التصنيفات
طب نفسي | علم النفس

أسباب الاكتئاب والأمراض النفسية

نقلت مؤخرًا الصحف أن الاكتئاب هو “أكثر أمراض القرن الحادي والعشرين شيوعًا، وأن الإصابة به أمر متوقع بشكل كبير”، ولا يزال الاكتئاب يساء فهمه غالبًا، ولسوء الحظ لا تزال وصمة العار المرتبطة به منتشرة، وذلك بسبب أن الاكتئاب كمرض غالبًا ما يتوارى خلف مرض آخر، ولا يزال يُستخف به كمرض مع أنه يمكن أن يعيث فسادًا في الصحة البدنية والعقلية للشخص.

ويتسبب الاكتئاب غير المشخَّص في خسائر فادحة تصيب حياة الأشخاص، وقد تضخمت تكلفة الاكتئاب غير المشخَّص إلى ما يوازي ٥ مليارات دولار في السنة، وتأتي هذه الخسائر من الإنتاجية المنخفضة، وتغيب الموظفين عن العمل، والحوادث الخطيرة، وانهيار الزواج والانتحار، وربما أكبر تكلفة للاكتئاب هي الوقت المهدر، لأن الأيام تمر على الأشخاص المصابين بالاكتئاب دون أي معنى أو متعة.

يحاول كل عام ما يقرب من ٦٠,٠٠٠ أسترالي الانتحار، وتتوقع منظمة الصحة العالمية أنه بحلول عام ٢٠٢٠ أن تتعلق خمسٌ من أكبر عشر مشاكل طبية حول العالم بالضغط النفسي.

ولا يسعى العديد من الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب إلى طلب المساعدة الفعّالة، ومن ثم يعانون دون داعٍ، وقد وصف الاكتئاب بعدة مصطلحات مختلفة مثل الحسرة والكآبة والغم والسوداوية الأوبية، واليوم يدعوه الأطباء النفسيون بالاكتئاب السريري.

أسباب الاكتئاب والأمراض النفسية

1 – يمكن أن تجعلنا العوامل الوراثية عُرضةً للأمراض النفسية، لذا، من المهم أن تنظر إلى تاريخ عائلتك، فقد اكتشفت الأبحاث خصائص فيزيائية محددة في الجينات الخاصة بنا، من شأنها أن تجعلنا عرضة للاكتئاب، والوسواس القهري، والقلق، وتتضح هذه الجينات غالبًا في مرحلة مبكرة من العمر، ويمكن أن تساعدك معرفة نقاط الضعف في جيناتك الوراثية على الاستعداد بشكل أفضل لمواجهة الضغوط النفسية اليومية، وعلى تنظيم حياتك حتى لا يتفاقم هذا الضغط، ويصل إلى مستويات لا يمكن احتمالها، ويقول باحثون أستراليون إن أكثر من خُمس السكان لديهم استعداد وراثي للاكتئاب الشديد، الذي يحدث نتيجة مجموعة من أحداث الحياة المسببة للضغط النفسي، واكتشفت الدراسة، التي نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي، أن الجين المتحكم في الناقل العصبي السيروتونين هو جين بالغ الأهمية، واكتشف الباحثون أن الأشخاص الذين يملكون النوع القصير من الجين الناقل للسيروتونين تصبح لديهم فرصة بنسبة ٨٠٪ لظهور الاكتئاب إذا مروا خلال حياتهم بثلاثة أحداث سلبية أو أكثر في العام، وعلى النقيض، فإن الأشخاص الذين لديهم النوع الطويل أو النوع الأكثر تحصينًا من هذا الجين، يواجهون خطر الإصابة بالاكتئاب تحت الظروف نفسها بنسبة ٣٠٪ فقط.

2 – تؤدي أنماط الشخصية دورًا مهمًّا، وتشير بعض الدراسات إلى أن الأشخاص أصحاب الفكر المتشائم، ومن ينخفض لديهم تقدير الذات، والشعور الضعيف بالسيطرة، والأشخاص الذين يميلون للقلق البالغ هم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، وزعم بعض المتخصصين النفسيين أن النساء قد نشأن على ذلك، وأن هذا هو سبب ظهور الاكتئاب بينهن بمعدلات أكبر من معدلات الرجال، ويقولون إن النساء في العموم أكثر سلبيةً واتكالًا، ولديهن مقدرة أقل على التعبير عن الغضب، لأنهن نشأن على الاعتقاد بأن ذلك شعور غير مقبول، ولكن حين يكبت الشخص الغضب أو يمنعه من الظهور، فإن الاكتئاب يكون النتيجة غالبًا.

3 – الظروف المحيطة الماضية والحالية لها أثر كبير في الحالة النفسية، ويكون الأشخاص الذين لديهم تاريخ من الاعتداء الجنسي في فترة الطفولة أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب عند البلوغ، وقد اكتشف المتخصصون النفسيون أن التعرض للمعاملة السيئة قد يؤدي إلى حالات مرتفعة من الاكتئاب نتيجة انخفاض احترام الذات، ولوم النفس، والإحساس بالعجز، والعزلة الاجتماعية، ويتسبب الفقر في الضغوط النفسية الناتجة عن الشعور بالقلق والعزلة، وقلة فرص الحصول على الموارد، وهذا قد يؤدي إلى الشعور بالحزن.

4 – فقدان أو عدم تحقيق شيء ما في حياتك أمر مهم من أجل الشعور بتقدير الذات، وقد يتمثل ذلك في فقدان شخص مقرب إليك، ووظيفة ذات راتب عالٍ، وضياع المكانة، والخسارة المالية، وخسارة الصحة، وضياع الشباب، وافتقاد القوة، ويمكن أن تترك هذه الخسائر فجوة في الذات يصعب استبدال الأفكار الإيجابية وحدها بها، وتؤدي الخسارة إلى الضغط النفسي في الأغلب، ومن ثم يؤدي إلى القلق، الذي بدوره يؤدي بعد عدة أسابيع أو شهور إلى ظهور الاكتئاب.

5 – يمكن أن يؤدي هذا الإحساس بعدم السيطرة على الظروف إلى الضغط النفسي والإحباط، وعلى الصعيد العالمي هناك اتجاه نحو تفضيل المؤسسات والشركات الكبرى، وتوجيه الموظفين في ذلك النوع من المؤسسات غالبًا ما يتم عن طريق التحكم الإلكتروني عن بعد، وتركز القرارات على إرضاء المديرين، وكبار المديرين التنفيذيين، والمساهمين، ولا تدرك الشركات حجم الضغوط النفسية والمالية التي سيتسبب فيها الاكتئاب الذي سيُصاب به موظفوها. ويمكن أن تكون الضغوط والتحديات في مكان العمل محفزةً للغاية، إذا حدثت في جو من الروح المعنوية العالية، لكننا فقدنا اللمسة الإنسانية في عالم الشركات التي يُقدّر فيها الناس بالدولارات فقط.

6 – يمكن أن يؤدي عدم التوازن الهرموني إلى الاكتئاب والقلق، وأكثر هذه الاختلالات شيوعًا هو نقص هرمون البروجسترون عند النساء، ونقص التستوستيرون عند الرجال، ويمكن في الأغلب تخفيف اكتئاب ما قبل الحيض باستخدام كريم بروجسترون ومكملات غذائية طبيعية، ويمكن أن يتحسن الاكتئاب بصورة كبيرة خلال سنوات ما قبل انقطاع الحيض عن طريق إمداد الجسم بالهرمونات المتطابقة بيولوجيًّا، مثل هرمونات الإستروجين والبروجسترون وهرمون ديهيدرو إيبي أندروستيرون والتستوستيرون. ويعد اكتئاب ما بعد الولادة أو الإجهاض مرضًا خطيرًا وشائعًا نسبيًّا، ويستمر غالبًا لسنوات إذا لم تتلقَ المرأة العلاج المناسب، ويمكن أن يستجيب اكتئاب ما بعد الولادة سريعًا جدًّا للأدوية المضادة للاكتئاب والمكملات الغذائية وكريم البروجسترون.

7 – يؤدي أسلوب الحياة والنظام الغذائي دورًا مهمًّا، فمثلًا الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات والمشروبات المحظورة لديهم معدلات أعلى في الإصابة بالاكتئاب، ويمكن أن يؤدي الكحول الموجود في المشروبات المحظورة، وكذلك الكثير من المخدرات، وبعض الوصفات الطبية إلى الاكتئاب، والأشخاص الذين يتبعون أنظمة غذائية سيئة، ولديهم عادات شخصية سيئة هم الأكثر عرضةً للإصابة باضطراب المزاج.

8 – يمكن أن يؤدي نقص المواد الغذائية مثل أحماض أوميجا ٣ الدهنية الأساسية، وفيتامين د، ومضادات الأكسدة والمعادن، وبعض الأحماض الأمينية، إلى اختلال كيميائي في المخ، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات نفسية، وتدهور معرفي. ويمكن أن يتسبب نقص حمض الفوليك وفيتامين ب٦ في جعل الفرد عرضةً للإصابة بالاكتئاب، ويتسبب كذلك في عدم استجابته للأدوية المضادة للاكتئاب.

9 – يمكن أن يؤدي الالتهاب إلى الإصابة بالاكتئاب؛ ويحدث الالتهاب حين تنتج الخلايا المناعية في الجسم (أو الخلايا الدهنية) مواد كيميائية يشار إليها بالسيتوكينات، ويحدث الالتهاب كرد فعل للعدوى، والحساسية، وأمراض المناعة الذاتية، والألم المزمن، والبدانة، وداء السكري، وعوامل أخرى متعددة. وتعيق السيتوكينات قدرة السيروتونين على أداء وظيفته، وعلاوة على ذلك، كل من الحالات المذكورة أعلاه تزيد من خطر معاناة الفرد من الاكتئاب، ويمكن أن يكون الالتهاب أحد العوامل المسئولة عن عدم استجابة الفرد للأدوية المضادة للاكتئاب.

وبغض النظر عن سبب الاكتئاب، فإن الحقيقة هي أن أكثر شيء يسبب الضغط النفسي في الحياة، غالبًا ما يكون موجودًا في عقولنا، إنه في العقل الذي يدرك التهديدات، ويشعر بالفراغ، وأكبر ساحة معركة في الحياة توجد عادةً داخل عقولنا، وحين لا يعود في مقدورنا القتال بمفردنا من أجل تحقيق النصر، يمكننا، لحسن الحظ، الاتجاه إلى الطب النفسي، والطب الشمولي الحديث، وبالنسبة إليَّ، فإن تعريف الطب الشمولي هو المداوي الذي يساعد العقل والجسم والروح.

لماذا ينبغي معالجة الاكتئاب مبكراً؟

هناك أسباب عديدة لأهمية معالجة الاكتئاب؛ ويمكن في هذا العصر الحديث معالجة الاكتئاب بنجاح، لذلك من المحزن أن ترى شخصًا يعاني دون داعٍ، ولفترة طويلة.

وقد اكتشفت دراسات جديدة نُشرت في عدد شهر أكتوبر ٢٠٠٨ من دورية سجلات الطب النفسي العام أن الاكتئاب المزمن الشديد قد ينتج عنه فقدان في المادة الرمادية في أجزاء مهمة من المخ، وهذا سبب مهم يشير إلى أهمية عدم تأخير علاج الاكتئاب؛ لأن التغيرات السلبية في التركيب الوظيفي للمخ الناتجة عن الاكتئاب غير المعالج قد تجعل الاكتئاب يزداد سوءًا، وبذلك يصبح مرضًا مستديمًا، وقد أجرى باحثون من جامعة ميونيخ في ألمانيا أشعة رنين مغناطيسي على مخ ٣٨ مريضًا يعانون الاكتئاب، وقارنوها بأشعة رنين مغناطيسي لأشخاص أصحاء على فترات لمدة ٣ سنوات، وخلال فترة ٣ سنوات اكتشف الباحثون أن المادة الرمادية تتقلص في مناطق مهمة من المخ، وهذه المناطق خاصة بالذكاء، والشخصية، والحكم على الأمور، والانفعالات، والذاكرة عند الحالات المصابة بالاكتئاب، وعلى النقيض من ذلك، لم يحدث ذلك بدرجة كبيرة في الأصحاء غير المصابين بالاكتئاب.

واستنتج الباحثون أنه خلال نوبات الاكتئاب تتقلص كثافة المادة الرمادية في المناطق المسئولة عن الذكاء والانفعالات في المخ – وتسمى القشرة الحوفية والجبهية، وكلما كان الاكتئاب شديدًا، كانت التغيرات الوظيفية في المخ شديدة، ولم يتمكن الباحثون من الكشف بشكل قطعي عن سبب إحداث الاكتئاب للتدهور الوظيفي في هذه المناطق المهمة في المخ.

وتقتضي هذه الاكتشافات المزيد من البحث، وتحفزنا أيضًا على وضع فرضيات، وأنا على يقين بأن العديد من هذه التغيرات الوظيفية السلبية في المخ يمكن منعها، ليس فقط ببدء العلاج المبكر لمرض الاكتئاب، ولكن ما يضاهي ذلك أهميةً هو اتباع نهج شمولي للعلاج، والمخ “عضو مرن” ويمكن تحسين التركيب الوظيفي للمخ بمكملات غذائية ونظام غذائي مناسب، علاوة على أدوية مضادة للاكتئاب إذا اقتضت الحاجة، ويمكن أن تؤدي المعالجة المعرفية وتحفيز التعليم والتفاعل الجديد إلى نمو أنسجة المخ، وتكوين مسارات، أو دوائر عصبية جديدة، فالمخ مثل العضلات – إذا لم يُستخدم، فسوف يضمُر.