بالنمو الجرثومي ويجب أن يكون رطباً ونفوذاً يسمح بتنفس الجرح وعند تحسن الحالة يصبح مرة واحدة في اليوم.
كجزء أساسي في العلاج الموضعي يجب تخفيف الضغط الميكانيكي على القدم من خلال رفع وزن الجسم عنها برفع الطرف المتأذي ومنع الاستناد عليه واستخدام العكاز واستخدام قوالب الجبس تامة التماس مع أحذية مناسبة وهنا يجب أن نراقب أماكن الضغط أثناء العلاج كالبروزات العظمية وأهمها العقب والكاحل.
خامساً: في حال اعتماد العلاج الجراحي المحافظ كمنهج عملي يجب أن نعتمد مبدأ الجراحات الصغيرة أثناء كل ضماد من خلال التطهير الجيد والتنضير اللازم لمنع بقاء أية أنسجة متموتة واعتماد التنضير من المركز نحو المحيط وليس بالعكس وذلك لضرورة الحفاظ على أية أنسجة حية مهما كان حجمها.
سادساً: تم اعتماد مطهرات عديدة من خلال طيف واسع امتد من الماء الأوكسجيني والكحول والبوفيدون وحمض الخل وصولاً إلى السيروم المالح غير أن التجربة أكدت عند معظم المرضى أنَّ شلالاً مستمراً خلال الضماد من السيروم المالح بعد تطهير بسيط بالبوفيدون مع ترك ضماد رطب بالسيروم وتركيز خفيف من حمض الخل أعطى نتائج مذهلة وهنا يكون تأثير السيروم المالح عظيماً من خلال الجرف المستمر بالغسل وكذلك من خلال تركيزه العالي وأيضاً هناك دور مغذي للأنسجة.
إنَّ استخدام أي نوع من المطهرات السابقة يعتمد على درجة الأذية وهنا توجد قاعدة ذهبية تقول ’’لا تضع على قدمك سائلاً لا تضعه على عينيك‘‘ من جهة أخرى فإن وجود تموت مع شك بوجود جراثيم لاهوائية يتطلب منا استخدام مطهرات مخرشة إلى حد ما.
في حال حدوث اختلاف حول استخدام هذا المطهر أو ذاك فإنَّ الثابت أن السيروم المالح هو السائل المستخدم في كل الحالات مع ملاحظة أن المغاطس لم يكن لها نتائج مرجوة من خلال التجربة على بعض المرضى وفي بعض الحالات.
سابعاً: يوجد لدى معظم المرضى اعتلال عصبي واضح وهذا لا يتطلب إجراء تخدير موضعي أو عام لكل ضماد نجريه مع ضرورة إجراء كل التحاليل والاستقصاءات والاستشارات في البداية تحضيراً لأي تخدير يمكن أن يجرى للمريض مستقبلاً. مع ضرورة عدم إجراء أي تدخل على المريض تحت وطأة الألم في حال وجوده. وهنا نؤكد على أن غياب الإحساس يجعل من الأقدام التي شفيت عرضة لإصابة مستقبلية وهذا بدوره يؤكد على ضرورة الفحص الدوري للأقدام والتوعية مع تغيير نمط الحياة.
ثامناً: إنَِّ حالة عامة سيئة لمريض سكري مع قدم سيئة كوجوده قرحة ملتهبة مرافقة لالتهاب واسع في النسيج الخلوي لا يعني قراراً سيئاً ونقصد هنا البتر فوجود تروية جيدة للطرف مع ضبط جيد للسكر والالتهاب ومتابعة يومية للقدم قد يغير وفي معظم الحالات القرارات السابقة وأحياناً خلال فترة قصيرة.
تاسعاً: إن عدم وجود مراكز تخصصية لعلاج القدم السكرية وعدم وجود تعاون بين الاختصاصات التي تتناول هذا الموضوع من أخصائي الغدد إلى الأوعية والجراحة العامة فجراحي العظمية وليس القصد هنا التعاون الشخصي وإنما عدم وجود شبكة بحثية ناظمة تربط بين جميع الاختصاصات سواء ضمن المشفى أو خارجه يجعل من هذه الدراسة دراسة شخصية نرجو من خلالها أن تكون لبنه من لبنات الاهتمام بالقدم بشكل عام وبالقدم السكرية بشكلٍ خاص.
عاشراً: إذا كان استطباب البتر سُيتَخذ فإنَّ قرار البتر قد أُعلن في نفس الوقت على الطرف وعلى كل الاستطبابات الأخرى.
يجب التأكيد هنا على ضرورة إجراء كل ما يلزم قبل اتخاذ هذا القرار الصعب.
من الجدير ذكره هنا أن مريض البتر في البلدان الغربية ينال اهتماماً خاصاً ابتداءً بأخصائي القدم ومراكز معالجة الأقدام السكرية وانتهاءً بالطرف الصناعي المختار على خلاف ما يناله مريض البتر في مجتمعنا من بترٍ لعواطفه وحركته وآماله. المواد والطرق المستخدمة:


12 أنثى22 رجلتمت الدراسة على (34) مريض.35.3%64.7%: أي ما نسبتهتراوحت الأعمار بين 45-75 سنة وكان متوسط الأعمار 60 سنة.
تم فرز المرضى إلى مجموعتين:
أ - مجموعة النبض الغائب أو الخافت بشدة (المقصود هنا نبض شريان ظهر القدم أو الظنبوب الخلفي وعددهم (7) حيث تم إرسالهم إلى أخصائي الأوعية الدموية.
ب - مجموعة النبض الجيد. وضعت هذه المجموعة وعددها (27) مريض على الأسس العشرة المذكورة سابقاً.
كانت الإصابة أحادية الجانب في (25) حالة وثنائية الجانب في حالتين (2).

7.4%92.6%
أي ما نسبته
حدثت الإصابة في الطرفين كلٌ على حده عند ستة مرضى (طرف مصاب وأخر سليم) أي ما نسبته 22.22% 3 عند نفس الأنثى 2 عند نفس الرجل أما حالات النكس فكانت خمسة أي ما نسبته 18.5%
في البداية تم تحديد مكان العلاج هل هو في المشفى أم في العيادة مع تطبيق علاج صارم في كلتا الحالتين من خلال الضبط الجيد للسكر والحمية المناسبة ووضع بروتوكول دوائي فموي أو وريدي مناسب مع الامتناع عن التدخين ورفع الطرف لتخفيف الضغط الميكانيكي والقيام بتمارين فاعله ومنفعلة ونيل ثقة المريض.
هذه العوامل مجتمعة تساعد في ضبط حدثيتين مهمتين هما ارتفاع سكر الدم والإنتان.
العامل الثاني والمهم هو التنضير من خلال ضماد واسع وقد يكرر مرتين في نفس اليوم وفق الأسس التالية:
1. تطهير جيد وواسع وغير مخرش إلا في حالة الإنتان الشديد يمكن عندها استخدام مطهرات مخرشة كالماء الأوكسجيني.
2. الغسيل المستمر بطريقة الشلال خلال فترة التنضير.
3. التنضير من الداخل نحو الخارج مع ضرورة الحفاظ على الأنسجة الحية.
4. الضماد الرطب والنفوذ.
5. أهم المطهرات المستخدمة هو السيروم المالح ويمكن وضع القليل من حمض الخل على الجرح في أخر الضماد في حال الشك بوجود لاهوائيات ويمكن عندها استخدام الماء الأوكسجيني في البداية بعد التطهير بالبوفيدون.
6. عدم استخدام المطهرات المخرشة في الأخماج الخفيفة وكذلك عند تحسن الأخماج الشديدة.
هناك اثنا عشر حالة (12) ما نسبته 44.4% من الحالات السابقة قد تقرر فيها البتر لكن تطبيق هذه الطريقة التي أخذت زمناً وجهداً طويلين وكافيين كان الكفيل برؤية مرضى يمشون على أقدام تقرر بترها.
لقد تم بتر خمسة أصابع عند هذه المجموعة.
إصبعان عند نفس المريض.
ثلاثة أصابع عند ثلاثة مرضى.
لقد كان الشفاء من نصيب هذه المجموعة (ب) بعد متابعة شاقة وطويلة لكل مريض كانت تأخذ في بعض الأحيان ستة أشهر متواصلة.
كل هذا يتطلب وجود مراكز متخصصة أو في الحدود الدنيا وجود فريق متعاون وخلاف ذلك يجعل من الاستطباب أحياناً عرضةً لأن يكون عاطفياً بغية إراحة المريض ومحيطه العائلي والطبي.
مناقشة:

لا شك فإن علاج الأقدام السكرية هو علاج مكلف.
فقد يكلف المريض طرفه في حال إقرار الجراحة الجذرية (البتر).
أما في حال تقرر العلاج بالطريقة الجراحية المحافظة فالعلاج سيكون مكلفاً على المريض ومحيطه مادياً وزمنياً وقد تعرضه لعمليات تنضير عديدة قد يفقد خلالها مفصلاً أو وتراً أو جزءاً من عظم.
تعتبر أقدام مرضى السكري أقدام مريضة طيلة الحياة وخاصةً تلك الفاقدة للحس حيث يتطلب علاجها وشفاؤها جهداً مريراً وتكلفةً باهظة ومن هنا تأتي أهمية تضافر الجهود لإعطاء هذا الموضوع الأهمية الكافية وبدون ذلك تبقى الآراء شخصية والدراسات غير وافية لكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.