التصنيفات
طب نفسي | علم النفس

الانتحار بسبب الاكتئاب – ج13

يعاني 90 في المئة من الذين ينتحرون من مرض عقلي واحد أو أكثر، ولا سيما الاكتئاب. وتقول الإحصاءات إن 15 في المئة من المصابين بالاكتئاب ينتحرون. لكن دراسة حديثة تشير إلى أن المعدل الفعلي قد يكون أقل من ذلك.

فقد وجد الباحثون أن معدل الانتحار عند الذين يتلقون المعالجة للاكتئاب يراوح بين 2 و9 في المئة. والأشخاص الذين يكشفون عن المعدل الأكبر هم الذين أدخلوا حديثاً إلى المستشفى بسبب محاولة انتحار. أما الذين يكشفون عن المعدل الأدنى فهم الذين جرت معالجتهم خارج المستشفى. وتشير دراسات أخرى إلى أن المصابين باكتئاب غير معالج يكشفون عن معدل انتحار أكبر من الذين يتلقون العلاج. باختصار، كلما ازدادت حدّة الاكتئاب- خصوصاً إذا بقي من دون معالجة أو جرت معالجته على نحو غير ملائم- يزداد خطر الانتحار.

من هو المعرّض للانتحار؟

يستحيل التوقع على نحو مؤكد بالأشخاص الذين سيقتلون أنفسهم أو يحاولون ذلك. والسبب في ذلك أن الانتحار سلوك معقد. فهناك العديد من العوامل الطبية والنفسية والاجتماعية، مثل الاكتئاب والإدمان والمحنة الشخصية، وتوافر الأسلحة النارية أو الجرعة القاتلة من العقاقير، التي تعرض الإنسان لخطر الانتحار. كما أن الاستجابة لعوامل الخطر هذه تختلف كثيراً بين شخص وآخر.

للتخفيف من خطر الانتحار، يجب إدراك العوامل الأساسية المرتبطة بحدوثه. وقد يكون الشخص الذي تحبه معرضاًَ للانتحار إذا:

غياب الوازع الديني

كان مكتئباً
فأكثر من نصف الذين ينتحرون يعانون من أحد أشكال الاكتئاب، مثل الاكتئاب الكبير أو الاضطراب الثنائي القطبين.

حاول الانتحار قبلا
فبين 20 و50 في المئة من الذين يقتلون أنفسهم حاولوا ذلك قبلاً.

كان مدمناً على المخدرات أو غيرها
فالإدمان قد يؤدي إلى البطالة، والصحة الرديئة، والقليل من الدعم العاطفي أو لا شيء منه أبداً- وكلها عوامل مسببة للاكتئاب. وقد تزيد الكحول والمخدرات من حدّة الاكتئاب من خلال تعطيل التفكير وجعل الناس يتصرفون بتهور.

كشف عن تاريخ عائلي من الانتحار
فقد أظهرت دراسة رعاها المعهد الوطني للصحة العقلية أن واحداً من كل أربعة أشخاص حاولوا الانتحار لديهم قريب فعل الشيء نفسه.

كان ذكراً
فالنساء يحاولن الانتحار أكثر من الرجال، لكن الرجال ينجحون أكثر في ذلك. ويستطيع الباحثون تخمين الأسباب التي تجعل معدل إتمام الانتحار أعلى عند الرجال. فهم يعتقدون أن الرجال يستعلمون وسائل مميتة أكثر من النساء، مثل الأسلحة النارية، أثناء محاولة الانتحار. أما النساء فيحاولن الانتحار غالباً من خلال تناول جرعة مفرطة من العقاقير أو السموم.

وبين الرجال، يكون الرجال البيض الذين تجاوزوا 85 عاماً الأكثر عرضة للخطر. فمعدل الانتحار عندهم أكبر ست مرات من المعدل الوطني. واللافت أن أكثر من 70 في المئة من الرجال الكبار في السن الذين قتلوا أنفسهم زاروا طبيبهم في الشهر الذي سبق الحادثة، ومعظمهم مصاب بمرض اكتئابي لم يتم كشفه. (واللافت أن 40 في المئة منهم زاروا الطبيب في الأسبوع الذي سبق و20 في المئة منهم في اليوم نفسه). كما أن معظم الرجال الكبار في السن الذين ينتحرون يعيشون لوحدهم. فهم يعانون غالباً من صحة ضعيفة وفارق معظم أحبابهم الحياة، فيشعرون بالعزلة والوحدة والعجز.

كان يملك سلاحاً
في الولايات المتحدة، تبين أن معظم الأشخاص الذين يقتلون أنفسهم يفعلون ذلك بواسطة مسدس. فتوافر السلاح الناري لشخص مكتئب تراوده أفكار الانتحار يزيد من خطر الانتحار.

علامات الإنذار

في أغلب الأحيان، تشير عدة علامات إنذار إلى اعتماد شخص للاتجاه الخطأ وتعرضه لخطر الانتحار. واللافت أن معظم علامات الإنذار هذه هي أيضاً من خصائص الاكتئاب، مما يصعّب معرفة ما إذا كان السلوك إنذاراً بنوايا الانتحار أو أنه ببساطة عارضاً للاكتئاب. لهذا السبب، من المهم التعرف إلى الاكتئاب المحتمل والحصول على المساعدة الملائمة بأسرع وقت ممكن.

تهديدات الانتحار
في بعض الأحيان، يخبر الشخص رفاقه صراحة بأنه يفكر في الانتحار. أو قد يعتمد الشخص طريقة أقل صراحة، مثل القول إن الجميع سيكون بحال أفضل لو لم يولد أبداً أو لو مات. والمؤسف أن الافتراض الشائع بأن الذين يهددون بالانتحار لا ينتحرون فعلاً غير صحيح البتة. لذا، إعتبر كلمات الشخص بمثابة دليل على حاجته إلى المساعدة المحترفة.

الابتعاد عن الآخرين
قد يرغب الأشخاص المعرضون لخطر الانتحار بالتحدث مع الآخرين على نحو أقل وقد يرغبون في البقاء لوحدهم. ويمكن للمشاكل في العمل أو العلامات السيئة في المدرسة أن تكون علامات أخرى على الانعزال.

المزاجية
نعرف جميعاً تقلبات في المزاج. لكن التقلبات الجذرية في المزاج- أي الشعور بزخم عاطفي كبير في أحد الأيام وبإحباط كبير في اليوم التالي- ليست طبيعية البتة.

تغيرات الشخصية
قبل أن ينتحر شخص ما، قد تلاحظ غالباً تغيرات واضحة في شخصيته وروتينه، مثل أنماط الأكل أو النوم. فالشخص الذي كان خجلاً في أغلب الأحيان مثلاً قد يصبح رمز الحفلات الصاخبة، أو يصبح الشخص المنفتح معزولاً.

سلوك خطر
إن النشاطات الخطرة على نحو غير مبرر، مثل القيادة بسرعة أو ممارسة الجنس غير الآمن أو الإدمان على المخدرات، قد تكون دليلاً على رغبة كبيرة في الموت.

محنة شخصية
قد يصعب على الجميع تحمل المشاكل الكبيرة في الحياة، مثل الطلاق أو فقدان الوظيفة أو موت شخص محبوب. وعند الأشخاص المكتئبين، يمكن لمثل هذه المحنة أن تدفعهم إلى الحافة وتجعلهم يحاولون الانتحار.

التخلي عن الممتلكات
قبل الانتحار، يعمد الشخص المكتئب أحياناً إلى تسليم ممتلكاته الغالية، ظناً منه أنه لن يحتاجها بعد ذلك.

بداية الشفاء
يقتل العديد من الأشخاص أنفسهم بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من شفائهم من الاكتئاب. فإذا كان أحد أفراد عائلتك أو صديقك قد عانى من الاكتئاب طوال أشهر أو سنوات، قد تكون هذه المرة الأولى التي يلاحظ فيها المشاكل التي سببها الاكتئاب أو المرة الأولى التي يملك فيها الطاقة العاطفية لتنفيذ الانتحار. وبما أن الشخص الذي تحبه لم يتجاوز بعد اليأس والتفكير السلبي اللذين يرافقان الاكتئاب عموماً، يمكن لهذه المشاعر المجتمعة مع ازدياد الطاقة أن تفضي إلى محاولة انتحار.

التعاطي مع الأفكار والأعمال الانتحارية

يجدر بالعائلة والأصدقاء أن يدركوا أن كل شخص يفكر في الانتحار لا يجربه بالضرورة. لكن لا بد من أخذ أي ذكر للانتحار على محمل الجد، خصوصاً إذا كنت تعرف أو تشك في أن الشخص الذي يتحدث عن الانتحار مصاب بالاكتئاب. ولعل الطريقة الأفضل لمعرفة ما إذا كانت تراود ذلك الشخص أفكار أو نوايا انتحارية هي سؤاله عن ذلك. لا تظن أنك ستمنحه الفكرة أو تدفعه إلى شيء لم يكن ينوي فعله. فما تفعله هو منحه فرصة للتحدث، ومناقشة الألم والسلبية اللذين يغذيان أفكار الانتحار إذا كان الشخص يفكر في الانتحار. وقد يساعد ذلك على تخفيض خطر الانتحار. تذكر أن مهمتك لا تتمثل في التحول إلى المعالج وإنما الكشف عن اهتمامك وتوفير الرعاية الطبية الملائمة لذلك الشخص عند الحاجة. وحين تتحدث عن الانتحار، كن صريحاً.

إليك بعض الأسئلة الممكن طرحها:

●  هل تفكر في الموت؟
●  هل تفكر في إيذاء نفسك؟
●  كيف ومتى ستفعل ذلك؟

وأثناء مناقشة الانتحار، لا تعد الشخص بالسرية، حتى لو رأيت أنها الطريقة الوحيدة التي تدفع الشخص إلى التكلم. فللحصول على المساعدة المحترفة، يتوجب عليك ربما مشاركة المعلومات مع الآخرين. وإذا وعدت الشخص بعدم إخبار الآخرين ومن ثم خلفت بوعدك، تكون خنت ثقة الشخص وقضيت ربما على قدرتك المستقبلية في المساعدة.

عند مواجهة الانتحار المحتمل، كن داعماً ومتعاطفاً وخذ كل الاحتياطات الوقائية الممكنة. أبعد المسدسات والسكاكين وكل شيء تظن أنه يمكن استعماله في محاولة الانتحار. قد ترغب أيضاً في مراقبة استعمال كل الأدوية. وعند مواجهة خطر وشيك، إفعل كل ما هو ضروري، حتى لو اقتضى ذلك الاتصال بالشرطة أو الحصول على دعم محترف.

الدخول غير الطوعي إلى المستشفى

صحيح أن الدخول غير الطوعي إلى المستشفى غير شائع، لكنه قد يحدث. إنه إجراء قانوني يتم اعتماده حين يصبح الشخص معرضاً لخطر إيذاء نفسه أو الآخرين ويرفض المساعدة. وقد يتم إدخال الشخص المصاب باكتئاب وخيم إلى المستشفى رغماً عن إرادته للتقييم أو المعالجة إذا:

– حاول الانتحار.
– راودته دوماً أفكار الانتحار ووضع خطة للتنفيذ.
– عجز عن توفير الحاجات الأساسية لنفسه، بما في ذلك عدم الحصول على التغذية الكافية أو اتخاذ الإجراءات الصحية الملائمة.

وفي معظم الدول، يمكن إدخال الشخص رغماً عن إرادته إلى المستشفى لإجراء تقييم نفسي له بناء على أمر من المحكمة أو أمر من الطبيب، وإنما لفترة محدودة من الوقت. وإذا وجد التقييم سبباً للقلق فيما الشخص لا يزال يرفض المعالجة، قد يتم اللجوء إلى المحكمة لتحديد ما إذا كان الشخص مريضاً عقلياً فعلاً-حسب رأي المحكمة- ويحتاج إلى المعالجة. إذا رأت المحكمة ذلك، قد تأمر بإخضاع الشخص لعلاج صحي عقلي. لكن من دون أمر المحكمة، لا يمكن إدخال الشخص إلى المستشفى رغماً عن إرادته إلا على أساس طارئ وقصير الأمد.