التصنيفات
جهاز التنفس

كيفية الوقاية من أمراض الرئة | سرطان الرئة، الانسداد الرئوي المزمن، الربو | دراسات

القاتل رقم اثنين في أمريكا، أمراض الرئة، يحصد أرواح ما يقارب من ٣٠٠٠٠٠ شخص كل عام, وكما هي الحال مع قاتلنا الأول، مرض القلب، هو مرض يمكن منعه والوقاية منه.

إن أمراض الرئة تأتي في أشكال عديدة، لكن الأمراض الثلاثة الأكثر فتكًا هي: سرطان الرئة، والانسداد الرئوي المزمن، والربو.

وسرطان الرئة هو أكثر السرطانات فتكًا. وأكثر من يموتون بسرطان الرئة وعددهم يربو على ١٦٠ ألفًا كل عام يتسبب به التدخين بشكل مباشر. ورغم هذا فإن التغذية الصحية قد تساعد على تخفيف الآثار المدمرة لتدخين التبغ، كما قد تمنع أيضًا انتشار السرطان.

أما الانسداد الرئوي الذي يقتل ما يقارب من ١٤٠ ألف شخص كل عام، ويكون إما بتدمير جدر الأكياس الهوائية الصغيرة في الرئة ( انتفاخ الرئة) أو بالتهاب وتضخم الشعب الهوائية التي تمتلئ بالمخاط الكثيف (التهاب القصبة المزمن). ورغم أنه لا وجود لعلاج الضرر الدائم الذي يصيب الرئة من جراء الانسداد الرئوي، فإن التغذية الغنية بالفواكه والخضراوات قد تساعد على إبطاء تطور المرض وتحسين وظيفة الرئة لثلاثة عشر مليون شخص يعانون هذا المرض.

وأخيرًا الربو المسئول عن وفاة ٣٠٠٠ شخص كل عام هو أحد أكثر الأمراض المزمنة شيوعًا بين الأطفال، إلا أن بالإمكان الوقاية منه بالتغذية الصحية. تشير الأبحاث إلى أن زيادة الكمية من الفواكه والخضراوات التي تقدم كل يوم تقلل من عدد حالات الربو خلال مرحلة الطفولة, وكذا عدد نوبات الربو التي تصيب من يعانون ذلك المرض.

الوقاية من سرطان الرئة

تشخص ٢٢٠٠٠٠ حالة سنويًّا بالولايات المتحدة بأنها سرطان رئة, ويتسبب هذا السرطان في وفاة ما يعادل إجمالي الوفيات التي تسببها الأنواع الثلاثة التي تليه من السرطانات – وهي سرطان القولون، والثدي، والبنكرياس. ١ ويمكننا القول إن هناك ٤٠٠٠٠٠ ألف حالة تقريبًا تقع تحت وطأة هذا السرطان. وعلى خلاف مرض القلب، الذي لا خلاف على أن سببه المباشر هو نمط الغذاء المسبب لانسداد الشرايين، فإن ثمة انطباعًا منتشرًا بأن تدخين التبغ هو السبب الأكثر شيوعًا لسرطان الرئة، فحسب جمعية الرئة الأمريكية، فإن تدخين التبغ يسهم بما يزيد على ٩٠٪ من وفيات سرطان الرئة. إن المدخنين من الرجال تزيد نسبة إصابتهم بمقدار ثلاث وعشرين مرة والمدخنات من النساء تزيد نسبة إصابتهن عن غير المدخنات من النساء بمقدار ثلاث عشرة مرة. ولا يؤذي المدخنون أنفسهم فحسب، فهناك آلاف من حالات الوفيات التي تعزى للتدخين السلبي. غير المدخنين ممن في مخالطة منتظمة لشخص مدخن تزيد فرص إصابتهم بسرطان الرئة بنسبة تتراوح بين ٢٠ و٣٠٪.

إن العبارات التحذيرية الموضوعة على علب السجائر هي في كل مكان الآن، لكن الصلة بين التدخين وسرطان الرئة ظلت حقيقة مخفية بفعل مجموعات المصالح النافذة – تمامًا كما يتم الآن إخفاء الصلة بين الطعام وأكثر أمراضنا فتكًا، ففي الثمانينيات، مثلًا، أطلق منتج السجائر الأمريكي الأكبر – فيليب موريس – مشروع وايتكوت سيئ السمعة؛ فقد قامت الشركة بتشغيل أطباء يقومون بنشر دراسات مجهولة المصدر تقوم بنفي كل رابط بين التدخين السلبي وأمراض الرئة. هذه الأبحاث تعمد إلى اختيارات انتقائية لتقارير عملية مختلفة تقوم من خلالها بإخفاء وتشويه الدليل القاطع بوجود مخاطر للتدخين السلبي. تبييض الصورة هذا يأتي مقرونًا بحملات تسويق ذكية، تشمل إعلانات هزلية الطابع، تساعد على ارتباط أجيال الأمريكيين المتتالية بمنتجاتهم.

إذا كنت حاليًّا من المدخنين رغم كل هذه الأدلة والتحذيرات، فإن أهم خطوة يمكنك الإقدام عليها هي التوقف. والآن من فضلك، تأكد أن فوائد الإقلاع فورية, ووفقًا لجمعية السرطان الأمريكية، فإنه بعد الإقلاع بعشرين دقيقة فقط، ينخفض معدل نبضك ومستوى ضغط الدم. وخلال أسابيع معدودة، تتحسن الدورة الدموية وعمل الرئة. وخلال أشهر، تبدأ الخلايا الماسحة في النمو من جديد والتي تقوم بتنظيف الرئة وإزالة البلغم وتقليل خطر العدوى. وخلال عام واحد من الإقلاع، تتراجع فرص الإصابة بأمراض القلب المرتبطة بالتدخين إلى نصف فرصها بالنسبة للمدخنين. إن الجسد البشري يملك قدرة باهرة على مساعدة نفسه على التعافي ما دمنا توقفنا عن إحداث الإصابة به مجددًا. والتغييرات البسيطة في النمط الغذائي تساعد على رتق الضرر الذي تحدثه مسببات السرطان.

احمل من البروكلي قدر استطاعتك

من المهم أولًا أن نعي الآثار السامة للسجائر؛ فدخان السجائر يحوي مواد كيماوية تضعف مناعة الجسم، وتجعله أكثر عرضة للمرض وتعوق قدرته على تدمير الخلايا السرطانية. في الوقت ذاته، يمكن لدخان السجائر أن يدمر التركيب الجيني للخلية، فيزيد فرص تكون الخلايا السرطانية وازدهارها بالأساس.

ولاختبار مدى قدرة التدخل الغذائي في منع تدمير التركيب الوراثي للخلايا، غالبًا ما يقوم العلماء بدراسة المدخنين المزمنين. لقد كون الباحثون مجموعة من المدخنين لفترات طويلة من حياتهم وطلبوا منهم استهلاكًا من البروكلي يزيد بمقدار خمس وعشرين مرة على استهلاك الشخص الأمريكي في المتوسط – بمعنى، أن يتناولوا ساقًا واحدة منه كل يوم. وبمقارنتهم بمن رفضوا تناول البروكلي، ظهر أن نسبة تشوه المادة الوراثية لدى المدخنين الآكلين للبروكلي تقل بنسبة تقدر ب ٤١٪ خلال عشرة أيام. هل هذا فقط لأن البروكلي يحفز الإنزيمات النازعة للسمية في الكبد، وهو ما يساعد على التخلص من مسببات السرطان قبل أن تصل أصلًا إلى خلايا المدخن؟ كلا، فحتى حين نزعت المادة الوراثية من أجساد العينات وعرضت لمادة كيمائية معروفة بتدميرها للمادة الوراثية، أظهرت المادة الوراثية لدى آكلي البروكلي نسبة تلف أقل بكثير، ما يعني أن تناول خضراوات مثل البروكلي تجعلك أكثر مقاومة على مستوى ما بعد الوصول للخلية.

لكن لا يدور بظنك أن تناول ساق من البروكلي قبل تدخين علبة مارلبورو سوف يمحو تمامًا وكليًّا كل الآثار السرطانية لتدخين السجائر. لكن خلال محاولتك الإقلاع، سوف تساعدك خضراوات مثل البروكلي والكرنب والقرنبيط على إيقاف التدهور.

إن فوائد عائلة البروكلي النباتية لا تتوقف عند هذا الحد، في حين يعتبر سرطان الثدي هو أكثر السرطانات شيوعًا لدى المرأة الأمريكية، فإن سرطان الرئة هو أكثرها فتكًا بالنساء، فحوالي ٨٥٪ من النساء اللاتي يصبن بسرطان الثدي يبقين أحياء لخمس سنوات بعد تشخيص الحالة، لكن الأرقام على عكس ذلك في حالة الإصابة بسرطان الرئة. و٩٠٪ من هذه الوفيات يعود سببها إلى ورم خبيث، أو انتشار الورم في أجزاء أخرى من الجسم.

إن بعض مكونات البروكلي لديها القدرة على كبح انتشار الورم، ففي دراسة أجريت في عام ٢٠١٠، وضع العلماء طبقة من خلايا سرطانية برئة بشرية في طبق الاختبار وقاموا بإخلاء بقعة في وسطها. وخلال أربع وعشرين ساعة، قامت الخلايا السرطانية بالزحف، وخلال ثلاثين ساعة، سدت الفجوة كليًّا. لكن حين قطر العلماء بعض المكونات الخضرية من الفصيلة الصليبية على الخلايا السرطانية، توقف زحف السرطان. ما زلنا بحاجة لإثبات قدرة البروكلي على المساعدة في إطالة الأمد لمريض السرطان من خلال التجارب العلاجية، لكن اللطيف في التدخلات الغذائية الصحية أنها لا تنطوي على أية عواقب سلبية، فبالإمكان إضافتها لأية علاجات أخرى تختارها.

التدخين في مقابل الكالي

اكتشف الباحثون أن الكالي – وهو نوع من الخضر ورقي وداكن الخضرة ويطلق عليه اسم “ملك الخضراوات”- ربما تكون لديه القدرة على التحكم في مستوى الكوليسترول، لقد اختار الباحثون ثلاثين رجلا من ذوي الكوليسترول العالي وألزموهم بتناول ما بين ثلاثة إلى أربعة أكواب من عصير الكالي كل يوم طيلة ثلاثة أشهر، ويعادل هذا تناول ثلاثة عشر كيلو جراما من الكالي، أو ما قد يستهلكه | الشخص الأمريكي العادي في خلال قرن، فما الذي حصل؟ هل تحولوا إلى خضار وبدأوا ممارسة البناء الضوئي؟

کلا. ما فعله الكالي أنه خفض بقدر لافت مستوى الكوليسترول السيئ (الدهون البروتينية منخفضة الكنافة) وفي الوقت ذاته عزز الكوليسترول الحسن البروتين الدهني مرتفع الكنافة) بما يعادل الجري المائة ميل، وبنهاية الدراسة، كان نشاط مضادات الأكسدة في دم أغلب المشاركين قد زاد على نحو كبير، لكن اللافت أن نشاط مضادات الأكسدة ظل متدنيا لدى قلة من المشاركين كانوا هم المدخنين من بينهم، إن الجذور الكيميائية التي تسببها السجائر يعتقد أنها تنشط في التخلص من مضادات الأكسدة، حين يكون تدخينك قادرا على محو ثمانمائة كوب من الكالي لتعزيز مضادات الأكسدة، فلا شك أن الوقت قد حان للإقلاع عنه.

قدرة الكركم على حجب المسرطنات

تابل الكركم الهندي، الذي يمنح الكاري لونه الذهبي المميز، قد يساعد أيضًا على منع تلف المادة الوراثية الذي يتسبب فيه التدخين. منذ العام ١٩٨٧، قام المعهد الوطني للسرطان باكتشاف أكثر من ألف مركب مختلف لإيجاد قدرة فيها على منع المسرطنات. لكن بضع عشرات منها فقط هي التي جاوزت التجارب، وكان من أكثرها نجاحا مادة الكركمين Curcumin، الصبغة الصفراء البراقة في تابل الكركم.

المواد المقاومة للسرطان يمكن تصنيفها في فئات فرعية وفقًا لمرحلة السرطان المطلوب منها مقاومتها: فمانعات المواد المسرطنة ومضادات الأكسدة تساعد على الوقاية من تشوه المادة الوراثية من الأساس، ومضادات التكاثر تعمل على كبح نمو وانتشار الأورام. والكركمين على ما يبدو ناجح في أداء الوظائف الثلاث، ما يعني أنه قد يساعد على منع و/أو يعوق نمو الخلايا السرطانية.

درس الباحثون تأثير الكركمين على قدرة الحامض النووي على التحور إلى مواد سرطانية مختلفة ووجدوا أن الكركمين مضاد قوي للتحور في مواجهة العديد من المواد المسببة للسرطان. لكن هذه التجارب قد تمت في واقع مختبري، بمعنى أن هذه الفاعلية ظهرت في أنابيب الاختبار المعملية، فلن يكون أخلاقيًّا بالطبع، تعريض البشر إلى مواد مسرطنة كي نلاحظ إن كانت ستتطور إلى سرطان أم لا. لكن فكرة ذكية واتت أحدهم بأن يوجد مجموعة من الناس كان لديهم بالفعل، وبإرادتهم الكاملة، مواد مسرطنة تسري في أوردتهم. إنهم المدخنون!

من طرق قياس مستويات المواد الكيماوية المحدثة لتحور المادة الوراثية في الأجساد هو تقطير بولهم على طبق مختبري تنمو به بكتيريا، فالبكتيريا، كأي كائن حي على الأرض، تتشارك مادة وراثية، كلغة جينية مشتركة. لم يكن مستغربًا أن وجد العلماء مستوى أقل للتحور بفعل بول غير المدخنين – فبالنهاية مستوى المسرطنات المتدفقة في أنظمتهم الحيوية أقل بكثير. لكن حين تناول المدخنون الكركم، انخفض بشدة معدل تشوه المادة الوراثية بمقدار ٣٨٪. لم يأخذوا حبوب الكركمين؛ بل تناولوا أقل من مقدار ملعقة شاي في اليوم من تابل الكركم العادي الذي يبتاع من محال البقالة. بالطبع لا يمكن للكركم أن يمنع كليًّا آثار التدخين. حتى بعد تناول الكركم لمدة شهر، فإن قدرة بول المدخنين على تدمير المادة الوراثية ظلت أعلى من قدرة غير المدخنين. لكن المدخنين الذين يثبتون الكركم في نمطهم الغذائي قد يقلل من حجم الضرر.

إن تأثير الكركمين المضاد للسرطنة يمتد إلى ما بعد القدرة على منع تحور المادة الجينية، فيبدو أنه يساعد على تنظيم الموت المبرمج للخلايا. فخلاياك مُقدر لها أن تموت بشكل طبيعي كي تفسح المجال لخلايا جديدة في إطار عملية تعرف بالاستماتة. على نحو ما يقوم الجسد بإعادة بناء ذاته كل عدة أشهر بمواد بناء تمنحه إياها من خلال نظامك الغذائي. إلا أن بعض الخلايا تتجاوز قدرها المسموح به في البقاء – وتلك هي الخلايا السرطانية. على نحو ما تقوم بتعطيل آلية الانتحار الذاتي داخلها، فلا تموت على النحو المفروض لها. ولأنها تظل تنمو وتنقسم فإن الخلايا السرطانية تشكل بالنهاية أورامًا وقد تنتشر في كامل الجسد.

فكيف يفيد الكركمين في هذه العملية؟ من الواضح أن له القدرة على إعادة برمجة آلية التدمير الذاتي للخلايا السرطانية، فجميع الخلايا تحتوي على مستقبلات موت تفعل عملية تدمير ذاتي تسلسلية، لكن بإمكان الخلايا السرطانية أن تعطل مستقبلاتها؛ لكن يبدو أن للكركمين القدرة على إعادة تفعيل هذه العملية. يمكن للكركمين كذلك أن يقتل الخلايا السرطانية مباشرة بتفعيل ” إنزيمات القتل” والتي تسمى الكاسباس داخل الخلايا السرطانية فتدمر ذاتها من خلال تفتيت البروتين وبخلاف عقاقير العلاج الكيماوي، والتي يمكن للخلايا السرطانية أن تطور مقاومة لها مع الوقت، لكن الكركمين يؤثر على العديد من آليات قتل الخلايا في آن واحد, ما يصعب على الخلايا السرطانية تلافي تدميرها.

وقد أظهر الكركمين كذلك فاعلية أمام العديد من الخلايا السرطانية الأخرى، بما في ذلك سرطان الثدي والمخ والدم والقولون والكلى والكبد والرئتان والجلد. ولأسباب غير مفهومة تمامًا، وجد أن الكركمين يترك الخلايا غير السرطانية لحالها. لكن للأسف، لا تزال هناك التجارب العلاجية التي يجب إجراؤها لبيان قدرة الكركم على منع حدوث سرطان الرئة أو معالجته، لكن من دون آثار سلبية له بمقادير استخدامه في الطهو، أرى أن نحاول إيجاد طرق لدمج هذا التابل في غذائنا. وسوف أقدم عددًا من الاقتراحات في الجزء الثاني.

النمط الغذائي للمدخن السلبي

رغم أن الإصابة بسرطان الرئة غالبًا ما تعزى إلى التدخين، فإن ربع الحالات تقريبًا، تصيب أشخاصًا لم يسبق لهم التدخين قط. إلا أن بعضًا من هذه الحالات يعود للتدخين السلبي، وبعضها الآخر يعزى لأدخنة مسرطنة أخرى: أبخرة القلي.

حين يسخن الدهن لدرجة الغليان، سواء كان دهنًا حيوانيًّا، مثل الشحم، أو نباتيًّا، مثل الزيوت النباتية، فإن مواد كيميائية سامة طيارة قادرة على إحداث التحور الجيني تنطلق في الهواء. ويحصل هذا حتى قبل الوصول إلى درجة حرارة الغليان الباعث للأبخرة، فإذا كنت تقوم بأعمال القلي داخل المنزل، فستقلل التهوية الجيدة من فرص الإصابة بسرطان الرئة.

وقد يرتبط سرطان الرئة كذلك بطبيعة الشيء الذي يُقلى؛ فقد أظهرت دراسة على النساء في الصين أن المدخنات ممن يقومن بقلي اللحم كل يوم تزيد فرص إصابتهن بسرطان الرئة ثلاث مرات تقريبًا عن أولئك اللاتي يدخنن لكنهن يقلين طعامًا غير اللحم كل يوم. يعتقد أن ذلك بسبب مجموعة من المسرطنات تسمى أمينات الهيتروسيكليك والتي تتشكل حين يتعرض نسيج العضلات للحرارة العالية.

إن آثار أبخرة قلي اللحم يصعب فصلها عن تأثيرات تناوله، لكن دراسة حديثة أجريت على نساء حوامل وأعمال الشواء حاولت الفصل بين الأمرين. حين يتم شي اللحم، تنتج الهيدروكربونات المتعددة العطرية، وهي إحدى المواد المسرطنة المحتملة في تدخين السجائر. إن الباحثين وجدوا أن تناول اللحم المشوي في الربع الثالث من مدة الحمل يتسبب في مواليد منقوصة الوزن فحسب، كذلك النساء اللاتي تعرضن فقط للأبخرة أنجبن كذلك أطفالًا ناقصي الوزن. فالتعرض للأبخرة أيضًا ارتبط بنقص في حجم الرأس، وهو مؤشر على حجم المخ. وتشير دراسات تلوث الهواء إلى أن تعرض الوالدين للهيدروكربونات العطرية المتعددة يتسبب كذلك في آثار سلبية على النمو الإدراكي المستقبلي للأطفال (كما تظهره الدرجات المنخفضة في اختبارات الذكاء).

حتى مجرد العيش بجوار مطعم قد تكون له مخاطر صحية، فقد قدر العلماء ارتفاع نسب الإصابة بالسرطان لمن يحيون بجوار منافذ العوادم للمطاعم الصينية، والأمريكية، وملتقيات الشواء. وفي حين أن التعرض للأبخرة من هذه الأنماط الثلاثة من المطاعم ينتج عنه تعرض لمستويات غير آمنة من الهيدركربون العطري المتعدد، فقد اتضح أن المطاعم الصينية هي الأسوأ على الإطلاق. واعتقدوا أن السبب في ذلك يعود إلى كمية السمك الذي يشوى في هذه المطاعم، حيث وجد أن الأبخرة الناجمة عن قلي السمك تحتوي على مستويات عالية من الهيدروكربون العطري المتعدد القادر على تدمير المادة الوراثية في خلايا الرئة. ومع هذا الخطر الزائد، انتهى الباحثون إلى أنه من غير الآمن العيش بجوار منفذ تهوية مطعم صيني لأكثر من يوم أو اثنين في كل شهر.

فماذا عن الرائحة المغرية للحم المقدد حال تسخينه؟ إن الأبخرة المتصاعدة من قلي اللحم المقدد تحتوي على فئة من المسرطنات تسمى النتروزامين. رغم أن جميع اللحوم تطلق أبخرة مسرطنة، فإن اللحم المحفوظ ومنه اللحم المقدد ربما يكون الأسوأ بينها: ففي دراسة لجامعة كاليفورنيا – ديفيز وجد أن أبخرة اللحم المقدد تتسبب في تشوه جيني يعادل أربع مرات حجم التشوه الذي تسببه أبخرة قلي لحوم البقر وغيرها.

فماذا عن التيمبا المقددة؟ التيمبا هي منتج مخمر من فول الصويا يستخدم في صنع العديد من بدائل اللحوم. وقد قارن الباحثون بين قدرة التحوير الجيني للأبخرة الناتجة عن قلي اللحم المقدد بتلك الناتجة عن قلي التيبما، فوجدوا أن أبخرة اللحوم لها أثر مشوه للمادة الجينية، لكن أبخرة التيمبا ليست كذلك. لكن مع هذا يبقى أن الأصوب ألا تتناول المقليات، فرغم عدم رصد تغير جيني بعد التعرض لأبخرة التيمبا، فإن التيمبا المقلية ذاتها تسبب ذلك التحور أو التشويه الجيني (لكن بنسبة تقل ب ٤٥ مرة عن نظيرتها من لحم البقر وأقل ٣٤٦ مرة من اللحم المقدد). ورأى الباحثون أن هذه النتائج ربما تكشف سر كثرة الإصابات بالجهاز التنفسي وسرطان الرئة بين الطهاة وقلتها بشكل عام بين النباتيين.

إن كنت لا تزال راغبًا في القلي لحمًا كان أو بَيْضًا، فلعل الآمن لك أن تلجأ لشواية في الباحة الخلفية للمنزل. تظهر الدراسات أن عدد الجزئيات التي تتراكم في الرئتين تزداد بمقدار واحد من عشرة حين يتم القلي داخل المنزل مقارنة به خارجه.

الوقاية من الانسداد الرئوي المزمن

إن مرض الانسداد الرئوي المزمن، مثله مثل انتفاخ الرئة والتهاب الشعب الهوائية، وهي حالة تجعل من التنفس أمرًا صعبًا وتزداد سوءًا مع الوقت. وإضافة إلى قصر النفس، فإنه يسبب سعالًا حادًّا، وزيادة في إفراز البلغم، والصفير، وضيق الصدر. ويعاني هذا المرض أكثر من أربعة وعشرين مليون أمريكي.

الغذاء الصحي قد يساعد على منع حصول الانسداد الرئوي المزمن. لذا فالتدخين هو أول وأعظم مسببات هذا المرض، لكن ثمة عوامل أخرى تسهم في حدوثه، مثل التعرض المطول للهواء الملوث. وللأسف ما من دواء قطعي لهذا المرض، لكن هناك أخبارًا سارة بهذا الشأن: الغذاء الصحي قد يساعد على منع حصول الانسداد الرئوي المزمن والمساعدة في عدم تدهور حالته.

وتظهر بيانات تعود إلى خمسين عامًا مضت أن تناول مقادير كبيرة من الفواكه والخضراوات يقترن بأداء جيد للرئة. فمجرد وجبة إضافية واحدة من الفاكهة كل يوم تترجم إلى انخفاض قدره ٢٤٪ في احتمالات الموت بمرض الانسداد الرئوي المزمن. على الجانب الآخر، انتهت دراستان من جامعتي كولومبيا وهارفارد إلى أن استهلاك اللحم المعالج – مثل اللحم المقدد، والبولوني، والمدخن، والهوت دوج، والسجق، والسلامي – ربما يزيد من فرص الإصابة بالانسداد الرئوي المزمن. ويعتقد أن هذا بسبب مادة النتريت الحافظة التي توضع في اللحم، والتي تحاكي الخصائص التدميرية للرئة التي تكون في دخان السجائر.

ماذا لو كنت مصابًا بهذا المرض فعلًا؟ هل تسهم ذات الأطعمة التي تمنع المرض في معالجته؟ لم نكن نعرف إجابة لهذا السؤال حتى نشرت دراسة فارقة بهذا الشأن في عام ٢٠١٠. حيث جُمع أكثر من ألفي شخص مصابين بالانسداد الرئوي المزمن في مجموعتين بشكل عشوائي – نصف هؤلاء طلب منهم زيادة استهلاكهم من الفواكه والخضراوات، بينما ظل النصف الآخر على نمطهم الغذائي العادي. وعلى مدى السنوات الثلاث التالية، ساءت بشكل كبير حالة أصحاب النمط الغذائي المعتاد، كما هو متوقع. وعلى النقيض من ذلك، توقف تقدم المرض في المجموعة التي استهلكت المزيد من الفاكهة والخضر. ولم يتوقف تدهور وظيفة الرئة فحسب، بل تحسنت قليلًا. لذا يرى الباحثون أن ذلك ربما يعود إلى المزج بين مضادات الأكسدة ومضادات الالتهاب في الخضر والفاكهة، مع التقليل من استهلاك اللحوم، والذي يعتقد أنه مساعد على الأكسدة.

بغض النظر عن الآلية، فإن نظامًا غذائيًّا به المزيد من الأطعمة النباتية الكاملة يساعد على منع وتقليص تقدم هذا القاتل الفتاك.

الوقاية من الربو

إن الربو مرض التهابي يتميز بنوبات متكررة من ضيق وتورم الشعب الهوائية، مسببة قصرًا في النفس، وأزيزًا، وسعالًا. قد يظهر الربو في أي سن، لكنه عادة ما يبدأ في الطفولة. لقد ازداد انتشار الربو سنة بعد سنة كأحد أكثر الأمراض شيوعًا بين الأطفال. ففي الولايات المتحدة، هناك خمسة وعشرون مليون شخص يعانون الربو، وسبعة ملايين منهم أطفال.

مؤخرًا، أظهرت دراسة مهمة أن معدلات الإصابة بالربو تتفاوت بشكل كبير بين مناطق العالم، فقد تتبعت الدراسة الدولية للربو والحساسية في الأطفال أكثر من مليون طفل فيما يقارب المائة دولة، وخرجت بأكثر الاستبيانات شمولًا عن ذلك المرض. وقد انتهت تلك الدراسة إلى فارق يتراوح بين عشرين وستين ضعفًا في نسب شيوع مرض الربو، والحساسية، والإكزيما. ما الذي يجعل انتشار التهاب الأنف ( حرقان العين وسيلان الأنف) يتراوح ما بين ١٪ في الهند، مثلًا إلى ما يقارب ٤٥٪ في أماكن أخرى؟ في حين تأخذ عوامل مثل تلوث الهواء والتدخين بحظ في مسئولية حصوله، فإن ارتباطه الأكبر ليس فيما يحدث بالرئة، بل بما يجري في المعدة.

إن الأطفال بسن المراهقة الذين يحيون في مناطق يتناولون فيها بكثافة النشويات، والحبوب، والخضراوات، والجوز تقل لديهم أعراض الأزيز الصدري، والالتهاب الأنفي، والإكزيما. أما الأولاد والبنات الذين يتناولون الخضر والفاكهة مرتين أو أكثر في كل يوم تقل نسب إصابتهم بالربو الحساسية إلى النصف. بشكل عام، تقل نسبة انتشار أعراض الربو وأمراض الجهاز التنفسي في المجتمعات التي تتناول أطعمة نباتية.

أما الأطعمة الحيوانية فقد ارتبط بها تسجيل زيادة في نسب الإصابة بالربو. دراسة أجريت على ما يزيد على مائة ألف هندي وجدت أن أولئك الذين يتناولون اللحوم يوميًّا، أو حتى بين الحين والآخر، تزيد فرص إصابتهم بالربو بالنسبة لأولئك الذين استبعدوا اللحم والبيض من غذائهم بشكل كامل. فالبيض (مع الصودا) ارتبط هو الآخر بحدوث نوبات ربو بين الأطفال، مع أعراض تنفسية، مثل أزيز الصدر، وقصر النفس، والسعال عقب ممارسة الرياضة. واستبعاد البيض والألبان من النظام الغذائي أظهر تحسنًا واضحًا في وظيفة الرئة لدى الأطفال المصابين بالربو في أقل من ثمانية أسابيع.

إن الآلية التي يؤثر بها النظام الغذائي في التهاب الشعب الهوائية تكمن في الطبقة الرفيعة السائلة التي تشكل الوسيط بين السبيل التنفسي والهواء الخارجي. باستخدام مضادات الأكسدة المكتسبة من الفاكهة والخضراوات التي تأكلها، تقوم هذه السوائل بالعمل كخط دفاع أول أمام الجذور الكيميائية التي تسهم في خلق الحساسية المفرطة للشعب الهوائية الربوية، والانقباض، وإفراز البلغم. يمكن قياس نتائج الأكسدة بالزفير وهي تقل بشكل واضح حين نتحول إلى نظام غذائي يغلب عليه الطابع النباتي.

هل إذا انخفض استهلاك مريض الربو من الخضر والفاكهة فستتدهور وظائف الرئة؟ لقد جرب باحثون من أستراليا استبعاد الفاكهة والخضر من النظام الغذائي لمرضى الربو ليروا ما سيحدث. وخلال أسبوعين، زادت أعراض الربو بشكل بالغ, واللافت أن ذلك النظام المنقوص من الفاكهة والخضر الذي استخدم في الدراسة – وجبة واحدة من الفاكهة واثنتان من الخضراوات كل يوم – هو القدر الطبيعي من الخضراوات والفاكهة الذي يتناوله الناس في الغرب. بعبارة أخرى، كان النظام الغذائي الذي استخدم تجريبيًّا لإضعاف وظيفة الرئة وزيادة سوء الحالة الربوية كان هو النظام الغذائي الطبيعي لدى الأمريكيين.

ماذا عن تحسين حالة الربو بإضافة مزيد من الخضراوات والفاكهة؟ قام الباحثون بتكرار التجربة، لكن في هذه المرة زادوا من استهلاك الفاكهة والخضر إلى سبع مرات في اليوم. هذا العمل البسيط الذي تضمن مجرد زيادة في مرات تناول الخضر والفاكهة كل يوم انتهى بانخفاض معدلات تفاقم الحالة إلى النصف. تلك هي قوة الغذاء الصحي.

إن كان السر في مضادات الأكسدة، فلم لا نتناول أحد المكملات الغذائية التي تحتويها؟ فبالنهاية سيكون تناول حبة دواء أسهل كثيرًا من تناول تفاحة. السبب بسيط: المكملات الغذائية لا تؤدي هذا الدور. فلقد أظهرت الدراسات مرارًا أن المكملات الغذائية التي تحتوي على مضادات الأكسدة ليس لها أية فائدة في الأمراض التنفسية وأمراض الحساسية، مشددة على أهمية تناول الأطعمة كاملة العناصر بدلًا من تناول مكونات منفصلة أو مستخلصات وضعت في حبة دواء. ٥٧ فمثلًا، دراسة صحة الممرضات التابعة لجامعة هارفارد انتهت إلى أن النساء اللاتي تناولن مستويات عالية من فيتامين E بتناول أغذية غنية بالجوز كانت نسب إصابتهن بالربو لا تزيد على نصف نسبة أولئك اللاتي لم يفعلن ذلك، لكن أولئك اللاتي تناولنه عبر عقاقير المكملات الغذائية لم يحققن أية فائدة.

من الذي يفلح برأيك؟ مجموعة تناولت الخضر والفاكهة سبع مرات أم مجموعة تناولتها ثلاث مرات إضافة إلى ما يعادل خمس عشرة مرة في شكل عقاقير المكملات؟ لم تأت العقاقير بأية فائدة على الإطلاق. إن التحسن في حالة الرئة والسيطرة على الربو كان واضحًا فقط حين تناول جميع المشاركين فاكهة وخضراوات حقيقية، ما يؤكد على الأهمية الكبرى لتناول الأطعمة كاملة العناصر.

إذا كانت إضافة بضع وجبات من الفاكهة والخضر كل يوم يمنح هذا القدر من التحسن، فماذا يحصل لو اتبع مرضى الربو نظامًا غذائيًّا نباتيًّا كاملًا؟ لقد قرر باحثون من السويد تجريب نظام غذائي نباتي كامل على مجموعة من أصحاب الحالات العنيفة والذين لم يظهر عليهم تحسن بالرغم من خضوعهم لأفضل العلاجات الطبية – خمسة وثلاثون مريضًا بحالة ربو قديمة ومؤكدة، عشرون منهم أدخلوا المستشفى بسبب نوبات ربو حادة خلال آخر سنتين؛ أحدهم احتاج إلى إدخال وريدي طارئ ثلاثًا وعشرين مرة، وآخر أدخل للمستشفى أكثر من مائة مرة، وآخر تعرض لتوقف في القلب عقب إحدى النوبات وتمت لقلبه عملية إنعاش ووضع على جهاز التنفس الصناعي. تلك كانت بعض الحالات الصعبة فعلًا.

من بين أربعة وعشرين مريضًا التزموا بالنمط الغذائي النباتي، تحسنت حالة ٩٠٪ منهم خلال عام, وهؤلاء كانوا جميعًا ممن لم يحققوا أي تحسن في حالتهم خلال العام السابق على تحولهم إلى النظام الغذائي النباتي.

وخلال عام واحد من الغذاء الصحي، تمكن جميع المرضى عدا اثنين من ترك جرعات الدواء أو التخلص من الأدوية المنشطة وغيرها من العقاقير تمامًا. إن القياسات الموضوعية مثل قياس وظيفة الرئة وقدرة العمل البدنية تحسنت مؤشراتها؛ لكن في الرصد غير الموضوعي، قال بعض المرضى إن التحسن كان هائلًا حتى شعروا بأنهم “رزقوا حياة جديدة”.

لم تكن في تلك الدراسة مجموعة تحكم؛ ولذا فإن العلاج الوهمي البديل ربما يكون مسئولًا عن بعض التحسن، لكن الجميل بشأن التغذية الصحية أن جميع الآثار الجانبية هي إيجابية. إضافة إلى التحسن في السيطرة على حالة الربو، فقد المشاركون في الدراسة ما متوسطه ثمانية كيلوجرامات من أوزانهم، وتحسنت معدلات الكوليسترول وضغط الدم. إذن يجدر بنا، ومن زاوية الفائدة والمضار، أن نجرب النمط الغذائي النباتي.

أكثر أمراض الرئة فتكًا تتفاوت في تمثيلها وتقديراتها. كما سبق أن ذكرنا، يأتي التدخين كسبب أول وأهم لسرطان الرئة والانسداد الرئوي المزمن، لكن أمراضًا مثل الربو تظهر عادة في الطفولة وقد تكون مرتبطة بمجموعة من العوامل الأخرى، مثل الوزن المنخفض عند المولد وتكرار التعرض لعدوى تنفسية. وفي حين يبقى الإقلاع عن التدخين السبيل الأول والأهم لتجنب أسوأ أمراض الرئة، لكن بإمكاننا أن نساعد على تعزيز دفاعات الجسم بتناول غذاء ثري بالأطعمة النباتية الوقائية. إن الغذاء نفسه الذي اتضح أنه يساعد على تحسين حالات الربو الشديدة، يساعد كذلك على منع الأمراض الثلاثة من الحدوث أصلًا.

إن كنت واحدًا من الملايين الذين يعانون فعلًا أحد أمراض الرئة، فإن الإقلاع عن التدخين وتغيير نمطك الغذائي لا يزالان قادرين على إحداث فارق في حالتك. لا يفوتك الوقت أبدًا في البدء بحياة وطعام صحي، فقدرة التعافي في الجسم البشري مذهلة، لكن جسدك بحاجة للمساعدة. وبإضافة أطعمة تحوي مكونات مقاومة للسرطان والاعتماد على الخضر والفاكهة الغنية بمضادات الأكسدة، ستكون قادرًا على تقوية دفاعات جهازك التنفسي والتنفس بسهولة أكبر.