التصنيفات
جهاز المناعة

مشاكل وأضرار الكورتيزون الأدوية الستيرويدية مضادات الالتهابات

تاريخ العقاقير الستيرويدية

يألف الدكتور “فيليب شوالتر هينش” – الطبيب في مؤسسة مايو كلينيك في روتشستر بولاية مينيسوتا – أيضًا قصة العلاج بالكورتيزون؛ ففي أبريل عام 1949 نشر “هينش” صورًا مذهلة لمرضى بالتهاب المفاصل الروماتويدي تعافوا بعد علاجهم بالكورتيزون التخليقي؛ حيث تمت الإشادة بعلاجه والترحيب به واعتباره أعجوبة طبية حقيقية. وفي العام التالي، حصل “هينش” ومساعده، “إدوارد كندال”، على جائزة نوبل عن “الاكتشافات المتعلقة بهرمونات قشرة الغدة الكظرية، وبنيتها، وآثارها البيولوجية”.

وباعتبار الكورتيزون Cortisone أكثر مضادات الالتهاب التي تم اكتشافها حتى الآن فاعلية، استطاع تحويل مجال طب الروماتيزم جذريًّا بين ليلة وضحاها تقريبًا، كما أحدث ثورة في مجالات طب العيون، والطب الباطني، وطب الجهاز التنفسي، وطب الجلدية، وطب الكُلى (المعني باضطرابات الكلى)، كذلك يسر إحداث تقدم في أساليب علاج فواجع ما بعد الحرب, مثل زراعة الأعضاء، وأيضًا علاج أمراض السرطان في مرحلة الطفولة.

ويظل الكورتيزون ومشتقاته، التي تعرف عمومًا الآن باسم العقاقير الستيرويدية Steroids (أو عقاقير الكورتيكوستيرويد Corticosteroids)، بين العقاقير العشرة الأشهر استخدامًا، سواء أكانت موصوفة أم متاحة دون وصفة طبية، وتظل مضادات الالتهاب الأكثر فاعلية التي تم اكتشافها حتى الآن، ولا خلاف على دورها في الطب عمومًا، ويتخطى عدد المرضى الذين عولجوا بها، والتطبيقات السريرية، الأعداد المرتبطة بالعقاقير الأخرى كلها؛ ومن ثم، لا عجب في ورود العقاقير الستيرويدية على قائمة الأدوية الأساسية النموذجية لمنظمة الصحة العالمية.

ومن الناحية العملية، إن كان هناك أي مرض يجهل الأطباء سببه، ولا يجدون له علاجًا فعالًا، فإنهم كثيرًا ما يجربون الكورتيزون مع المريض ليروا ما سيحدث؛ فقد حل الإجراء البسيط لكتابة وصفة من العقاقير الستيرويدية محل الأسلوب العلمي التقليدي الذي يعتمد أولًا على فهم المرض, ثم وصف العلاج الفعال له.

الأدوية الستيرويدية

تتكون الهرمونات التي تنتجها القشرة الكظرية (الطبقة الخارجية من الغدة الكظرية) من أربع حلقات كربونية متصل بعضها ببعض لتشكل ما يسميه الكيميائيون بالنواة الستيرويدية، وينتج عن تنوع هذه الأشكال الجزيئية مضادات التهاب ذات كفاءة أعلى أو أقل، ودرجات متفاوتة من الآثار غير المنشودة من احتباس الأملاح والماء.

في عام 1955 ، تم تقديم دواء بريدنيزون للطب السريري بوصفه أول دواء ستيرويدي تخليقي، وبعدها بثلاث سنوات، تم ابتكار دواء تريامسينولون، ويعتبر دواء بريدنيزون أقوى خمس مرات من الكورتيزون، لكنه يتميز بسمات حبس الأملاح والماء نفسها، كما يعتبر دواء تريامسينولون بكفاءة دواء بريدنيزون ذاتها، لكنه أقل ميلًا إلى حبس الأملاح والماء. وعندما تتم إذابة دواء تريامسينولون في الأسيتون، يكون الناتج هو التريامسينولون أسيتونايد (الموجود في أدوية الترينيكس، والتريزنس، والتريديرم)؛ وهو مادة شديدة الفاعلية، كمركب سريع الذوبان في الدهون، يمتصها الجلد بسهولة؛ ما يجعله الكريم والمرطب الستيرويدي المفضل لعلاج التهابات الجلد والصدفية. وأحيانا ما يتم استخدام الحقن العضلية من دواء تريامسينولون للسيطرة على أزمات الربو التحسسي، والتهاب الجلد التماسي الشديد، والتهاب الأنف التحسسي الموسمي ( حمى القش)، وردود الفعل الناتجة عن حالات الحساسية الشديدة المرتبطة بنقل الدم، وتناول الأدوية (داء المصل). وفي عام 2014 ، سمحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ببيع دواء التريامسينولون أسيتونايد دون وصفة طبية في شكل بخاخ أنفي تحت الاسم التجاري نيزاكورت.

وتوفر حقن تريامسينولون (كينالوج) لعلاج التهاب المفاصل التنكسي والتهاب المفاصل الروماتويدي راحة سريعة من الألم، تكون عادة في فترة تتراوح ما بين أربع وعشرين وثمانٍ وأربعين ساعة، ويستمر التحسن من ستة إلى اثني عشر أسبوعًا في المتوسط، ويمكن أخذ هذه الحقن بأمان مرتين إلى ثلاث مرات في السنة الواحدة، (لكن من خلال تجربتي الشخصية، فإن كفاءتها تقل بمرور الوقت).

كيفية عمل العقاقير الستيرويدية: سلاح ذو حدين

على الرغم من أن الالتهاب قد يكون مؤرقًا، فهو في حقيقة الأمر أساس شفائنا؛ فهو طريقة الجسم في الحصول على المزيد من الغذاء والمزيد من النشاط المناعي للمنطقة المصابة أو الواقعة تحت الهجوم من قبل الجراثيم أو السموم. وينظم الجسم الالتهاب بحرص: فالقليل من الالتهابات يجعل الجسم عرضة للعدوى، والكثير منها يدمر الأنسجة، ويزيد من احتمالية التعرض لأخطار الحساسية، وأمراض المناعة الذاتية، وتنتج الغدتان الكظريتان، ومنطقة تحت المهاد، والغدة النخامية هرمونات شديدة الفاعلية تنظم ردة الفعل الالتهابية، وكذلك الأيض بشكل عام، وصحة العظام والعضلات، ووظائف الكبد والكلى والقلب، وتؤثر هذه الهرمونات بقوة أيضًا في صحتنا النفسية والانفعالية.

وتتحد المركبات الستيرويدية، سواء أفرزها الجسم أم تناولها المريض دواءً، بقوة مع مستقبلات الكورتيزون الموجودة في كل خلايا الجسم البشري تقريبًا، ثم ينظم هذا التفاعل عملية التعبير الجيني في نواة الخلية؛ فيوقف الالتهابات غير الضرورية في الكثير من الأنسجة والأعضاء: كالمفاصل مثلًا؛ حيث يسبب الالتهاب داء التهاب المفاصل الروماتويدي، وكذلك الأعصاب؛ حيث يؤدي إلى اضطرابات عصبية، أو مسارات الهواء؛ حيث يؤدي إلى الإصابة بالربو، وتنتج الآثار الأهم للمركبات الستيرويدية عن هذه الآليات الجينية ، ويكون ذلك باختلاف الجرعات، حتى مع الجرعات الصغيرة (العلاج بالجرعات المنخفضة)، كما تنتج ببطء نسبيًّا؛ فربما تستغرق حتى ثماني عشرة ساعة ليكون لها أثر جيني.

لكن مع الجرعات الكبيرة، تحدث الآثار غير الجينية بسرعة – في غضون ثوانٍ أو دقائق – إذ تنتج عن التفاعلات المباشرة مع الأغشية الحيوية، وتؤثر هذه التفاعلات في وظائف الأعصاب في المخ؛ ما يؤثر في إفراز الهرمونات، والسلوك، والمعرفة، ولعل هذا فارق مهم؛ لأن الفاعليات ذات الصلة بالستيرويدات المتنوعة مختلفة تمامًا من حيث إحداث الآثار غير الجينية مقابل الآثار الجينية.

استخدامات العقاقير الستيرويدية

يمكن للعقاقير الستيرويدية أن تنقذ حياة الإنسان في حالات الصدمة (التحسسية) وغيرها من ردود الفعل التحسسية الخطيرة، وفي علاج أمراض المناعة الذاتية، وحالات تورم الدماغ، وسرطانات الدم والجهاز الحوفي، وطب زراعة الأعضاء لاتقاء رفض الجسم الأعضاء الدخيلة عليه التي تم الحصول عليها من متبرع ، وفي هذه الأمثلة؛ لا يكون هناك خلاف على قيمة العقاقير الستيرويدية بوصفها مثبطات مناعية، ومضادات للالتهاب؛ لكنها تُستخدم الآن في عدد كبير من الحالات الأخرى، بعضها غير خطير على الإطلاق، مثل حالات التهاب الجلد الطفيفة الناتجة عن ملامسة البلوط والسماق السامين، والتهاب الحفاض، والأوجاع والآلام العادية، وهي ليست فكرة جيدة أن يتم استخدام مثل هذه الأدوية الفعالة لعلاج الشكاوى المعتادة والطبيعية؛ فمعظم مستخدمي العقاقير الستيرويدية لا يدركون كيفية عملها، ولا مدى خطورتها.

وعند بدء استخدام علاج ستيرويدي، يوافق الخبراء على استخدام الجرعة الأصغر للمدة الأقصر، وينبغي تحديد معايير كفاءة العلاج من عدمها من البداية؛ كي يمكن إيقاف العلاج إن كان غير ذي جدوى، وتكون الجرعات التقليدية لدواء بريدنيزون (أو الأدوية المشابهة) كما يلي:

  • جرعة منخفضة: أقل من 7 . 5 مليجرام في اليوم
  • جرعة متوسطة: من 7 . 5 مليجرام إلى 30 مليجرامًا في اليوم
  • جرعة عالية: أكثر من 30 مليجرامًا في اليوم

ضع في حسبانك أن الجرعات المنخفضة كذلك من العقاقير الستيرويدية (أقل من 5 مليجرامات يوميًّا) قد تسبب المشكلات.

مشكلات العقاقير الستيرويدية

إن الجرعة، ومدة العلاج، وطريقة التعاطي، وشكل الدواء الستيرويدي هي كلها عوامل تؤثر في تكرار الآثار الخطيرة وحدّتها، بالإضافة إلى حالة المريض وتاريخه الطبي. ففي عام 1950 ، كان “راؤول دافي” يناهز من العمر ثلاثة وسبعين عامًا، وكان هو أكبر مريض يعالج بالكورتيزون بشكل مطلق، وقد أسهم عمره وتدخينه السجائر وإدمانه الكحوليات، وتعاطيه اليومي الأسبرين في أن يكون عرضة بشكل كبير للتسمم الستيرويدي؛ فقد عانى احتباس الأملاح والمياه، وتورم الوجه (حالة كثيرًا ما تعرف باسم “وجه القمر” وتحدث نتيجة إعادة توزيع دهون الجسم)، وأنواع مختلفة من العدوى، وتقلب الحالة المزاجية، والتهاب المعدة المزمن الذي أدى إلى نزيف معوي معد ٍ مميت.

الآثار الخطيرة الشائعة للعقاقير الستيرويدية التي تؤخذ عن طريق الفم

  • البثور
  • تشوش الرؤية
  • الماء الأبيض أو الماء الأزرق
  • الاكتئاب
  • صعوبة في النوم
  • ارتفاع ضغط الدم
  • انفتاح الشهية وزيادة الوزن
  • زيادة في نمو شعر الجسم
  • ضعف مقاومة العدوى
  • وهن العضلات العصبية والأرق
  • هشاشة العظام
  • التقلبات المزاجية المفاجئة
  • تورم الوجه وانتفاخه
  • رقة الجلد وسهولة تكون الكدمات
  • تفاقم حالة مرض السكري
  • تكون الآثار الخطيرة أقل حدوثًا حال استخدام الحقن الستيرويدية؛ لكن يمكن أن تتضمن هذه الآثار:
  • ردود فعل تحسسية
  • نزيفًا في المفاصل
  • عدوى في موضع الحقنة
  • تصبغ الجلد
  • وهن العظام، والأربطة، والأوتار (نظرًا إلى تكرار الحقن في المنطقة نفسها)

وتلقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في الفترة ما بين عامي 1997 و 2014 تقارير عن 90 إصابة عصبية خطيرة، بعضها قاتل، وكلها ذات صلة بحقن الستيرويد في منطقة فوق الجافية؛ وهو إجراء شائع في علاج آلام الرقبة والظهر، وفي عام 2014 ، أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تحذيرًا من أنه “لم يتم بعد التأكد من مدى أمان وكفاءة حقن الكورتيكوسيرويد فوق الجافية”.

وللعقاقير الستيرويدية التي يتم استنشاقها – التي تستخدم على نطاق واسع لعلاج الربو – آثار خطيرة هي أقل من الآثار الناتجة عن استخدام العقاقير الستيرويدية عن طريق الفم؛ لكن يمكنها أن تسبب بحة في الصوت، وأن تعزز العدوى الفطرية للفم والحلق (داء السلاق). والتعاطي المطول للستيرويد عن طريق الاستنشاق بجرعات عالية نادرًا ما يسبب التسمم الشامل نفسه الذي يسببه العلاج الستيرويدي طويل المدى عن طريق الفم.

ويمكن للأدوية الستيرويدية الموضعية أن تكون لها آثار جانبية موضعية أو شاملة – ونادرًا ما تحدث الأخيرة – فكلما كان العقار قويًّا، وكانت المساحة التي توضع عليها مباشرة كبيرة، وكان الاستخدام فترة أطول، زادت احتمالية حدوث الآثار الخطيرة، ويعتبر الأطفال الصغار وكبار السن أكثر عرضة لذلك؛ نظرًا إلى رقة جلودهم.

الآثار الجانبية للعقاقير الستيرويدية الموضعية

  • البثور أو تفاقم وضع البثور الموجودة بالفعل
  • حروق، أو وخز، أو تهيج والتهاب في الجلد
  • تغيرات في لون البشرة
  • فرط نمو الشعر
  • التهاب بصيلات الشعر
  • العد الوردي
  • علامات التمدد على الجسم
  • ترقق الجلد
  • تفاقم حالة عدوى الجلد إن وجدت مسبقًا

هناك سبب آخر يبعث على الخوف: فنظرًا إلى تثبيط الستيرويدات أعراض المرض بدلًا من علاج الأسباب الأصلية، يمكن للاستخدام طويل المدى أن يقوي المرض، ويحفِّز انتشاره في مواضع أخرى، وعلى سبيل المثال: يمكن لتثبيط التهاب الجلد التحسسي لدى الأطفال عن طريق الاستخدام طويل المدى للعلاج الستيرويدي الموضعي أن يزيد من خطر الإصابة بالربو فيما بعد، كذلك هناك احتمالية كبيرة أن تضعف أمراض المناعة الذاتية، وأن تتلاشى من تلقاء نفسها، أما تثبيطها فترة طويلة عن طريق تناول الستيرويدات, فيمكن أن يقلل من احتمالية التعافي منها، بمعنى آخر إن الستيرويدات تحفز ردود الفعل القوية الاستتبابية؛ وهي عملية طبيعية تهدف إلى الحفاظ على ثبات بعض الحالات الداخلية، وقد تؤدي هذه الطريقة إلى تحمل الجسم للعقاقير الستيرويدية – ما يعني حاجة الجسم إلى جرعات أكبر بمرور الوقت – والاعتماد المستعصي الذي يشجع على استمرارية التعاطي، وكثيرًا ما ارتبط الاستخدام طويل المدى للأدوية الستيرويدية بالآثار الخطيرة التي يكون الكثير منها فتاكًا حقًّا.

لعل الحقيقة الأحق بالذكر عن الستيرويدات هي كون هذه الفئة من العقاقير متعددة الظواهر ؛ أي أن لها العديد من الآثار على الوظائف الحيوية المتنوعة، ويصف الأطباء الستيرويدات ويتعاطاها المرضى لتخفيف الأعراض التي يسببها الالتهاب الشديد، أو الذي أسيء علاجه؛ لكنها أيضًا تثبط المناعة بوجه عام، وتجعل المريض أكثر عرضة للإصابة بالعدوى وتأخير التئام الجروح. وبمرور الوقت، تسبب العقاقير الستيرويدية آثارًا خطيرة بانتظام في العديد من أجهزة الجسم، بداية من التهاب المعدة حتى فقدان كثافة العظام واضطراب الحالة المزاجية.

وعادة ما ينتج عن الإيقاف المفاجئ للعلاج الستيرويدي أو التخفيف السريع للجرعة ارتداد فوري للأعراض، وكثيرًا ما تكون أسوأ مما كانت عليه قبل بدء العلاج، ونظرًا إلى مشكلة الارتداد الاستتبابية؛ لا يجوز للمريض أبدًا إيقاف العلاج الستيرويدي فجأة، أو تقليل الجرعة بسرعة؛ إذ ينبغي أن تتم عملية التخفيف ببطء، ويجب ألا تبدأ إلا بعد تنفيذ بعض الإجراءات الأخرى كتغيير النظام الغذائي، واستخدام مضادات التهاب طبيعية. وبالطبع، تتوافر مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (مثل أسبرين وأيبوبروفين) كعقاقير بديلة؛ لكن لهذه العقاقير أيضًا سلبياتها عند استخدامها على المدى الطويل.

وتتكلف حبوب بريدنيزون التي تؤخذ عن طريق الفم – في جرعة تتراوح بين 5 و 60 مليجرامًا في اليوم – أقل من 25 دولارًا، تمامًا مثل دواءي ميثيل بريدنيزولون (سولو ميدرول) وتريامسينولون اللذين يؤخذان عن طريق الفم. وعلى الرغم من السعر الزهيد للستيرويدات التي تؤخذ عن طريق الفم، يمكن للتكاليف التي تنفق على علاج الآثار الخطيرة الناتجة عنها أن تكون مكونًا رئيسيًّا في ارتفاع الكلفة الكلية للعلاج بهذه الأدوية.

خيارات الطب التكاملي لعلاج الاضطرابات الالتهابية

يقدم الطب التكاملي عددًا من الاستراتيجيات لعلاج الالتهاب غير المرغوب به، وأمراض المناعة الذاتية، بداية من تغيير النظام الغذائي.

فالجسم يخلق المواد التي تنظم الالتهاب من الأحماض الدهنية الأساسية (تلك الأحماض التي لا يمكننا تصنيعها، وينبغي الحصول عليها من مصادر غذائية). وعمومًا، تعتبر أحماض أوميجا – 6 الدهنية الموجودة في زيوت البذور، والحبوب، والمكسرات، والخضراوات أساس المواد التي تزيد الالتهاب، بينما أحماض أوميجا – 3 الدهنية، الموجودة غالبًا في الأسماك الغنية بالزيوت، هي أساس المواد التي تخففه، ونحتاج إلى كلا النوعين من الأحماض الدهنية بالكميات المناسبة للحفاظ على أن تكون عملية الالتهاب متوازنة. وضآلة كمية الالتهابات تجعلنا عرضة للعدوى، كما تدفعنا كثرتها نحو التحسس، وأمراض المناعة الذاتية، وكل الأمراض التي تتعلق بفرط الالتهابات التي لا جدوى منها، ويعتبر النظام الغذائي السائد غنيًّا بأحماض أوميجا – 6 الدهنية التي تستمد من زيوت الخضراوات المستخدمة في الأطعمة المحضرة، وفقيرًا فيما يتعلق بأحماض أوميجا – 3 الدهنية. ويمكن لتصحيح هذا الخلل في التوازن – عن طريق تقليل كمية ما نتناوله من الأطعمة المحضرة وزيادة ما نتناوله من الأسماك الغنية بالزيوت التي تعيش في المياه الباردة ومكملات زيت السمك – أن يُحدث فارقًا كبيرًا في حالة الالتهاب.

والنظام الغذائي السائد يعزز الالتهاب بطرق مختلفة، أيضًا: فهو يمدنا بأشكال سريعة الهضم من الكربوهيدرات، ولا يمدنا بالقدر الكافي من العناصر الوقائية الموجودة في الفواكه، والخضراوات، والأعشاب، والتوابل؛ ولهذا يوصي ممارسو الطب التكاملي دومًا الكثير من المرضى الذين يتناولون العقاقير الستيرويدية باتباع نظام غذائي مضاد للالتهاب، ولا يحتوي هذا النوع من الأنظمة الغذائية على الأطعمة المحضرة، ويقوم على التقليل من تناول السكريات والبروتين الحيواني (باستثناء الأسماك ومنتجات الألبان عالية الجودة)، مع حرية استخدام زيت الزيتون البكر الممتاز بأية كمية، كما يتضمن تناول الفواكه بكمية معتدلة وتناول الخضراوات بوفرة. وكثيرًا ما تكون هذه التغييرات الغذائية كافية لتمكين المرضى من بدء تخفيف جرعات الأدوية الستيرويدية بأنفسهم.

وتوفر الطبيعة العديد من العناصر المضادة للالتهاب الفعالة، وغير السامة، وغير المثبطة، والآمنة عند استخدامها على المدى الطويل، ولعل العنصر الأساسي بينها هو الكركم ( كيوركومالونجا )، وهو أحد أنواع التوابل، يضفي اللون الأصفر القاتم على مسحوق الكاري، ويدخل في تحضير صلصة الخردل الصفراء، وتوثق مجموعة كبيرة من الأدلة العلمية خصائصه المضادة للالتهاب، وهناك عنصر نباتي آخر ذو صلة، هو الزنجبيل ( الزنجبيل الطبي ) وهو أيضًا فعال، ويمكن استخدام كلا العنصرين معًا. وعلى الرغم من أنه يمكن إضافة الكركم والزنجبيل، سواء أكانا طازجين أم مسحوقين إلى الطعام، فإن استخدام الخلاصات المعيارية – للأغراض الطبية – يظل هو الحل الأفضل، والفطر الريشي ( فطر لينجزي ) – الذي دام استخدامه في الطب الصيني والطب الياباني التقليديين طيلة قرون – هو عنصر فعال آخر من العناصر الطبيعية المضادة للالتهاب، ولأنه متيبس بشدة، ومر المذاق ما يصعب من أكله، فيكون أفضل استخدام له عن طريق الخلاصات، سواء أكانت سائلة أم في شكل كبسولات، ولا تنسَ أن تتبع الجرعات الموصى بها من هذه المنتجات.

ويؤثر المخ والجهاز العصبي على الوظيفة المناعية والالتهاب، وهذا هو موضوع مجال دراسة محكم يعرف باسم المناعة العصبية النفسية ؛ إذ يمكن لتقليل التوتر، وممارسة آليات الاسترخاء، وتوظيف أساليب العلاج التي تعتمد على العلاقة بين العقل والجسد (كتدريبات التنويم المغناطيسي، والتصور الموجه، وتدريبات الوعي التام) أن تؤثر بدرجة مثيرة في الأمراض الالتهابية.

وهناك المزيد من التدخلات غير الدوائية لعلاج الأعراض التي يشيع استخدام الستيرويدات لمكافحتها؛ فعلى سبيل المثال: يمكن للوخز بالإبر والطب التقويمي اليدوي علاج أنواع عديدة من الآلام الهيكلية العضلية، وكثيرًا ما يستطيع الطب الصيني التقليدي تغيير مسار التهاب القولون التقرحي، وداء كرون، وغيرهما من أمراض المناعة الذاتية، وهناك علاجات عشبية آمنة وفعالة للأنواع الشائعة من الحساسية، وكذلك علاجات منزلية بسيطة لالتهابات الجلد التماسية وغيرها من الأمراض الجلدية. (والمثال على ذلك: يؤدي تمرير الماء الساخن – بقدر ما يتحمل المرء سخونته – بضع دقائق على الطفح الجلدي الذي يسببه البلوط أو السماق السامان إلى تهيج الحكة على الفور، ثم تهدأ وقتًا طويلًا، ويمكن لعمل ذلك متى ما بدأت الحكة أن يحجّم انتشار الطفح).

الخلاصة

كانت العقاقير الستيرويدية محط آمال كبيرة ومناظرات ساخنة منذ أن اكتشف أثرها الكبير في علاج التهاب المفاصل الروماتويدي قبل أكثر من نصف قرن مضى، وبالتأكيد للستيرويدات مكانتها الآمنة في الطب في الحاضر والمستقبل، ولكن من المؤكد أيضًا أن هناك إفراطًا في استخدامها على نطاق واسع، وكثيرًا ما يكون ذلك لعلاج حالات طفيفة، وكثيرًا أيضًا ما يتم استخدامها باعتبارها العلاج الوحيد أو الأساسي للمشكلات التي يمكن علاجها بوسائل أخرى بأمان وفاعلية أكبر، وتستخدم الستيرويدات بشكل روتيني على فترات طويلة؛ ما يسبب إدمانها، وظهور آثار سامة بصورة واضحة؛ فوفِّر هذه الأدوية الفعالة لعلاج الحالات الطبية الخطيرة، وجرِّب تقليل جرعاتها ببطء ما إن تتحسن حالتك، عن طريق استبدال تدابير أخرى بها لكبح جماح الأعراض