الأنانية عند الأطفال

الأنانية هي سلوك متمركز حول الذات. وهو سلوك مزعج للآخرين، ويؤدي إلى ضعف علاقة الطفل مع أصدقائه في المدرسة وخارجها. والنتائج هي عدم حب الأصدقاء لهذا الطفل الأناني الذي لا يحب إلا نفسه، ولا يهتم بمصلحة الآخرين بل يهتم بمصلحته على حساب مصلحتهم. وهو طفل لا يرغب في مساعدة الناس، بل إنه منطو على نفسه يشعر بأن لا أحد يحبه، كما يمكن أن يتعرض للنقد من قبل الوالدين والأخوة، فيرى نفسه بأنه مرفوض ممن حوله.

يهتم الناس الأنانيون بأنفسهم بشكل مطلق ومبالغ فيه، فهم يركزون على مصلحتهم الخاصة أو متعتهم دون أي اعتبار للآخرين. هناك مصطلحات عديدة تستخدم لوصف الأنانية مثل التمركز حول الذات – فردي – نرجسي – محب لنفسه. يهتم الأنانيون برغباتهم الخاصة مقابل اهتمامهم بمصلحة المجتمع، كما يظهر أنهم مستقلون لحد ما عن المؤثرات الخارجية، وتقتصر وجهة نظرهم على الاهتمام بنشاطاتهم وحياتهم الخاصة، ومع ذلك فالأشخاص الأذكياء جدا والمبدعون يمكن أن يكونوا مستقلين، متجاهلين لآراء الآخرين في معظم الأحيان ومتمركزين حول ذواتهم. والفرق الوحيد هو أن هؤلاء الأشخاص المبدعين منتجون إلى حد كبير، بعكس الأشخاص النرجسيين غير المنتجين.

الأطفال الأنانيون

من المهم أن ندرك أن جميع الأطفال أنانيون بطبيعتهم. فالطفل يتمركز حول ذاته كما لو أنه يعتقد ” أنا وباقي العالم شيء واحد”. والأطفال الصغار يحملون وجهة نظر واحدة هي وجهة نظرهم الخاصة، ومع الوقت والخبرة يتعلم الأطفال رؤية الأمور من وجهة نظر الآخرين، إن إدراك وجهة نظر الآخرين ضروري لكي يستطيع الطفل فهم كيف يبدو الموقف للآخرين ولماذا وكيف يستجيب الآخرون. إن الأطفال تخفي هذه اللغة ويظهر بدلا منها الحديث الداخلي، وهو ضروري من أجل التفكير “الإدراك والتجريد والتعميم”. وعندما يبلغ الطفل أربع أو خمس سنوات تنمو لديه مهارات الاتصال المناسبة، ويصبح ظهور الحديث المتمركز حول الذات والسلوك الدال على الانشغال التام بالنفس نادرا جدا، ويصبح أطفال ما قبل المدرسة أكثر وعيا بأنفسهم وبوجهة نظر الآخرين حولهم. ويتناقص تمركزهم نحو ذاتهم تناقصا ملحوظا في عمر ست إلى تسع سنوات. يتعلم الأطفال خلال سنوات المدرسة الأولى نقد أنفسهم وتقويم سلوكهم وفق معايير الآخرين. ويجب أن يعي طفل الخمس أو الست سنوات تأثيره على الآخرين. بحيث يتعلم وضع نفسه موضع الآخرين “لو كنت مكانه” وذلك لأن الاهتمام بالآخرين “أشخاص وحيوانات” يتطلب إدراك كيف يمكن أن تشعر لو كنت مكانهم، يمكن أن تشعر بمن يؤذى أو يعذب. ويحاولون تجربة كيف يمكن أن يشعروا من خلال التمثيل، فهم يقومون بأدوار متنوعة، فهم يمثلون أدوار حيوانات أو أشخاص رأوهم في حياتهم أو على شاشة التلفاز. فعن طريق ارتداء ملابس الآخرين والتصرف مثلهم يمكن تعلم فهم مشاعر الآخرين.

مؤشرات لوجود مشكلة الأنانية عند الطفل أو التمركز حول ذاته

الاهتمام الزائد بمشاعر الشخص الذاتية يمكن أن يؤدي إلى تفاعل غير منتج مع العالم. وهذا الوضع يشبه المدللين الذين يحصلون على ما يرونه دون أن يبذلوا أي مجهود حقيقي. وغالبا ما يعبر الشخص الأناني عن مفهوم ذات سلبية، كذلك لا يملك الأطفال الأنانيون ما يكفي من القيم الأخلاقية. ويعاني الأنانيون من ضعف الانتماء لجماعة الرفاق. فهم لا يدركون مشاركتهم على شكل “نحن” نقوم بعمل الأشياء معا، بل على شكل ما الذي أريده ” أنا”.

أسباب الأنانية عند الأطفال

1. المخاوف

قد يطور الأطفال اتجاهات أنانية، ويبقون عليها بسبب العديد من المخاوف. فالخوف من الاقتراب من الآخرين، الخوف من الرفض أو الهجر أو التغيير في حياتهم يشعرون أنه مثير للقلق، فهم ينظرون إلى الأشياء بمنظارهم الخاص، وأي فهم لوجهة نظر الآخرين يمكن إدراكه على أنه تغيير مخيف. كذلك الأطفال الذين يخافون من العلاقة مع الآخرين غالبا ما يصبحون مهتمين بسلامتهم الخاصة فحسب، وكذلك الأطفال الذين تعرضوا للهجر الجسدي أو النفسي لديهم شعور بالخوف والغضب. وعدم تعريض أنفسهم للتورط أو الاهتمام بالآخرين يمكنهم من تجنب المعاناة من جديد. والنتيجة النهائية هي طفل يبدو أنانيا متمركزا حول ذاته. ومما يعقد الصورة أكثر أن الأطفال الأنانيين غالبا ما يخشون النتائج السيئة المحتملة لسلوكهم. لذلك فهم لا يشاركون أحدا في مشاعرهم أو أفكارهم، مما يجعلهم دائمي الانشغال بأنفسهم.

من أسباب الأنانية أيضا الخوف الذي يولده الأبوان في الطفل من خلال سخريتهما منه وانتقادهما له أو عدم ثبات أسلوب التنشئة الذي يستخدمانه.

2. الدلال

يدلل الآباء أطفالهم من خلال الحماية الزائدة وتلبية جميع رغباتهم، فيبادرون إلى إزالة كل ما يزعج الطفل، كما أنهم يحاولون حمايته من كل ما يمكن أن يسبب الإزعاج. وبعض الآباء يكون سلوكهم ردة فعل لطفولتهم المحرومة، لذا يريدون لأطفالهم أن يحصلوا على كل ما حرموا منه. فالأطفال المدللون لا يطورون القدرة على الاحتمال أو التكيف، ويظلون متمسكين بأسلوب تعامل طفولي متمركز حول الذات. وقد يؤدي الدلال أحيانا إلى مزيج من الأنانية والخجل وتكرار ظهور تخيلات عند الطفل بأنه عظيم، وأنه محور اهتمام الآخرين.

يعلم الآباء أطفالهم أحيانا الأنانية بسلوكهم الوسواسي، فهم يحاولون حماية أطفالهم من أي شكل من أشكال الإحباط. وإذا ما بدا لهم أي شخص على أنه غير منصف في حق أطفالهم ثار سخطهم وغضبهم. وسارعوا إلى تأييد وجهة نظر أطفالهم بأن الآخرين يحاولون استغلالهم. وكثيرا ما يعطون لأطفالهم محاضرات عن ضرورة الدفاع عن حقوقهم، وعدم السماح للآخرين بتغطيتهم. وهؤلاء الأطفال يصبحون أشخاصا أنانيين لا يهتمون بإنصاف الآخرين. إن فرصة الطفل الوحيد في أن يكون مدللا من قبل الأبوين أكبر من فرص غيره من الأطفال. فهو ببساطة معرض للحماية الزائدة والمحبة الشديدة، لكنه لا يمارس إلا القليل من النشاطات الناضجة التي تقود إلى تحمل المسؤولية، هذا بالإضافة إلى عدم وجود أشقاء يتقاسم معهم الأشياء والأفكار. والنتيجة طفل أناني ومتمركز حول ذاته ومتوقع أن يكون محور الاهتمام من الآخرين.

3. عدم النضج

لكي يتخلى الطفل عن أنانيته يحتاج إلى مستوى من النضج، فمثلا يجب أن يتعلم كيفية ضبط نزعاته لكي تكون لديه القدرة على الالتزام باتفاقياته. فالأطفال الذين لا يحتملون الحفاظ على وعودهم، ولا يشعرون بالانزعاج في عدم التزامهم بموعد ما لأنه “حدث” أن كان لديهم شيء آخر يفعلونه. إنهم غير قادرين على تحمل المسؤولية. وبالطريقة نفسها لا يطور الأطفال غير الناضجين أسلوب المحاكمة العقلية الضروري كي يكونوا حساسين تجاه الآخرين. يمكن ملاحظة ذلك من خلال السلوك الذي يبدو دائما إما غير مناسب، أو لا يتسم بالحساسية. من الأسباب الواضحة التي لا تتيح لبعض الأطفال أن يتعلموا سلوكا أكثر نضجا، التخلف العقلي، والاضطرابات اللغوية، وأشكال أخرى من صعوبات التعلم. ويظل هؤلاء الأطفال أنانيين لأنهم لم يسبق لهم أن تعلموا الاهتمام بالآخرين.

طرق وقاية الطفل من الأنانية

1. كيف ننمي لدى الطفل شعورا بتقبل الذات؟

إن أفضل طريقة مباشرة لمنع الأنانية عند الطفل هي مساعدته لكي يشعر بالجدارة والكفاءة والاطمئنان. فالأطفال الذين يتقبلون أنفسهم على أنهم أشخاص لهم قيمة بذاتهم، ولديهم الكفاءة، ويشعرون بالأمن يهتمون بمصلحة الآخرين بشكل طبيعي، ولا يستحوذ عليهم الشك بأنفسهم. بما أن مفهوم الإنسان عن نفسه مستمد من سلوك الأشخاص الهامين في حياته، فلا يوجد بديل أفضل من أن يبدي الوالدان تقبلا ثانيا واضحا للطفل.

إن الأطفال الذين يشعرون بالحب والتقبل يحملون شعورا إيجابيا نحو الذات. ويمكنك إظهار التقبل من خلال التعاطف مع جوانب الضعف والاحترام لجوانب القوة لدى الطفل.

هناك تأثيرات سلبية محتملة على الطفل من قبل “الرفاق والمدرسة والأشخاص الذين هم في السلطة والأقارب… ” إلا أن الأطفال الذين يشعرون بالحب يستمر شعورهم بالجدارة، حتى لو تعرضوا لضغوط كبيرة خارج البيت. أما الأطفال الذين لا يشعرون بتقبل آبائهم لهم فيكونون أكثر عرضة للتأثر بوسائل الآخرين السلبية أو التي تثير القلق.

إن حب الوالدين للطفل يتكون من عناصر هي التقدير الإيجابي غير المشروط والاعتزاز والاهتمام. فالاتجاه الإيجابي غير المشروط يؤدي إلى شعور صحيح بالأمن والتقبل. ويعني الاعتزاز بالطفل  تقدير خصائص الطفل الفردية وصفاته المتميزة. أما الاهتمام فيعني الاهتمام بأفكار الطفل ومشاعره ونشاطاته، والاهتمام به بشكل عام.

إن إظهار الحب للطفل بصورة محسوسة من قبل الوالدين يعبر عن الاهتمام به بطريقة غير لفظية “الحضن، التقبيل، حتى مجرد المصافحة الودية أو وضع الذراع حول كتفي الطفل بحيث تكون طريقة لإبراز الاهتمام به”. والنقد الدائم لا ينمي تقبل الذات،  فجو الأسرة المفعم بالتوتر الدائم والغضب والنزق يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات عند الطفل، كذلك يؤدي التركيز على التنافس واعتباره موضوعا هاما إلى زعزعة ثقة الطفل بقدراته، فالتنافس الشديد يدفع بالطفل لإثبات جدارته ويعطيه إحساسا بعدم الأمن وعدم الثقة بالذات. يمكن الوقاية من الأنانية من خلال حب الأطفال وتقبلهم و الامتناع عن النقد وعن المنافسة الشديدة والعلاقات الأسرية المتوترة.

2. كيف تعلم طفلك الاهتمام بالآخرين؟

يجب أن لا يتوقع الآباء الأنانيون والمتمركزون حول الذات أن يكون لدى أبنائهم احترام شديد لمشاعر الآخرين، حيث لا توجد طريقة لخفض قوة تأثير الآباء على أطفالهم باعتبارهم نماذج للأطفال، إن إظهار الاهتمام الحقيقي بأطفالك وبالآخرين هو نموذج جيد لسلوك الغيرية، كذلك فإن إحساسك بالمسؤولية عن سعادة الآخرين ببذل الوقت والجهد والمال في سبيلهم هو تعبير واضح عن سلوك الغيرية، فالحب كثيرا ما يعرف على أنه الاهتمام بسعادة شخص آخر أكثر من سعادتك الخاصة. فعلى الوالدين إظهار الاهتمام بالآخرين عن طريق إظهار الإحساس بالأسى قولا وفعلا لمعاناتهم. فهذا الإظهار والتعبير عن المشاعر تجاه الآخرين سيعلم الأطفال مشاعر الاهتمام بالآخرين. لا بد كذلك من الابتعاد عن بعض أشكال المزاح الذي يظهر كسخرية من الآخرين وتصرفاتهم أمام الأطفال، لأن هذا يطور عند الطفل بطريقة غير مباشرة الأنانية والتمركز حول الذات وعدم الاهتمام والسخرية بمشاعر الآخرين. والتعاطف هو أن تفهم الآخرين من وجهة نظرهم الخاصة، فحاول أن ترى الأمور من وجهة نظر طفلك، واعمل على إيصال فهمك له، لأن ذلك عنصر أساسي.

3. يجب أن تحمل طفلك بعض المسؤوليات

إن المسؤولية تجاه الآخرين هي طريقة طبيعية كي يجرب الفرد، ويتعلم الاهتمام بالآخرين. فالشخص الذي تلقى المساعدة عند امتنانه، يعطي بالمقابل الشخص الذي ساعده شعورا بالارتياح والرضا عن عمله. فإعطاء الطفل مسؤولية العناية بحيوان أليف تعتبر تجربة ممتازة منذ الطفولة الباكرة فما فوق، على أن يتناسب مستوى المسؤولية مع قدرات الطفل. إلا أنه من غير المناسب إغراق الطفل بالمسؤوليات. إن تكليف الأطفال الصغار بمهمات مفيدة ومحددة يمكن أن يكون مصدرا ممتازا للرضا والإشباع الذي يتم الحصول عليه من خلال مساعدة الآخرين. ويجب أن لا ننسى أن كثيرا من الناس يكرسون أنفسهم مدى الحياة للاهتمام بالآخرين ومساعدتهم. هذا ويعتبر إنجاز الأعمال اليومية مجالا مهما آخر لتحمل المسؤولية، حيث يتعلم الأطفال بأنهم مسؤولون عن إنجاز مهمات ضرورية لسعادة الجماعة. فالكنس وترتيب المائدة ومساعدة الأم كلها مساهمات جيدة للطفل، كذلك إشراك الأطفال في مناقشة وتحديد مسؤوليات جميع أفراد العائلة هو دليل عام ذو فائدة، حيث إن تعداد مسؤوليات كل شخص يمكن أن يكون مسليا ومثقفا في آن واحد.

إرشاد وتوجيه الأطفال الذين يتصفون بالأنانية

1. يشعر الأطفال الذين يتصفون بالأنانية غالبا أن لديهم مبررات، وأنهم على حق، لذا من الضروري أن نناقش معهم ونوضح لهم فهمهم وإدراكهم الخاطئ الذي يؤدي إلى حب الذات وإنكار الغيرية.

2. يجب تشجيع الأطفال وتعليمهم كيف يهتمون بالآخرين ويشاركونهم.

3. تشجيع الأطفال يكون بالتعزيز الإيجابي بأي طريقة، سواء بالتشجيع المادي أو المعنوي.

4. تعليم الأطفال التعاطف من خلال لعب الدور، وهو من أكثر الأساليب استخداما من قبل الأخصائيين لخفض الأنانية عند الأشخاص في مختلف الأعمار. ويعني هذا الأسلوب استخدام الأزياء والأقنعة مما يؤدي إلى تعبير الأطفال عن السلوكيات الممنوعة. ويمكن أن يقوم شخص آخر بتمثيل دور طفل أناني لا يفكر إلا بنفسه، ويريد كل شيء لنفسه. فهذا يساعد الطفل كثيرا على التخلص من الأنانية، حيث يصبح قادرا على فهم الآخرين والتوصل للشعور بالاهتمام لمساعدة الآخرين.

5. يجب على الوالدين عدم التذكير الدائم للطفل بأخطائه ونقاط ضعفه، بل يتم التركيز على ما أنجز الطفل وعلى ما أحرز من تغيير، ليعطي الطفل الدافع للتقدم والاستمرار في حياته.

6. عدم استخدام مشاعر الذنب عند عقابه، مثل قول “إنك تجرح مشاعرنا، وإنك أناني، إن الله سيعاقبك على أفعالك” الأفضل أن تقول له إنك لم تفعل ذلك لتجرح مشاعرنا، لكنك تريد أن تحصل على اهتمامنا. ليس من عادتك الأنانية…

7. عدم التخويف المستمر للطفل من العالم الخارجي ومن أقرانه وعدم تقليل قيمة الآخرين والتحدث عنهم أمام الطفل، حتى لا يكره الطفل الناس ويصبح فرديا يهتم بنفسه، ولا يراعي مشاعر الآخرين.

8. على الوالدين عدم الاهتمام الزائد المبالغ فيه للطفل على حساب الآخرين. فإذا تحدث أحد مع الطفل بقصد تنبيهه لا يقف الأبوان إلى جانب الطفل ضد الشخص الآخر، حتى لا يفتخر الطفل بنفسه ويكره ذلك الشخص.

تأليف: أنس شكشك

بواسطة الطاقم الطبي

نحن مجموعة من الأطباء والمتخصصين في القطاع الصحي، نقوم بتقديم الاستشارات الطبية مجاناً والمعلومات والنصائح الطبية الموثوقة منذ عام 2005، ونستهدف الجمهور العام، المثقفون والمهتمون بشؤون صحة الإنسان. للتفاصيل، اضغط هنا