التصنيفات
صحة ورعاية الطفل

التجفاف الحاد لدى الأطفال الرضع acute dehydration

هذه المياه التي تغطي ثلثي مساحة الكرة الأرضية، لا بد من استثمارها بطرق أفضل حتى لا يبقى عوز للماء لدى مئات الملايين من البشر على امتداد الكون، عندما نعلم أن جسم الإنسان وهو بعد مولود جديد يحتوي على نحو 75 % من وزنه ماء، ليصل إلى نسبة 60 % في حدود عمر السنتين ويستقر على 50 % بحلول عامه الرابع كما عند البالغين.

يفسر أهمية الماء، ما يحمله من أملاح معدنية ومواد أخرى أساسية لحياة الإنسان، لا سيما لدى الطفل والرضيع خصوصاً لتأمين الوظائف البيولوجية والفيزيولوجية طوال فترات النمو ومراحل الحياة فيما بعد.

من هنا تبرز تداعيات خسارة الماء (الحادة والسريعة) التي تؤدي إلى التجفاف الحاد لدى الطفل، لتنعكس خطورة على وظائف جسمه وعلى مستوى الأعضاء النبيلة فيه (القلب، الدماغ، الكلى..).

التجفاف الحاد (أو النشفان كما هو معروف بين الناس) إذاً هو خسارة مفاجئة وسريعة لكمية مهمة من الماء والأملاح المعدنية (البوتاسيوم، الصوديوم، الكالسيوم…) من جسم الطفل، إذا ما علمنا أن حاجة الطفل اليومية إلى الماء تقدر بما يوازي 100 إلى 150 ميللتراً في الكيلوغرام الواحد من وزنه، وأنه في هذه الفترة من العمر يكون سريع التأثر إن لجهة وظيفة الكلى لديه أو للخسارة المائية غير المحددة عملياً من خلال الجلد (التعرق) أو بواسطة عملية التنفس. كما تضاف إلى ذلك أهمية التبادل المائي في هذا العمر، وبخاصة لقطاع الماء الموجود خارج الخلايا.

وتتلخص عملية التجفاف في ثلاث حالات: الأولى تكون فيها خسارة كمية الماء معادلة لخسارة الأملاح، وهي الأكثر حصولاً، والثانية تحصل فيها خسارة للأملاح تفيض عن خسارة الماء، أما الثالثة فتحصل فيها خسارة للمياه بكمية تفوق فقدان الأملاح.

إن الدراسات الطبية والإحصائيات القائمة على متابعة الأوبئة وانتشارها، للكثير من المؤسسات الصحية العالمية، وفي مقدمها منظمة الصحة العالمية، تظهر أن 90 % من حالات التجفاف الحاد عند الأطفال ناتجة عن إصابة الجهاز الهضمي، وبخاصة الإسهالات، مع أو بدون تقيؤ، وتكون النتيجة في الإنتان الحاد للمعدة والأمعاء (Acute gastroenteritis)، والذي يحدث عموماً في فصل الصيف، خصوصاً لدى الطفل ما دون السنة بنسبة عالية. ويكون الشاهد السريري على هذه الخسارة هبوطاً سريعاً في وزن الطفل إلى جانب العلامات المرضية الواضحة للطبيب.

سريرياً يقدر الطبيب درجة النشفان الحاد بالنسب المئوية حسب وزن الطفل، إذ يعود إلى آخر وزن له، إما خلال فترة المرض قبل ساعات أو أيام، وإما لفترة زيارة سابقة، ويستنتج من النسبة المئوية التي فقدها الطفل، ويلاحظ من خلال الممارسة اليومية أن خسارة نسبة خمسة بالمائة أو ما دون من وزن الطفل هي مرحلة أولية وبسيطة من حالات التجفاف ولا ترافقها إلا علامة العطش في بعض الحالات. وعند خسارة نسبة 5 إلى 10 % من الوزن يكون التجفاف معتدلاً مع علامات واضحة، أما خسارة 10 % أو أكثر فتعد من حالات التجفاف الحادة والخطيرة مع ما يرافقها أو يتبعها من مضاعفات على مستوى دينامية الحركة الدموية والجهاز العصبي وتداعياتهما على وظائف أعضاء الجسم الأساسية (القلب، الكلى، الدماغ…).

علامات التجفاف الحاد

ترجع هذه العلامات إلى مصدرين أساسيين:

• علامات تجفاف داخل الخلايا، تعبر عن ذاتها من خلال عطش حاد ونشاف في الأغشية (الفم واللسان) وضعف البريق في محجر العيون، ارتفاع الحرارة الداخلية للطفل، تصاحب ذلك اضطرابات في الوعي وفترات إثارة مع صوت حاد للبكاء تليها حالات نعاس وتعب وإرهاق ظاهرة على وجه الطفل، هذا إلى جانب استرخاء في العضلات.

• أما علامات التجفاف خارج الخلايا فتظهر من خلال الفحص السريري مع وجود طيات في الجلد، غروز في العينين، وهبوط في ضغط اليافوخ وقلة أو ندرة في التبول إلى علامات في الدورة الدموية المحيطة والمركزية.

• العلامات البيولوجية للتجفاف، لا يطلبها الطبيب إلا في حالات التجفاف المعتدلة أو الحادة وهي تشمل نسب الأملاح المعدنية في الدم (الصوديوم أو ملح الطعام، البوتاسيوم، الكلور، الكالسيوم، الماغنزيوم…) مع دراسة نسبة الحموضة والقلوية في الدم، إلى طلب فحوصات تخص الكلى وتحاليل البول (أملاح، رواسب، زرع بكتيريا في حال وجودها..) إلى تحاليل وزرع للبراز لرصد الجرثومة (دون سهو فيروس الروتا Rota Virus الشائع الانتشار في عصرنا الحاضر والذي يشكل 70 % من أسباب التجفاف الحاد عند الأطفال. من هنا أهمية تلقيح هؤلاء الرضع وقبل بلوغهم سن الثمانية أشهر، ويمكن الاطلاع على اللقاح في مكان آخر من هذا الكتاب). إلى زرع للدم وتحاليل أخرى بحسب كل حالة.

أسباب التجفاف الحاد ومخالطاته

نذكر منها أهمها: الإسهالات الحادة نتيجة الإصابة بالجراثيم (فيروس، بكتيريا….) كما أسلفنا، حالات الشفط المعدي، انسداد الأمعاء، الحروق البالغة الخطورة والمنتشرة وإصابات الكلى؛ يضاف إلى ذلك حالات التقيؤ والاستفراغ الحادة والتعرق الحاد وحالات القصور الكلوي، هذا إلى جانب حالات استقلابية مع تداعيات نجدها في إصابات داء السكري، التعرض لضربات الشمس….

ومن المخالطات في حالات التجفاف الحاد، نذكر الأكثر شيوعاً عند الأطفال: الهبوط الحاد في نسبة الملح (الصوديوم) في الدم، ما يؤدي إلى حالة تسمم بالماء واستسقاء في الدماغ أو حادث نزف حاد في الدماغ أو انسداد في شرايين الأخير، أو تشنجات عصبية، هذا إلى جانب إمكانية حصول مخالطات في الكلى والدورة الدموية.

أهم سبل الوقاية

لا بد من الإشارة إلى مجموعة من الإرشادات الأولية الموجب أخذها في الاعتبار في حالات الإسهالات الحادة، لاسيما في فصل الصيف حين تزداد نسبة تلوث المياه والغذاء، وتشتد سرعة انتشار الجراثيم بسبب عدة عوامل بيئية، اجتماعية، ثقافية وصحية، ومن هذه النصائح:

1. المحافظة على قواعد النظافة العامة، وبخاصة لدى الأطفال الرضع لا سيما أولئك الذين يعتمدون على التغذية الاصطناعية (القنينة)، بوجوب تعقيم الماء المستعمل لتذويب بودرة الحليب، ومن ثم تعقيم الزجاجة والرضاعة وتوابعهما واحترام عملية مزج الماء المعقّم بمسحوق الحليب من ناحية الكمية المناسبة.

2. الكف عن تقبيل الأطفال على وجوههم، وبخاصة على أفواههم (وهو ما يحصل على مستوى بعض المجتمعات أو الأفراد) لتجنب نقل الجراثيم إليهم عندما نعلم عن وجود حاملي جرثومة أصحاء، يتمتعون بمناعة قوية، هم لا يصابون بالمرض ولكن ينقلون الجرثومة إلى هؤلاء الأطفال سريعي العطب نظراً لضعف المناعة لديهم والتي هي في طور الاكتساب والتكوين.

3. المبادرة في حالات الإسهال الحاد إلى تخفيف كمية الحليب التي تعطى للطفل واستبدالها أو تكملتها بالمعالجة بالإمهاء الفموي أو بتعويض السوائل عن طريق الفم (ORS) ريثما تحصل استشارة الطبيب.

4. العمل على تخفيض الحرارة المرتفعة لدى هؤلاء الرضع من خلال محلول فموي مع احترام المعيار بحسب وزن الطفل وتعليمات الطبيب وإجراء مغطس ماء للطفل على أن تكون حرارة المغطس أقل بدرجتين من الحرارة المرتفعة للطفل المريض؛ هذا إلى جانب تزويد الطفل بكميات إضافية من الماء الصالح للشرب والمعقم في فترات الطقس الحار (30 درجة وما فوق) وفي الحالات الطبيعية خارج نطاق أي مرض تجنباً لخسارة الماء والأملاح عن طريق الجلد الذي يزداد إفرازه للعرق والرئتين من خلال عملية التنفس.

5. حماية الأطفال من ضربات الشمس (هذا ما يستوجب شرحاً مفصلاً في مكان آخر من هذا الكتاب) التي يتعرضون لها خصوصاً على شواطئ البحار والمسابح، ما يعرضهم للحروق الجلدية من ناحية، والتعرق الزائد من جهة أخرى، وكلتا الحالتين تؤديان إلى خسارة المياه والأملاح.

6. التشديد على التلقيح المبكر ضد جرثومة الروتا.