التصنيفات
صحة ورعاية الطفل

الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال

إن للطفل حاجات أساسية ينزع إلى إشباعها في تعامله مع البيئة التي يعيش فيها. وقد تعطل البيئة المنزلية إشباع حاجات بعض الأطفال أو تحول دون إروائها، عندئذ يلجؤون إلى أساليب سلوكية شاذة، ويتعرضون لصعوبات قد تؤدي إلى مشكلات نفسية عندهم تنتقل معهم إلى المدرسة. وعلى المدرسة أن تجابه هذه المشكلات السلوكية. ومن الطبيعي أن يزداد الاهتمام بهذه المشكلات، لأن صحة التلاميذ النفسية ليست ذات مكانة هامة في توفير التكيف والسعادة لهم فحسب، بل هي إضافة إلى ذلك ذات أثر بالغ في توفير الطمأنينة والأمن للمجتمع الذي يعيشون فيه. لذلك لا بد أن نسعى إلى إيجاد حلول لهذه المشكلات.

لا يقتصر وجود الاضطرابات السلوكية على فئات معينة دون غيرها من الأطفال فهذه الاضطرابات يمكن أن تظهر عند الأطفال المعوقين بكل فئاتهم كما تظهر عند الأطفال العاديين. وبالرغم من الاستخدام المتنوع في المصطلحات التي تشير إلى الاضطراب كالشذوذ والانحراف والإعاقة في السلوك الاجتماعي والانفعالي والمدرسي إلا أن الجوهر واحد، فنحن أمام طفل يشكو من اضطراب سلوكه، سواء كان هذا السلوك يمثل مظهرا اجتماعيا أم انفعاليا أم نفسيا أم مدرسيا.

هناك عدة تساؤلات تطرح حول الاضطرابات السلوكية التي يعاني منها الأطفال.

• ما طبيعة الإضطرابات السلوكية؟
• من الطفل المضطرب سلوكيا؟
• ما العوامل التي سببت الاضطراب السلوكي؟
• ما الأعراض التي تظهر في الاضطراب السلوكي؟
• ما العوامل التي سببت الاضطراب السلوكي؟
• كيف نعالج الطفل المضطرب سلوكيا؟

الاضطراب السلوكي

مفهوم واسع يشمل كل ما يطال السلوك الإنساني ويحرف مساره عما هو مألوف واعتيادي ومتكيف مع شروط البيئة التي يعيش فيها الفرد بحيث يؤثر هذا الانحراف على توافق الفرد مع نفسه ومع الآخرين.

الطفل المضطرب سلوكيا

هو الطفل الذي لا يستطيع أن ينشئ علاقات اجتماعية فعالة وسليمة مع غيره، ويتصف سلوكه بأنه غير مرغوب فيه وغير مثمر.

مظاهر الاضطرابات السلوكية

يتخذ الاضطراب السلوكي مظاهر متعددة ومتباينة. فقد يتصف المضطرب سلوكيا بالعدوانية والتمرد على ممثلي السلطة في نظره، فنجده دائما في صراع مع والديه ورفاقه ومدرسيه. وقد ينضم الطفل المضطرب سلوكيا إلى مجموعة من الأطفال بقصد القيام بأعمال لا تتفق مع معايير الجماعة وأساليب السلوك المتفق عليه. كما أن هذا السلوك قد يتسم بالانطواء والانسحاب، فيعزف الطفل عن مشاركة أقرانه، ويؤثر العزلة على المشاركة، وبالتالي يعيش في أوهام خاصة به. وقد يكون الطفل المضطرب سلوكيا سريع الاستثارة يثور بنوبات غضب وعدوان وصراخ، فيضرب ويكسر لأتفه الأسباب أو لأسباب غير كافية لهذه الاستثارة. كما يمكن لهذه المظاهر أن تتخذ صفة  الحساسية الشديدة لتظهر على شكل شعور بالخجل والتردد والخوف الاجتماعي وعدم الثقة بالنفس وتوقع الفشل، إن سلوك المضطرب يعكس قلقا وتوترا وعدم قدرة على ضبط الانفعالات. هناك عند بعض الأطفال المضطربين سلوكيا ميلا إلى الكذب والسرقة وعدم القدرة على ضبط التبول أو مظاهر من عدم النضج كمص الإبهام وتفضيل اللعب مع الأصغر سنا أو اللعب غير الهادف. وكل ذلك يعكس أنواعا من السلوك تنم عن صورة طفل لم ينم نموا نفسيا وانفعاليا سليما.

تصنيف الاضطرابات السلوكية

تصنف الاضطرابات في فئتين:

الأولى: فئة الأفراد ذوي الاضطرابات السلوكية البسيطة والمتوسطة.

الثانية: فئة الأفراد ذوي الاضطرابات السلوكية الشديدة.

أما الفئة الأولى فهم الذين يشكلون الغالبية العظمى من المضطربين سلوكيا. وتظهر الاستجابات السلوكية في عدة مظاهر، منها – العناد المستمر – عدم الطاعة – المشاجرة مع الآخرين – المزاج الحاد – إيذاء الآخرين – صعوبة تحمل المسؤولية والتهرب منها – الغيرة المتطرفة – سرعة الغضب – جذب الانتباه – سرعة الإنسحاب من المواقف – النشاط الزائد – الخجل الشديد – الحساسية الزائدة – سرعة تشتت الانتباه – الأنانية المفرطة – القلق الزائد – زيادة أحلام اليقظة – الكسل الزائد – حالات جنوح الأحداث كالسرقة والعدوان بأشكاله المختلفة – الكذب.

أما الفئة الثانية فهم الذين يشكلون النسبة الأقل والتي تبدو في مظاهر واستجابات سلوكية مرضية مزمنة، مثل حالات الانغلاق وحالات فصام الطفولة والمتلازمات التي تظهر فيها حركات جسمية مستمرة وجملة الاضطرابات العقلية والاضطرابات النفسية الشديدة كحالات الهستيريا والقلق والاكتئاب.

ثمة شرطان هامان ينبغي توافرهما حتى نستطيع أن نحكم ما إذا كان أحد هذه المظاهر يمثل عرضا للاضطراب السلوكي أو لا.

أولهما: التكرار والاستمرار في هذا السلوك.

والشرط الثاني: هو أن يؤدي هذا التكرار أو الاستمرار في السلوك إلى انعدام قدرة الفرد على التكيف الاجتماعي والشخصي. ومعنى هذا أن تكرار ظهور الاستجابات السلوكية بمختلف مظاهرها واستمرارها شرط أساسي، فقد يكذب الطفل في أحد المواقف عندما يجد أن قوله الصدق قد يضره أو يسيء إليه. وهذا سلوك عادي أما إذا تكرر كذب الطفل في مواقف مختلفة فإن هذا السلوك غير عادي. لأنه سيؤثر على العلاقات الاجتماعية التي ينشئها الطفل وغيره وعلى مفهوم الطفل عن ذاته واتجاهاته نحو نفسه، وهذا هو الشرط الثاني.

صفات الأطفال المضطربين سلوكيا

1. الصفات الانفعالية والاجتماعية

إن الطفل الذي يعاني من اضطراب سلوكي هو طفل مضطرب انفعاليا، وعاجز عن إنشاء علاقة سليمة مع نفسه، ولا يستطيع أن ينشئ علاقة اجتماعية سليمة مع غيره. فالطفل الذي نشأ ولم يشبع حاجته إلى الأمن يعجز عن أن يأمن إلى غيره في علاقاته الاجتماعية. كما أن الطفل الذي أدت الظروف التي عاش فيها إلى عدم إشباع حاجته إلى الحب والتقبل لا يستطيع أن يحب غيره أو يتقبله، لأنه لم يسبق له أن شعر بحب الآخرين أو تقبلهم له. والطفل الذي اتسمت اتجاهات أبويه بالسلبية نحوه أثناء نموه، وشعر بالرفض وعدم التقبل، لا شك أنه يشب عاجزا عن تقبل ذاته، لأن تقبل الذات ما هو إلا انعكاس لتقبل الآخرين لهذه الذات.

2. الصفات العقلية والتحصيلية

تتأثر جوانب الطفل العقلية بما سيكون عليه حاله من فقدان الأمن والحب والتقبل. وينعكس ذلك على الأداء العقلي والتحصيلي، فغالبا ما يكون المضطربون سلوكيا أقل تحصيلا من غير المضطربين. قد يكون ذلك لانخفاض في القدرات العقلية، وقد يكون ذلك ناجما عن شروط الوسط الذي يعيش فيه الطفل وتأثيره في حياته النفسية والانفعالية. وهذا ينطبق على فئات المضطربين سلوكيا من الحالات البسيطة والمتوسطة أو الحالات الشديدة من الاضطراب، فغالبا ما تواجه مشكلات عقلية يتعذر معها للطفل أن يكون في حدود ما هو عادي ومتوسط. وغالبا ما تظهر الجوانب التحصيلية والمعرفية على شكل اضطرابات سلوكية في المدرسة، فهناك علاقة قوية بين الاضطرابات السلوكية وصعوبات التعلم.

العوامل التي تسبب الاضطرابات السلوكية للطفل

1. العوامل العقلية

من العوامل التي تسبب الاضطرابات السلوكية للفرد هي ضعف قدرته العقلية. فإذا كان مقدار ذكاء الطفل ضعيفا، فإنه لا يستطيع الإفادة الكاملة من التربية التي تقدم له، فقد يكون لدى الفرد ضعف في القدرة على الانتباه والتركيز والاستمرار أو ضعف في القدرة اللغوية أو الحسابية.

2. العوامل الانفعالية

قد تظهر هذه الاضطرابات نتيجة لعوامل انفعالية مكبوتة يسببها سوء النمو الانفعالي، مما يؤدي إلى الغيرة أو الغضب أو الشعور بالنقص والذلة أو الانتقام كما نلاحظه في مشكلات السرقة والتخريب التي ترجع إلى طبع الطفل ومزاجه ونوع شخصيته. وقد ترجع إلى زيادة الحساسية عند الطفل وقد تكون نتيجة لإشباع ميل أو توكيد ذات أو لإشباع عاطفة أو للتمتع بهواية. ويمكن أن تكون العدوانية ناجمة عن الرغبة الملحة في الاستقلالية أو عدم تقبل الطفل أو الشعور الزائد بالنقص وعدم الكفاءة أو الإحباطات المتكررة لرغبات الطفل.

3. العوامل الجسمية

هي تلك العوامل المسؤولة غالبا عن حالات الاضطراب السلوكي الشديد مثل العوامل المرتبطة بالوراثة والعاهات الجسدية. إن الصلة بين النمو الجسدي وسلوك الإنسان وتصرفه أمر لا يشك فيه فهناك بعض العاهات كالخلل في السمع أو الضعف في البصر أو النطق أو فقد عضو من أعضاء الجسم، ونلاحظ أن اختلال مصادر النشاط في الجسم بازدياد الإفرازات الغدية، فيكون الطفل غير مهيأ للقيام بالنشاط الكافي لتصريف الطاقة المتدفقة. كل ذلك يؤدي إلى ظهور اضطرابات سلوكية عند الأطفال على شكل المشاكسة والمشاجرة أو العدوان.

4. العوامل الاجتماعية

تتعدد العوامل الاجتماعية. فبعضها ينشأ في المنزل من جو الأسرة، وبعضها يتكون في المدرسة.

• العوامل الأسرية: هي العوامل المسؤولة عن تكوين شخصية الطفل وتنشئته. وترجع أسباب العوامل إلى أنماط العلاقة بين الطفل ووالديه، فالمشكلات السلوكية عند الطفل تنشأ نتيجة لسوء المعاملة التي يتلقاها الطفل وضعف الجو الثقافي والفكري في المنزل، أو بسبب الفقر وسيطرة الجهل،

أو الشجار والخصام الناتج من عدم التوافق بين الوالدين، أو بسبب تفكك الأسرة لعدم وجود أحد الوالدين. هذه الأسباب تؤدي إلى نمو غير سليم. مما يؤدي إلى ضعف في تكوين الشخصية وعدم قدرة الطفل على استخدام الحيل النفسية لتحقيق التكيف. وقد تؤدي أساليب الرفض للطفل والحماية الزائدة والمغالاة في المستويات الخلقية المطلوبة من الطفل إلى ترك آثار في شخصية الطفل على شكل عدم الشعور بالأمن، وفقدان للتوازن العاطفي والحب، والحاجة إلى جذب انتباه الآخرين، والاعتمادية والصراع النفسي، وعدم الثقة بالنفس والقلق والتوتر والعزلة والخوف. كل هذا يؤدي إلى ارتباك الطفل واضطراب سلوكه من غير المألوف.

• العوامل النفسية: هناك بعض المواقف في المدرسة تشجع على حدوث الاضطرابات السلوكية كأساليب المعاملة المدرسية من المعلمين، مثل العقوبات وما يصاحبها من شدة وعدم احترام شخصية الطفل؛ مما يكون لديه رد فعل، ويدفعه إلى السلوك الشاذ، كالهروب من المدرسة مثلا.

أساليب التوجيه الضاغطة بحيث يكون التحصيل مرتفعا والمغالاة في المستوى المطلوب من الطفل وعدم احترام ميوله واستعداداته وإشباعها، وكذلك سوء احترامهم له وحبهم له واللجوء إلى مضايقته. كل هذا يدفع بالطفل إلى السلوك الشاذ كالانطوائية والعزلة مثلا.

برامج الإرشادات العلاجية

تهدف برامج العلاج الموجهة إلى الأطفال المضطربين سلوكيا إلى مساعدتهم من أجل التخلص من الاضطراب والعودة بالطفل إلى الحياة الآمنة. وتقضي هذه البرامج أن يتواجد الأطفال في صف تتوافر فيه أجواء التسامح، و إطلاق الانفعالات المكبوتة، والتقبل والحب، والمزيد من العناية والدفء العاطفي. أما طرائق التدريس فينبغي أن تقوم على التدرج من البسيط إلى المركب، ومن المهمات المحسوسة إلى المجردة. كما ينبغي أن تتضمن مستويات المنهاج أنشطة فنية ورياضية وترويحية واجتماعية تشبع حاجة الطفل إلى الانتماء والتقبل.

إجراءات الوقاية من الاضطرابات السلوكية

1. التشديد على الوضع الصحي للطفل بفحوص طبية سنوية ورعاية طبية مستمرة لمعالجة العاهات المسببة لهذه المشكلات، للتخفيف من حدة شعور الأطفال بهذه العاهات، وتوفير التوازن الغذائي للقضاء على ضعف الجسم، وزيادة النشاط والحيوية لديهم.

2. تشغيل الطفل في عمل يحتاج إلى جهد جسمي أكثر مما يحتاج إلى جهد عقلي إذا كان نشاطه الجسمي زائدا عن المعتاد.

3. الكشف عن العوامل المكبوتة، لإحاطة أصحاب المشكلات بالحب والعطف وإعادة الثقة والطمأنينة إلى نفوسهم، وكذلك العمل على إشباع رغباتهم وتلبية حاجاتهم الأساسية.

4. تحسين المعاملة الأسرية، وضرورة عناية الأبوين بالطفل ذي المشكلات السلوكية، والحد من الخصام والمنازعات الأسرية أمام أطفالهم. والمعاملة الحسنة والهادئة معهم، وعدم إهمالهم وإهمال مطالبهم. والاهتمام بهم وعدم استثارتهم لإثارة غضبهم، وعدم مناقشة مشكلاتهم على مسمع الآخرين. لأن ذلك سوف يولد لديهم شذوذا أقوى من السابق في سلوكهم.

5. توجيه ميول الطفل نحو الأمور التي تزيد من خبرته، وتشجيع رغباته وميوله، وتنمية روح العمل لديه، وتحقيق الذات بما لا يعارض قواعد السلوك المتبعة في مجتمعه.

6. توجيه الاهتمام إلى الأطفال الخجولين المنسحبين والسلبيين الذين يؤثرون العزلة أينما وجدوا ويكونون منطوين على أنفسهم، فينبغي توجيه العناية لهم والاهتمام بهم والوقوف عند مشكلاتهم ومواجهتها.

طبيعة النمو الانفعالي عند الطفل

التعبير الانفعالي عند الطفل الوليد خاصية أولية للتعبير عن طبيعته وحاجاته ومقدار القبول والرفض للواقع والمحيط من حوله. وهناك ثلاث انفعالات أولية تظهر عند الطفل، أهمها الخوف والغضب والحب.

أما باقي الانفعالات فهي مشتقة من هذه الانفعالات الثلاثة الأولية عن طريق التعلم. ويثير الخوف وفق تعبير “واطسون ومورغان” الصوت العالي المفاجئ وفق سن الطفل. أما الغضب فيظهر عند تقييد حركة الطفل. والحب يظهر كاستجابة للملاطفة، ولكن الباحثين وجدوا أن الطفل الجائع يبكي، ولكن أي من المراقبين لا يعرفون سببا لذلك السلوك، ربما سموه حزنا أو غضبا أو خوفا أو ألما، إلا إذا عرف المثير، فعند ذلك يكون سببا كافيا لتسمية الانفعال.

إن الطفل يولد بانفعال أساسي هو عبارة عن استثارة عامة. ومع النضج تتمايز هذه الاستثارة العامة فتصبح سرورا أو محبة. ثم تتمايز مرة أخرى إلى انفعالات وتعبيرات انفعالية أكثر تخصصا.

الخبرات النفسية والحاجات الانفعالية لدى الطفل

بالإضافة إلى الحاجات الحيوية كالطعام والشراب والهواء والنشاط والحركة، يتطلب الطفل من أجل نموه الحاجات النفسية. فهو يحتاج إلى:

1. الحاجة إلى المكانة: يتطلع كل طفل إلى الاعتراف بوجوده. ويحب أشد الحب أن يحظى باهتمام من هم حوله، فهو ينشد احترام أبويه له، ومعلميه لشخصيته، والأقران لكرامته.

2. الحاجة إلى الطمأنينة: يصبو الطفل إلى الانتظام والاستقرار في حياته، فعدم التيقن من موقعه بين أفراد أسرته يفقده الثقة بنفسه.

3. الحاجة إلى العطف والحنان: يصبح الطفل قلقا عديم الاستقرار على حال واحدة حائرا، يبدو كأنه مرتبك حينما يتبين له أنه ليس محبوبا أو أنه في مكانة غير مرغوب فيها بالنسبة إلى أفراد أسرته.

4. الحاجة إلى الشعور بشيء من الاستقلال الذاتي ضمن إطار الأسرة:

يود الأطفال أن يظهروا أنه باستطاعتهم أن يؤدوا بعض المسؤوليات البسيطة، وأنهم أهل لاتخاذ شيء من القرارات الخاصة بهم، والتي يمكن أن تعود عليهم وعلى الأسرة بالنفع، وأنهم يستطيعون التعبير عن وجودهم الذاتي أولا وقبل كل شيء للإفصاح عن مدى ما لديهم من قابليات. فهي قدرات تتجلى في اللعب، بقدر ما تتجلى في إنجاز المهام البسيطة التي قد يكلف بها الطفل، وذلك بما يتناسب وسنه والمرحلة التي هو فيها.

مراحل النمو النفسي عند الطفل

أولا. أطفال حديثو الولادة

تتشابه حالة الرضيع في الشهرين الأولين بعد الولادة وحالته أيام كان في بطن أمه، إنه يقضي أكثر من 80% من ساعات اليوم بين النوم والنعاس، أما النسبة الباقية فيقضيها في الرضاعة وكذلك ردود الفعل السلبية، مثل الصياح والبكاء.

في نهاية الشهر الثالث يبدأ الرضيع استعمال العين عند تناول الغذاء، فينظر إلى ثدي أمه. وفي الشهر الخامس يثيره صوت وقع أقدام أمه.

يتأثر الرضيع إيجابيا في الشهرين الأولين بالانفعالات التي ترضي رغباته واحتياجاته، أما كل مالا يرضي رغباته فإن الطفل يجيب عليه برد فعل سلبي. ومن الشهر الثالث حتى الخامس يتعلم الطفل استخدام حواسه، إنه لم يعد يخاف من كل صوت يسمعه، وإنما أصبح يتجه إيجابيا إلى منبع الإثارة. ويتأثر الطفل بانفعالات الكبار في الأشهر الستة الأولى من عمره. والطفل في شهوره الأولى شخص عديم المسؤولية، بل يبدو دائما على أنه يعمل على إغاظة أمه، فقد لا يحلو له التبول إلا أثناء نزهة أهله. ولكن يجب أن لا تلجأ الأم إلى صفع الطفل أو أن تصرخ في وجهه كلما أتى مثل هذا العمل فإنها خارجة عن إرادته. ونلاحظ الزيادة البارزة في الابتسام للوجوه والأصوات الإنسانية. ويعتبر العمر الذي يبلغ فيه الطفل الذروة في الابتسام هو الشهر الرابع، فالابتسامة هي الطريقة الوحيدة التي يشير فيها الطفل إلى أنه قد تعرف على حادثة مألوفة.

في فترة من التطور بين الشهر السابع والتاسع يبدي الطفل استجابة مختلفة لوجود غرباء، حيث يظهر قلقا حينما يوجد الغريب، وحتى لو كان الشخص الغريب مألوفا نسبيا بالنسبة له فهو سيبدي استجابة قلق أو كرب مثل فترة من البكاء أو الصراخ. وإحدى الطرق التي نعرف بها أن غياب الأم يسبب شعورا بعدم الارتياح عند الطفل هي حدوث مشكلات النوم في الشهر الثامن. فحينما تهم الأم بالخروج من غرفة صغيرها حين نومه يبدأ الطفل بالصراخ رغم أنه يبدو نصف نائم، فهو لا يريدها أن تذهب، فتعود للدخول، وتتكرر هذه العملية. ونحن نسمي ما يقوم به الطفل من حركات عشوائية “ما قبل مرحلة اللعب”. ومن أهم أنشطة الرضيع هو تحريك الأشياء، وليس استخدامها كلعبة. وبالتدرج يتعلم الطفل التعامل مع الأشياء، فيعكس بذلك ما يدركه في العالم المحيط به.

ثانيا. النمو النفسي للطفل من عمر سنة إلى ثلاث سنوات

يستطيع الطفل في هذه المرحلة المشي، وسيأخذ في الاهتمام واللعب بكل ما يقع تحت بصره وما يستطيع الوصول إليه. وهنا تبدأ فترة إلقاء الأوامر والعقاب. وتهديد الطفل بالعقاب يولد فيه الخوف، ويجعله يشعر بأنه سيؤذى إذا كسر إحدى هذه القواعد التي وضعتها له أمه، والتي لا يفهم لها سببا. وهذا التهديد من جانب أمه يترجم داخل نفس الطفل على أن أمه لا تحبه، لعل الشيء الذي يخطر ببالها دائما أنها تستطيع الوصول إلى النتيجة التي تريدها بطرق أخرى بسيطة.

إن أكثر الأطفال يستجيبون لكلمة “لا” إذا فهموا السبب. لكن ذلك لا يحدث دائما، فقد يثير طفلك عاصفة هوجاء إذا حاولت أمه منعه عن عمل ما. ولكنها ستفاجأ في كثير من الأحيان بامتناعه لو حاولت شرح الأمر له. وليس معنى هذا أن لا تقولي له “لا” بل يجب أن تقوليها له بصراحة لتمنعيه من الاقتراب من الموقد أو من أنبوب الغاز أو اللعب في طريق السيارات. سيتقبل هو ذلك من أمه بغير مناقشة، لأن الطفل يكون سعيدا إذا شعر بالأمن إلى جانب شعوره بالحرية. وقد يقوم بمعارضة أمه بطريقته الخاصة “كالعناد” لكن ذلك أيضا لا يعني سوء خلقه، إنه ببساطة دليل اكتشافه لما يدور حوله وتصرفه بحرية. فإذا قدمت له الأم في هذه الفترة الحب والتشجيع، فإنه سيشب واثقا  بنفسه، واثقا بمن يتعامل معهم في مستقبل حياته. وهذه النتائج الباهرة لا تستطيع الأم الوصول إليها إلا بالفهم ومزيد من الصبر والاحتمال.

يكون الطفل في هذه المرحلة قادرا على فهم الطلبات البسيطة، وعلى استعمال اللغة للحصول على أهدافه المرغوبة. والشيء الأكثر براعة هو أنه قادر على الاستجابة للموضوعات طبقا لأسمائها الرمزية أكثر من استجابته لخصائصها الطبيعية كاللون واللمعان، ومعالجتها عن طريق اليدين والفم.

إن تعلم الكلام أساس النمو النفسي. ويكون التفكير والكلام هو أساس نمو كل فروع الشخصية. ويبحث الطفل عن عيون الآخرين ويضحك لهم ويندفع نحوهم ويكون غير راض عندما لا يجد تجاوبا منهم. وتظهر مشاعر الطفل على وجهه مباشرة، وكذلك من حركات جسمه. وعندما يريد الطفل شيئا فإن هذا يعتبر إرادة، ويجب احترام رأي الطفل وإعطاؤه الفرصة للتعبير عن نفسه مع التوجيه أولا بأول. أما إذا أراد الأب أو الأم إرغام الطفل بالقوة على الطاعة، والمسلك الحسن، فإن هذا قد يجعل الطفل مستقبلا غير واثق بنفسه، لا يتخذ رأيا قاطعا ولا يستطيع حسم الأمور. إن الطفل من نتاج نشاطه، وكل نجاح جديد في اكتساب القدرة والخبرة يساعد على استقلال شخصية الطفل.

ثالثا. النمو النفسي للطفل من عمر ثلاث سنوات إلى ست سنوات

الطفل في هذه المرحلة يتمتع بروح مرحه، فهو كثير الضحك من أشياء تافهة في نظر أمه كمنظر والده وهو يضع الصابون على وجهه لكنها ظاهرة طيبة، فإنها تدل على أنه يستطيع أن يميز الفروق “فلكي تعرف الشيء غير الطبيعي وتضحك منه يجب أن تعرف أيضا الشيء الطبيعي والفرق بينهما” وهي بداية ملكة التمييز والاختبار عند الطفل. ولا تحاولي أيتها الأم أن تجعلي طفلك هدفا للمزاح والنكات في هذه الفترة، فإنه يستطيع أن يفهم ما تعنيه تماما. ولكن ذلك سيترك في نفسه شعورا بعدم الثقة. وطفلك في هذه الفترة لديه القدرة على الابتكار والتخيل، وهي التي تدفعه إلى ابتكار قصص بعيدة عن الواقع، مثل الأسود التي قابلها في الحديقة والحوادث الكثيرة. وإن هذا ليس كذبا، ولن يشجعه على الكذب في المستقبل. فإذا كانت تربيته حسنة سيأتي الوقت الذي يدرك فيه أنه يقص قصته.

إن الابتكار والتخيل والقصص البعيدة عن الواقع هي وسيلة الأطفال ليعبروا عن دهشتهم من هذا العالم الكبير، وما يدور فيه.

إن لعب الأطفال بشكل جماعي في الحضانة مفيد للغاية، إنه ينمي النشاط والتصور والخيال والأحاسيس. ويتعلم الطفل من التمثيل أشياء كثيرة، منها إعطاء الفرصة للآخرين. إن اللعب هو التمرين المفيد للجسم والنفسية، فالطفل لديه فائض في الطاقة يفرغها في اللعب، وترجع القدرة على التذكر إلى النشاط، وذاكرة الطفل أساسها الإحساس. وتؤثر الأحاسيس تأثيرا قويا على الطفل ما قبل المدرسة، لذلك فإنه مهم جدا أن نبحث في شكل الحركة، فالصغير عندما يخجل تراه يعض شفتيه أو يضع إصبعه في فمه، كما أنه يقفز في الهواء عندما ينتابه الإحساس بالفرحة.

ويريد الطفل اعترافا اجتماعيا بما يعمله. وعليه فمن واجب البالغين أن يمدحوا الطفل ويعترفوا به، فالاعتراف بعمل الطفل هو بداية نمو الإحساس بقيمة النفس.

رابعا. النمو النفسي للطفل من عمر السادسة وحتى الثانية عشرة

إذا عانى الأطفال الفشل أكثر من النجاح، فالأغلب أن ينمو لديهم شعور بالنقص بأنهم عاجزون عن مواجهة تحديات عالمهم. يعمل المعلمون على رفع مستوى دافعية التلاميذ إلى التحصيل والمنافسة السليمة ومشاعر الاقتدار عن طريق تشجيع جهودهم، ومكافآتهم، وإثارة اهتمامهم بالتعلم، وخفض أثر فشلهم وحدود قدراتهم. ويساعد المعلم الحساس على اكتشاف مواهب الأطفال وحشدها في الوقت الذي يحدد فيه ضروب ضعفهم. ومن ناحية أخرى المعلم غير المهتم أو غير الحساس يستطيع زيادة حدة شعور الطفل بالعجز أو بالنقص. ويجب ألا نخفي دور الآباء والأمهات في مساعدة الطفل على دخول جو المدرسة بكل ثقة واندفاع، فمعظم الآباء يشاركون أطفالهم اعتزازهم بأنهم مستعدون للمدرسة، وسرورهم بتقدمهم خلال سنوات المدرسة رغم حنينهم إلى مرحلة الحضانة. وهؤلاء الآباء الذين يجدون من الصعب قبول فكرة أن طفلهم قد بلغ سن المدرسة والانفصال عنهم بعض الوقت يحاولون تأجيل المدرسة فيقول “إنه صغير جدا وغير ناضج، وربما يجب الانتظار سنة أخرى” أو لا يشجعون على الدوام المدرسي ” أنت تبدو شاحب الوجه اليوم قليلا، أظن أنه ينبغي البقاء في البيت والراحة” ومثل هذه الأفعال تسهم في الخوف المرضي من المدرسة، يجب على الآباء أن يقرروا كم من الحرية يجب أن يمتلك أطفال المدرسة الابتدائية. فالطفل بحاجة إلى الاستقلال الكافي لتشجيع فرديتهم ومبادرتهم، والإشراف الكافي لحمايتهم من التأثيرات النفسية غير المرغوبة.

إن أطفال المدرسة الابتدائية يتساءلون حول الجنس فيما بينهم، ولا يعودون يسألون أهلهم أسئلة صريحة مربكة. فإنه غالبا لا يلاحظ الراشدون الزيادة المفاجئة في اهتمامهم بالأمور الجنسية، ويشكل لديهم بعض المشكلات النفسية. إن الولد في هذه المرحلة يقل تعلقه بأمه، وتتركز اهتماماته بزملائه. ويقل تعلق البنت بالأب وتتجه اهتماماتها إلى النشاط الخارجي، مثل الرقص والرسم والرياضة. إن ولادة طفل جديد تمثل تحديا بالغا للطفل الأكبر، حيث يحل القادم الجديد محله في اهتمام الأهل. وأحيانا يعتدي الأطفال غير الآمنين لدرجة قاتلة على أخوتهم الصغار، لعجزهم عن حل انفعالاتهم. وهذه الانفعالات العنيفة يطلق عليها اسم مركب الغيرة بمعنى أنها لا شعورية، ومازالت باقية دون حل.

إن الطفل القوي السليم الذي تستطيع أمه أن تتعامل مع مشكلاته بوعي يصبح قادرا على حل انفعالات الغيرة. ومن ثم يتحسن سلوكه. ويستلزم الأمر أن يعطى الطفل الأكبر فرصة يشعر فيها أنه يمتلك الصغير مع أبويه، ويساهم في كل عمليات العناية بالوليد في حدود إمكانياته. عندئذ تسنح الفرصة ليحب الطفل الصغير، ويقدم له المساعدة. وهذا الاتجاه بالمشاركة يكفل للطفل الأكبر الإحساس بأنه محبوب كما كان من قبل. الطفل في هذه المرحلة صورة لأبيه، هكذا يرى نفسه ويستطيع أن يتحمل مسؤوليات أكثر داخل نطاق عائلته، فهو يحب مثلا أن يستشار في الأمور التي تخصه. وهو يقبل على ما يطلب منه عمله بهمة. لأنه يرى نفسه صورة مصغرة لأبيه. ويملؤه الفخر إذا قالت له أمه إنه بمساعدته لها وفر عليها الوقت والمجهود.

يستطيع الأهل أن يجعلوا من طفلهم أكثر الأشخاص عنادا أو عدم إطاعة للأوامر لو أصر الأهل على إهانته أمام الغرباء دائما.

دور الأسرة في بناء الشخصية النفسية السوية للأبناء

يلعب المناخ الأسري دورا مهما في تنمية قدرات الطفل، حيث يحقق المناخ الملائم أهم مطالب النمو النفسي والاجتماعي. لأن الطفل في ظل هذا المناخ يتعلم التفاعل الاجتماعي، ويتعلم المشاركة في الحياة اليومية، وكذلك يتعلم ممارسة الاستقلال الشخصي.

الطفل في جميع المراحل السابقة نجده متأثرا بالأسرة. وتمثل الأسرة الوسيط الذي ينقل كل المعارف و الخبرات التي تسود المجتمع بعد أن يترجمها إلى أساليب عملية في تنشئة الأبناء متمثلة في توفير المجال الكافي لمتابعة ميولهم وهواياتهم داخل المنزل وخارجه، ومناقشتهم في الموضوعات التي تهمهم، وتشجيعهم على الإطلاع.

إن حب الوالدين أحدهما الآخر ولولدهما من أوجب بواعث الأمن في نفس الطفل، إذ تحتل الأم مكان الصدارة من وجود الطفل خلال طفولته، بل إنها تشكل عالمه كله. فإذا ما غمرت الأم طفلها بحبها الدافئ وحنانها شعر بالأمن والاطمئنان.

مع اشتداد ساعد الطفل يصبح لأبيه الدور الأكبر في توفير الأمن له. وبدخوله المدرسة يكون من واجب المعلمين خلق جو من الإحساس بالأمن والطمأنينة في قلوب الناشئة. إن الطفل الذي يطيع كل أمر يصدره الأب أو الأم قد يكون مريحا، ولكنه سيكون طفلا جامدا، لا بد من توافر جو من التعاون والتفاهم في البيت من أجل تحقيق الغايات التي تسعى إليها الأسرة، وهي القضاء على المشكلات السلوكية التي تواجه الأطفال، والإسهام في حل كل هذه المشكلات بما يضمن للطفل النمو السليم والمتوازن، لكي يكون مستقبله مشرقا.

تأليف: أنس شكشك