التصنيفات
صحة ورعاية الطفل

التهاب الزائدة الدودية عند الأطفال Appendicitis

يعتبر التهاب الزائدة الدودية، الحالة الجراحية الباطنية الأكثر شيوعاً، من حيث استدعاء التدخل الجراحي الطارئ، إذ يحصل سنوياً ما بين 150 ألف و200 ألف حالة استئصال في فرنسا، ما يمثل 40 بالمائة من مجموع حالات التدخل الجراحي على مستوى الجهاز الهضمي.

من الناحية التشريحية، تشكل الزائدة الدودية الجزء النهائي من المصران الأعور (cecum) الذي يعد بدوره القسم الأول من المصران الغليظ وهو على علاقة مباشرة بالقسم النهائي للأمعاء الدقيقة.

تشكل الإصابة، المتمركزة غالباً في القسم السفلي من الزائدة، أو لجزء منها على شكل التهاب ناتج عن انسداد مجرى الزائدة والذي يمكن أن يختصر بالاحتقان (congestion)، مع إمكانية أن يتحول إلى إنتان (infection) جراء الجراثيم المتواجدة في هذا القسم من المصران الغليظ، ما يتطور نحو ظهور دمامل مجهرية (abscess) أو تمزق الزائدة (perforation) بعد انثقابها، مشكلة المضاعفات الأكثر خطورة في حال التأخر في حصول تشخيص الإصابة، حيث يتطور الأمر نحو امتداد الإنتان إلى الصُفاق (peritonitis) وتكوين حالة تسمم عام في الجسم. كما يمكن للأمور أن تتطور نحو حدوث نزيف واهتراء (necrosis)، يمكن أن يؤدي كل منهما أو كلاهما إلى الغرغرينا الزائدية؛ هذا في الحالات الحادة للإصابة، لكنَ هناك أشكالاً سريرية يمكن أن تتحول نحو الشفاء، أو التكرار على شكل مزمن.

إصابة الزائدة الدودية يمكن أن تحصل في مختلف الأعمار، وهي نادرة الحدوث قبل عمر السنتين، ومجمل الحالات عند الأطفال والأولاد تحصل بين 5 و11 عاماً، كماهي أكثر احتمالا عند الذكور خصوصاً وفي فصلي الربيع والخريف عموماً.

ما هي العلامات السريرية للإصابة؟

يتميز هذا الالتهاب المتمركز في هذه المنطقة من المصران الغليظ، بالألم الحاد في حفرة الحرقفة اليمنى (Right iliac fossa) في المربع الأيمن السفلي من البطن، وبخاصة في نقطة تشريحية تعرف بمنطقة «ماك بورناي» (McBurney’s point) التي تصل ما بين الصُرة وعُرف عظم الحُرقفة (ilium)، كما يمكن للوجع أن ينطلق من التجويف المعدي على شكل ثابت، أو حاد أحياناً ويزداد حدة عند الجس بالأصابع خلال الفحص الطبي، مع إمكانية حصول مضايقة في المشي (انحناء الجذع إلى الأمام).

أما العلامات المواكبة للألم والتي يمكن أن تحصل فهي: الاستفراغ، الإمساك أو عكس ذلك، الإسهال، ويكتمل الثالوث التقليدي بظهور ارتفاع في الحرارة الداخلية إلى حدود 38.5 درجة مئوية، ونادراً أعلى من ذلك، وهي ليست ثابتة الوجود. ويبقى الوضع الصحي للمصاب ضمن نطاق المحافظة العامة مقبولاً، مع غياب المضاعفات الحادة التي وردت آنفاً. يساعد على تثبيت التشخيص أو زيادة اليقين بحصول إصابة زائدة من خلال الاستعانة بتحليل مخبري للدم، يظهر ارتفاع نسبة الكريات البيضاء (leukocytosis) مع زيادة في نسبة الكريات من فئة «نيتروفيل»، وهي علامة مهمة من مجموعة الدلائل التي تساهم في تثبيت التشخيص واتخاذ القرار بالتدخل الجراحي. كما يمكن إجراء صورة شعاعية عادية للبطن، ولكنها غير ذات أهمية إلا في حال وجود مضاعفات، لتبرهن على وجود هواء داخل الصُفاق (Pneumoperitoneum)، أو استنتاج علامات انسداد occlusion في المصران، أما الصورة الصوتية فتسمح في حالات لا بأس بها من تأكيد وجود التهاب الزائدة، كذلك الأمر بالنسبة إلى التصوير الطبقي على الكومبيوتر (CT-Scan) الذي يؤدي إلى تأكيد التشخيص في الكثير من الحالات.)

ما هي أشكال تطور الزائدة الدودية في حالة الإصابة؟

• في شكلها الحاد، شائع الحصول، تكون حدة الوجع معتدلة ولا يؤدي الألم إلى حصول دفاع عند الضغط على منطقة الزائدة خلال جسها بالفحص الطبي السريري. وعند مساءلة المريض، يستنتج الطبيب حصول نوبات ألم مماثلة سابقة وسريعة التهدئة تلقائياً، وتكون فيها درجة حرارة المصاب طبيعية مع غياب علامات الاضطرابات الهضمية في أغلب الأحيان.

• الشكل الثاني يتمثل بانحصار وتجمع الالتهاب حول الزائدة، هذا ما يحصل في أغلب الحالات، إذ إن الإصابة هي في طور التكون منذ عدة أيام، وهذا ما يؤكده الفحص السريري مع وجود علامات مرضية هضمية، مع إمكانية أن يتطور الوضع نحو تكوّن دُمل وحصول تمزُق الزائدة المحصورة، ويشعر المريض بألم حاد وعنيف مع دفاع واضح عند فحص البطن، ما يعني الإفراط في تقلص جدار البطن العضلي (contracture)، وهي علامة فائقة الأهمية للتشخيص، تترافق مع ارتفاع حرارة ثابت وتدهور الوضع الصحي العام للمريض وإمكانية حدوث التهاب الصُفاق في أي لحظة والتدخل الجراحي الطارئ.

ما هي الأشكال السريرية حسب العمر والوضع الصحي؟

• عند الإنسان العجوز، ربما أدى تشخيص التهاب الزائدة إلى الشك في حصول تورم في الكولون الأيمن، ما يتطلب اللجوء إلى التدخل الجراحي.

• أما لدى الأطفال والرضع فهي نادرة الحصول قبل عمر السنتين، ويمكن أن تصبح شديدة الخطورة نظراً لتطورها السريع.

• العمر العادي لحصول الإصابة عند الأطفال والأولاد هو بين 5 و10 سنوات حيث يصبح التشخيص أكثر سهولة ومشابهاً لحالة الإصابة عند الشاب أو البالغ.

• أما عند المرأة الحامل، يصادف التشخيص صعوبة نظراً لتغير وضع المصران الأعور تحت تأثير زيادة حجم الرحم الذي يدفعه إلى الجهة العليا. هنا ينبغي الانتباه والأخذ في الاعتبار التشخيص التفريقي مع إمكانية حصول التهاب في الكلية والحوضية (pyelonephritis) أو التهاب المرارة (cholecystitis) ما يزيد التشخيص صعوبة.

الأشكال غير النمطية (الشاذة atypical) لإصابة الزائدة الدودية

• يسجل في هذا المجال وجود حالات خاصة، فيما يعود للمصاب بداء السكري، أو عند استعمال المضادات الحيوية أو المسكنات، وفي كلتا الحالتين تكمن صعوبات يتوجب الانتباه إليها.

• وهنالك تغيرات العلامات السريرية العائدة إلى وضعية المصران الأعور، وبخاصة الوضعية الخلفية، ما يعطي علامات خاطئة عن إصابة الكبد، كما يمكن للزائدة المصابة أن تتمركز في وسط الأمعاء الدقيقة، وحينئذ يتم التركيز على الفحص السريري حيث يتضح وجود فراغ في الحفرة القحفرية اليمنى.

• ومن الحالات غير النمطية كذلك، نذكر الزائدة داخل الفتق الأربي، ما يعطي علامات سريرية مشابهة للفتق الأربي المخنوق (strangulated inguinal hernia).

• كذلك الأمر بالنسبة إلى الزائدة الحوضية (pelvic appendicitis) التي تعطي علامات سريرية خاطئة لها علاقة بالمثانة، وهنا يساعد الفحص بالمنظار الجوفي (laparoscopy) ليؤكد التشخيص ويسمح بإجراء العملية.

• وفي شكلها غير النموذجي نشير إلى حالة نادرة من وجود الزائدة الدودية على الجهة اليسرى من البطن، نادرة جداً ولكنها موجودة في حالة تكوينية غير طبيعية للجسم تتمثل بوجود أحشاء مقلوبة الوضع (القلب على اليمين، الكبد على الشمال) وهي ما تسمى باللاتينية (situs Inversis)، وقد تسنت لنا فرص تشخيص ثلاث حالات منها طوال ممارستنا للمهنة لثلاثة عقود ونيف.

التشخيص التفريقي لالتهاب الزائدة الدودية عند الأطفال

• من هذه التشخيصات التفريقية نذكر أكثرها إمكانية للحدوث: في رأس القائمة يأتي الالتهاب الغددي بين الأمعاء أو التهاب العقد اللمفاوية المساريقية (Mesenteric Adenitis). المساريقا هي الغشاء الذي يصل الأمعاء بجدار البطن.

• التهاب رتج ميكيل (Meckel’s diverticulum)؛ الإصابات الحوضية لدى الفتاة (التهاب المبيض، كيس في داخل المبيض أو على محاذاته).

• التهاب الكبد الوبائي الفيروسي من فئة (A)؛ التهاب ذات الرئة اليمنى؛ التهاب المجاري البولية؛ حمى التيفوئيد وإصابة الصفائح اللمفاوية في المصران الأعور (Peyer’s patch).

• مجموعة من الإصابات التي تؤدي إلى أوجاع البطن، كذلك نذكر منها الأورام الباطنية، داء النقطة الباطنية أو الصرع البطني (abdominal epilepsy) والفُرفُرية الرثوية (purpura rheumatica) وغيرها.

نخلص إلى القول إن تشخيص الإصابة في الزائدة الدودية، كما في كل الإصابات الجراحية الطارئة، يستوجب دائما أخذ الحيطة والحذر، والقيام بفحص سريري دقيق ومتكامل، مع تكرار هذا الفحص على فترات متقاربة حسب ما تستدعي حالة المريض.

وبواسطة هذا الفحص والمراقبة الواعية، يمكننا الابتعاد عن الوقوع في الكمائن التشخيصية، ويسمح لنا في الوقت عينه التركيز على الإصابة والاستعانة بتحاليل مخبرية أو صور شعاعية أو صوتية تساعد على تثبيت التشخيص، وبخاصة عند الأطفال والأولاد، نظراً لتعرضهم لهذه الإصابات في البطن مع تطور العمر؛ ومعظمها يترافق مع علامات سريرية تحوي ثالوث عوارض إصابة الزائدة الدودية (ألم، استفراغ، ارتفاع حرارة)، مع التنبه الدائم إلى أن إصابة الزائدة الدودية تشكل أكثر الإصابات الجراحية الباطنية «خيانة»، وعلينا ألاّ ندع لها سبيلاً لتنفيذ «مآربها» الخطيرة كما اتضح لنا آنفاً.