التصنيفات
طب نفسي | علم النفس

مشاكل أدوية العلاج النفسي للبالغين: الاكتئاب، الذهان، القلق

إن مصطلح الطب النفسي بالإنجليزية، Psychiatry، ذو أصل يوناني بمعنى “علاج الروح”؛ وهي مهمة نبيلة. وللأسف فقد الطب النفسي اليوم ارتباطه بأصوله، وصار نموذج الطب الحيوي يهيمن عليه، إذ يرجع كل مشكلات الصحة النفسية والانفعالية إلى اختلال توازن كيمياء المخ الحيوية، وهذا الاختلال يمكن علاجه بالعقاقير. وقد استفادت كبرى الشركات المصنعة للأدوية كثيرًا من هذه المسألة عن طريق تسويق مجموعة من الأدوية لعلاج الاكتئاب، والقلق، والأمراض النفسية البارزة. وبالنظر إلى إعلانات هذه المنتجات في المجلات الطبية، قد يظن المرء أن هذه الحالات لن تدوم، وأنه بتناول العقاقير سيتمتع الجميع بحالة نفسية مثالية؛ لكن من الناحية العملية، فإن كل الأدوية الوارد ذكرها بعيدة، بدرجة كبيرة أحيانًا، عن الوعود التي يقطعها مصنِّعوها.

للأدوية النفسية قدرة على التأثير في العقل، والانفعالات، والسلوك، ولعل الصنف الأساسي منها هو مضادات الاكتئاب، ومضادات الذهان، ومضادات القلق. وتستخدم هذه الأدوية على نطاق واسع لعلاج اضطرابات القلق وغيرها من الحالات المرضية التي تتسم باضطرابات التفكير، والحالة المزاجية، والسلوك، وأحيانًا يكون العلاج بضعة أشهر، لكن كثيرًا ما يستمر فترة طويلة، وربما مدى الحياة، على الرغم من أضراره المحتملة. ويمثل تناول عقاقير الأمراض النفسية نسبة 48% من ردود الفعل الدوائية الحادة والخطيرة، التي تؤثر في ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة (حيث تحتل ردود الفعل الدوائية الخطيرة المرتبة الرابعة بين مسببات الوفاة الرئيسية في أمريكا).

مضادات الاكتئاب

تؤكد مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن نحو 9% من البالغين من الأمريكيين يعانون الاكتئاب، وأن 3% من البالغين يعانون الاضطراب الاكتئابي، وهو شكل طويل الأمد وحاد من الاكتئاب، ويعد السبب الرئيسي في الإعاقة لدى الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم ما بين خمسة عشر و أربعة وأربعين عامًا .

ومن المفترض أن مضادات الاكتئاب تحسِّن من أعراض الاكتئاب عن طريق التأثير في العناصر الكيميائية في المخ (النواقل العصبية) المرتبطة بالانفعالات؛ وهي السيروتونين، والنورإبينفرين، والدوبامين. وقد ظهرت عقاقير جديدة ذات آثار جانبية أفضل – مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، ومثبطات استرداد السيروتونين والنورإبينفرين – لتحل محل مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات ومثبطات أوكسيديز أحادي الأمين.

ويُستخدم بعض مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية ومثبطات استرداد السيروتونين والنورإبينفرين لعلاج اضطرابات القلق، وفي الغالب تكون هذه الأدوية هي فلوكسيتين ( بروزاك)، وسيرترالين (زولوفت)، وسيتالوبرام (سيليكسا)، ودولوكسيتين (سيمبالتا)، وفينلافاكسين (إفيكسور). ويصف الأطباء هذه الأدوية لتجنب الاستخدام طويل المدى لعقاقير البنزوديازيبين، وهي أدوية مضادة للقلق، كثيرًا ما تسبب اعتماد المريض عليها وإدمانه إياها, كما يصف الأطباء هذه العقاقير “دون تصريح” لعلاج الآلام المزمنة، وأعراض الطمث، والخمول، والصداع النصفي، ومتلازمة القولون العصبي، وغيرها من الحالات المرضية.

مشكلات مضادات الاكتئاب

إن الاستخدام طويل المدى (الذي يدوم أكثر من عام) لمضادات الاكتئاب قد يطيل من عمر الحالة أو يجعلها أكثر حدة، وهي ظاهرة تعرف باسم عسر المزاج ؛ وهو مصطلح طبي يشير إلى “طول مدة المزاج السيئ”، وهي حالة تنتج عن ردة الفعل الجسمانية الاستتبابية تجاه العقار: فإن جعلت المريض يتعاطى دواء يزيد من السيروتونين في الوصلات العصبية، فسيعوض المخ هذا بمرور الوقت عن طريق إفراز كمٍّ أقل من السيروتونين ومن مستقبلاته؛ ما يجعل الوضع أسوأ مما كان عليه.

وبعيدًا عن الفاعلية المشكوك فيها لمضادات الاكتئاب، كثيرًا ما تسبب مضادات الاكتئاب صعوبات جنسية، وتتعارض مع التركيز، وتجعل عملية الهضم مضطربة. ومن بين الآثار الجانبية الأقل حدوثًا زيادة خطر الانتكاس، وتسمم الكبد، وقلة كثافة الأملاح المعدنية في العظام، والنزيف غير الاعتيادي، والجلطات، والسلوك الانتحاري. وقد أوضح العديد من الدراسات أنه لدى كبار السن تحديدًا، تقوم مضادات الاكتئاب بالارتباط بزيادة خطر الوفاة نتيجة جميع تلك الأسباب، بالإضافة إلى ذلك، يزيد تعاطي السيدة الحامل مضادات الاكتئاب من خطر إصابة الطفل بالتوحد، وكذلك بعض العيوب التي تظهر منذ الولادة.

مضادات الذهان غير القياسية

تستهدف مضادات الذهان علاج انفصام الشخصية وغيره من الأمراض النفسية الخطيرة ذات الصلة، وهي تعمل بشكل أساسي عن طريق تنظيم الناقل العصبي الدوبامين. وقد أتيحت الأنواع الجديدة من مضادات الذهان، التي تدعى الجيل الثاني من مضادات الذهان، والمعروفة أيضًا باسم مضادات الذهان غير التقليدية، منذ عام 2000 ، ومن بين الأمثلة أريبيبرازول (أبيليفاي)، وكلوزابين (كلوزاريل)، زيبرازيدون (جيودون)، وأولانزابين (زيبريكسا)، وكويتيابين (سيروكيويل)، وريسبريدون (ريسبيردال). وعلى الرغم من أن الآثار الجانبية للجيل الثاني من مضادات الذهان آمنة، فإنه ليس بكفاءة الجيل الأول من هذه الأدوية، مثل كلوربرومازين (ثورازين) وهالوبيريدول (هالدول).

وفي حين أن حدوث الأمراض التي توصف لها مضادات الذهان لم يزدد، فقد تضخم معدل استخدام هذه الأدوية؛ وقد ارتفع عدد الوصفات السنوية لمضادات الذهان غير التقليدية بزيادة تمثل 93%.

وتعود الزيادة الكبيرة في استهلاك مضادات الذهان غير التقليدية إلى عام 2003، عندما صدقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على استخدامها بوصفها علاجًا مساعدًا لعلاج الاكتئاب الحاد، وقد زادت تكلفة الحملات الدعائية الموجهة إلى المستهلك التي شنتها الشركات المصنعة للأدوية؛ حيث خصصت 98% من الدعاية لمضادات الذهان غير القياسية كلها لدواءين فحسب: أبيليفاي وسيروكيويل، وهما الدواءان الأكثر مبيعًا حاليًّا. ويشيع وصفهما الآن بالاقتران مع مضادات اكتئاب مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية كعلاج الخيار الأول، ربما على أمل أن يحسِّنا من فوائدها التي كثيرًا ما تكون أقل من ممتازة. وعلاوة على ذلك، يصف الأطباء هذين العقارين لغير أغراضهما المخصصة لعلاج الأرق، والقلق، والتوتر، والاضطرابات المزاجية الطفيفة، التي تجعلني جميعها أشعر بعدم الارتياح.

مشكلة مضادات الذهان

يمكن لأدوية الجيل الثاني من مضادات الذهان أن تسبب ردود فعل خطيرة، من بينها الوفاة المفاجئة الناتجة عن توقف عضلة القلب والجلطات الدموية، بالإضافة إلى زيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، ومرض السكري. والأكثر أهمية من ذلك أن الاستخدام طويل المدى لمضادات الذهان لا يوفر فوائد أكثر من التي يقدمها الاستخدام قصير المدى وقد يعوق المرضى فعليًّا عن العودة إلى الحياة العملية والأسرية الطبيعية.

العقاقير المضادة للقلق

تؤثر اضطرابات القلق في نحو 18% من مجموع البالغين، أو 40 مليون شخص في الثامنة عشرة من العمر فما فوق في الولايات المتحدة في أي عام من الأعوام. وتتضمن هذه الاضطرابات اضطراب الوسواس القهري، واضطراب توتر ما بعد الصدمة، واضطراب القلق العام، والأشكال المختلفة من الرهاب.

وهناك العديد من العقاقير التي توصف لعلاج أعراض اضطرابات القلق، من بينها عقاقير البنزوديازيبين، مثل ألبرازولام (زاناكس)، ولورازيبام (أتيفان)، وديازيبام ( فاليوم) التي تُستخدم لعلاج اضطراب القلق العام، واضطراب الهلع. وتقلل عقاقير القلب المعروفة باسم حاصرات مستقبلات بيتا من رجفة الجسم والتعرق اللذين يعانيهما ذوو اضطرابات الرهاب في المواقف الصعبة. وقد تمت الآن الموافقة على استخدام مضادات الاكتئاب، سواء أكانت قديمة أم حديثة، في علاج اضطراب الوسواس القهري.

ويبدو أن أدوية البنزوديازيبين تعمل عن طريق تعزيز آثار الناقل العصبي المهدئ حمض الجاما – أمينوبيوتيريك في المخ، ولأنها تعمل سريعًا، ويمكن أن تكون شديدة الفاعلية على المدى القصير، فإن أدوية البنزوديازيبين تُستخدم على نطاق واسع لعلاج القلق، والنوبات، والأرق، وتوتر العضلات، وأعراض انسحاب الكحول، والهياج المرتبط بدواء معين، والغثيان، والقيء. وقد أوضح استطلاع أجري عام 2013 أن دواء زاناكس يحتل المرتبة الأولى بين العقاقير النفسية الموصوفة، بينما يحتل أتيفان المرتبة الخامسة، ويحتل فاليوم المرتبة الحادية عشرة.

مشكلات مضادات القلق

لمضادات القلق العديد من الآثار الجانبية الخطيرة والشائعة: مثل السلوكيات الغريبة التي تتعلق بالنوم، وحالات القصور المعرفي (بما في ذلك فقدان القدرة على تكوين ذكريات جديدة)، وعدم القدرة على القيادة وغيرها من الأنشطة اليومية، وتزايد خطر السقوط، خاصة لدى كبار السن، كما وردت معلومات عن تسببها في ردود فعل تحسسية خطيرة. ومن بين الآثار الجانبية الأخرى انخفاض ضغط الدم، وتدني الرغبة الجنسية، والغثيان، والافتقار إلى التنسيق، وفقدان التحفظ، والاكتئاب، والغضب، وارتكاب سلوكيات عدوانية، وعلاوة على ذلك، من السهل أن تصبح معتمدًا على أدوية البنزوديازيبين. ويجد الكثير ممن يتعاطون هذه الأدوية بصورة دورية أنه ينبغي لهم زيادة الجرعة للحفاظ على الأثر المنشود، وأنه لا يسعهم التوقف عن تعاطيها؛ بسبب الارتداد العنيف للأعراض. ويعتبر الاعتماد على أدوية البنزوديازيبين أكثر صعوبة في التخلص منه من إدمان مشتقات الأفيون؛ إذ يمكن لأعراض الانسحاب أن تهدد حياة المريض؛ ومن ثم لا بد من أن تجري عملية التوقف عن تعاطي هذه الأدوية بشكل تدريجي، وتحت الإشراف الطبي فحسب.

وشخصيًّا أعتبر هذه الأدوية هي بعض أكثر المستحضرات الطبية التي يفرط الناس في استخدامها, وكذلك إساءة استخدامها، وأجد أنه من المرعب أن يصفها الأطباء بشكل عرضي وخلال فترات طويلة، مع إبداء القليل من الاهتمام بآثارها المدمرة المحتملة في الذاكرة وغيرها من الوظائف المعرفية، بالإضافة إلى احتمالية إدمانها.

الاستخدام الأمثل لمضادات الذهان

يمكن لتعاطي عقاقير الأمراض النفسية أن يساعد على تخفيف الاكتئاب ونوبات القلق الحاد، خاصة إن كان هذا متزامنًا مع استشارة الطبيب، وغيرها من التدابير التي يمكن اتخاذها، لكنه لا يجدي نفعًا مع الجميع.

ومن الأفضل أن تبدأ بعقار واحد في المرة الواحدة، وأن تبدأ بجرعة صغيرة، وذلك لتقليل احتمالية خطر الآثار الجانبية والتفاعلات. فكلما طالت مدة تعاطي المريض أدوية المرض النفسي، زادت صعوبة التوقف عنه؛ لأن كيمياء مخ المريض تتكيف مع الدواء بمرور الوقت. ولا يُنصح بإيقاف أي عقار له تأثير نفسي فجأة، بل إن الأفضل هو تقليل الجرعة ببطء بالتزامن مع تنفيذ إجراءات أخرى.

ويكون من غير الحكمة الاعتماد على عقاقير مداواة الأمراض النفسية فترة طويلة دون علاج الأسباب المعقدة لهذه الحالات، وذلك باستثناء حال معاناة المريض الاضطراب ثنائي القطب، وغيره من الأمراض النفسية البارزة.

خيارات الطب التكاملي لعلاج الاضطرابات المزاجية

إن التعقيد في الأمراض النفسية وأسبابها يتطلبان منهجية تكاملية فردية، لا جهدًا يستهدف ببساطة محاولة تصحيح الخلل المزعوم في كيمياء المخ عن طريق العلاج الدوائي.

يزعم العلاج النفسي الدوائي، الذي يقوم على نموذج الطب الحيوي، أن الخلل الجزيئي في المخ هو سبب الأعراض السريرية؛ ومن ثم يكون الحل هو تصحيح هذا الخلل بالعقاقير، ذلك على الرغم من أن العديد من العوامل الجينية والبيئية تشارك في تطور المرض النفسي واستدامته، وعندما تُعالج هذه العوامل، قد يشعر المرضى بنتائج أفضل ويعانون آثارًا جانبية أقل، وربما يستطيعون تقليل عدد الأدوية التي يتعاطونها، وخفض جرعاتها، وفي النهاية التوقف عن تناول كل عقاقير الأمراض النفسية. وينبغي أن تتم هذه المنهجية على أساس الحاجة الفردية، وأن ينسقها طبيب نفساني تكاملي بصورة جيدة للتأكد من أنها تتم بأمان وفاعلية.

وهناك الكثير من الخيارات المتاحة لعلاج الاكتئاب والقلق دون أدوية، فعلى سبيل المثال: هناك دليل علمي جيد على الآثار المضادة للاكتئاب فيما يتعلق بالتريض ومكملات زيت السمك (التي تمد الجسم بأحماض أوميجا – 3 الدهنية الأساسية اللازمة للمخ حتى يقوم بوظائفه بالشكل الأمثل). وكثيرًا ما يجدي العلاج بالحوار، وبخاصة العلاج السلوكي المعرفي، نفعًا بقدر العقاقير، أو بدرجة أفضل منها في علاج الاكتئاب، كما يمكن للوخز بالإبر أن يكون مفيدًا. كما أن تعلم تنظيم آلية التنفس هو إجراء مضاد للقلق أكثر فاعلية من أدوية البنزوديازيبين، دون أي من الإعاقات المعرفية أو الاحتمالات الإدمانية لتلك الأدوية.

وينبغي أن يتضمن التقييم التكاملي للمشكلات النفسية والانفعالية النظر إلى العادات الغذائية من تناول المشروبات الكحولية الضارة، والكافيين، وغيرها من المواد ذات التأثير النفسي، بالإضافة إلى النشاط البدني، وأنماط النوم، ومشكلات العمل، والعلاقات الاجتماعية، وما إلى ذلك. وقد تتضمن التوصيات العلاجية تعديل نمط الحياة، وإضافة المكملات الغذائية، والعلاجات العشبية، وغيرها من المنتجات الطبيعية، والعلاج النفسي.

الخلاصة

ينبغي عدم استخدام الأدوية الوارد ذكرها في هذا الموضوع بوصفها علاجات خيار أول في معظم الحالات النفسية والعاطفية المرضية الشائعة. فمضادات الاكتئاب توصف لحالات الاكتئاب الحادة، لا باعتبارها علاجًا روتينيًّا لحالات الاكتئاب الطفيفة إلى المتوسطة، التي تتوافر لها أساليب علاجية أخرى أكثر فاعلية وأمانًا، بل في حالات الاكتئاب الحادة ينبغي أن يستمر العلاج سنة على أقصى تقدير. وإن كنت تتعاطي أحد مضادات الاكتئاب، فلا توقفه أبدًا فجأة، وإن كنت تريد التوقف عنه، فقلل الجرعة ببطء، بعد استبداله بتدابير أخرى لجعل حالتك المزاجية مستقرة.

حاول أن تتجنب مضادات القلق ما لم تكن علاجًا قصير المدى لنوبة قلق عرضية، كالنوبات الناتجة عن وفاة أحد أفراد العائلة، أو خسارة الوظيفة، أو غير ذلك من الأزمات العاطفية. وإن كنت تتعاطى أدوية البنزوديازيبين أكثر من شهر، فاستشر طبيبًا مطلعًا بشأن التوقف عنها.