مرحلة الرضاعة

تتضمن لحظة الميلاد انفصال الجنين عن رحم أمه ودخوله إلى عالم مجهول مختلف، لذلك يعتبر الكثير من علماء النفس أن المولود في هذه اللحظة يتعرض لصدمة الميلاد، حيث أنه ينتقل من بيئة هادئة وآمنة وهي الرحم إلى بيئة عالم خارجي متصف بالضجيج والقلق. ولهذا ينصح الأطباء اليوم بوضع الجنين بعد ولادته مباشرة على صدر أمه ليسمع دقات قلبها وصوتها وينظر إلى عينيها ليشعر بالأمان في عالمه الجديد، للتخفيف من حدة صدمة الميلاد. فالساعات الأولى ذات أهمية خاصة بالنسبة للمولود وأمه.

وتسمى المرحلة الممتدة من لحظة الميلاد إلى نهاية العام الثاني «مرحلة الرضاعة». وتعتبر هذه المرحلة الأساس الذي تبنى عليه خصائص شخصية الإنسان وصفاته. وفي نهايتها تولد ذات الطفل نتيجة للعلاقة الحميمية العاطفية مع الأم (أو من يقوم مقامها)، في نهاية العام الثاني مع بداية ظهوراللغة عند الرضيع وقوله «هذا أنا» يدرك أن الأم شخص آخر منفصل عنه وموجود في العالم الخارجي، ولكن لها وجود كموضوع حب وتعلق داخل عقله، لذلك اضطراب العلاقة بين الأم والرضيع تؤدي إلى خلل في صحته العقلية والاجتماعية، قد تصل في أقصى الحالات إلى (الذهان) حيث ينظر لأمه كما لو كانت جزءاً من ذاته، ولا يدرك أنها منفصلة أو مستقلة عنه، ويُظهر الخوف الشديد إن ابتعدت عنه، وبهذا يعوق بناء الشخصية وهو في مراحله الأولى.

ولتوضيح ما سبق سأشرح فيما يلي كل من: دور العلاقة الحميمية بالأم في تكوين ذات الرضيع النفسي، وسيكولوجية الرضيع، واحتياجات الرضيع.

1– دور العلاقة الحميمية بالأم في تكوين ذات الرضيع

مرحلة الرضاعة هي استمرار للمرحلة الجنينية، فالانفصال البيولوجي للرضيع عن الأم يتم مع لحظة الميلاد. أما انفصاله النفسي عنها فيتم في نهاية مرحلة الرضاعة أي نهاية العام الثاني، وهو ما يمكن أن نسميه الميلاد النفسي الاجتماعي أو ميلاد الذات. فالرضيع يولد وهو مزود بكل الامكانيات ليتفاعل مع الآخرين (أولهم الأم)، فسلوكات البكاء والابتسامة والرضاعة والالتصاق والمتابعة.. تؤدي إلى حث الأم على رعايته والاهتمام به، بالمقابل الرضيع يستجيب لرؤية الأم ولصوتها ولإشاراتها، وينتج عن ذلك تعلقاً متبادلاً، هذا الارتباط أو التعلق يؤدي إلى نمو الرضيع نفسياً واجتماعياً.

ولنفهم دور الأم في هذا النمو، أو دورها في ميلاد ذات الرضيع، سأجزئ مرحلة الرضاعة إلى عدة فترات، وأوضح دور الأم في كل منها وهي:

الفترة الأولى من (الميلاد) وحتى نهاية (4 أسابيع)

يقضي الرضيع معظم وقته نائماً في هذه الفترة، ويستيقظ لتلبي الأم حاجته للرضاعة والرعاية ثم يعود للنوم ثانية. ورغم أن النشاط الجسمي يبدو أكثر وضوحاً من النشاط النفسي لدى الرضيع، إلا أن الدراسات بينت أنه يمكنه تمييز وجه أمه عن وجوه الغرباء في الأيام الأولى للميلاد، وكذلك يميز صوتها ورائحتها.

فالرضيع يولد ولديه قدرة للتفاعل مع الآخرين، يبكي ليعبر عن ضيقه بسبب الجوع أو الألم أو الانزعاج أو البلل، ويبتسم ليعبر عن شعوره بالراحة، فكل من البكاء والابتسامة تعبير انفعالي يلعب دوراً في حث الأم للتفاعل مع الرضيع وتعزيز التواصل بينهما.

الفترة الثانية بعد نهاية (4 أسابيع) وحتى (5 أشهر)

تبدأ في الشهر الثاني مرحلة تسمى (التكافل) حيث يبدو فيها سلوك الرضيع ونشاطه كما لو كان هو والأم وحدة نفسية ذات تكوين مزدوج، وتظهر الأم كموضوع تتركز حوله (الطاقة النفسية) للرضيع، وكأنها جزء من تكوينه. يصبح حبيس هذه العلاقة فحاجته للأم مطلقة، بينما حاجة الأم له نسبية.

لذلك فإن حساسية الأم وتفاعلها الإيجابي مع الرضيع أساسي لنموه النفسي في هذه المرحلة. فالرضيع يتميز بإمكانياته الكبيرة للتكيف والانسجام مع أساليب الأم وطرقها في التعامل معه، حيث تساهم تلك الأساليب في ميلاد ذاته.

وينمو إدراك الرضيع في هذه الفترة، ففي شهره الرابع والخامس ينظر طويلاً للغرباء مقارنة بالأم، ويبتسم أقل لغير المألوفين لديه. ويتزامن ذلك مع نمو مهاراته الحركية ومع اكتسابه لعادات أولية كمسك أشياء ووضعها في الفم ومص الإصبع.

الفترة الثالثة تقع بين (5 – 9 أشهر)

يظهر على الرضيع ما بين الشهر السادس والسابع دلائل واضحة على أنه بدأ يميز بين جسمه وجسم أمه، إنه يتفحصها ويداعب وجهها، ويتحرك بعيداً عنها ثم يعود ويكرر التردد بينها وبين الأشياء والآخرين.

فالرضيع بدأ في هذه الفترة يعي بذاته (بوجوده)، ويتزامن ذلك مع نمو مهاراته الحركية الدالة على نمو قدرته للاستقلال والتفرد، كالقدرة على الجلوس والوقوف بمساعدة الآخر وتفحص الأشياء والنظر إليها طويلاً والقدرة على الحبو.. وبقدر ما تتضح ملامح تميز ذات الرضيع بقدر ما تتضح لديه السلوكات الدالة على زيادة الارتباط أو التعلق بالأم، وتتضح دلائل الخوف من الغرباء.

الفترة الرابعة تقع بين (9 –12 شهراً)

يزداد نشاط الرضيع في هذه الفترة، وتنمو مهاراته الحركية، فمع أولى خطواته يتسع العالم من حوله، إنه يكتشف البيئة ويكتشف الأم والآخرين كموضوعات مغايرة.

إن لقدرة الرضيع على المشي دلالة رمزية كبيرة لكل من الأم والرضيع، فكأنها تبرهن على أولى خطوات ولادة إنسان مستقل في هذا العالم. إن تشجيع الأم لطفلها وفرحتها به عاملان أساسيان لنمو ذاته ولشعوره بالأمان ولثقته بنفسه.

ومع تدرج الرضيع في النمو يزداد تعلقه بأمه، فيحتج لغيابها نتيجة شعوره بالخوف، الخوف من الانفصال عن موضوع التعلق (الأم).

إن الرضيع في أواخر العام الأول يبدي سلوكات القلق عندما تبتعد الأم عن عينيه أو عندما يبقى وحيداً أو بعيداً عنها وبصحبة آخر غريب. فالرضيع يشعر بالحيوية والثقة بوجود أمه (الوجود الإيجابي)، وتكون ردود أفعالها بمثابة مثير لسلوكاته، وهو يتقبل الغرباء لكن شرط أن تكون أمه معه.. إنه يخاف ابتعاد الأم لأنه ليس بإمكانه إدراك أسباب هذا الغياب، وإن كان مؤقتاً أو مستمراً فهو لم يتوصل بعد إلى إدراك مفهوم الزمن.

إن تكرار خبرات الغياب المؤقت ضروري قبل أن يتعلم أن غيابها دائماً يتبعه حضورها، والأم هي من تشجع هذا النوع من المعرفة التي هي أساسية من أجل ميلاد ذات الطفل.

الفترة الخامسة تقع بين (12 – 18 شهراً)

يستمر النمو المعرفي الإدراكي تدريجياً لدى الرضيع، ويتضح ذلك في ازدياد نشاطه ورغبته في اكتشاف البيئة من حوله، وفي تكراره للحركات التي أوصلته لنتائج مفيدة، إنه يلمس ويتفحص الأشياء. بالتجربة والاختبار يكتشف وسائل جديدة أكثر تقدماً، كل ذلك بوجود الأم وتشجيعها. ويبدو في هذه الفترة تحول في طبيعة علاقة الرضيع بالأم، حيث يرغب في أن تشاركه ما يعمل وما يكتشفه من حوله، يستمتع بوجودها ويرغب في أن تستمتع هي أيضاً بنشاطه. وهكذا تزداد حاجته إليها كموضوع تعلق، فيصبح حبيس هذه العلاقة شديد التأثر بحركات الأم وانفعالاتها وتصرفاتها.

إن إدراك الرضيع للفطام أو الانفصال النفسي عن الأم في الشهر 18 وما فوق، يسبب له أزمة أهم مظاهرها سلوكياته التي تتراوح ما بين الاقتراب من الأم والابتعاد عنها مع توقعه لأن تلاحقه وتضمه بين ذراعيها، خوفاً من تخليها عنه. فتبدو عليه نوبات غضب وصراع وتقلب في المزاج وتناقض في التعامل معها، الخوف من الانفصال عنها والرغبة في الاتصال بها، إنها أزمة سرعان ما تنتهي عندما تكون العلاقة دافئة وإيجابية بالأم.

يتضح مما سبق، أن الرضيع في هذه المرحلة كلما خطا خطوة في بناء ذاته كلما زاد تعلقه بالأم، وكلما زاد تعلقه بالأم زاد خوفه من الانفصال عنها، لكن علاقته الإيجابية بها تلعب دوراً أساسياً في تعلقه الآمن المطمئن.

الفترة السادسة تقع بين (18 – 24 شهراً)

تظهر لدى الرضيع في نهاية العام الثاني وبداية الثالث القدرة على تصور الأشياء في عقله أي التعامل بالرموز والخيال، والتي ترتبط عادة بقدرته على استخدام اللغة. ففي العامين الأول والثاني كان نشاط الرضيع وإدراكه يعمل على المستوى الحسي – الحركي، ويعتمد تعلمه ونموه المعرفي على الفعل واللمس والحركة ووجود الشيء مادياً.. بينما في نهاية العام الثاني ينتقل الطفل من مجال الإدراك الحسي الفعلي نحو اللافعلي (أي الرمزي والخيالي)، فيعيد بناء ما كونه على المستوى الحسي – الحركي إلى مستوى التمثل الذهني والرمزي. وتتكون علاقة (القبل والبعد) مما يجعله قادراًعلى تأجيل الاشباع واحتمال الانفصال (المؤقت) عن الأم، فمفاهيم (غداً)
أو (وبعد قليل) مثلاً يمكنه استعمالها. ويدرك الأم كشخص منفصل عن ذاته.

وبذلك يحل محل غياب الأم المادي المؤقت، تمثل لصورة الأم وأساليبها، الأم الطيبة مقابل الأم القاسية. القاعدة الأساسية لنوعية هذه التمثلات هي طبيعة العلاقة بين الأم والرضيع في السنتين الأولى والثانية من عمره، حيث يكون الوجود الفعلي أو الغياب الفعلي للأم هو المسبب للشعور بالخوف من الانفصال أو لشعور الاطمئنان. ومع نمو المستوى المعرفي للطفل وقدرته على تصور الأشياء في غيابها يصبح توقع الغياب أو الحضور ذا أهمية، وثقة الطفل في توفر الأم عند الحاجة إليها أو خوفه من عدم توفرها يعتمد على نوعية التصورات التي كونها عنها.

مع بداية العام الثالث يدرك الطفل أن الأم آخر مستقل عن ذاته وموجود في العالم الخارجي، لكن لها وجود انفعالي ومعرفي داخل نفسه، ويدرك بأن له ذاتاً منفصلة عن الأم بتعبير آخر يقول «هذا أنا».

يتضح مما سبق أن مرحلة الرضاعة هي استمرار للمرحلة الجنينية، فالميلاد البيولوجي يختلف عن الميلاد النفسي الذي يتم في نهاية مرحلة الرضاعة. ورغم أن نمو الرضيع يتم تلقائياً نتيجة التطور الطبيعي لقدراته البيولوجية التي ولد مزوداً بها، إلا أن ذلك التطور لا يتم إلا بتفاعله مع المؤثرات البيئية، والمؤثرات البيئية في هذه المرحلة تتمحور حول حالة الأم النفسية وكيفية تعاملها مع طفلها الرضيع.

يكون الرضيع حبيس العلاقة مع الأم، فأساليبها وطرقها وانفعالاتها تؤثر في نموه النفسي والاجتماعي والعقلي، إن ابتسمت شعر بالرضا والحب وإن عبست انزعج وخاف من تخليها عنه، فكل ماتفعله يأخذه بشكل شخصي. لذلك على الأم أن تدرك تماماً أن تصرفاتها وانفعالاتها – التي قد تكون رد فعل لبكاء الرضيع وطلباته التي قد تبدو لها في بعض الأحيان مزعجة ولا تطاق – بشكل أساسي هي التي تبني ذات الرضيع وتؤدي إلى وجوده الاجتماعي والنفسي. ففي نهاية العام الثاني يكون الطفل قد بنى لنفسه صورة من خلال أمه، وبنى لها صورة في نفسه. تلك الصور تشكل الأساس لشخصيته التي تستمر في النمو بطريقة يعاد فيها بناء ما سبق في كل مرحلة جديدة. لذلك إن كانت صورة الأم قاسية أو غير موثوق في تواجدها عند الحاجة إليها، فإن ميلاده النفسي قد يكون هشاً ويصبح أكثر ميلاً للمخاوف وعدم الشعور بالرضا والأمان.

وملاحظات (سبيتز) توضح دور الأم، حيث قام بملاحظة سلوك مجموعة من الرضع في (ملاجئ أيتام) تتصف رعايتها بالقصور وعدم الثبات، فتبين له ظهور سلسلة من المظاهر السلوكية الاضطرابية على هؤلاء الرضع، كالبكاء المستمر والذهول واللامبالاة بالآخرين، كما ظهر لدى مجموعة أخرى علامات التأخر العقلي. وانتهى (سبيتز) إلى نتيجة هي: «أن تقدم النمو الجسمي والعقلي مرهون بحسن العلاقة بين الرضيع وأمه». إن تعلق الرضيع بأمه يكون جيداً إذا تعاملت معه بطريقة ملائمة، أي إقامة علاقة أساسها التقبل وتلبية حاجاته المادية والعاطفية. وعندما يرتبط الطفل بأمه بنجاح يكون بمقدوره مواجهة العالم الخارجي باطمئنان، وأسلوب الارتباط يتوقف على كيفية استجابة الأم لإشارات الرضيع.

ولأوضح طبيعة العلاقة بين الرضيع والأم والتي تؤدي إلى أساس فيه أمان وثقة بالنفس لدى الطفل، سأتحدث عن:

أساليب الأم التي تؤدي إلى استخراج أقصى ما يمكن من الرضيع:

– تقديم العطف والحنان: النظر في عيني الرضيع واللمس والتقبيل والربت والدلك والعناق والتحدث بصوت هادئ.. كلها أساليب تقوي الرابطة العاطفية بين الأم والرضيع وتؤدي إلى نموه النفسي والاجتماعي. كما أن عملية الرضاعة من أساسها مسألة عاطفية وليست مجرد عملية إطعام، لذلك تفضل الرضاعة الطبيعية – حيث وضعية الرضيع تقوي الرابطة بينه وبين أمه – على الرضاعة من الزجاجة.

– تنمية المهارات العقلية: ينموعقل الطفل في الوزن والحجم تلقائياً، لكن تعريضه لتحديات ومواقف جديدة هو الذي يوسع إدراكه ويدربه على حل المشكلات، فيتعلم خطوات التفكير العلمي وينمو العقل المفكر والمبدع. فالعقل ينمو بالتحفيز، لذلك البيئة الغنية شيء مهم لزيادة قدرة الرضيع العقلية، فالألعاب المناسبة للسن: محاولة لمس شيء، أو التمييز بين أشكال مختلفة، أو تصفيف مكعبات، أو جمع متشابهات.. كل ذلك ينمي مهارات الرضيع العقلية.

يستخدم الرضيع في الأشهر الأولى من عمره حواس السمع واللمس والذوق والشم والنظر ليكتشف الأشياء، لذلك تستهويه الألعاب المتحركة والملونة والتي تصدر أصواتاً. وبعد الشهر السادس ينمو عقلياً ويصل إلى فكرة «دوام الموضوع»، أي معرفة أن ما لا يراه لا زال موجوداً، لذلك تستهويه بفرحة وابتهاج ألعاب إخفاء الشيء وإظهاره، وألعاب قرب وبعد. وبعد العام الأول ومع تدرجه في النمو تستهويه ألعاباً أكثر تطور والتي تتحدى إمكانياته، أو ما يمكن أن نطلق عليه «الألعاب الذكية» التي تعتمد على استخدام خطوات البحث العلمي للوصول إلى حلول وتكملة للموضوع، كألعاب الفك والتصفيف والتركيب والجمع والتلصيق والتكميل.. التي تنمي لديه خطوات التفكير العلمي والمبدع. كما أن توجيهات الأم ودعمها للرضيع أثناء لعبه واستجابته للمثيرات يقوي الرابطة بينهما، فيواجه العالم بثقة ومشاعر أمان وطمأنينة.

– التدريب على الاكتشاف والتفرد: الأم من خلال دورها في الرعاية وتقديم الحنان، تساعد الرضيع لينمو كشخص منفرد ومستقل من خلال حبه لاكتشاف العالم من حوله، وفي نفس الوقت تبني علاقة حميمية عاطفية معه تعطيه مشاعر الأمان والثقة والطمأنينة. ويتطلب إيجاد التوازن بين ارتباط الرضيع بها وانفصاله عنها أساليب تربوية فيها الكثير من الحكمة، فهو من ناحية يحتاج إلى أن تلازمه الأم معظم الوقت خوفاً من أن يؤذي نفسه، ومن ناحية أخرى يحتاج تشجيعها ليكتشف ما حوله فهو يزحف ويمشي ويمسك بالأشياء يشمها ويحركها ويرميها ويضعها في فمه.. إن هي استخدمت أساليب الصراخ والعنف والحماية المبالغ فيها والتهديد بالهجر أو التلاعب بالحب مثلاً (ابتعد عني أو لا أحبك إن فعلت كذا..) فإنها تخيفه وتعيق ميله للبحث والاكتشاف والتفرد. وتشجعه على الاكتشاف والتفرد إن هي استخدمت أساليب العطف ومنح الحب، واستخدمت نبرة صوت حازمة وهادئة لتقول له كلمة (لا) أو انتبه، ووضعت القواعد والنظام وهيأت بيئة آمنة من حوله (كاستعمالها لقفص اللعب وحببته فيه، أو رتبت غرفة للجلوس خالية من الأشياء المدببة والمؤذية، وأبعدت كل ما هو قابل للكسر عن متناول يده..)، وعملت على توجيهه ومشاركته اللعب أحياناً..

إن وجود الأم الفعلي والإيجابي هو الذي يساعد الرضيع على التفرد واستكشاف ما حوله، فتنمو قدراته العقلية والمعرفية.

– النظام اليومي والقواعد: تنظيم وقت النوم والأكل والحمام والمكان.. بشكل روتيني دون أن يتحول إلى آلي خال من المرونة والعطف، كلها أمور أساسية لنمو الطفل بشكل إيجابي. فالرضيع يتبرمج عقله اعتماداً على التكرار وتوقع الأحداث فتتكون لديه عادات صحية. تلك العادات تكتسب في مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة، وتميل إلى أن تلازمه طوال مسيرة حياته.

في الأسابيع الأولى من عمر الرضيع لا بد من المرونة في التعامل مع بكائه وأوقات نومه وإرضاعه. وفي الشهر الثاني على الأم أن تبدأ في عملية التنظيم مع الحرص على استخدامها لأساليب العطف وتقديم الحب والحزم.

– التناغم مع الطبيعة: الإنسان جزء من الطبيعة ولكي يعيش بشكل متناغم ومنسجم، لا بد له من أن يحب الطبيعة ويؤسس علاقة معها ليتعلم منها الاسترخاء والتأمل والنظام والصبر، ولتزوده بالقوة.

من لحظة الميلاد، يرتاح الرضيع عند سماع الأصوات الهادئة والمنتظمة، كصوت حفيف الأشجار وزقزقة العصافير وخرير المياه.. ويهدأ إن تعرض للهواء الطلق ورأى المناظر الجميلة.. لذلك من المهم إخراج الرضيع إلى الأماكن الطبيعية بشكل مستمر ومنتظم، وعندما يرتبط خروجه بمداعبات الأم وحديثها الهادئ معه وشرحها لما يراه، سوف تتوسع مداركه ويحب الطبيعة ويتعلق بها.

– الإيحاءات الإيجابية: العبارات الإيجابية من قبيل، أنت جميل، أنا أحبك، أنت ذكي، أنت لطيف.. كلها عبارات يتبرمج الرضيع عليها مع تكرار سماعه لها، فتصبح من مكونات عقله الباطن.

فرغم أن الرضيع يبدو في شهوره الأولى وكأنه لا يعي ما يمكن أن تقوله الأم له، إلا أنه يسمع، وقدرته على التعلم كبيرة جداً. فالرضيع في نهاية عامه الأول يمكنه التلفظ بالكثير من الكلمات والعبارات، وفي نهاية عامه الثاني تصبح حصيلته اللغوية متطورة بشكل كبير، فهو سريع التعلم وشديد الحساسية لنبرة الصوت وحركات الوجه والجسد، ويدرك ما تقوله له الأم كحقيقة مسلم بها.

إذاً يتضح مما سبق، أن مرحلة الرضاعة هي استمرار للمرحلة الجنينية، ففي الأولى يتم الميلاد النفسي وفي الثانية يتم الميلاد البيولوجي. وتلعب حالة الأم النفسية ووعيها بمدى أهمية علاقتها الحميمية وأساليبها في التعامل مع الجنين وهو في رحمها ومع الرضيع، دوراً أساسياً في إخراج أقصى ما يمكن من الجنين والرضيع.

لا يعني تركيزنا على دور الأم في حياة الرضيع، أنه ليس للأب أو الآخرين الذين تربطهم بالرضيع علاقة مستمرة ومنتظمة (كالمربية أو الجدة أو الأخ) تأثير في نموه النفسي والاجتماعي، بل أؤكد هنا أن الرضيع يتعلق بأي شخص تربطه به علاقة حميمية، وأن ذلك يؤثر في نموه. وفي الواقع الأب دوره مزدوج، من ناحية علاقته المباشرة بالرضيع تؤثر في نموه النفسي، ومن ناحية أخرى علاقته الزوجية بالأم تؤثر عليها سلباً أو إيجاباً، والتأثير ينتقل للرضيع لأنه هو والأم وحدة واحدة، فعلاقتها بالرضيع بدأت قبل أن يولد وهو لا زال جنيناً في رحمها.

والتساؤلات التي يمكن أن تطرح، ما هي سيكولوجية الرضيع؟ وما هي احتياجاته من الأم؟.

2– سيكولوجية الرضيع

الرضيع مساهم نشيط في علاقته الحميمية بالأم، فسلوكياته: البكاء والابتسامة والمتابعة.. تحث الأم للتقرب منه وتلبية طلباته المادية (كالرضاعة والنظافة والنوم وتخفيف الألم) وطلباته المعنوية (كتقديم الحنان والحب والاهتمام)، ومن ثم تنمو رابطة قوية بينهما. فالرضيع مبرمج بيولوجياً للتعلق بالأم والتي هي حاجة أولية لديه، كحاجته للماء والهواء، فهو غير موجود إن لم تعترف الأم بوجوده.

يولد الرضيع ولديه حالة مزاجية معينة، تكونت لديه وهو في مرحلة التكوين داخل رحم أمه. فمن جهة بسبب العوامل الوراثية التي يحملها من أمه وأبيه، ومن جهة أخرى بسبب تفاعل تلك العوامل مع الظروف البيئية التي انتقلت إليه عن طريق دم الأم.

تلك الحالة المزاجية تؤثر على طبيعة العلاقة بينه وبين أمه، ويمكننا أن نصنف المواليد إلى ثلاثة أصناف، هي:

– المولود السهل: يتصف المولود السهل بمزاج جيد وهادئ، يميل للنظام في أوقات نومه ورضاعته.

– المولود الصعب: يتصف المولود الصعب بمزاج سلبي، وكثرة البكاء، وحساسية شديدة، واضطراب في عادات النوم والرضاعة.

– المولود البطيء: يتصف المولود البطيء بمزاج سلبي أحياناً، ونشاط بطيء.

بناءً على التصنيفات السابقة، فإن تفاعل المولود السهل مع الأم يجعل ردود أفعالها أكثر ميلاً للإيجابية، بينما تفاعلها مع المولود الصعب أو البطيء يجعل ردود أفعالها أكثر ميلاً للسلبية. لذلك حالة الرضيع المزاجية عند الميلاد تساهم في تحديد نوعية تفاعل الأم معه، خاصة وأن الكثير من الأمهات والآباء ينقصهم الوعي الكافي بمدى أهمية ردود أفعالهم تجاه أطفالهم الرضع، ويغيب عن أذهانهم أن تصرفاتهم وأساليبهم في التعامل هي التي تشكل شخصيات أبنائهم.

الرابطة العاطفية القوية التي تنمو بين الأم والرضيع تختلف نوعيتها حسب طبيعة العلاقة بينهما، كما أن الرضيع يختلف في اتجاه نموه النفسي الاجتماعي سلباً أو إيجاباً حسب نوعية تلك العلاقة. وقد حدد العالم النفسي (بولبي) مؤسس نظرية (الارتباط أو التعلق) معنى الارتباط في أنه مزيج من مشاعر الخوف والحب والغضب: فالرضيع يتعلق بالأم، وفي نفس الوقت يشعر بالخوف إن هي ابتعدت عنه أو تعاملت معه بقسوة أو تجاهل أو حماية مبالغ فيها، ويغضب منها ليمنع ما يحدث من تهديد راغباً في حبها. كما حدد (بولبي) ثلاثة أنواع من الرضع حسب طبيعة ارتباطهم بالأم، يُظهر الرضيع في كل نوع منها أنماطاً مختلفة من السلوكيات، وسأوضح ذلك في فيما يلي:

– الارتباط الآمن: يشعر الرضيع هنا بالآمان والطمأنينة في علاقته بالأم، ويتوقع تواجدها عند الحاجة إليها. ويبدو الرضيع هنا نشيطاً وسهلاً ومحبوباً من قبل الآخرين.

بالمقابل تميل أساليب الأم في طريقة تعاملها مع الرضيع للإيجابية، فهي تستجيب لإشاراته – كبكائه وابتسامته ونظراته – بطريقة مناسبة ومتجاوبة، سهلة المنال عندما يحتاج إليها، منظمة في تلبية احتياجاته، متفاهمة في علاقتها الزوجية، وواثقة من نفسها وهادئة في ردود أفعالها.

– الارتباط القلق أو المتناقض: يغلب في طبيعة الرضيع هنا القلق والتناقض في علاقته بالأم، كثير البكاء، يلتصق بالأم ويرفضها. يشعر بأن الأم لا تستجيب له عند حاجته إليها وصعبة المنال، يخاف الانفصال عنها ويخاف الغرباء والمواقف الغريبة.

بالمقابل تميل أساليب الأم مع الرضيع إلى أن تكون غير مستقرة، فهي تقترب منه تلاطفه وتقبله، وفي نفس الوقت قد تصرخ عليه وتهدده بعدم حبه وهجره. لا تعطيه شعوراً بالثقة في عطفها وقوتها. إنها أم متعبة وقلقة بسبب خلافاتها الزوجية، وميلها للحزن والاكتئاب.

– الارتباط المتجنب: يميل الرضيع هنا للقلق وكثرة البكاء، تبدو عليه دلائل العنف مع الآخرين، ويميل للرفض والتجنب، لا يشعر بالثقة في تواجد الأم عند حاجته إليها.

بالمقابل تميل أساليب الأم التربوية للقسوة والعنف والصراخ، إنها أم صعبة المنال وتعيش مشاكل زوجية، وينقصها القدرة على التعبير العاطفي والحنان.

لقد أظهرت الدراسات إلى أن نوع الارتباط لدى الأطفال في السنوات الأولى من العمر (سواء أكان الارتباط آمناً أو قلقاً أو متجنباً) يميل لأن يبقى ويستمر في المراحل التالية (المراهقة والرشد).

كما أظهرت الدراسات في هذا المجال، أن الارتباط الآمن يؤدي إلى نمو إيجابي في جميع الجوانب الاجتماعية والنفسية والعقلية في المراحل اللاحقة، بالمقابل الارتباط القلق يؤدي إلى الخجل والانسحاب والاعتماد المفرط على الآخر، بينما الارتباط المتجنب يؤدي إلى العنف والعدوانية والتمرد والانحراف.

والسابق يؤكد مدى أهمية مرحلة الرضاعة في حياة الشخص، فهي الأساس وبذور الاضطرابات النفسية والاجتماعية تبدأ منها.

في نهاية الشهر السابع، ومع نمو قدرة الرضيع (العقلية – المعرفية) وبداية الوعي بالذات، تظهر دلائل الارتباط بالأم. وأهمها الخوف من الانفصال عن الموضوع الذي يعطيه المعنى والتعريف (الأم)، والخوف من الغرباء ومن كل ما هو غريب وغير مألوف.

يقول (بولبي): إنه من مجرد ملاحظة الرضع خلال الحياة اليومية، يتبين أن وجود أم متجاوبة يجعل الرضيع مرتاحاً بشكل عام، ويتحرك ويستكشف عالمه بثقة وشجاعة مقارنة في حال غيابها فإنه يميل للضيق والحزن، ويستجيب لكل أنواع المواقف الغريبة بالانزعاج. علاوة على ذلك، عندما تغيب الأم أو تبتعد يقوم الرضيع بردود أفعال تهدف إلى استردادها أو تسهيل وجودها، ويكون قلقاً حتى يحقق هدفه.

وتظهر الفروق الفردية بين الرضع في درجة الخوف وشدته، ويعود ذلك إلى طبيعة العلاقة بين الأم والرضيع، فالخوف من الغرباء يظهر بوضوح أكثر لدى الرضيع الذي لا يرى سوى أمه. وأيضاً تزداد شدة الخوف عندما تكون الأم نفسها هي مصدر لهذا الخوف، ربما بالتهديد أو العنف أو الحماية المبالغ فيها.. ففي مثل هذه المواقف يكون الرضيع قابلاً للتعلق بموضوع التهديد بدلاً من أن يهرب بعيداً عنه، وكنتيجة لهذا تصبح الصراعات لديه حتمية نتيجة شعوره بالإحباط من موضوع ارتباطه، أي أن ارتباطه بها يكون تعلقاً مريضاً. فالرضيع يحتاج إلى أن يشعر بالأمان معها وفي نفس الوقت لا توفر له ذلك، إنها موضوع حب وفي نفس الوقت يشعر بالخوف من رفضها له وتخليها عنه، يقترب منها طلباً للحماية ويبتعد عنها لأنها تخيفه..

يتصاعد التفاعل بين الرضيع والأم (والوالدين عموماً) كدائرة إلزامية إما سلباً أو إيجاباً حسب طبيعة الارتباط بينهما، فالرضيع مساهم نشيط في تشكيل استجابات أمه، كما أن الأم تعمل على تعزيز سلوكياته. فكلما زاد عنف الأم واستياؤها من الرضيع الصعب ازداد هو قلقاً وغضباً، مما يؤدي إلى أن يكون الاستياء والغضب متبادلاً بينهما.

إذاً الخوف من الانفصال والخوف من الغرباء هي مخاوف ملازمة لميلاد الرضيع النفسي، ويعاد بناؤها مع كل مرحلة جديدة ومع كل ارتباط بموضوعات جديدة. فالذات تنمو باستمرار نتيجة الارتباط بموضوعات حميمية، الأم أولاً ثم الأب والأخ والابن والزوج..

هكذا يتضح أن مرحلة الرضاعة، هي مرحلة ميلاد ذات الرضيع، أو وجود الرضيع النفسي والاجتماعي. وترتبط هذه المرحلة بوجود الأم الفعلي لذلك من المهم أن تنظم تواجدها أمام طفلها، وأن تستخدم الأساليب الإيجابية في تربيته.

والسؤال الذي يمكن أن يطرح، ما هي احتياجات الرضيع من الأم التي من خلالها تتفاعل معه، وتحقق له الارتباط الآمن أو غير الآمن؟.

3– احتياجات الرضيع

من خلال تلبية الأم لاحتياجات طفلها الرضيع ينمو ارتباطاً قوياً بينهما، والذي قد يكون ارتباطاً آمناً أو قلقاً أو متجنباً. ومن خلال تلبيتها لاحتياجاته ينمو الرضيع معرفياً وعقلياً واجتماعياً.

قد يدور في ذهننا أنه من البديهي أن تحب الأم طفلها وتلبي احتياجاته، ولكن رغم أن نية الأمهات غالباً حسنة، إلا أنه قد يكون هناك نقص في الوعي التربوي وجهل في سيكولوجية الرضيع وطريقة التواصل معه، فأساليب تلبية احتياجات الرضيع هي التي تحدد إن كان نموه سيسير في اتجاه إيجابي أوسلبي.

وأبين هنا أهم احتياجات الرضيع وأساليب تلبيتها، وهي:

الحاجة للتواصل

يولد الرضيع ولديه قدرة فطرية للتواصل مع الآخرين، فهو يبكي ويبتسم ويشعر بالارتياح والانزعاج.. تلك الإشارات تدفع الأم لرعايته والاتصال به.

الأم هي الشخص الأول الذي يتصل الرضيع به – فعن طريق اتصالها الجسمي به، وفهمها لأنواع بكائه، وحديثها معه – تنمي قدرته على التواصل مع الآخرين.

اتصال الأم الجسمي بالرضيع حاجة أولية بالنسبة له، فهو ينمو بالوجود الفعلي للأم، بالعناق والربت واللمس والنظر.. أكثر ما يمتع الرضيع في السنة الأولى، الاتصال الجسدي الحميمي وتأمل الوجه والهدهدة ونبرة الصوت والموسيقى والأشياء الملونة والمتحركة والتدليك.. هو يحتاج إلى الحب والحنان وليس مجرد رعاية وإطعام.. ونتائج تجربة (هارلو) 1959 أكدت أن ارتباط الرضيع بالأم لا يرتبط بمواقف الرضاعة قدر ما يرتبط بالاتصال الجسمي. فقد أجرى تجربته على صغار القردة، حيث حصل بعضها على الحليب من تمثال مكسو بثوب اسفنجي، وبعضها حصل عليه من تمثال حديدي عار، فتبين أن صغار القردة فضلت الجلوس أمام التمثال المكسو (يماثل الأم البديلة) حتى وإن حصلت على الحليب من الأم المعدنية. إضافة إلى أن القرود التي تغذت من الأم المكسوة كانت سعيدة وتتمتع بالصحة، بينما الأخرى كانت خائفة ومتوترة وضعيفة بدنياً.

يستخدم الرضيع البكاء كوسيلة أساسية للتعبير عن رغباته وانزعاجه، ويختلف البكاء في نغمته وشدته حسب احتياجاته، جائع أو متألم أو منزعج أو يرغب في الاهتمام. وأوضح أنواع البكاء في الآتي:

البكاء العالي المتواصل ويصاحبه صوت أنين، يدل على أن الرضيع يعاني من الألم أو المغص لذلك على الأم أن تستجيب له في الحال، لتجد له الحل أو العلاج المناسب. أما البكاء العالي المتقطع، فيدل على أن الرضيع يعاني من الجوع.

البكاء المتموج الذي يبدأ بالعويل، ثم يهدأ الرضيع قليلاً ليأخذ فاصلاً من الراحة ويراقب تأثير بكائه على والدته، ثم يتابع البكاء من جديد. هو هنا يحاول جذب اهتمام أمه ولفت نظرها إليه.

مع الخبرة والمراقبة الواعية تستطيع الأم أن تميز الفرق بين أنواع بكاء الرضيع، وبالهدوء والحكمة يمكنها أن توضح للرضيع أنها هي المتحكمة في مواقف بكائه، وليس هو من يتحكم فيها.

في الأشهر الأولى من عمر الرضيع، من الأهمية أن تستجيب الأم لبكائه بسرعة، وتتجنب تركه يبكي إلى أن يهدأ من تلقاء نفسه، لأن ذلك يشعره بالرفض والخوف، فهو يحتاج إلى الحنان والأمان بين يدي أمه وهي تحتضنه وتلبي احتياجاته. وفي الأشهر التالية يمكنها أن تتريث قبل أن تستجيب لبكائه كي لا يستخدم التمادي في البكاء كوسيلة للتلاعب بالأم والتحكم في أحاسيسها. فمن الضروري السيطرة على مواقف بكائه وتعويده على النظام، فمثلاً: إن استسلم للبكاء بعد الرضعة مباشرة، من الخطأ أن ترضعه الأم ثانية في تلك اللحظة، يجب أن تنتظر إلى أن يحين موعد الرضعة التالية (بعد 3 ساعات)، وفي نفس الوقت يمكنها أن تتحدث إليه وتحتضنه وتداعبه إلى أن يهدأ، كما أن تجاهله لبعض الوقت قد يكون مفيداً. فطريقة استجابة الأم (بهدوء أو غضب أو قلق أو تعاطف وتقبل) وسرعة استجابتها له، تؤثر على كيفية تواصل الرضيع مع أمه والآخرين فيما بعد.

على الأم أن تبتسم وتضحك مع طفلها، وتتحدث إليه كما لوكان يفهم كل ما تقوله له، من أجل أن تنمي قدرته اللغوية وقدرته على التواصل.

ومن الأهمية أيضاً، أن تدع طفلها يشاركها ما تفعل، ويساعدها في بعض المهام البسيطة، وأن تثني عليه عندما يقوم بذلك. فذلك ينمي قدرته على الاستقلالية ويعلمه تحمل المسئولية.

الحاجة للرضاعة

يستطيع الطفل بعد ميلاده مباشرة أن يرضع من ثدي أمه (أو من الرضاعة الزجاجية). وعملية الرضاعة هي ليست فقط لإشباع حاجة الرضيع للتغذية الجسمية، بل هي أيضاً مسألة عاطفية لإشباع حاجته للحب والحنان.

لذلك يؤكد المهتمون في هذا المجال على أهمية الرضاعة الطبيعية (من ثدي الأم) مقارنة بالرضاعة الصناعية، للأسباب التالية:

– الرضاعة الطبيعية تقوي الرابطة العاطفية بين الأم والرضيع، فطريقة احتضان الأم لطفلها وهو يرضع من ثديها تؤكد الاتصال الجسمي الحميمي بينهما، والذي هو أساسي من أجل صحة الرضيع النفسية والعقلية.

– حليب الأم يحتوي على المواد الكربوهيدراتية والبروتينية والفيتامينات والدهون والمعادن، إضافة إلى الأجسام المضادة التي تعمل على تقوية جهاز المناعة. بالمقابل الحليب الصناعي لا يحتوي على الأجسام المضادة.

– يفرز ثدي الأم في الأيام الأولى بعد الولادة مادة تسمى «اللبأ»، وهي مادة تحتوي على الأجسام المضادة التي تحمي الرضيع من الالتهابات.

– الرضاعة الطبيعية تحمي الرضيع من أمراض البرد والإسهال والقيء في الستة أشهر الأولى من عمره، كما يكون الطفل أقل عرضة للإصابة بالأمراض المُعدية، بينما الرضاعة الصناعية لا تحمي الرضيع من ذلك. إضافة إلى أن الزجاجة تحتاج إلى تعقيم، وقد تتعرض للتلوث بسبب إهمال الأم مما يؤدي إلى إصابة الرضيع بالإسهال أو القيء أو الإثنين معاً.

– الرضاعة الصناعية تحتاج إلى تحديد كمية الحليب، بينما في الرضاعة الطبيعية كمية الحليب تتناسب طرداً مع طلب الرضيع، وتتناسب مع مستوى نمو جسده.

– إجراءات الرضاعة الطبيعية أسهل بالنسبة للأم، مقارنة بالرضاعة الصناعية التي تتطلب تسخين الماء وتعقيم الزجاجة والحلمات.

– النقطة الإيجابية للرضاعة الصناعية هي أنه يمكن للأم ترك طفلها لزوجها أو أحد معارفها في فترة غيابها.

– من محاذير الرضاعة الصناعية، الانتباه لدرجة حرارة الماء داخل الزجاجة فيجب أن تكون مناسبة لحرارة الحليب الطبيعي، وأن تكون فتحة الرضاعة مناسبة للتحكم في كمية الحليب الخارجة منها، ومسك الرضاعة بشكل زاوية منفرجة كي لا يدخل الهواء مع الحليب مما يؤدي لدخول غازات إلى معدة الرضيع فيصاب بالمغص.

– بالنسبة للرضاعة الطبيعية تحتاج الأم إلى التغذية المتوازنة المحتوية على المعادن والكالسيوم والبروتينات والفيتامينات، وأيضاً تحتاج إلى كميات مناسبة من السوائل، وتحتاج إلى الاهتمام براحتها النفسية والجسمية.

– إجراءات الرضاعة الطبيعية أسهل بالنسبة للأم من الرضاعة الصناعية، فهي مضبوطة لا تحتاج إلى تعقيم أو ضبط فتحة الحلمة أو ضبط كمية الحليب.

يحتاج الرضيع في الستة أشهر الأولى من عمره إلى الحليب فقط، ويمكن إعطاؤه الطعام ابتداءً من الشهر السادس بطريقة تدريجية، يعطى في المرات الأولى ملعقتان إلى ثلاثة ملاعق في اليوم. ومن الأفضل أن يقدم له في كل مرة نوع واحد، لتتمكن الأم من معرفة ما الذي يرغبه الرضيع من أنواع الطعام وإن كان سيسبب له حساسية أم لا. كما يفضل أن يعطى له الطعام في وقت معين وثابت، في الغداء أو الفطور.

يحتاج الرضيع بعد الشهر الثامن إلى الطعام أكثر من حاجته إلى الحليب، فتدريجياً ستنقص عدد الرضعات مقابل زيادة عدد الوجبات. وهذا لا يعني أن تتوقف الأم عن إرضاعه، بل يقلل العدد إلى مرتين في اليوم بعد العام الأول.

ولكي تتم عملية الفطام بسهولة وتدريجياً، في بداية العام الثاني أو نهايته، لا بد للأم من أن تحافظ على تنقيص عدد الرضعات مقابل زيادة عدد الوجبات مع الحرص على عدم إرضاعه إن هو رفض وجبة طعام. كما يجب أن تحرص على أن تكون وجبات الطعام صحية (خضروات وفواكه ولحوم)، وتبتعد عن المأكولات الضارة والتي قد تعجب الأطفال كالشيبس والمكسرات والسكريات، وعدم استعمال تلك المأكولات كمكافأة على إنهائه وجبة طعامه.

عملية تناول الطعام بالنسبة للرضيع تماثل أي نشاط آخر (اللعب والنظافة والاستكشاف والنظام) يرغب من خلالها أن يشعر باستقلاليته وتميزه، فيدرك من خلال خبرته مع أمه مدى أهمية أن يأكل بالنسبة لها. لذلك مواقف إطعام الرضيع التي قد تبدو مسألة سهلة قد تتحول في كثير من الأحيان إلى مواقف صراع وعراك بين الأم وطفلها إن لم تتحلَ بالصبر والهدوء (سأوضح المشكلة وطرق حلها في الجزء الثالث).

وقد تصبح أوقات تناول الطعام مليئة بالمتعة والمرح لكل من الرضيع والأم، في حالة أن وضعت الأم مجموعة من القواعد لتنظيم عملية إطعام الرضيع. فتعليم الرضيع كيف يأكل، وماذا يأكل، تعتبر من مهمات الأم الأساسية.

الحاجة للنظافة

يبكي الرضيع منزعجاً عندما يكون متسخاً أو مبللاً. ومن ناحية بيولوجية لا يمكنه التحكم في مثانته أو أمعائه قبل سن 18 شهراً، ويتطلب الأمر تدريباً وتعلماً ليدرك حاجته للذهاب إلى الحمام ويكون ذلك ما بين (2 إلى 3 سنوات).

تدريب الطفل للتحكم في مثانته وأمعائه، تتطلب من الأم اتباع قواعد معينة كي تصل إلى الهدف المطلوب، دون أن يتأزم الطفل أو أن تضطرب العلاقة بينهما. ومن أهم تلك القواعد ما يلي:

– تبدأ عملية تدريب الرضيع على دخول الحمام ابتداءً من سن (2 سنة) إذ في هذه الفترة يمكنه التعلم خلال أسبوع أو أسبوعين، فهي الفترة المناسبة لأن أجهزته المرتبطة بعملية التحكم في البول والبراز تكون قد بلغت مرحلة كافية من النضج من أجل إمكانية تدريبه. وأي تعليم أو تدريب قبل هذه السن قد تسبب إرهاقاً للأم وإحباطاً للرضيع، عدا أن ذلك قد يستغرق وقتاً طويلاً لأن الرضيع بيولوجياً غير مهيأ للتدريب.

– بعد أن يتعلم الطفل التحكم في عملية التبول قد ينسى أحياناً ويبلل نفسه ويحصل ذلك عندما يكون مشغولاً باللعب أو غيره، وينزعج هو لذلك. في هذه الحالة يجب على الأم ألا تضخم الأمر وتأخذ الموقف ببساطة وهدوء، كي لا يحاول الطفل استغلال تلك المواقف لصالحه، وتتأزم علاقته بأمه، ومن ثم تضطرب شخصيته.

– على الأم أن تلبي طلب الطفل فوراً عندما يطلب منها دخول الحمام، فعادة يطالب بذلك في لحظات متأخرة، وأي تأخير من طرفها يجعل إمكانية تحكمه في عملية التبول أصعب.

– يجب أن تكون الفترة التي يقضيها الطفل في الاستحمام ممتعة له، فبعض الأطفال يسببون المشاكل نظراً لخوفهم الشديد من الماء. في هذه الحالة على الأم ألا تسخر منه وألا تجبره على الاستحمام بشكل عنيف، بل تعمل على تشجيع الطفل ليثق بنفسه وتهيئته ليتقبل ويألف الماء تدريجياً، مستخدمة في ذلك أساليب اللعب والمرح.

الحاجة للنوم

يساعد نوم الرضيع الكافي والمنظم على تطوره في اتجاه إيجابي. وتلعب الأم دوراً أساسياً في إرساء عادات صحية تنظم بها نوم الرضيع، وتساعده على الشعور بالأمان والاسترخاء، ويمكن أن أوضح ذلك في الآتي:

– يمكن للرضيع بعد ميلاده مباشرة وإلى سن (3 أشهر) النوم في غرفة والديه، ويمكن للأم إرضاعه دون أن تلاعبه عندما يبكي ليلاً، ثم تعيده إلى مكانه. وإذا استمر في البكاء يمكنها أن تدلك بطنه وظهره دون أن تحمله فربما يحتاج إلى اهتمام وشعور بالأمان، إلا إذا كان بكاؤه مستمراً وأدركت أنه يعاني من مغص، في هذه الحالة تقوم بالإجراءات المناسبة من أجل تخفيف ألمه.

– بعد أن يبلغ الرضيع من عمره (3 أشهر) من الأفضل أن ينام في غرفة أخرى لكنها قريبة من غرفة الأم حتى تتمكن من سماع بكائه.

– من الأهمية تنظيم أوقات نوم الرضيع، لتترسخ لديه عادة النوم في نفس التوقيت من كل يوم. وأيضاً من الأهمية عدم تغيير مكان نومه، فالطفل يميل إلى التعلق بسريره وألعابه.

– الرضيع الذي يكثر من البكاء ليلا يربك الأم، وقد تتصرف معه بعنف مما يجعل الأمر يزداد سوءً. في هذه الحالة على الأم أن تتحلى بالهدوء مع عدم اللجوء إلى إسكاته بزيادة عدد الرضعات في الليل كي لا يعتاد ذلك، بل تعمل على تدليكه والربت عليه وهدهدته فربما يحتاج إلى مزيد من مشاعر الأمان والحنان والاهتمام. ويمكنها تجاهل بكائه لبعض الوقت إن لم يكن يعاني من ألم أو لم يكن بكاؤه مستمراً.

– يجب أن تدرب الأم طفلها على الانفصال عنها في فترة ما قبل النوم، وينام في غرفته وليس معها. لذلك يجب أن تحرص على أن تكون تلك الفترة مريحة له، تتحدث في أذنه بعبارات إيجابية مثل: أنا أحبك، أنت جميل.. وتدندن له وتحضنه وتتصرف بهدوء، ففترة ما قبل النوم هي أفضل توقيت لتشعر الأم رضيعها بالأمان والحب والقيمة. ولا بأس من أن تترك بعضاً من الألعاب كالدب المصنوع من القماش على سريره، فهو يتعلق بالألعاب والمكان، وذلك يساهم في منحه مزيداً من إحساس الأمان والألفة.

الحاجة للاستكشاف

ينمو الرضيع معرفياً ونفسياً من خلال جهده في اكتشاف البيئة من حوله، ويتدرج في قدرته على استعمال حواسه ومهاراته الحركية في هذا الاكتشاف. ففي سن (3 أشهر) يمكنه تمييز صوت أمه ووجها، إنه يبتسم ويضحك. يمكنه مسك أشياء بيده ويشعر بملمسها ويكتشفها ويتعلم من خلال ذلك، ويسعد عندما تصدر تلك الأشياء أصواتاً، ويحب أن يرى ويهتم بالألوان والأشكال. ويحدق في يديه ويلعب بأصابعه. ويصدر أصواتاً يستخدمها للتعبير عن نفسه.

ومع نمو قدرته على إخراج الحروف المتنوعة وسماع كلام أمه والمحيطين بها يتعلم اللغة.

يتمكن الرضيع من الجلوس بمفرده في سن (6 أشهر) ومن ثم الزحف، وفي نهاية العام الأول يتمكن من المشي. وكلما نمت المهارات الحركية للرضيع، ازداد نشاطه ورغبته في اكتشاف العالم من حوله، وفي نفس الوقت يخطو خطوات نحو التفرد، وخطوات نحو التطور النفسي والاجتماعي.

ويساهم اللعب الحر غير الموجه، الذي يهواه الرضيع، في منحه فرصاً كبيرة من أجل الاستكشاف، ويساعد في نمو إدراكه ومهاراته. فاللعب بأدوات المطبخ وبالوسادات وبالكرات وجر الأشياء والقفز وفتح أغطية وغلقها والدخول في الممرات وإدخال أشياء في أشياء أخرى.. كل ذلك له فائدة في تطوير التفكير والخيال المبدع لدى الرضع. كما أن اللعب الموجه من قبل الوالدين والمقيد بألعاب معينة، كألعاب الفك والتركيب والجمع.. تساهم في نمو ذكاء الرضيع.

يتضح أن نشاط الرضيع الحركي هو حاجة أساسية لديه، من أجل نموه المعرفي والجسمي والنفسي والاجتماعي. ودور الوالدين أساسي في توجيه نشاط الرضيع ومراقبته لينمو في اتجاه إيجابي.

تأليف: د. فاطمة الكتاني

بواسطة الطاقم الطبي

نحن مجموعة من الأطباء والمتخصصين في القطاع الصحي، نقوم بتقديم الاستشارات الطبية مجاناً والمعلومات والنصائح الطبية الموثوقة منذ عام 2005، ونستهدف الجمهور العام، المثقفون والمهتمون بشؤون صحة الإنسان. للتفاصيل، اضغط هنا

هل لديك سؤال؟ استشارات طبية مجانية