المولود الجديد في ساعاته الأولى: أبرز العلامات الواجب مراقبتها

عند خروج المولود الجديد عبر قناة الرحم، يقوم الطبيب بقص الحبل السري الذي يربط الجنين بالمشيمة، في هذه اللحظة يصرخ المولود صرخته الأولى التي تعبر عن انقطاع إمداده بالأوكسجين من خلال الحبل السري، وفي الوقت عينه يبدأ المولود الجديد بتنشق الهواء من العالم الخارجي الذي وصله توّاً؛ هواء يؤمن الكمية اللازمة من الأوكسجين ما يسمح للرئتين ببداية الانتفاخ وللمرة الأولى في الحياة. ويعوّل أطباء الأطفال أهمية كبرى على هذه الصرخة، لأن تأخرها يعني في كثير من الحالات نقصاً في الحصول على الأوكسجين في الدقائق الأولى خارج بيت الرحم، وإذا ما طال أو دام هذا الخلل من المحتمل أن يترك بصماته التي تؤدي إلى مضاعفات خطيرة على صحة الطفل ووظيفة دماغه بالدرجة الأولى فيما بعد، مسبباً له إعاقة جزئية أو كلية.

بعد التأكد من تنفس المولود الجديد بشكل طبيعي، يقوم طبيب الأطفال بتحرير المجاري الهوائية العليا (الأنف والبلعوم) من الإفرازات التي يمكن أن تعيق الحركة التنفسية، فيعمل على شفطها بواسطة جهاز خاص، من ثم يراقب الطفل لدقائق معدودة من خلال ما يسمى (مجموع أبغار Apgar score) لتحديد وضعه الحيوي العام في الدقائق الأولى التي تلي الولادة، ويشمل هذا المجموع خمس علامات حيوية وهي: سرعة التنفس (بطيء ـ عادي ـ مضطرب)، لون المولود (زهري ـ ازرقاق ـ اصفرار ـ ابيضاض..)، قوة الصوت عند البكاء (أنين ـ بكاء طبيعي حيوي ـ همود..)، سرعة نبضات القلب والنشاط الحركي (tonus).

وبعد التأكد من حيوية الطفل، يواصل الطبيب فحصه السريري من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين ليتأكد من خلوه من أي ظاهرة غير طبيعية: كالشكل المنغولي مثلاً أو «ظاهرة داون»، أو تشوه في الأطراف، أو تضخم في الرأس أو غيرها.

ثم يتابع الفحص لاكتشاف أية عاهة باطنية أو داخلية: كوجود ثقب غير طبيعي في القلب بين الأذينين أو البطينين، أو اكتشاف تضخم فوق العادة في عضو ما (الكبد ـ الكلى ـ الطحال..)، أو خلع تكويني في الورك….

ويجري التأكد من سلامة تكوين القصبة الهوائية وعدم وجود تشوه يجمعها بالمرئ من خلال إدخال ميل خاص داخل المريء، ويسري الأمر كذلك على فحص مجرى الشرج، فيصار إلى إثبات عدم وجود غشاء يقفل الشرج ما يؤدي في حال انسداده إلى مضاعفات خطيرة على صحة الطفل.

يصار بعد ذلك إلى سحب عينة من دم المولود الجديد لتحديد فئة دمه، لا سيما إذا كان دم الأم من فئة سلبية والطفل من فئة إيجابية، للوقاية من حصول عدم توافق الدم عند الاثنين (وفي المستقبل عند حصول حمل جديد).

ويفيد تحليل الدم كذلك الرصد المبكر لبعض الأمراض الأيضية أو الاستقلابية الوراثية، لاسيما إذا وجدت سوابق عائلية في هذا المجال. وتجدر الإشارة إلى أنه يجري حالياً، وبشكل روتيني، التقصي المبكر ومنذ الولادة عن مرضين وراثيين عند الأطفال: الأول يصيب الغدة الدرقية بنقص في إفرازات الهرمون، والثاني مرض «بيلة الفينيل كيتون»؛ ومن المعلوم طبياً أنهما يؤديان إلى التأخر في نمو الدماغ عند الطفل فيما بعد، ويؤثران على وظائفه مع تداعيات سلبية هامة على مستوى الذكاء عنده (IQ) واضطراب عطائه المدرسي، وتدخل هذه الأمراض في فئة العاهات التي تؤدي إلى الخبل والبلاهة.

في ختام الفحص السريري يقوم طبيب الأطفال بالتأكد من النمو الكامل للطفل خلال فترة الحمل، فيعمل على أخذ قياساته: الطول أو القامة (يتراوح بين 49 ـ 52 سم)، الوزن (2500 ـ 4000 غرام) ومحيط الرأس (35 ـ 37 سم)، هذا الأخير يشكل فحصاً بسيطاً في الظاهر ولكنه ينم عن أهمية بالغة إذ يدل على درجة نمو الدماغ داخل الجمجمة، ويسهل اكتشاف اضطرابات في نمو الدماغ وتدارك انعكاساتها وتداعياتها فيما بعد؛ مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تعبر عن الطفل المولود في أوانه.

بعد الانتهاء من الفحص السريري الدقيق والاطمئنان إلى صحة المولود الجديد واستنتاج غياب أي مرض حاد أو علة يمكن أن تتطور خلال ساعات، وعدم وجود أي علامة لمرض وراثي، يصار في معظم البلاد المتطورة طبياً إلى جمع المولود الجديد بالأم، وينصح ببدء الرضاعة من الثدي حالما يسمح وضعها بعد الولادة مباشرة. يحصل الطفل في الرضعة الأولى على «لبأ» الحليب (colostrum) المكون من مواد بروتينية صمغية غنية بالأجسام المضادة والتي تمد المولود الجديد بحماية مناعية ضد بعض الأمراض (الحصبة، حمى الأمعاء، داء السحايا…) وهي مناعة تدوم لعدة أسابيع وتحمي الطفل ريثما يصبح بإمكانه الحصول على لقاحاته..

وللرضاعة من ثدي الأم فوائد بيولوجية عديدة، إضافة إلى تنمية العلاقة الحميمة بين الأم وطفلها، لا سيما أنها صممت على تغذيته من ثديها وعزمت على متابعة ذلك فيما بعد؛ ما يتوجب مطالعة خاصة بهذا الموضوع الذي يسترعي اهتمام الكثير من المنظمات الدولية المهتمة برعاية الطفولة وتغذيتها.