الغضب عند الأطفال

الغضب ميل طبيعي عند الأطفال قبل سن الثانية يعبر به الطفل عن عجزه عن تحقيق مطلب من مطالبه. وهو يقابل هذا العجز بالغضب والانفجار والبكاء. وأحيانا يغضب الطفل بدون سبب واضح بهدف جعل نفسه مركز انتباه المحيطين به بدلا من المولود الجديد الذي يغار منه، لأنه سحب بساط الاهتمام والحب والحنان منه. وقد يكون البكاء والغضب نتيجة لوجود مرض صحي كالمغص أو الإصابة بالبرد أو ألم بالمفاصل.. إن مصادر الغضب لدى الطفل محدودة، لكنها تتعدد وتتنوع بتقدم السن. وهو يتحمل مسؤوليات ويواجه منافسات، ويزيد اهتمامه بتحسين مركزه، فالطفل يغضب عندما نمنعه من نشاط يرغب به. ومن المعروف أن الأطفال يتأثرون بردود أفعال البالغين، ويحاكون أساليبهم في التعبير عن غضبهم. ومن مسببات الغضب بصفة عامة محاولة التحكم في الإنسان والسيطرة على تصرفاته وإجباره على الخضوع دون مناقشة، ويرتبط الغضب ارتباطا وثيقا بالعدوانية. ولكن الطفل يتعلم أن ليس من مصلحته أن يعتدي ويهاجم وينتقم لنفسه، فقد تكون عاقبة ذلك وخيمة. ولذلك يضطر أحيانا إلى كتم غيظه والتحكم في انفعالاته. غير أن الغضب انفعال  شديد يخلق طاقة لدى الطفل، فكيف يصرف هذه الطاقة؟

الغضب هو استجابة انفعالية طبيعية لمشاعر الإحباط. والغضب حالة نفسية يشعر بها كل شخص، ولكن الفرق بين فرد وآخر هو أن المواقف المثيرة للغضب تختلف من فرد إلى آخر، وكذلك تختلف أساليب التعبير عن الغضب من فرد إلى آخر اختلافات بينة سواء في نوعها أم في درجتها. وكذلك تختلف في شدتها من شخص إلى آخر اختلافات واسعة.

كيف يعبر الطفل عن غضبه؟

في الواقع إن بإمكان الطفل أن يعبر عن غضبه بطرق شتى ووسائل مباشرة وغير مباشرة. ويتوقف ذلك على سن الإنسان وتجاربه وثقافته وصحته البدنية والفكرية وغير ذلك. فالطفل يلجأ إلى الرفس وكسر الأشياء، أو إلى التمرد وعدم الطاعة، ويعبر البالغ عن غضبه بأساليب غير مباشرة يتعلمها من محيطه، كأن ينغمس في الرياضة والموسيقى والهوايات المختلفة، أو يصاحب الأشرار ويتعاطى المخدرات، أو يحول الطاقة الناتجة عن الغضب إلى أعمال إيجابية أو عدوانية. وقد تساعد الطاقة الناتجة عن غضب الإنسان على مواجهة العراقيل والتغلب عليها، كما تساعد الطاقة الناتجة عن الخوف على الهروب من الخطر أو مجابهته.

يعبر الطفل عن غضبه عندما يكون دون الخامسة غالبا بأن يصرخ بصوت  عالٍ أو القفز والبكاء، وأحيانا رمي كل الموجودات أمامه وخاصة الأشياء التي قد تكون مهمة بالنسبة للشخص الذي أغضبه، أو رميها على الشخص ذاته. أو يعبر عن غضبه بحركات عنيفة باليدين والرجلين. وقد يلجأ الطفل أحيانا إلى الصمت التام والتزام ركن مظلم ومعزول عن باقي البيت. ومن الممكن أن يمتنع الطفل عن الطعام وإهمال كلام والديه، وقد يحطم ألعابه. وهناك غضب ينتج بسبب الغيرة من الأخ الأصغر. فقد يعبر الطفل عن غضبه نحوه بضربه، وأحيانا يلجأ الطفل إلى ضرب نفسه مع الانبطاح على الأرض. هذه بعض مظاهر الغضب التي تظهر على الطفل مع اختلاف في انفعالات ومظاهر الغضب من مرحلة عمرية إلى أخرى.

أثر الوراثة والبيئة في الغضب

يتأثر الغضب بعوامل وراثية في بعض الأحيان، وذلك نظرا لفطرية هذا الاستعداد، فقد عرفت بعض الأمم والقبائل بميلها للمقاتلة أكثر من غيرها، وكذلك فإن البنين على وجه العموم أشد ميلا للمقاتلة من البنات.

يتأثر الغضب كذلك بعوامل بيئية أو مادية مختلفة كالتقاليد والمعاملة ودرجة الحرارة الجوية ونوع التغذية وبعض المشروبات والحياة الاجتماعية الأسرية والمدرسية وغيرها.

أسباب الغضب عند الأطفال

1. تذبذب السلطة الضابطة بين أساليب الشدة والتراخي الصادرة من شخص واحد أو وجود الطفل في بيئة تتعدد فيها أساليب مختلفة لسلطات متعددة كسلطة الأم أو الأب أو سلطة هذين مضافا إليها سلطة الأجداد والأعمام والخالات وغيرها…

2. الشعور بالخيبة الاجتماعية. ويعود ذلك لتأخر التلميذ في دراسته أو إخفاقه في التقرب من والديه أو معلميه أو زملائه.

3. شعور الطفل بظلم يقع عليه من المحيطين به من آباء أو أخوة ومعلمين، وشعوره بفقدان الأمن والاطمئنان إلى البيئة المحيطة به.

4. تقيد حرية الطفل سواء الحرية البدنية كاللعب الحر والطليق أم بعض النشاطات الفنية.

5. تقيد حرية الرأي والتعبير، وتقيد إثبات الذات وتأكيدها في الوسط الاجتماعي.

6. تقليد ومحاكاة الآباء والمعلمين الذين يغضبون لأتفه الأسباب، أو نتيجة الخلافات الأسرية.

7. الحالة الطبيعية لجسم الطفل، فقد تكون سرعة الغضب ناتجة عن اختلال في مصادر النشاط في الجسم، كازدياد في إفرازات الغدة الدرقية أو الغدد التناسلية أو وجود عاهة، أو نقص جسمي يتسبب عنه عجز في القدرة أو التعبير.

8. الحالة الانفعالية النفسية، كشعور الطفل بالغيرة أو القلق أو ضعف الثقة بالنفس.

9. النظرة للمستقبل، والشعور بالظلم وعدم الأمن بسبب خلافات أسرية ومشاجرات الأخوة.

10. التعنيف المستمر والنقد الدائم للأطفال، وكذلك النزعة الشديدة  للسيطرة على الأبناء من قبل الآباء.

11. العصبية الزائدة للآباء والأمهات يقلدها الأطفال أو ميوعة واختلاف سلوك الآباء. في العائلات التي تعاني مشكلات عدم التعاون والخلاف فإن الصحة النفسية للطفل تتأثر كثيرا وتؤدي به إلى التوتر والانفعال الذي يأخذ شكل نوبات الغضب.

12. التدليل الزائد وإجابة كل رغبات الأطفال يجعل الطفل يعتاد أن كل رغباته وطلباته أوامر تجاب فورا. وإذا فوجئ أن أحد رغباته لا تجاب، فإنه لا شعوريا ينفجر بالغضب.

13. العنف والغضب ناتج عن الفشل في الاستجابة السريعة لمثيرات البيئة والتعلم. فالطفل يصاب بالإحباط الذي يؤدي إلى نوبات الغضب.

آثار الغضب ووظائفه

لا تكمن مشكلة الغضب في الغضب ذاته بقدر ما تكمن في آثاره. ومع ذلك نجد الغضب يحقق عددا من الوظائف أهمها.

1. الغضب يمد السلوك بالطاقة، فيزيد من زخم وقوة استجابتنا، وردود أفعالنا.

2. الغضب يشوه عملية تشكيل المعلومات وإنجاز العمل.

3. الغضب هو اتصال تعبيري يعكس الشعور السلبي المنافي.

4. الغضب هو رد فعل دفاعي على تهديد الأنا.

5. الغضب يعمل كمرشد مخبر لعملية التعامل مع المشكلة تعاملا تكيفيا.

6. الغضب يحرض على السلوك العدواني.

7. الغضب يقوي الشعور بالسيطرة والضبط.

8. الغضب يحسن اعتبار الذات، ويزيده.

علاج نوبات الغضب عند الأطفال

1. يجب أن يبدأ العلاج أولا بدراسة الحالة الصحية للطفل.

2. في الطفل الذي لم يتعد السنتين عادة نغض النظر عما يصدر منه من مظاهر الغضب والصراخ والبكاء الشديد، فهذا الغضب هو ميل طبيعي. وقد يختفي تدريجيا مع تقدم السن.

3. توفير الجو النفسي والصحي للطفل في بيئته الذي يتصف بأن الوالدين مرتبط كل منهما بالآخر، ويحبان الطفل، ويهيئان له جوا من الدفء العاطفي الذي يشبع حاجات الطفل النفسية، ويشعره بالأمان والطمأنينة والتقدير، ويمدانه بالحرية المعقولة.

4. تحقيق الوسطية بين التدليل وإجابة كل رغبات الطفل، وبين القسوة والشدة عليه، بمعنى أن يعامل الطفل بدفء عاطفي، وبأسلوب يبث فيه الثقة بالنفس والشعور بالأمن والطمأنينة والإحساس بالقبول والتقدير في الوسط الذي يعيش فيه. فالمطلوب من الأب والأم تحقيق سلطة ضابطة ولكن مرنة مع الطفل.

5. توفير القدوة الصالحة للطفل، فهي خير معلم لضبط سلوك وغضب الطفل. فالأب الذي يثور لأتفه الأسباب، والأم التي تنفعل وتغضب لأمور بسيطة يدفعان بطفلهما إلى الغضب والثورة تقليدا للأب والأم.

6. إذا كان عمر الطفل ثلاثا إلى خمس سنوات فإنه يكون أقوى من الكلام، فإذا بدأ الضرب والصراخ والبكاء فإنه من الممكن حبسه في غرفة لدقائق من الوقت دون السماح له بالخروج منه.

7. إذا كان عمر الطفل خمس سنوات فما فوق أنشئ له جدولا وأضع فيه نجمة ومكافأة لكل سلوك جيد. وكل أربع أعمال جيدة ومرور فترة بدون غضب مؤذي فإنني أكافئه.

8. يجب عدم الصراخ في وجه الطفل بشكل مستمر عندما يغضب.

9. عندما يغضب الطفل في مكان عام فيمكنك العد حتى ثلاث، ثم تأخذ بيديه وتتجاهل غضبه بشكل تام ولا تعيره أي انتباه. وأخرجه من المكان، ولا تنظر إليه وعندما يهدأ تقول له بأنك ولد طيب.

10. هناك خطأ، وهو السماح لطفل هذه الأيام بأن يعبر عن غضبه بأن يكسر ألعابه ويحطمها، أو يعبث بكل ما في الحجرة. ولكن التجارب أثبتت أن ذلك يحول الطفل إلى إنسان عدواني ومدمر، ويصبح من السهل عليه دائما أن يكسر كل شيء بدعوى أنه ينفس عن غضبه المكبوت. وهذا مزعج، لأن ذلك يفقد ثقة الطفل بنفسه، وقد يؤذي نفسه أو الآخرين. لهذا تراجع علم الطب النفسي عن الطلب أن يعبر الطفل عن غضبه بترك الحبل على الغارب. ولهذا يطلب الطب النفسي أن يعبر الطفل لغويا عن حالته الانفعالية دون أن يصاحب ذلك سلوك عدواني، إن مقاومة السلوك العدواني تعطي نتائج إيجابية يستريح لها الطفل نفسه.

توصيات للآباء في معالجة الغضب للأطفال

• يجب على الآباء أن يقلعوا عن عصبيتهم وثورتهم لأتفه الأسباب أمام أبنائهم.

• لا تكثر من نقد الطفل أو إظهاره بمظهر السخرية أو العجز وخصوصا أمام الضيوف.

• على الآباء ألا يستخدموا طفلهم كوسيلة للتسلية في الأسرة أو عند حضور الضيوف.

• لا يجوز أن نلبي للطفل رغباته لمجرد صراخه أو غضبه أو عناده.

• عند تشاجر الأطفال يحسن كلما أمكن ذلك تركهم ليحلوا مشكلاتهم بأنفسهم.

• لا يجوز أن نعبث بممتلكات الطفل، أو نسمح لغيره من الأطفال بذلك.

تأليف: أنس شكشك