التصنيفات
صحة المخ والجهاز العصبي

عمر الدماغ

مع نمو قريتنا العالمية، تزداد رغبتنا وتوقعاتنا بالحصول على المعلومات فوراً، ومع هذا النمو في عصر التكنولوجيا وانبلاج فجر “مجتمع المعلومات الفورية” الجديد، أضحت قدرتنا على قياس أدائنا جسدياً وذهنياً ممكنة وسهلة. فعلى سبيل المثال، إذا أردنا معرفة المسافة التي نقطعها ركضاً أو مشياً، يمكننا استخدام أداة تحديد مواقع شخصية، التي تستطيع أيضاً مراقبة معدّل دقات قلبنا، وسرعتنا، وعدد خطواتنا باستمرار، وإضافة إلى هذا يمكن تحميل كل هذه المعلومات فوراً عن بعد على حاسوب، وتصبح هذه النتائج جاهزة في دقائق ويمكن طباعتها، أو مراجعتها عن بعد من قبل كل من يستطيع الولوج إلى هذا البرنامج.

لقد وصلت التكنولوجيا مرحلة تبدّلت فيها طريقة معرفتنا أداءَ شخصٍ فيسيولوجياً في أثناء نشاط معين، ومشاركة هذه المعلومات على نطاق واسع عن طريق حصولنا على معلومات شخصية وتخزينها ونقلها.
فيما يتعلق بفحص قدرة المرء المعرفية، هناك بالتأكيد طرق يستطيع بها الشخص قياس قدرة أساسية.

مثلاً، هناك عدّة برامج حاسوبية ومواقع إلكترونية ستفحص القدرات المعرفية في مجالات عديدة (مثال: الذاكرة، المفردات لغوية، الإدراك). إضافة إلى اختبارات عن الإنجاز المعرفي، هناك أيضاً برامج تجارية متوافرة يمكنها تحديد أنماط نشاط الدماغ في أثناء تنفيذ مهمات معرفية، ومع التطوّرات في العقود القليلة القادمة، قد يصبح قيام فرد بمهمة مراقبة أنماط نشاط دماغه من بعيد ممكناً.
مثلاً، في حقل علم الوراثة، يستطيع العلماء الآن ترتيب سلسلة مورثات الناس برمّتها، التي يمكن أن تساعد في تحديد أي أمراض قد يكون الفرد عُرضة للإصابة بها؛ وقد كان يُظنُّ أن هذه التطوّرات غير ممكنة قبل عقدين فقط. على نحو مشابه لتطورات السلسلة الوراثية، يمكن لتطورات تصوير الأعصاب، إلى حد معين، أن تفحص أنماط نشاط الدماغ للاستفادة منها في فهم القابلية المسبقة لإصابة الفرد بخلل وظيفي/معرفي، أو وجود استعداد مسبق للإصابة بأمراض معينة.

إضافة إلى هذا، لا يبدو من غير الوارد التفكير في أن مراقبة أنماط الدماغ في المستقبل في أثناء قيام الناس بأعمالهم أو نشاطاتهم اليومية قد يحدّد، مثلاً، أوقات اليوم الأكثر إنتاجية، أو الأوقات التي ينبغي أن يأخذ فيها المرء استراحة، أو متى يكون الفرد في حالة تجعله أكثر عُرضة لارتكاب أخطاء.
قد يكون تحديد القضايا الفيسيولوجية قبل أن يفهم الفرد بنحو واعٍ حدوده، أو حدودها، مهماً جداً، وأنا واثق أنك تستطيع التفكير بعدّة مهن قد تستفيد من هذا النوع من التكنولوجيا (مثال: ربابنة الطائرات، مراقبو الحركة الجوية، الجرّاحون). القصد أن هناك الكثير مما يمكن تعلّمه عن الدماغ، خاصة عن تقدم العمر والدماغ اليافع، وهذا أكثر أهمية من ذي قبل؛ لأن مأمول الحياة قد ازداد كثيراً، والبشر يعيشون ضعف ما كانوا يعيشونه قبل قرن.

أصبح تقدّم عمر الدماغ، ببعض الطرق، اهتماماً جديداً بدأ في القرن الحادي والعشرين، وأصبح فهم طريقة تدبّر قضايا الدماغ المرتبطة بتقدم العمر، لا مخاوف تقدم العمر المرتبطة بقدرات المرء الجسدية فقط، قضيةَ (مثار قلق) كثيرين. يمكن التفكير بظهور هذا الدماغ العجوز الهَرِم، في بعض الحالات، على أنه حقل غير مستكشف، وستكون محاولة فهم الدور الذي يلعبه ستة وثمانون مليار عصبون (أقل بنحو أربعة عشر ملياراً مما يُظنُّ عموماً) مع تقدم الإنسان بالعمر، إضافة إلى إيجاد صلات عصبية ناجحة والحفاظ عليها في أثناء عملية التقدم بالعمر، مهمة ضخمة لم يسبق لها مثيل.

بالرغم من أن هذه المهمة كبيرة، إلا أن هناك أعداداً متزايدة من علماء الأعصاب الذين يعملون على فهم دور الدماغ في كل مجال يستطيع المرء التفكير به تقريباً، وتُخرّج الكليات الآن تحديداً مختصي عصبية يركّزون تماماً على فهم عمليات الدماغ الداخلية، وفيها الوظائف، والقدرات، والحدود… إلخ.

كذلك، عندما أقترح أننا نعيش في “عصر دماغ”، أعني أننا نعيش في عصر يكون فيه فهم وظائف الدماغ واستجابته لأحداث كثيرة في طليعة وعي مجتمع بأسره، ويبدو أنه يتسلل إلى أيامنا بطرق قد يكون أفراد كثيرون غافلون عنها. لقد ألهمت هذه العملية موجة جديدة من الباحثين وأثارت توقاً إلى فهم المزيد عن قدرات دماغنا، أو حدوده. مع تقدم العمر بالمجتمع العالمي، سيحدّد البحث عن طرق للحفاظ على أداء المرء المعرفي طريقةَ إدارة أموال الأبحاث ولاحقاً برامج الأبحاث، التي ستسعى إلى تقديم إجابة عن طريقة حفاظ الفرد على دماغ صحي وأداء معرفي جيد في الشيخوخة.
في سياق عصر الدماغ هذا، سأراجع بعض الموضوعات التي تصف الطريقة التي كوّن بها هذا التركيز الجديد على صحة الدماغ اهتماماتنا الحالية بالأبحاث، وبالرغم من ضرورة فهم المخاطر المرتبطة بتقدم العمر، إلا أنه من المهم أيضاً التأكيد على السمات الإيجابية لتقدم العمر والطريقة التي قد لا يؤثر بها ذلك على المرء كما يُتوقّع. أولاً، سأصف قصة “المعمّرين الخارقين” وكيف أظهرت أبحاث أن أدمغة هؤلاء الأفراد لا تعمل وفقاً لأعماره2. ثانياً، سأراجع بحثاً يفحص سمات تقدم العمر والتكنولوجيا، وينظر خاصة في ما يُطوّر لدعم أفراد طاعنين في السن وكيف ستغيّر هذه الأدوات الجديدة المستقبل.

تقدم عمر دماغ استثنائي

بالرغم من أن الوقت (تقدم العمر) ضارٌّ لكثير من العمليات الفيسيولوجية، ومنها الدماغ، إلا أنه ليس كذلك دائماً. في الواقع، لقد وثّق باحثون مجموعات فرعية من أفراد متقدّمين بالعمر تعاكس المعرفة التقليدية القائلة إن تقدم العمر يعني “خفض قدرة الدماغ”.

لقد عُرّف هؤلاء الأفراد فعلياً على أنهم “معمّرون خارقون”. تاريخياً، هناك فهم متفق عليه أنه عندما يتقدم شخص بالعمر يصبح عُرضة لتراجع أو خفض كبير في القدرة المعرفية، لكن هذه ليست الحال بالضرورة، ويحافظ بعض الأفراد فعلاً على أداء معرفي ممتاز في سنواتهم الأخيرة.

عند سؤالهم، يظن أفراد كُثر أن التقدم بالعمر يعني انحداراً كبيراً في القدرة المعرفية، وقد تسمع شخصاً يقول: “لقد بلغت سن التقاعد”. فيما يتعلق بالبعض، قد تكون هذه في الواقع تجربة إيجابية، إن كانوا من المعمّرين الخارقين، لا الحلقة السلبية التي يقصدها بعضهم بهذه العبارة.
ركّزت دراسة المعمّرين الخارقين على اثني عشر فرداً معدّل أعمارهم 83.5، زائداً أو ناقصاً 3 سنوات، وقد قُورن هؤلاء الأفراد بعشرة أشخاص بعمر مشابه – 83.1، زائداً أو ناقصاً 3.4 سنوات – وأربعة عشر فرداً متوسطي العمر معدّل أعمارهم 57.9، زائداً أو ناقصاً 4.3 سنوات. اختُبر كل الأفراد في عدد من اختبارات الذاكرة، وقيس نشاط أدمغتهم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي لتحديد مستوى سماكة القشرة لكل مجموعة.

من المثير للاهتمام أن أداء المعمّرين الخارقين كان عند مستوى مشابه للأفراد في منتصف العمر في اختبارات تتعلق بالذاكرة (مثال: ذاكرة أحداث الحياة، والأوقات، والأماكن) وأفضل كثيراً من غيرهم في العمر نفسه، وما كان جديراً بالملاحظة أيضاً أنه عندما قاس باحثون سماكة قشرة كل الدماغ (حجم الدماغ)، اكتشفوا أن المعمّرين الخارقين يتمتعون بمستوى سماكة قشرة مشابه لأفراد في منتصف العمر، الذين كانوا بالمعدّل أصغر ثلاثين سنة تقريباً.

هذا لافت للنظر؛ لأنه، نموذجياً، عندما يتقدم الأفراد بالعمر ستخسر أدمغتهم غالباً من سماكة القشرة (ينخفض حجمها)، في الواقع أظهر الأشخاص العشرة الإضافيون بمعدل عمر 83.1 سنة انخفاضاً في سماكة القشرة.

أول افتراض قد يظنه المرء أن هؤلاء المعمّرين الخارقين قد تمتّعوا دائماً بذاكرة ممتازة، إضافة إلى مستويات تعليم متفوقة. على كل حال، لاحظ الباحثون أن المعمّرين الخارقين لم يكونوا يتمتعون بمهارات متفوقة حين كانوا أكثر شباباً، ولم يحصل إلا أربعة فقط من الاثني عشر على إجازة جامعية.
كل ما تقدم، يترك أسئلة كثيرة من دون إجابات متعلقة بطريقة حفاظ هؤلاء الأفراد على أفضليتهم البيولوجية والمعرفية، وبالرغم من أن طريقة إنجاز هذا مهمة بالتأكيد، إلا أن الأكثر حسماً هو إمكانية إنجازه فعلاً.

إن كنت تبلغ من العمر ثمانين سنة، سيكون مفيداً تماماً من دون شك أن تكون معمّراً خارقاً، وهذا أمر ليس بعيد المنال كما تخيّل المرء سابقاً. لاحظ أنه من الممكن بالتأكيد الحفاظ على قدرة معرفية حين تكبر، ولا ينبغي للمرء أن يتوقع، أو يقبل، فقدان قدرات معرفية مع تقدم العمر.

تقدم العمر والتكنولوجيا

بالنسبة إلى بعض الأفراد، قد لا تكون قدرة الحفاظ على أداء معرفي ممتاز خياراً حقيقياً، لأسباب عديدة (مثال: إصابة، مرض). على كل حال، في عصر التكنولوجيا المتطوّر دائماً الذي نعيش فيه، ابتكرنا حلولاً إلكترونية تحسباً لفشل الدماغ في العمل وفقاً لمعاييرنا المرغوبة، والتحدّي الحقيقي لكثير من المطوّرين والمصممين هو تقديم أنظمة سهلة الاستخدام لأفراد كبار في السن.

قد يظن المرء أن أفراداً عجائز يمانعون التعلّم وفهم أدوات مساعدة حاسوبية أو تكنولوجيا جديدة عموماً. على كل حال، دلّت أبحاث أن هذا ليس صحيحاً، وأن الأشخاص المتقدمين في العمر لا يعانون “خوفاً من التكنولوجيا”، وهم أكثر تقبلاً لتعلّم تكنولوجيات جديدة مما كان يُظنُّ تقليدياً. إن أساس نجاح تقديم أدوات مساعدة إلكترونية وحاسوبية جيدة لأفراد متقدمين بالعمر هو ضمان استخدامها بفاعلية، ويُقترح أيضاً أن أفراداً طاعنين في السن ينبغي أن يحصلوا على وقت تدريب إضافي ليتعلّموا طرق استخدام تلك الأدوات بأفضل السبل. إضافة إلى هذا، ينبغي أن تكون هذه الأدوات سهلة الاستخدام قدر الإمكان، ابتداءً من كتيب واضح وفاعل يحدّد ميزات المعدّات جيداً.
تبدو الأجهزة التي ينبغي أن تكون متوافرة لمساعدة أفراد متقدمين بالعمر محدودة بمخيلتنا فقط. إحدى أكثر الأجهزة إثارة للاهتمام، وتضم عدّة أدوات صغيرة مدمجة، هي تكنولوجيا “المنزل الذكي”، والدور المنوط بهذا المنزل هو ضمان سلامة واستقلالية الساكن.

قد يضم المنزل الذكي تكنولوجيا تراقب استقرار الساكن باستخدام حسّاسات مثبّتة في أرجاء الدار لتحديد إن سقط الفرد، مثلاً، على الأرضية، ويمكن أن تشمل ميزاته الأساسية أيضاً إضاءة تلقائية؛ تنير الغرفة حين يدخلها الفرد، أو تلفاز أو مذياع يُشغّل بالصوت. قد تكون هناك ميزات أخرى أكثر تطوراً، مثل حسّاسات حركة لمتابعة نشاطات الفرد في أثناء اليوم، ويمكن لهذه الميزة أن تزوّد مانح الرعاية بتغذية راجعة يومية عن الوقت الذي يقضيه الفرد في أرجاء مختلفة من المنزل: مثلاً، قد تفيد معرفة الوقت الذي يقضيه شخص في المطبخ إن كانت الوجبات تُحضّر وتُستهلك أم لا. إضافة إلى هذا، تستطيع منازل ذكية دمج تكنولوجيات مثل حسّاسات جسدية يمكن ارتداؤها، أو أشياء مثل قمصان حسّاسة-بيولوجياً لديها قدرة على اكتشاف ومراقبة نشاطات الفرد البيولوجية باستمرار (مثال: نبضات القلب).

لقد تطوّرت الحسّاسات إلى حدٍّ أصبح ممكناً وضعها مباشرة على الثياب وربطها، مثلاً، بآلة الغسيل، فيستطيع الأفراد وضع ملابسهم في الآلة وستحدد تلقائياً نوع الغسل المطلوب. ميزة رائعة أخرى للمنزل الذكي هي القدرة على تشغيل الأنظمة عبر قائمة شاشة لمس، ومع وجود أيقونات قائمة واضحة تحدّد بسهولة ميزات متنوّعة في المنزل، يستطيع المستخدمون، مثلاً، رؤية الواقف عند الباب الأمامي أو فتح الأبواب، أو النوافذ، أو الستائر وإغلاقها.

قد تكون المنازل الذكية مزوّدة أيضاً بتكنولوجيا تساعد الفرد في الحفاظ على روتينه. مثلاً، إذا لم يكن الشخص واثقاً بالشيء الآتي الذي ينبغي أن يفعله في أي وقت من اليوم، يمكن أن يتواصل مع “المنزل” عبر نظام يُفعّل صوتياً ويسأل عن المهمة التالية التي يُنجزها عادة في هذا اليوم من الأسبوع.

يستطيع أفراد أيضاً سؤال المنزل عن الوقت الذي يزورهم فيه مقدّمو الرعاية لهم وعدد الدقائق الباقية لوصولهم، وهذه الميزة مهمة خاصة لأفراد يعانون خللاً معرفياً، فالقدرة على طرح أسئلة من دون قلق من سخرية أو إحباط مانح الرعاية قد يكون مفيداً جداً. إضافة إلى هذا، إذا بقي فرد يعاني خللاً معرفياً في المنزل بمفرده، يمكن أن يطلب من المنزل الذكي أجوبة عن أسئلة مراراً وتكراراً، متجاوزاً كثيراً من الإحباط والقلق الذي قد يشعر به حين لا يكون واثقاً من شيء ما، ويستطيع مانح الرعاية أيضاً برمجة نشاطات مقترحة للفرد في أثناء ابتعاده عنه، التي قد تتضمن مُذكّرات تلقائية. قد تشمل ميزات مدمجة أيضاً مذكّرات صوتية تلقائية عن مواعيد أو مكالمات هاتفية مجدولة، ويمكن استخدام المنازل الذكية أيضاً لبرمجة توزيع أدوية تستفيد من أنظمة التعرّف على الوجوه، فإذا وجد عدة أشخاص في المنزل تستطيع أنظمة التعرّف على الوجوه إعطاء النوع والجرعة الملائمة من الدواء للشخص الملائم.

أضحت الأنظمة الآلية لقفل الأبواب أو إغلاق ماء الحمّام أو الموقد حلولاً تكنولوجية قياسية في المنزل الذكي، والفائدة الحقيقة من تطبيق نظام مماثل هو أنه يخفض المخاوف المرتبطة بالعيش وحيداً أو مع آخر عجوز. الهدف من هذه المنازل هو ضمان جودة حياة أعلى لأفراد يمكن أن يتقدم بهم العمر في أماكنهم، فقد يسبّب إحداث تغيير كبير في جودة حياة شخص (مثال: مغادرة منزل الأسرة) ضغطاً هائلاً عليه، وإذا حدث طارئ حيث قد لا يكون الفرد آمناً في المنزل، تستطيع التكنولوجيا المعروضة هنا بالتأكيد زيادة فرص حفاظ الأفراد على استقلاليتهم وبيئتهم المنزلية المريحة.
إضافة إلى هذه الميزات للمنزل الذكي، كان باحثون آخرون قد اقترحوا إمكانية وجود فوائد كبيرة في استخدام الحواسيب للاتصال عبر الفيديو بالاتجاهين. يُعدُّ توافر حاسوب وإمكانية العمل عليه، بحيث يستطيع الفرد قبول مكالمات فيديو أو رفضها أو الوجود لإجراء تفقّد يومي من قبل أفراد أسرته أو مانحي الرعاية، طريقة ممتازة ليحافظ الفرد على علاقات إيجابية.

يمكن استخدام هذه الأنواع من الأنظمة أيضاً من قبل مهنيي الرعاية الصحية لرؤية الفرد والتحدّث إليه وتحديد احتياجاته بسهولة في مواقف قد تكون بخلاف ذلك صعبة جداً. لقد ازداد استعمال هذه الأنواع من تقويمات الفيديو وتطبيقاته، خاصة في أقاليم يكون الوصول فيها إلى الفرد صعباً جغرافياً (مثال: مسافات سفر طويلة أو بلدات يتعذّر الوصول إليها). قد تكون هذه الأنواع من الأنظمة التفاعلية مفيدة جداً أيضاً في مواقف تضطر فيها عيادات مثقلة بالأعباء إلى تعقّب صحة فرد، وربما يُحدد موعد افتراضي في وقت أبكر كثيراً من لقاء شخصي، وبتكلفة محدودة.
بالنسبة إلى كثير من الأفراد المتقدمين بالعمر، يبدو عقد لقاء افتراضي أو محادثة افتراضية مع الأسرة باهتاً بالتأكيد مقارنة بزيارة حقيقية. على كل حال، في بعض الحالات، عند استخدامها بفاعلية وإدراك أفراد لحقائق ومشاعر كل المشاركين (ليست مثالية في بعض الحالات)، يمكن استعمال هذه الأنواع من الأنظمة بأسلوب إيجابي لضمان الحفاظ على العلاقات، وأن تكون الزيارات الشخصية المنتظمة أفضل.

يحظى الأفراد بالفرصة ليشعروا أنهم على تواصل مع ما يجري في حياة آخرين، والمهم بالتأكيد هو ضمان ألا يُستبدل هذا النوع من التفاعل بالتواصل الشخصي وأن يُستخدم بدلاً من ذلك لتحسين العلاقات. بالنسبة إلى كثير من الأفراد المتقدمين بالعمر، سيتضمن المستقبل زيادة في تفاعلات الفيديو، التي قد تكون طريقة رائعة لوالد عجوز يتوثق فيها من حال أفراد أسرته وأفراد أسر يتوثقون فيها من حال والد عجوز.
كما يرى المرء، لقد قطعت تطبيقات التكنولوجيا الداخلية بالتأكيد طريقاً طويلة في العقد الأخير، ولم تتوقف هذه الميزات، على كل حال، عند تطوير أدوات منزلية. بخلاف أجيال سابقة، نحن مجتمع عالمي متحرّك جداً؛ ولأننا كذلك يجب على التكنولوجيا أن تتوافق مع حركتنا وتندمج مع حاجاتنا ورغباتنا. تستخدم الهواتف الذكية مقداراً كبيراً من تكنولوجيا متخصصة، وفيها أنظمة تحديد مواقع، التي يسمح تضمينها لأفراد بالحصول على خريطة يمكن أن تحدّد موقعهم وتقدّم تعليمات خطوة بخطوة بشأن طريقة الوصول إلى مكان منشود.

تؤدي هذه الهواتف الذكية أيضاً وظيفة إضافية على أنها مساعد شخصي، وتقدّم للمرء إمكانية وضع تواريخ في تقويم وضمان التذكير بأوقات المواعيد سلفاً، ويمكن استخدام هذه الهواتف أيضاً لتثبيت ملحوظات أو كتابة قائمة بقالة، وتصفّح الإنترنت للحصول على صفقات أفضل حين تكون في متجر، والبقاء على تواصل عبر رسالة نصّية أو بريد إلكتروني في أي وقت محدّد، ويمكن الاستفادة منها أيضاً على أنها محفظة افتراضية، تسمح للمرء بتسديد قيمة مواد عبرها.

يستطيع الأفراد أيضاً أن يتابعوا عن كثب حساباتهم المصرفية، تعاملاتهم اليومية والشهرية، وإبلاغهم بكل ما يهمهم، وفعلياً فقد أصبحت الهواتف الذكية مصرفاً شخصياً إلكترونياً أيضاً.

هناك سؤال عالق يطرحه كثير من الأفراد المتقدمين بالعمر هو: “إذا اعتمدت كلياً على هذه التكنولوجيا، ألا أعرّض قدرات الدماغ للخطر لأنني لن أستخدم ذهني كثيراً؟”. هذا سؤال رائع، ويمثّل خوفاً كبيراً لأفراد كُثر متقدمين بالعمر، وينبغي له.

على كل حال، لقد اقترح باحثون أن استخدام التكنولوجيا بفاعلية يتضمّن استخدام مقدار كبير من موارد الدماغ. مثلاً، يتطلّب وضع تواريخ ومذكِّرات في تقويمك نشاطاً دماغياً ومشاركة معرفية في جدولة مهمات أسبوعية أو شهرية، كذلك يستلزم السؤال عن تعليمات، سواء من هاتفك الذكي أو شخصياً، استخدام المرء موارد معرفية أيضاً.

في الواقع، يتطلّب إدخال معلومات توجيهية في هاتفك الذكي تفعيل الشبكات البصرية وقشرة الدماغ الحركية (خارج ما يمكن اختباره عبر تعليمات لفظية). إضافة إلى هذا، يمكن استخدام هذه الهواتف لمتابعة وتحسين عاداتنا الغذائية ومستويات تدريباتنا المهمة جداً لصحة الدماغ حين نتقدم بالعمر، وتسمح لنا هذه الهواتف أيضاً بالحفاظ على صلات اجتماعية على نحو لم يكن متوافراً سابقاً. بالنسبة إلى بعض الأفراد المتقدمين بالعمر، قد تكون كل هذه المعرفة بشأن القدرات التي تتمتع بها هذه الهواتف الذكية مربكة جداً، وستتطلّب أشياء، مثل ترقية برمجيات وتحميل برامج، وقتاً وجهداً دماغياً ربما لا يُنتفع منه بخلاف ذلك.

كما ترى، يحتاج تشغيل هذه التطبيقات إلى مقدار كبير من موارد الدماغ، ولأن هذه التكنولوجيا تنبثق دائماً في السوق، سيكون معظم هذا جديداً تماماً لكثير من الأفراد المتقدمين بالعمر، خاصة في السنوات القليلة القادمة، وستحتاج إلى بذل جهد لتعلّم تفاصيل هذه الأدوات، وسيستغرق فهم هذه الموارد واستخدامها بأفضل ما يمكن وقتاً وجهداً ذهنياً كبيراً، وهذا ما قد يحتاج دماغك تحديداً له. تفرض أدوات على المرء مواصلة العمل عليها، وأن يكون مدركاً تماماً للتغييرات أو الترقيات اللازمة لها، وأن يتعلّم مجدداً شيئاً جديداً بين الحين والآخر؛ وهذه طريقة ممتازة لديمومة نشاط دماغ المرء.
قد يظنُّ المرء أن هذه التطبيقات مفيدة فقط إن كان الفرد المتقدم بالعمر معافى معرفياً، وإذا كان المرء يعاني بعضاً من مشكلات الذاكرة، فقد يبدو تعلّم التكنولوجيا المرتبطة بهاتف ذكي صعباً جداً وغير مفيد. المفاجأة، على كل حال، أن هذا ليس صحيحاً، في الواقع، أعلن باحثون أن أفراداً يعانون مشكلات ذاكرة معتدلة إلى حادّة قد حققوا نجاحاً جيداً (بالتدريب) في استخدام برامج متوافرة تجارياً لمهمات ذاكرة يومية.

لم يُسجّلوا تحسّناً فقط، إنما أظهر باحثون أيضاً أنه يمكن تدريب أفراد يعانون مشكلات معرفية على استخدام هاتف ذكي لتعويض مشكلات الذاكرة، من ثم إغلاق الفجوة بين أنفسهم وبين الأفراد السليمين معرفياً فأصبحوا أكثر استقلالية، وهذه نتيجة إيجابية ممتازة لأفراد قد يكونون محبطين جداً سابقاً.
كما نرى جميعاً، هناك تحسينات عديدة في التكنولوجيا تظهر كل سنة، وسيكون إيجاد فرصة ليستخدم أفراد متقدمين بالعمر هذه التكنولوجيا لمصلحتهم مهماً لمجتمع المتقدمين بالعمر.

من المهم أن نوضّح هنا، كما هي الحال مع أي أداة جديدة، أنه من دون خبرة سابقة سيتطلّب الأمر من الأفراد وقتاً وتدريباً معيناً لإتقان المهارات المطلوبة، لكن عند تحقيق ذلك ستكون الفوائد رائعة. التقدم بالعمر حقيقةٌ لا شك فيها حالياً لكل الأفراد، على كل حال، لكن أصبحت طريقة التقدّم بالعمر وبأي معدّل شيئاً اختيارياً.

لم يعد عصر الدماغ بعيداً جداً، وطريقة استجابتنا لثروة المعلومات التي ستكون متوافرة لنا في السنوات القليلة القادمة ستساعد بالتأكيد في تكوين مستقبل مجتمعنا المتقدّم بالعمر، من ثم يبدو إلزامياً لأفراد يريدون صحة عقلية جيدة، والحفاظ على قدرة معرفية في أثناء تقدّمهم بالعمر، البحث عن أفضل الطرق لفعل هذا والسير عليها.