التصنيفات
الطب البديل والتكميلي

تغيير حالات الوعي: التأمل ج7

في الستينيات من القرن الماضي، كان الناس يعتقدون أن تغيير الحالة الذهنية هو تأثير يتم الحصول عليه بواسطة المخدرات. ليس لأن المخدرات شيء جديد؛ فالمشروبات الكحولية تؤدي إلى تغيير حالة الوعي وهي معروفة منذ القدم. كما أن الأفيون يُستخدم لأغراض طبية واستجمامية منذ القرن الأول أو ما قبله. وتقوم القهوة والشيكولاتة أيضاً بتغيير كيمياء المخ، وبالتالي تغيير حالة الوعي. بعض الناس كذلك يتأثرون بالطقس.

أما الآن، في بداية القرن الحادي والعشرين، فإننا نغير من حالاتنا الذهنية بواسطة التليفزيون والإنترنت والألعاب الإلكترونية. فباستخدام التقنيات المتاحة، يمكننا الدخول إلى عوالم ظاهرية والمرور بتجارب تبدو واقعية للغاية. ونحن نستخدم الروائح العطرية لتهدئة أجسامنا وعقولنا. ونستخدم سماعات الرأس لإسكات الأصوات المحيطة بنا وإيجاد وسط خاص بنا. ولدينا عشرات الأساليب التي تتيح لنا الاندماج فيما حولنا أو الابتعاد عنه.

وفي الواقع، فإننا نغير من حالات وعينا كثيراً جداً. فإذا أردت أنا تغيير الموضوع الذي أتحدث فيه، فإنني أقوم أولاً بتغيير حالتي الذهنية ثم أستحثك على أن تفعل نفس الشيء. وفي كل مرة ينتقل انتباهك من شيء إلى آخر، فإنك تدخل حالة ذهنية بديلة. هذه هي الطريقة التي نتعامل بها مع العالم؛ عن طريق تغيير حالاتنا الذهنية.

تغيير الحالات الذهنية

1. اقض دقيقة في التفكير في شيء واحد فقط.

حسناً. هل تمكنت من فعل هذا، أم هام ذهنك بعيداً عن الشيء الذي اخترته؟ بالنسبة لمعظم الناس، فإن ابتعاد الذهن عن الموضوع هو مسألة حتمية. وفي المقابل لذلك، لو أنني طلبت منك “لا تفكر في سيارة حمراء”، لكنت ستجد عشرات الرؤى لسيارات حمراء تخطر على بالك: سيارات مكشوفة، وسيارات رياضية، وسيارات كلاسيكية، وغيرها. ربما أيضاً يخطر على ذهنك سيارات الإطفاء الكبيرة، أو سيارات النقل الحمراء أو السيارات الفان. وربما أتاح لك الوقت أن تهرب من المجموعة الحمراء وتجرب لوناً مختلفاً، ولكنك على الأرجح ستبقى مع السيارات الحمراء. مسألة غريبة، أليس كذلك؟ إن فعل الشيء يكون أسهل إذا طُلب منك ألا تفعله.

إن التأمل حالة ذهنية بديلة أيضاً. وقد أظهرت الدراسات أن التأمل يغير من الحالة البدنية والذهنية والعاطفية لمن يقوم به. وهناك ثلاثة تغييرات مركزية تحدث، وكل تغيير له سماته العاطفية الخاصة به:

1. استرخاء البدن يأتي أولاً. لكي تتأمل، أرح بدنك. بصفة عامة، فإنك تجلس ساكناً في الوضع الذي اخترته وتأكدت أنه غير مجهد بدرجة كبيرة بالنسبة لك. بعض الناس يستطيعون الجلوس في وضع زهرة اللوتس، مع وضع الساقين فوق بعضهما وتمديد الأيدي فوق الركبتين. والبعض الآخر لا يستطيع الجلوس في هذا الوضع مطلقاً، ولكنهم يستطيعون الجلوس ساكنين نسبياً. إن الاستعداد للجلوس يشغل العقل، ونحن نتحرر من بعض الأسئلة والمشكلات الملحة التي كنا نفكر فيها قبل لحظة من الجلوس.

2. راحة الذهن تأتي ثانياً. هذه ليست مسألة بسيطة، ولكننا نستطيع بصفة عامة أن نريح أذهاننا لعدة دقائق ونتخلص من التفكير في الموضوعات الملحة في حياتنا اليومية. ونجد أنه بينما نحاول أن نفعل هذا، فإننا نشعر باسترخاء في عضلات الوجه. ربما نغلق أعيننا، ونرخي عضلات الجبهة والخدين قليلاً. يهبط الفك قليلاً. يحدث كل هذا بينما نحاول أن نرخي عقولنا.

3. تركيز الذهن يأتي ثالثاً. بمجرد أن نجلس ونسترخي، يبدأ عقلنا في التجوال والطواف. نحن الآن نركز على شيء ما.

الأفكار الهائمة

ابحث عن مكان مناسب للجلوس لبضع دقائق. إذا كنت تجلس بالفعل، فكل ما عليك أن تفعله هو أن تبقى ساكناً بدون حركة.

1. استرخِ وركز ذهنك على هذا التدريب فقط.

2. بدون بذل أي مجهود، ببساطة ركز انتباهك على ما تراه أو تسمعه أو تشمه أو تتذوقه أو تحس به.

3. انتبه إلى الكيفية التي ينتقل بها ذهنك من شيء إلى آخر.

من السهل للغاية أن تتشتت أثناء محاولة تنفيذ هذا التدريب. ففي خلال ثلاثين ثانية فقط، أصبحت مدركة للتشنج البسيط الموجود في ظهري، ولصوت المقعد الذي كنت أجلس عليه، ولصوت الطائرة التي مرت من فوقي، ولصوت مروحة الكمبيوتر الموجود بجواري، ولملمس يدي التي أضعها على حجري، وحتى ملمس جفوني وهي تنغلق وتنفتح.

الهدف من التأمل

من بين الأهداف الشائعة في أي ممارسات للتأمل أن تقوم بتغيير حالة وعيك بطريقة محددة. في البداية، قد يبدو هذا مستحيلاً تقريباً. حسناً، إن ذهنك يتغير، ولكن عندما تجلس وتحاول تصفية ذهنك، ستجد عشرات الأفكار الشاردة تخطر على بالك وتشوش السلام الذي تسعى إلى الوصول إليه. ويبدو وكأنك لن تصل إلى حالة السكينة المنشودة أبداً.

ربما يكون من المفيد أن نعيد تعريف ما نقصده بحالة الوعي البديلة. ربما أن تعريفنا السابق لها أضيق مما يجب. نعم، نحن نمارس التأمل لكي نصل إلى حالة ذهنية أكثر سكينة وراحة. والمشكلة أننا ربما قمنا بتغيير هذه الحالة بدون فهم لما يجب أن يحدث حتى نصل إليها. ربما أننا أيضاً أطلقنا على حالات الوعي الأخرى صفة السوء لأنها لا تتميز بالسكينة أو الراحة.

ونحن نمر بحالات ذهنية بديلة من لحظة إلى أخرى. فكل شيء بخلاف ما نفكر أو نشعر أو نأمل فيه في عين هذه اللحظة هو حالة ذهنية بديلة. ومعظم العلاجات الطبية تتسبب في حالة بديلة. والقهوة والسجائر والشيكولاتة وغيرها يمكن أن تسبب في تبديل وعينا. وحتى الملابس الدافئة أو الهواء البارد أو الحمام المنعش أو العطر أو أي شيء مشابه، يمكن أن توجد حالات بديلة.

إذا كان كل شيء من حولنا تقريباً يمكن أن ينقلنا إلى حالة بديلة من الوعي، يجب ألا يكون الأمر صعباً أن ننتقل إليها بإرادتنا. فقط افتح ذهنك إلى أي شيء وكل شيء.

والآن بعد أن فهمنا مدى سهولة أن ننتقل إلى حالة بديلة من الوعي، يمكن أن ننتقل إلى إجابة السؤال التالي: كيف أتعلم الوصول إلى حالة أكثر استرخاء وسكينة لعقلي؟ كيف أتعرف على كل هذه الحالات البديلة المحتملة حتى أعثر على الحالة التي تجعلني أشعر بإحساس أفضل، وتستطيع تخفيض ضغط دمي، أو تزيد من تعاطفي مع الآخرين؟

حتى الآن في هذا الكتاب، تعرفت على بعض الأساليب التي يتبعها الناس في التأمل، وتعرفت على بعض آليات التركيز والإدراك. لقد تعلمت أنك يجب أن تترفق بنفسك أولاً، ثم تعلمت كيف تنتقل إلى ما بعد الخطوة الأولى. لقد دخلت عالم التأمل من وضع الجلوس، وبينما تجلس تبدأ في رؤية أنواع الأفكار والمشاعر التي تأتي إليك. وبدأت تفهم الحالات البديلة للذهن المألوفة في حياتنا العامة. فالأفكار التي تطرأ على ذهنك عند التأمل هي نفسها الأفكار المألوفة لديك، أو نوع الأفكار التي تراودك طوال الوقت.

ربما أنك تميل إلى إنشاء قائمة بالأشياء التي “يجب” أن تقوم بها بدلاً من التأمل. ربما أن أفكارك تنتقل إلى ما تشعر به حيال شيء وقع بالأمس أو الأسبوع الماضي أو من عشرين عاماً مضت. ربما تفكر في أبويك أو أطفالك أو زوجتك أو أصدقائك. وقد تخطر أمور العمل على ذهنك مراراً وتكراراً. وأي مشكلة تحاول أن تجد لها حلاً قد تخطر على بالك بأشكال عديدة. إذا حدثت أشياء مثل هذه أثناء التأمل، فإنك تستطيع تهنئة نفسك لأنك إنسان طبيعي تماماً. مرحباً بك في عالم الحالات البديلة للوعي!

إن التأمل لا يعني إبعاد مثل هذه الأفكار عن ذهنك. فرغم كل شيء، فإن ما يخطر على ذهنك من أفكار هي نفس الأفكار التي تأتيك كل يوم وتساعدك على إتمام عملك، أو تحضير وجبات طعامك، أو الانهماك في النشاطات الاجتماعية. وأنت ترغب في أن تظل هذه الأفكار تأتيك كلما احتجت إليها. ما نريده من التأمل ليس إبعاد هذه الأفكار عن ذهننا، وإنما نريد تطوير مهارة الاسترخاء لجسدنا وعقلنا ومهارة التحكم بشكل أفضل في متى وكيف تأتي هذه الأفكار.

على سبيل المثال، عندما كنت صغيرة، مررت بخبرة مؤلمة، وهي موت أبي وأمي. لقد حزنت حزناً شديداً عليهما، وكنت أفكر فيهما طوال الوقت. كنت أفكر في الأشياء التي فعلاها أو امتنعا عن فعلها من أجلي، وأفكر في الأشياء التي فعلتها أنا وتسببت في أذى لهما. لقد كنت أجد صعوبة شديدة في التفكير في أي شيء آخر. كنت أشعر أن نسيان أبويّ ذنب. بالطبع، لست في حاجة إلى القول بأن مثل هذه الحالة الذهنية لم تكن مريحة على الإطلاق، ولم تكن تستحثني على الاستمرار في حياتي.

وبعد فترة من موتهما، بدأت أتعلم التأمل. لقد كنت أجلس وأنا أشعر بالراحة أحياناً وأحياناً أخرى لا. في بعض الحالات كنت أشعر بالسلام والسكينة، وفي بعض الحالات لم أكن أشعر بذلك. وفي بعض الأحيان، قد كنت أحضر جلسات التأمل مع أولادي. وبشكل تدريجي، وجدت أنني في الغالب أدخل في حالة من الهدوء الذهني بعد دقائق قليلة من بدء الجلسة.

ومرت السنون.

وعندما سمعت أن والد زوجي مات فجأة، وضعت رأسي فوراً على مكتبي وبدأت في البكاء. لم أبكِ لوهلة قصيرة، وإنما انخرطت في بكاء حاد لحوالي دقيقتين. بعد ذلك، حاولت إكمال المكالمة الهاتفية مع زوجي الذي قال لي: “إن ما تفعلينه الآن هو نفسه ما فعلته أنا عندما تلقيت الخبر”. وقد بدأ كلانا في البكاء بحرقة لعدة دقائق. بعد ذلك، بدأنا في إعداد الترتيبات اللازمة لإتمام مراسم الدفن، ولكن بهدوء. لم نكن فرحين، ولكننا كنا قادرين على اتخاذ التدابير اللازمة.

لقد طلبت من شخص آخر أن يوصلني بسيارتي إلى البيت في ذلك اليوم. لقد كان وجود زميلة لي في السيارة معي شيئاً مريحاً لأنني تمكنت من التحدث معها في موضوعات متفرقة وتمكنت من إبعاد ذهني عن المشكلة الملحة.

وما اكتشفته بعد مضي الأيام هو أنني كنت قادرة على التركيز على أفضل ما في حماي من سمات. لقد كان يقضي الكثير من وقته معنا، ويتناول معنا العشاء والغداء خارج المنزل، ويتسوق معنا مفروشات منزلنا، ويصلح لنا الأشياء الصغيرة التي تحتاج إلى إصلاح في المنزل. وقد وجدت أنا وزوجي أننا نفكر فيه ونفتقده ونشعر بالسرور لأنه مات دون أن يمر بكثير من المعاناة. لقد كنا نشعر بسلام وسكينة.

إنني أعتقد أن سنوات التأمل ساعدتني على المرور بالمحنة الثانية بشكل أفضل كثيراً من الأولى، وساعدتني على تذكر الأشياء الطيبة التي قام بها والد زوجي وإسهامه في حياتنا. ومن المثير للدهشة، أنني وجدت أيضاً أنني أستطيع أن أتذكر الأشياء الطيبة في والديّ أيضاً، وأنحي جانباً الأشياء التي افترضت أنها تسببت في أذى. لقد غيرت الطريقة التي تأتي بها الأفكار إلى ذهني! لقد غيرت مسار الأفكار بحيث يتضمن الأفكار الإيجابية البناءة وذات المغزى، ويبتعد عن الأفكار السلبية والهدامة.

حسناً، لا تزال الأفكار السلبية موجودة، ولكنها تخطر على بالي بصورة أقل تكراراً، كما أنها تبقى معي لفترات أقل كثيراً. لهذا، فإنني أشعر برضا أكثر عن حياتي.

تغيير معدل نبضات قلبك

لقد أظهرت الأبحاث أن الإنسان يستطيع أن يرفع أو يخفض ضغط دمه من خلال الأنشطة البدنية. فإذا قمت بالسير أو العدو أو الجري، فإنك ستزيد من ضغط دمك. وعندما تبطئ من سرعتك، سينخفض ضغط دمك ويعود إلى معدله الطبيعي. ومن الممكن أن تطبق نفس الشيء على حالتك الذهنية.

1. اتخذ وضع التأمل المناسب لك، واقضِ دقيقة في الاسترخاء. خذ عدة أنفاس عميقة. اشعر بالنقاط التي يتلاقى فيها جسدك مع الأرض أو مع الوسادة أو الكرسي.

2. لاحظ معدل تنفسك. ضع أصابعك على حلقك واشعر بنبض قلبك.

3. تخيل نفسك تنهمك في عمل نشط للغاية. فمثلاً، تخيل نفسك تجري إلى أعلى تل وراء كلبك. حاول أن تمسك بالكلب بأسرع ما يمكن وهو يتسلق التل سعياً إلى الوصول إلى قمته. استمر في تخيل هذا حتى تصاب بالإرهاق.

4. ضع أصابعك على حلقك مرة أخرى. رغم أنك لم تغير من وضعك الجسماني، فإنك ستجد أن نبضات قلبك قد ازدادت. إن مجرد التفكير في اللحاق بالكلب جعل نبضات قلبك تتسارع.

5. الآن تخيل أنك أمسكت بالكلب وربطته في عقاله وأنت بدأت في النزول بهدوء إلى سفح التل. بدلاً من الإسراع في مشيك، فإنك تتهادى الهوينا، وبدأ كلبك في التجول بهدوء وأخذ يشم الأرض بحثاً عن رائحة أرنب أو أي حيوان صغير آخر. لاحظ لون الزرع والصخور وأي شيء آخر تراه في طريقك. تخيل أيضاً أنك تلتقط بعض الأشياء الصغيرة لكي تتأملها. اشعر بدفء الشمس على ظهرك.

6. ضع أصابعك على حلقك مرة أخرى. ستجد أنه رغم أنك لم تغير من وضعك الجسماني فإن سرعة نبضات قلبك قد تغيرت، وأنها عادت إلى المعدل المعتاد. ستلاحظ أن تنفسك قد صار أبطأ، تماماً كما يحدث عندما تهدأ بعد القيام بنشاط بدني شاق.

إن العقل أداة قوية للغاية. ومن الممكن أن يعمل لصالحنا أو ضدنا في سعينا نحو السلام. من الممكن أن ننظم عملية التفكير الخاصة بنا بطريقة إيجابية من خلال التدريب، والتأمل جزء من هذا التدريب.

وظيفة التأمل

من الممكن أن يصف الطبيب دواءً لعدد كبير من الأمراض. ومعظم الأدوية مصممة لمعالجة أعراض المرض. بعض الأدوية تتعامل مع قلب المشكلة، ولكن معظمها يكتفي بتقليل الأعراض الناجمة عن المرض، وبالتالي يتيح للجسم ما يكفي من الوقت لشفاء نفسه. من المهم للمريض أن يستمر في تناول الدواء الموصوف له، حتى إذا كنت تمارس التأمل بشكل أكثر جدية. بالطبع، يمكن أن تناقش مسألة التأمل مع طبيبك، ومن الممكن أن تعمل معه من أجل تحديد الجرعة المناسبة كلما تغيرت حالتك الذهنية.

بعض العلاجات الطبيعية مصممة للوصول إلى جسمك نفسه ومهاجمة المرض أو التغلب على الضعف الذي يعاني منه. مثل هذه العلاجات تساعد آليات الشفاء الطبيعية في الجسم على القيام بواجبها. في بعض الأحيان، تؤدي العلاجات المثلية إلى استثارة استجابة عاطفية إضافة إلى الاستجابة الفسيولوجية. ومن الممكن أن نعتبر هذا دليلاً على أن الدواء يقوم بمهمته، تماماً كما نعتبر انخفاض حدة الأعراض دليلاً على أن الدواء الكيميائي يقوم بمهمته.

بالتأكيد يستطيع التأمل أن يقلل من حاجتك إلى الدواء. فإذا كان ضغط دمك أو مستويات الكوليسترول لديك منخفضة، فربما أنك لا تحتاج إلى تناول كل الأدوية التي تم وصفها لك أثناء الفترة التي كانت الأعراض فيها شديدة. إذا لم تعد تشعر بآلام الصداع النصفي فمن الطبيعي أنك ستتوقف عن تناول الدواء الذي كان يعالجك منه. ونفس الشيء يمكن تطبيقه على العلاجات الأخرى. ربما ترغب في الاحتفاظ بجرعة أو جرعتين معك لبعض الوقت. ليس الغرض من التأمل أن يغنيك بصورة كاملة عن العلاج الطبي، ولكنه أداة قيمة تساعد وتكمّل العلاج الطبي، مثل النظم الغذائية والتدريبات الرياضية.

في مقابلة على الإنترنت، يقول د. دين أورنيش:

التأمل يقوم بدور رائع للقلب، وكذلك لبقية الجسد. يمكن أن ينقلك التأمل إلى حالة من الاسترخاء العميق، أكثر عمقاً حتى من النوم. ومثل هذه الحالة من الاسترخاء العميق تتيح لقلبك أن يبدأ في الشفاء… وقد أوضحت العديد من الدراسات أن الممارسة المنتظمة للتأمل يمكن أن تقلل من ضغط الدم، وتخفض من معدل الضربات غير المنتظمة للقلب، وتخفض حتى مستويات الكوليسترول بصورة مستقلة عن الوجبات. إن التأمل جزء مهم من برنامجي لعلاج مرض القلب (Acredolo, “Q&A”).

ويؤكد د. أورنيش أن المعالجة الجسدية يمكن أن تأتي من التأمل، تماماً كما ذكرنا سابقاً في هذا الفصل أن المعالجة العاطفية تحدث. والسبب في هذا أننا نقوم بتعديل إدراكنا بوعي، أو على الأقل نقلل من استجابتنا للعالم من حولنا. فأنت تتعلم أن تختار استجابتك بدلاً من الاعتماد على رد الفعل التلقائي.

ما مقدار التأمل الذي يجب أن تمارسه

لقد أوضحت الفصول السابقة أنك لا تحتاج إلى التأمل لساعات طويلة في كل مرة لكي تحقق نتائج وفوائد فعلية. دعنا نتعرف على أحد الأدلة على ذلك. كتب كاري باربور:

لقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن التأمل يؤدي إلى نتائج مثيرة في جلسة قصيرة تمتد لعشر دقائق لا غير. لقد أوضحت العديد من الدراسات أن الشخص الذي يمارس التأمل لفترة قصيرة يظهر لديه موجات ألفا متزايدة (موجات المخ المسترخية) ويقل لديه مستوى القلق والاكتئاب (باربور، The Science of Meditation، ص 54).

في الفصل 1، ذكرت أن الفترات القصيرة من التأمل تكون مفيدة، وأنك لست في حاجة إلى تخصيص ساعات كل يوم للتأمل. الآن تنص الأبحاث على أن مجرد عشر دقائق كل يوم يمكن أن تكون مفيدة للغاية. وطبقاً لما يقوله الكثير من معلمي التأمل، فإن التأمل لمدة عشر دقائق كل يوم أكثر فائدة من التأمل لمدة ساعة وعشر دقائق مرة واحدة أسبوعياً. من الممكن أن تخصص عشر دقائق للتأمل كل يوم، وهو وقت أقل من وقت الراحة المعتاد في العمل، على سبيل المثال. ولكن راحة التأمل هذه تتميز بأن لها فوائد صحية أكثر من راحة العمل.

يقول كاري باربور:

لقد طلب مني بعض معلمي التأمل أن أراقب مستويات ضغط الدم لديهم أثناء التأمل… وما وجدناه كان مثيراً للدهشة. إن مجرد تغيير أنماط التفكير في ذهنهم أدى إلى بطء معدلات الاستقلاب لديهم، وقلل من معدل تنفسهم ومن تردد موجات المخ لديهم. وهذه التغييرات تبدو على العكس تماماً من استجابة “اضرب أو اهرب” المعروفة (التي يلجأ إليها الجسم عندما يقع تحت الضغط). وقد أطلقت أنا على هذا الوضع مصطلح “استجابة الاسترخاء” (المرجع السابق، ص 58).

لقد تضمنت الدراسة فترة ضبط كان فيها الشخص يجلس ساكناً ولكن بدون أن يقوم بالتأمل. وقد أوضحت الدراسة أن تعلم التأمل يمكن أن يغير بصورة فعالة من استجابة الجسم للأحداث. إن استجابة “اضرب أو اهرب” يمكن أن تؤدي إلى تدفق قدر كبير من الأدرينالين في الجسم، مما يؤدي إلى سرعة ضربات القلب، ويجهز الدم للتخثر بسرعة. واستمرار مستويات الأدرينالين المرتفعة يمكن أن يؤدي إلى إجهاد القلب وإصابته بالمرض. أما “استجابة الاسترخاء” فإن لها تأثيرات جسمانية معاكسة، حيث تبين أنها تقلل من إجهاد القلب ومن احتمالات إصابته بالمرض.

تغيير أنماط تفكيرك

لعلك تعرفت الآن بشكل أفضل على الأفكار الشاردة التي تقاطعك أثناء تأملك. إن وجود هذه الأفكار الشاردة مسألة حتمية لا مفر منها. الآن حان الوقت لكي نطوّر خطاً آخر من الأفكار لنستغرق فيه. من الممكن أن تختار أحد هذه الأنماط عندما تبدأ في التأمل أو عند العمل أو عندما تشعر بالضغط.

1. اجلس واسترخِ. خذ عدة أنفاس عميقة.

2. استحضر في ذهنك المكان الذي تستمتع بزيارته. فكّر في الألوان والأصوات والروائح. لاحظ كيف تسترخي بشكل أعمق عندما تفكر في هذا المكان. السهول الجبلية من الأماكن المفضلة لدي.

3. اكتب هذا المكان في القائمة المكتوبة الخاصة بك.

4. استحضر إلى ذهنك قطعة موسيقية تحبها بشكل خاص. من الممكن أن تكون هذه القطعة أي شيء، بدءاً من الموسيقى الكلاسيكية وحتى الأغاني الشهيرة، أو حتى قطعة موسيقية صاخبة. ستساعدك هذه الموسيقى على الاسترخاء إذا كنت تستمتع بها بالفعل.

5. اكتب القطعة الموسيقية في قائمتك.

6. تخيل لوناً يشعرك بالسكينة، ثم اكتبه في قائمتك. أنا أحب اللون القرمزي الذي أراه عندما تكون موجات ألفا موجودة في المخ.

7. تذكر قصيدة أو مقتطفاً أو كلمات تشجيعية تحبها. أضف هذه إلى القائمة أيضاً.

8. اكتب كلمة “تنفس” في القائمة كذلك.

9. اكتب القائمة على بطاقة صغيرة واحملها معك في حافظتك أو في حقيبتك. ضع هذه القائمة في نفس المكان الذي تحتفظ فيه بالنقود الورقية. بهذا الشكل، ستخطر محتويات هذه القائمة على ذهنك كثيراً وبالتالي تذكرك بالأشياء التي تساعدك على الاسترخاء.

وكلما قرأت البنود الموجودة في القائمة، سوف تمر بلحظة قصيرة من الاسترخاء. وكلما تدربت على ذلك، كان القيام به أسهل. ستجد أن مثل تلك اللحظات تُشبه نسائم الهواء المنعش. وبمناسبة الحديث عن الهواء، خذ نفسين عميقين لكي تغير من حالتك الذهنية. الأمر بهذه البساطة!

ملخص

إننا نعتقد أن الوعي هو حالة ساكنة للعقل، ولكننا في الواقع ندخل في حالات متغيرة من الوعي في كل لحظة. إن ذهنك يتميز بالمرونة، لأنه يتيح لك الانتقال من مهمة إلى أخرى بمنتهى السهولة. ولأننا نستطيع تغيير حالتنا الذهنية بهذه السهولة، فإن التأمل يمكن أن يساعدنا في زيادة هذه القدرة لدينا، وفي تطبيقها من أجل إجراء التغييرات الإيجابية في حياتنا.

في الفصل التالي، سنتعرف على أنماط التفكير وفي مدى تأثيرها على التأمل.

عن موقع طبيب - سياسة الخصوصية - شروط الاستخدام - اتصل بنا