التشخيص التفريقي بين التوحد والاضطرابات الأخرى

هناك حالات اضطرابات لدى الأطفال تشبه في بعض أعراضها أعراض اضطراب التوحد، وهذه الحالات يجب تمييزها عن حالات التوحد، من أهم هذه الاضطرابات:

1 – زملة أعراض مرض أو اضطراب (رت) (Rett syndrome)

2 – زملة أعراض اضطراب هانز أسبرجر (Asperger syndrome)

3 – التوحد والفصام (الذهان) (Schizophrenic child)

4 – التوحد والمرض النفسي (العصاب) (neurosis and autism)

5 – التوحد والتخلف العقلي (Autism and Mental Retardation)

6 – الإعاقة النمائية المنتشرة غير المحددة بطريقة أخرى. – (Pervasive developmental Disorder – Not Otherwise Specified) (PDD – NOS)

7 – اضطراب عدم الاندماج والتكيف بمرحلة الطفولة (اضطراب الطفولة الانحلالي): (Childhood disintegrative Disorder)

8 – اضطراب الشخصية التجنبي (Avoidant personality disorder).

التخلف العقلي والتوحد Mental Retardation and autism

إن أطفال التوحد غالباً ما يعانون وبنسبة (64% – 87%) ضعفاً في القدرة العقلية (دراسة كريجر Kraijer. D. W)  ونسبة (15 – 20%) منهم تكون قدراتهم العقلية عادية (Normal)، أو دون العادية (Sub – Normal). وفي كتاب الجمعية الأميركية للطب النفسي (D. S. M. III) الذي صدر عام (1980م) كانت هناك إشارة واضحة إلى أن حالات التوحد تصاحبها نسبة عالية من التخلف العقلي، وغياب التخلف العقلي لا يعني أن الحالة ليست توحداً أو (ذاتوية).

وقد أجريت عدة دراسات في ثلاث ولايات أميركية استهدفت معرفة نسبة حالات التوحد التي تعاني ضعفاً عقلياً، وأجريت هذه الدراسات على عينة من (450) حالة توحد تبين من خلالها أن نسبة (40%) من حالات التوحد تعاني تخلفاً عقلياً بدرجة أقل من (50) في معامل الذكاء (IQ) أي تخلف عقلي شديد ومتوسط، ونسبة (30%) تخلف عقلي بسيط في حدود (50 – 75)، ونسبة (30%) ذكاء عادي فوق الدرجة (70)، ومن بين هذه الحالات يوجد عدد قليل جداً وصل مستوى الذكاء لديهم إلى نحو (120) أي مستوى ذكاء جيد، كما لوحظ أن نسبة (20%) من أفراد العينة يتمتعون بذكاء عملي غير لفظي (Non – Verbal)، عادي أو مرتفع، ويرى الباحثون أنه من المحتمل أن يكون النقص في اللغة وفي مهارات التفكير المجردة يعكس ما يعانونه من ضعف في قدراتهم العقلية. في حين لم توجد علاقة بين الذكاء غير اللفظي والمهارات المكانية والبصرية أو المرتبطة بالذاكرة، مما يبرز القصور في الجوانب الوظيفية للغة (Kaplan et all). مع ملاحظة إمكانية أن تبرز أحياناً بعض المهارات، أو القدرات النادرة لدى بعض التوحديين في مجال الرياضيات مثلاً (الضرب والقسمة المركبة…) أو في فنون الرسم، والموسيقى والرياضة… وبشكل يفوق الطفل العادي (القدرات العقلية الخاصة). ومن الأطفال التوحديين من يتميز بذاكرة قوية في الشعر أو الأدب، أو العزف، (Campbell) ولموضوعات مضى عليها أكثر من سنتين.

وتشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط إيجابي بين مستوى ذكاء الطفل التوحدي ودرجة الاستفادة من برامج التأهيل والتدريب والتعلم، وقد سجَّل تاريخ حالات التوحد وجود حالات حققت إنجازات هامة مثل الدكتورة دونا وليامز (Donna, W.) الحاصلة على درجة الدكتوراه في علم النفس السريري وكتبت عدة كتب في مجال داء التوحد. وتبين الدراسات التي قام بها كريجر (Kraijer, D. W.) على عينة من (1096) حالة تخلف عقلي، وكان الهدف من الدراسة معرفة النسبة المئوية لحالات (P. D. D) اضطراب النمو المعمم (Pervasive developmental disorder) من بين حالات التخلف العقلي من عمر (2 – 55) سنة واستخدم كريجر مقياساً مكوناً من (12) مفردة لكل منها وزن (أو درجة)، وتتم مقابلة والدي الحالات، والاختصاصيين الاجتماعيين، والمعلمين، ومصادر أخرى، وتبين من النتيجة وجود:

• (376) حالة من العينة أي بنسبة (34.31%) تعاني أعراض P.D.D.

• (614) حالة من العينة أي بنسبة (56.02%) لا تعاني أعراض P.D.D.

• (106) حالات من العينة أي بنسبة (9.67%)، حالات مشكوك فيها.

أهم الفروق بين حالات التوحّد وحالات التخلُّف العقلي mental Retardation and autism

تؤكد الدراسات التشخيصية أن هناك عدة فروق واضحة بين حالات التخلف العقلي وحالات التوحد، من أبرز هذه الفروق ما يلي:

1 – من حيث الانتشار (Prevalence)، فإن نسبة انتشار التوحد هي نحو (4 – 5) حالات في كل (10000) عشرة آلاف حالة، في حين أن نسبة انتشار التخلف العقلي لدى الأطفال تتراوح بين (2.7 – 3%).

2 – إن حالات التوحد هي عبارة عن خلل في النضج والنمو يظهر قبل (36) شهراً من العمر، لكن التخلف العقلي يمكن أن يظهر بعد ذلك (قبل الثامنة عشرة من العمر).

3 – حالات التوحد تتأثر بنقص الانتباه، والحركة الزائدة، واضطراب العمليات الحسية والإدراكية السمعية والبصرية، لكن في التخلف العقلي تبقى الحواس سليمة، وكذلك الانتباه إلى حد ما.

4 – يلاحظ في أطفال التوحد النمو العادي، والمظهر العادي، والرشاقة، في حين أننا في حالات التخلف العقلي لا نلاحظ هذه الرشاقة والمظهر العادي لدى الطفل..

5 – يلاحظ لدى حالات التوحّد الحركات النمطية التكرارية ومنذ الطفولة المبكرة، وتكون ملامح الوجه عادية، لكن في التخلف العقلي نجد أن هذه الحركات النمطية المتكررة قليلة جداً.

6 – من حيث العمليات العقلية والمعرفية، يلاحظ لدى طفل التوحد قلة الاستجابة للتعليمات، واضطراب الانتباه، ورفض التعليمات أو تجاهلها، أداء غير منتظم، مع انخفاض واضح في إدراك المفاهيم في الاختبارات النفسية… أما في التخلف العقلي فيكون قصور الانتباه أقل، ومستوى الأداء منخفضاً، والأداء منتظماً أكثر من حالات التوحد، وفهم التعليمات أفضل، ويمكن بناء الثقة مع الاختصاصي الذي يطبق الاختبارات، والأداء اللفظي يكون مقارباً إلى حد ما للأداء العملي.

7 – القدرات الخاصة (Specific abilities)، إن طفل التوحد قد يظهر قدرات خاصة في الحساب، أو الفنون، أو الشعر، أو الرياضة… إلخ، ويغلب عليه عدم الانتظام في هذا التفوق، أما الطفل المتفوق فإنه يسبق كثيراً من الأطفال العاديين (حالات أسبرجر)، وهذا لا يتحقق لدى الطفل المتخلف عقلياً.

8 – الكلام والتواصل اللغوي (Speech and Communication): تظهر لدى الطفل التوحد ظاهرة رجع الصدى (أو ترديد الصوت) (Echolalia)، وخاصة في الطفولة المبكرة، وهذا نادراً ما يحدث لدى حالات التخلف العقلي، وتختفي هذه الظاهرة بسبب النمو. والطفل التوحدي يخلط في استعمال الضمائر (يقلب الضمائر) (Pronoun Reversal)، والصوت يكون لديه رتيباً خالياً من التنغيم (Monotonous)، والكلام يكون مضطرباً، والحصيلة اللغوية محدودة، والتواصل مع الآخر ضعيفاً.. أما في التخلف العقلي فلا توجد هذه الأمور مثل خلط الضمائر كما أن المتخلف عقلياً بإمكانه تنغيم الصوت بالتدريب، ويستطيع تنمية حصيلة لغوية (قد تكون متأخرة إلى حد ما) يستخدمها في التواصل مع أفراد الأسرة أو الزملاء. النمو اللغوي لدى الطفل التوحدي محدود، مع قصور في اللغة التعبيرية والاستقبالية. أما النمو اللغوي لدى المتخلف عقلياً فهو أفضل، وينمو ببطء، ويتحسن التواصل مع الآخرين بالتدريب والممارسة، مع قصور أقل من حيث اللغة التعبيرية، والاستقبالية والدافعية لدى الطفل التوحدي ضعيفة، أقل من الدافعية لدى الطفل المتخلف عقلياً، والمتخلف عقلياً لديه تواصل غير لفظي أعلى من المتخلف عقلياً (ما عدا الحالات الشديدة من التخلف العقلي).

9 – من حيث الاضطرابات السلوكية (Behavioral disorders)، إن طفل التوحد يتصف بوجود اضطرابات سلوكية شاملة، وشديدة، والكثير منها يحدث في مواقف اجتماعية، والاضطرابات السلوكية لدى حالات التخلف العقلي أكثر تحديداً، وحدَّة، مع قابلية للقياس، والوصف، والمعالجة.

10 – الطفل التوحدي من الناحية الاجتماعية (Social aspects) لا يبالي بمن حوله، حتى بوالديه وأفراد أسرته، ولا يتقرب من الأطفال، ولا من اللعب معهم، أو التواصل معهم حتى عن طريق العيون، أما المتخلّف عقلياً فهو يدرك بيئته في الغالب، الحواس والإدراك يقظة لحد ما، وهو يميز بين الأقارب، الإخوة، الأصدقاء، ولديه عاطفة نحوهم، ويلعب معهم، ويقترب منهم جسداً، ويتواصل عن طريق الأعين. أما طفل التوحد فهو يعزف عن كل الزملاء والأنشطة، ويقاوم أي تغيير في الروتين اليومي، وكثيراً ما يندفع بثورة غضب، ويلاحظ عليه في هذه الحالات محاولة إيذاء ذاته أو إيذاء الآخرين من حوله، لكن المتخلف عقلياً يقبل على اللعب، والتقليد، واللعب الخيالي، ويستجيب للتعليمات قدر فهمه…

11 – الطفل التوحّدي من الناحية الانفعالية والعاطفية: إن الطفل التوحدي غالباً ما تكون انفعالاته غير موجهة، وطائشة، وحياته العاطفية خالية، ولا يستطيع التعبير عن عواطفه وانفعالاته، مثلاً قد يرفض التواد مع أمه، ويرفض أن تحمله، أو أن تتقرب منه، أو احتضانه أو تقبيله… ولكنه قد ينخرط فجأة في الضحك أو البكاء أو الصراخ ويستمر ذلك لوقت طويل دون مبرر أو سبب لذلك. أما الطفل المتخلف عقلياً فهو يرتبط عاطفياً وانفعالياً بأمه وأفراد أسرته، ومن حوله، ويشاركهم النشاط واللعب والمحادثة ويستطيع التعبير عن مشاعره أو عواطفه.

12 – إن دافعية الطفل التوحدي للعمل، أو التعلم، أو التدريب ضعيفة جداً، مما يصاحبه صعوبة في عملية التعلم والتدريب، أما المتخلّف عقلياً فتكون دافعيته أفضل، وخاصة إذا اتبع معه طريقة منهجية وتدريجية، وكانت حالة التخلف لديه بسيطة.

13 – إن اضطرابات النمو الشاملة كما في حالة التوحد هي اضطرابات في عمليات النمو المبكرة لدى الأطفال، أما التخلف العقلي فهو نقص (Deficit) في النمو العقلي والمعرفي لدى الطفل، فإذا كانت حالة التخلّف العقلي مع حالة التوحد يكون الاختصاصي أمام حالة هي نتيجة تفاعل هاتين الإعاقتين، وهذه الحالة تمثل تحدياً في النواحي الإنسانية والعلمية، يعرفها جميع العاملين في مجال الاختصاص.

14 – أما عن الصورة المستقبلية (Prospectives) فإن حالات التوحد تحتاج إلى جهد، ورعاية مدى الحياة، والأمل في استقلالية الطفل محدود جداً، وكذلك الأمل في الزواج، أو العمل محدود جداً أو نادر، أما حالات التخلف العقلي فهي قد تحقق استقلالاً جزئياً ذاتياً، وذلك إذا تدرّب وتعلم، أما عن فرص التعلم والعمل والزواج فهي أكبر لديه من الطفل التوحدي، وخاصة حالات التخلف العقلي البسيطة، وتشير بعض الدراسات إلى أن نسبة (66%) من حالات التخلف العقلي البسيط تحقق الاستقلالية، وذلك إذا أحسنت رعايتهم وتدريبهم.

التوحد والفصام

قد تتشابه أو تتداخل الكثير من أعراض التوحد مع الحالات العقلية الذهانية مثل الفصام، أو الاضطرابات الانفعالية الأخرى، أو الإعاقات العقلية، أو صعوبات التعلم، ولكن أكثر الأعراض التباساً هي بين التوحد والفصام، وكما شاهدنا في حديثنا عن تاريخ التوحد أن العديد من العاملين في الميدان يعتبرون التوحد والفصام اضطراباً واحداً يظهر في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل (الفصام الطفلي)، لذلك كانوا يسمون التوحد بفصام الطفولة، ولكن الدراسات أظهرت وجود فروق كبيرة بين حالات التوحد، والفصام الطفولي؛ إذ يعتبر التوحد اضطراباً سلوكياً، لكن الفصام اضطراب عقلي ذهاني، وفي حالة الفصام تظهر الأعراض في عمر خمس سنوات فما بعد، أما في حالة التوحد فتظهر الأعراض في عمر الأسابيع أو الأشهر الأولى من عمر الطفل.

وقد تظهر أعراض التوحد بوضوح في عمر ثلاث سنوات، ولكن عامل الاستعداد يلاحظ منذ الأشهر الأولى بعد الولادة، وفي حالة الفصام فإن اللغة تتطور بشكل عام أفضل كثيراً من حالات التوحد، فالطفل الفصامي يكون الاضطراب لديه في عملية التفكير، واستخدام المفردات في غير موضعها (تشوش الوعي) (delusion)، أما طفل التوحد فتكون لغته ضعيفة جداً، وتكون على شكل ترديد لبعض الكلمات أو الجمل ودون وعي لمعناها.

أما الفصامي فيتصف بتطاير الأفكار (Flight of ideas) ووجود هلاوس (Hallucination)، وأوهام (أو تشوش في الوعي) وخصوصاً في سن الرشد، أما المتوحد فلا تظهر عليه كل هذه الأعراض. والفصامي تضطرب علاقته بالعالم الخارجي، وينعزل اجتماعياً وعاطفياً، مما يجعل عالمه مليئاً بالخيال، كما تضطرب لديه اللغة حيث يكثر من استعمال الرموز عوضاً عن الألفاظ العادية، كما أنه يكرر بعض الحروف دون غيرها، ويضطرب لديه الوعي والإدراك الحسي والشعور وتقدير الواقع والانتباه والإرادة، مع نمطية السلوك، ولا يكون لديه استبصار بمشكلته وأفعاله، ولا يعتني المريض بشخصيته، ويظهر المرض بشكل مفاجئ. مع تبلد انفعالي، وانطواء، وتناقض وجداني (Hebephrenic Schizophrenia) ويسمى بالفصام المبكر، أو فصام المراهقة.

التوحد والمرض النفسي (العصاب)

في الأمراض النفسية يعتبر القلق (Anxiety) والتوتر والوسواس والخوف هي محور هذه الأمراض، وكذلك في حالة التوحد. ولكن الفرد العصابي لا ينقطع عن بيئته التي تحيط به؛ أسرته، ومجتمعه، وأقرانه… فهو يشعر بالآخرين من حوله على عكس مريض التوحد، بالإضافة إلى أن أعراض مريض العصاب (القلق، والخوف، والوسواس، والاكتئاب…) يسهل علاجها، كما أن نسبة انتشار العصاب أعلى بكثير من نسبة انتشار التوحد، فهي في حدود (3 – 5%) داخل المشافي العامة، ونسبة (40%) من الذين يترددون على العيادات هم مرضى عصاب، ثم إن المرض النفسي يندر حدوثه قبل المراهقة، كما أن حالات العصاب بين الإناث أعلى من الذكور (على عكس التوحد). والضغوط النفسية والعوامل البيئية هي من أهم أسباب العصاب، والأعصبة يمكن أن تظهر في مرحلة الطفولة وما بعدها، لهذا يجب عدم الخلط بين هذه الأعصبة وحالات التوحد وما قد يصاحبها من أعراض توتر قد يفسرها البعض على أنها حالات عصاب لا توحد.

التوحد ومرض الصرع والتشنجات

إن أطفال التوحد (والتخلف العقلي) لديهم استعداد للإصابة بالنوبات الصرعية، وقد لوحظ وجود شذوذ في الرسم الكهربائي للمخ (EEG) لدى أطفال التوحد، وأحياناً تتكرر نوبات الصرع يومياً أو أسبوعياً أو في كل شهر، أو على فترات متباعدة، وتكون نوبات خفيفة، حيث نلاحظ التوقف المفاجئ عن النشاط، والتحديق بالعينين إلى بعيد، والانصراف كلية عن العالم المحيط به وكأنه لا يشعر بما حوله، ولا يرى، ولا يسمع، وتستمر النوبة لمدة ثوان إلى دقائق يعود بعدها الطفل إلى حالته الطبيعية، وتكون النوبات من النوبات الصغرى (Petite malle) (Schopler).

كما يصاب أطفال التوحد باضطرابات جسمية تشنجية؛ مثل شد الرقبة، أو شد الأيدي، أو الأرجل، أو الأصابع، وهذه النوبات الصرعية، والتشنجات، غالباً ما تزول تدريجياً. وقد تستمر إلى مرحلة الرشد، وقبل الثلاثين من العمر، وتكون لدى الإناث أعلى مما هي عليه لدى الذكور.

قائمة (شطب أو فحص) سلوك التوحد لدى الأطفال (Autism behavior checklist)

وضع هذه القائمة كل من دافيد كرك (David, A. Krug) وجول أريك (Joel, R, Arick) وباتريسيا ألموند (Patricia, J. Almond)، وأعيد النظر فيها من قبل المركز القومي الأمريكي للأطفال التوحديين (A. S. A. C.)، هذا المركز الذي اعتمد في تعريفه للتوحد وبشكل عام على الوثائق والوسائل المضبوطة للسلوك الشائع لدى هذه الفئة من الأطفال. فعندما يريد الاختصاصي تشخيص التوحد فإن هناك العديد من السلوكات المحددة أو الأعراض (symptoms) التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار والتي تعتبر أساسية مهما تعددت وسائل التشخيص، هذه الوسائل التي لم تكن سمعتها في السابق حسنة بسبب اعتمادها على معيار مدى إنجاز المهمة مع المقارنة في الفروق بين حالات التوحد وحالات الأطفال الآخرين العاديين أو الذين يعانون شذوذاً في السلوك، والمشكلة لدى الباحثين أنهم وجدوا أن هذه السلوكات الخاصة بالتوحد قد تحدث أيضاً لدى أطفال غير توحديين، لهذا لم تكن الوسائل الخاصة بتشخيص التوحد ثابتة (unreliable)، لهذا نجد باحثين أمثال (Ornitz)، و(Ritvo) أكّدا أهمية إجراء فحص طبي شامل، وكذلك إجراء تقييم عصبي من خلال فريق طبي له خبرة في مجال التوحد.

ومع أن هذا العمل مهم في مجال تشخيص التوحد، إلا أن الخبرة أكدت ما هو أهم بعد ذلك وهو ما يحتاج إليه طفل التوحد من أجل تربيته وتعليمه وتوجيه قدراته، وتقديم الخدمات اللازمة له، لهذا كان من الضروري تصميم أداة دقيقة وسهلة الاستخدام لتشخيص قدرات طفل التوحد، مما يساعد على وضع الطفل في برامج تعليمية ذات مناهج متخصصة، ولهذا تمَّ البحث عن أداة تحدد خصائص السلوك لدى طفل التوحد، على أن يتم تحديد صدق معايير هذه الأداة وثباتها، وذلك في ضوء كل خاصية من خصائص السلوك التوحدي، وفي ضوء ذلك تم تصميم قائمة شطب السلوك (ABC)، وهي قائمة بنيت على أساس علمي، وهي أداة سهلة التطبيق وسريعة الاستخدام وتحقق الهدف المطلوب، وتعطينا بيانات واضحة ومبسطة حول الطفل، وقد كانت القوائم السابقة تعتمد على تسجيل السلوك وملاحظته، أما القائمة الحالية فهي تعتمد على الإجابة (أو رد الفعل أحياناً)، مثلاً يمكن الإجابة بـ (نعم) إذا كان السلوك يحدث لدى الطفل، والإجابة بـ (لا) إذا كان السلوك لا يحدث لدى الطفل، وقد تم وضع (57) بنداً (Items) تتعلق بخصائص سلوكيات طفل التوحد. وتمَّ وضع أوزان لهذه البنود حتى يتم الحصول على نتائج كمية، وكل بند أعطي وزناً (Weighted Score) من رقم (1) حتى الرقم (4)، أما الرقم واحد فيعتبر مؤشراً منخفضاً أو ضعيفاً على التنبؤ بالتوحد، أما الرقم (4) فيعتبر مؤشراً قوياً على وجود حالة التوحد، وفي ضوء الخبرات السابقة المتعلقة بخصائص سلوك طفل التوحد، تمَّ تقسيم هذه البنود إلى خمسة مجالات تشخيصية منفصلة هي:

1 – الإحساس (Sensory) (مهارة استخدام الحواس).

2 – العلاقة (Relating).

3 – مفهوم الجسد واستخداماته (body concept).

4 – اللغة (Language).

5 – المساعدة الذاتية والاجتماعية (Social and self help).

وتم وضع هذه المجالات في أعمدة، كما تمَّ وضع رقم (أو وزن) لكل بند في أحد هذه الأعمدة الخمسة، (انظر القائمة)، ويطلب وضع دائرة حول الرقم إذا كان هذا السلوك يحدث بنفس مستوى الرقم، وتتم الإجابة عن كل بنود القائمة بنفس الطريقة، ثم يتم جمع الدرجات التي وضعت داخل دائرة، وفي كل مجال على حدة، ثم يتم جمع درجات كل الأعمدة للحصول على المجموع الكلي للدرجات (Total Score)، وبعد ذلك تحويل هذه الدرجات إلى البروفيل السلوكي (Profile) تمهيداً لعملية تفسير النتائج، وتطبيق القائمة قد يتطلب فترة من الزمن بين (2 – 6) أسابيع أو أكثر، لملاحظة سلوك الطفل بشكل دقيق، وعادة تكفي مدة (10 – 20) دقيقة للإجابة عن بنود القائمة كافة.

ويمكن الاستفادة من تقارير الآباء التي تساعد في عملية التقييم، من أجل الوصول إلى بروفيل أكثر دقة، وقد تمَّ مقارنة بروفيل أطفال التوحد، وبالاستعانة بمتوسط الدرجات ببروفيلات لدى عينات أخرى من الأطفال من نفس العمر، وكعينة للتقنين (Standardization Sample)، وهكذا أمكن تقييم السلوكيات المتشابهة لدى الأفراد، وكذلك الفئات التشخيصية المختلفة الأخرى مثل حالات الأطفال العاديين، وحالات الصم، وحالات المكفوفين، والمضطربين بشدة عاطفياً، وحالات التخلف العقلي الشديد. وقد تمَّ حساب المتوسطات والانحرافات المعيارية لهذه الفئات التشخيصية وفي كل بعد أو مجال من مجالات السلوك الخمسة. وبعد ذلك تمَّ دراسة هذه النتائج التشخيصية لدى الأطفال في فئات الأعمار المختلفة، من عمر (3 – 4) سنوات وعمر (4 – 7) سنوات، وعمر (8 – 10) سنوات، وعمر (11 – 14) سنة، ثم عمر (15 – 35) سنة.

وقد توصل الباحثون في هذا المجال إلى أن الدرجة الكلية (67)، أو درجة ونصف درجة انحراف معياري تحت متوسط الدرجة الكلية (77) التي اختيرت نقطةً فاصلة (Cutoff point) تشير إلى احتمال كبير لوجود حالة التوحد. والدرجة (77) تفيد في تصنيف حالات التوحد. إن نسبة (90%) من أفراد العينة الذين طبقت عليهم قائمة (ABC) كانت الدرجة (68) أو أكثر مؤشراً قوياً إلى وجود أو تشخيص التوحد، ونسبة (95%) من العينة الذين طبقت عليهم هذه القائمة وكانت درجتهم أقل من (53) لم تشخص حالتهم على أنها توحد. وهنا نجد أن هناك مدى كبيراً بين الدرجة (54) والدرجة (67)، وهذا قد يؤدي بنا إلى شيء من التشوش أو الغموض وخاصة في النسب المئوية القليلة من الأفراد التي تخضع للاختبار، ومثل هؤلاء الأفراد يمكن أن يقوموا بأداء وظيفي عالٍ إلا أن بعض الخصائص السلوكية العامة لديهم قد توجد لدى التوحديين. وفي مثل هذه الحالات فإن الوضع التعليمي لمثل هؤلاء الأفراد يمكن أن يكون أكثر وضوحاً وسهولة إذا تم استخدام الاختبارات الأخرى، مثل الاختبارات الأربعة التي تفيد في مجال التخطيط للتعليم (Autism screening instrument for education planning) (ASIEP).

وتحديد المستوى الوظيفي (Functioning Levels) لقدراتهم، وهذا ما يسهِّل أيضاً عملية تفسير أي درجات لأي فرد في قائمة شطب السلوك (ABC)، وذلك عن طريق البروفيل والعمر الزمني للفرد (chronological age). ونشاهد في البروفيل أن الأطفال من أعمار (5 – 7) سنوات والذين شخصت حالتهم على أنها اضطراب وجداني حاد (Severely Emotionally disturbed) حصلوا في قائمة (ABC) على درجة عالية، إلا أن الفروق كانت دالة عند مستوى (0.05%)، ويبقى هناك صعوبة للتمييز بين هؤلاء الأطفال، وأطفال التوحد، لهذا كان من الضروري إضافة الاختبارات الفرعية للخطة التعليمية (ASIEP)، والتي سنشير إليها فيما بعد. ويمكن تطبيق اختبار (ABC) مرتين في السنة، وذلك في ضوء نتائج التعليم والتحصيل المدرسي، وينصح كل ستة أشهر، وخاصة إذا كان المعلم لم يلاحظ سلوك الطفل لمدة خمسة عشر يوماً، ويمكن للأهل في هذه الحالة المساعدة في إتمام الاختبار. ويرى كل من ماش (Mash, E)، وتيردال (Terdal, L) وأندرسون (Anderson, K) أن هذه الأداة تسمح بالمقارنة بين الحالات، ولها قدرة تقييمية علاجية من خلال معرفة التغيرات التي تطرأ على السلوك، قبل وبعد، كما أنها تشمل على إجراءات وظيفية لوصف تفاعل الطفل (التلميذ) في علاقته بالآخرين وكذلك تفاعله مع الأحداث والأشياء.

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي