الرئيسية / طب وصحة / الصحة العامة / / مشاكل الأدوية الأفيونية وعلاج الآلام المزمنة

مشاكل الأدوية الأفيونية وعلاج الآلام المزمنة

الألم إحساس يشعر به البشر في كل أنحاء العالم، وعلاجات الألم كثيرة في الطب الشعبي والنظم التقليدية للعلاج، ويكون الكثير منها فعالًا، خاصة في علاج الآلام الحادة، ولعل الأكثر كفاءة فيها على الإطلاق هو خشخاش الأفيون (الخشخاش المنوم) ، الذي كان يستخدم في العالم القديم منذ العصور الغابرة، وتعرف المشتقات الأفيونية – من المورفين والكودي ن حتى الأوكسيكودون (أوكسيكونتين) – بالمواد الأفيونية ، وهي لا تزال أقوى مسكنات الآلام المتاحة لدينا، كما أنها آمنة تمامًا عند استخدامها بشكل صحيح، خاصة في العلاج قصير المدى للآلام الحادة؛ لكن الاستخدام طويل المدى لعلاج الآلام المزمنة أمر آخر، وقد صار كل من الإفراط في استخدام المواد الأفيونية، وسوء استخدامها، وكذلك إدمانها، متفشيًا، ويضر بالفرد والمجتمع؛ فطبقًا لإحصاءات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، وصف الأطباء الأمريكيون عام 2010 كمًّا كافيًا من مشتقات الأفيون لعلاج كل بالغ في البلاد على مدار الساعة طيلة شهر كامل.

طبيعة الألم المزمن

يمكن للألم أن يستمر على الرغم من غياب مسببه، مطورًا متلازمة من الألم المزمن المستعصي والمنهك والمقاوم للعلاج، ما يجعل الحياة أكثر سوءًا، ويسبب قدرًا كبيرًا من الإحباط للمرضى، والأطباء، والأسر، والمجتمع. وقد ارتفع معدل الإصابة بمتلازمة الألم المزمن بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة؛ ليصبح عبئًا مكلفًا على نظام الرعاية الصحية، ويثير جدلًا كبيرًا بشأن استراتيجيات علاجه.

مشاكل الأدوية الأفيونية وعلاج الآلام المزمنة

إن الألم هو السبب الأكثر شيوعًا على مستوى العالم وراء قيام المرضى بزيارة الأطباء، وقد يبدأ في صورة نوبة حادة أسفل الظهر، أو الرقبة، أو ألم في الرأس. وفي معظم الحالات تزول هذه النوبات؛ لكن المشكلة تستمر أكثر من أشهر عديدة لدى 1.5 مليار شخص على مستوى العالم، وتصبح مزمنة، ولا يقتضي هذا التحول تفاقم الألم في الموضع المصاب فحسب، بل إنه أيضًا يصبح أكثر احتمالية للتحول بالتدريج إلى مسألة تتطلب نهجًا مختلفًا تمامًا عن النهج الذي نتبعه حاليًّا، كذلك ترتبط متلازمة الألم المزمن بالصدمة، والصداع النصفي، والتهاب المفاصل، والألم العضلي الليفي، والاعتلال العصبي (أي ألم الأعصاب؛ وهو أحد مضاعفات داء السكري، وأثر سلبي لبعض أشكال العلاج الكيميائي للسرطان).

ندرك الآن أنه عندما يصبح الألم مزمنًا، تبدأ مناطق الدماغ، التي تتصوره، التغير فيزيائيًّا، والتواصل مع المناطق المجاورة في الدماغ، التي لا علاقة لها بشكل طبيعي بالألم، واتضح أن اندماج هذه المناطق الدماغية الأخرى مرتبط بالأعراض الصعبة التي كثيرًا ما تصاحب الألم المزمن، كالإعياء، واضطراب النوم، والاكتئاب، والقلق، والاعتلال المعرفي، وتزيد هذه “الأمراض المتصاحبة” من تعقيد علاج الألم المزمن، جاعلة إياه مختلفًا كل الاختلاف عن الألم الحاد. وفي كثير من الأحيان؛ للأسف، يتم علاج مرضى متلازمة الألم المزمن كأنهم مرضى بالألم الحاد.

تركز المنهجيات التكاملية الأحدث على العلاج الفردي، وتستعين بالكثير من الطرق التي يتم تنسيقها من قبل فريق من متخصصي الرعاية الصحية، ويعتبر العلاج بالمسكنات من عناصر هذه المنهجية؛ لكنه لا يكون بشكل مطلق العنصر الوحيد، أو العنصر الأهم كذلك.

مضادات الالتهاب غير الستيرويدية والأسيتامينوفين

يعتبر الأسبرين وغيره من مضادات الالتهاب غير الستيرويدية أكثر مسكنات الآلام استخدامًا، إلى جانب دواء أسيتامينوفين (تيلينول)، والمعروف أيضًا باسم باراسيتامول، وهو نوع مختلف من العقاقير ذات التأثير المحدود في الالتهاب، ويشيع علاج الأفراد أنفسهم بهذه الأدوية دون الخضوع لإشراف طبي، وقد يتعاطاها مرضى متلازمة الألم المزمن مرارًا على فترات طويلة من الوقت.

دواء أسيتامينوفين, فهو يشبه الأسبرين في فاعليته في تسكين الآلام، وهو آمن بشكل عام، لكن الجرعات المفرطة منه، وهي ليست أمرًا شائعًا، يمكن أن تسبب تلفًا حادًّا للكبد وفشلها، وفي الحقيقة تمثل سُمية دواء أسيتامينوفين السبب في معظم حالات الفشل الكبدي الحادة في الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب، ونجد الكثير من هذه الحالات في أقسام الطوارئ، تحتاج إلى تلقي الرعاية الطبية في المستشفى، وبعضها يؤدي إلى الوفاة، ويواجه مدمنو الكحول خطرًا أعظم من الإصابة بهذا المرض، كما هي الحال بالنسبة إلى متعاطي العقاقير الاستجمامية، التي يتم المزج فيها بين دواء أسيتامينوفين والمواد الأفيونية؛ إذ يباع الكثير من هذه العقاقير الموصوفة في السوق السوداء بشكل غير شرعي، وينبغي لمدمني الكحول وأولئك الذين يعانون أمراض الكبد المعروفة الحذر من الاعتماد على دواء أسيتامينوفين في علاج الألم المزمن.

المواد الأفيونية

تعتبر المواد الأفيونية هي الحل الأمثل لتسكين الآلام من المتوسطة إلى بالغة الحدة، ويوجد اثنان من المكونات الطبيعية للأفيون – الكودين والمورفين – منذ وقت طويل . ويعتبر الكودين مسكن آلام ضعيفًا؛ لهذا كثيرًا ما يتم الجمع بينه وبين الأسبرين أو أسيتامينوفين، كما يستخدم مضادًّا للسعال. أما المورفين فيعتبر مسكنًا قويًّا للآلام، ويكون كغيره من المواد الأفيونية أكثر فاعلية عندما يؤخذ حقنًا؛ أي ليس عن طريق الفم، بل عن طريق الحقن في العضل أو الوريد. وقد عدَّل الكيميائيون هذه الجزيئات لإنتاج العشرات من النظائر شبه الاصطناعية والاصطناعية في محاولة غالبًا ما تكون عديمة الجدوى للفصل بين الخصائص المسكنة والخصائص الإدمانية لها، وقد تم تقديم الهيروين إلى العالم عام 1898 باعتباره مثبطًا آمنًا للسعال وفعالًا ومسكنًا للآلام خاليًا من أي خطر من أخطار الاعتماد على المورفين، الذي كان في ذلك الوقت مشهورًا، وكانت هناك العديد من الادعاءات المماثلة تخص المواد الأفيونية الجديدة التي كانت موجودة في ذلك الحين. وفي الآونة الأخيرة، أتاحت الشركات المصنعة للأدوية أشكالًا ممتدة المفعول من المورفين, مثل (إم إس كونتين) وغيره من المواد الأفيونية، مثل فينتانيل (داراجيسيك)، وهايدرومورفون (ديلاوديد)، وأوكسيكودون (أوكسيكونتين).

وتعمل المواد الأفيونية عن طريق تفعيل المستقبلات نفسها الموجودة في المخ التي تربط المواد الأفيونية المصنوعة داخل الجسم، وهذه المواد الأفيونية طبيعية كانت أم داخلية تشتمل على الإندورفين، الذي يؤثر في الحالة المزاجية والإحساس بالألم، ويمكن إطلاقه من قبل العديد من المحفزات، بما في ذلك ممارسة الرياضة والوخز بالإبر. ويصادف أن الجزيئات المصنوعة من خشخاش الأفيون ترتبط بتلك المستقبلات نفسها.

وتعتبر المواد الأفيونية بالنسبة إلى الألم الحاد الذي يقاوم مضادات الالتهاب غير الستيرويدية والأسيتامينوفين غاية في الفاعلية، كما أنها تعمل بشكل جيد على بعض أنواع الألم المزمن، لكنها لا تكون كذلك بالنسبة إلى أنواع أخرى. ويتفق العديد من الخبراء الآن على أن المخاطر المرتبطة باستخدام هذه الأدوية من المرجح أن تفوق فوائدها عندما يتم استخدامها على المدى الطويل لعلاج معظم أنواع الآلام غير السرطانية، بما في ذلك الصداع وآلام الظهر والرقبة. أما بالنسبة إلى الألم المزمن الذي هو عرضي، مثل الألم المرتبط بالصداع النصفي، والألم العضلي الليفي، والاعتلال العصبي، فيفضل بشكل أكبر تناول أسيتامينوفين ومضادات الالتهاب غير الستيرويدية عن المواد الأفيونية. وقد خلص أحد الأبحاث الوبائية التي أجريت عام 2006 إلى أنه “من اللافت للنظر أن استخدام المواد الأفيونية لعلاج الألم المزمن غير السرطاني على المدى الطويل لا يحقق أيًّا من الأهداف الرئيسية المرجوة منه: كالتخفيف من الألم، وتحسين نمط الحياة، وتطوير القدرة على أداء الوظائف” .

مشكلات المواد الأفيونية

يمكن لجرعة زائدة من المواد الأفيونية أن تسبب الإصابة بانخفاض قاتل في معدل التنفس عن طريق التأثير المباشر في مركز الدماغ الذي يتحكم في التنفس، وهذه الإصابة غير مرجحة للمرضى الذين يتناولونها بانتظام لعلاج الألم المزمن؛ لأن قدرة الجسم على احتمال هذه المواد تتطور بسرعة، واحتمالية هذه الإصابة تكون أكبر عندما يتم الجمع بين الأفيونيات والأدوية المهدئة. ويعتبر مزيج المواد الأفيونية والبنزوديازيبينات خطيرًا للغاية، حيث يبلغ أربعة أضعاف خطر الجرعة الزائدة.

وخلاف ذلك، إن الآثار الضارة للأفيونيات تعد مصادر إزعاج بشكل أكبر من كونها مهددة للحياة، ولعل الأكثر شيوعًا منها الغثيان، والقيء، والحكة، والتعرق، والدوار، والنعاس، والإمساك. ولدى كبار السن، يمكن أن يزيد الدوار من خطر السقوط، كما يمكن أن يكون الإمساك شديدًا، وقد يصاب بعض المرضى عند تعاطي الأفيون على المدى الطويل بتكثيف الحساسية بشكل غريب ( فرط الألم )؛ ما يجعل أخف لمسة لا تطاق، ويجعل الألم أكثر سوءًا.

وفي رعاية مرحلة الاحتضار – على سبيل المثال، الأشخاص الذين وصلوا إلى المرحلة الأخيرة من الإصابة بالسرطان والذين يعانون الآلام باستمرار – قد يكون التسكين الأفيوني ضروريًّا، ولكن الآثار المعرفية للأدوية، التي تسمى أحيانًا ب”ضبابية الوعي”، يمكن أن تكون محزنة لأولئك الذين يرغبون في البقاء حاضري الذهن حتى اللحظة الأخيرة في عمرهم، والبقاء قادرين على التواصل مع أحبائهم. ويقول بعض أطباء المستشفيات إن علاج الألم بالمواد الأفيونية في هذا الوضع صعب، وإنه يتطلب مهارة وفنًّا لتوفير تسكين كافٍ للألم دون تناقص الوعي.

وبطبيعة الحال، إن الشغل الشاغل بشأن الاستخدام طويل الأجل للمواد الأفيونية هو الإدمان وآثاره المدمرة لحياة الأفراد والمجتمع؛ فالاستخدام المنتظم لأي مسكن أفيوني يمكن أن يؤدي إلى تحمل الجسم إياه (ما يعني الحاجة إلى جرعات أعلى للحفاظ على الأثر المطلوب)، والاعتماد الجسدي، والإدمان. ويعتبر الاعتماد الجسدي، الذي يتميز بأعراض انسحاب بارزة عندما يتم إيقاف تناول الأفيونيات، أمرًا شائعًا، لكنه ليس مثل اضطراب الإدمان، الذي هو أخطر كثيرًا. ويقدر أن نحو 5 % من أولئك الذين يستمرون في تعاطي المواد الأفيونية أكثر من عام، يصابون باضطراب الإدمان. ويعتبر الأشخاص الذين يجربون إحساس النشوة من المواد الأفيونية، وبخاصة عندما يتلقونها عن طريق الحقن، أكثر عرضة للخطر، وكذلك أولئك الذين يعتمدون على المواد الأفيونية لتخفيف الألم النفسي. (فكما ذكرنا سابقًا؛ تعد الضائقة النفسية أحد المكونات الرئيسية لمتلازمة الألم المزمن). ويمثل اضطراب الإدمان اختلالًا في نظام المكافآت في الدماغ، ولا يتسم فقط بالاعتماد الجسدي، لكن أيضًا بوسواس التركيز على المخدرات، ومشكلات السلوك، وضعف الأداء الاجتماعي، وضعف الإنتاجية.

وقد ازداد معدل استهلاك المواد الأفيونية زيادة مثيرة في الفترة ما بين أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، تبع ذلك دعوة مختصي علاج الألم المعروفين إلى عدم التساهل في علاج الألم، بما في ذلك الألم غير المتعلق بالسرطان. وكان الدافع وراء ذلك أيضًا إدخال أشكال طويلة المفعول المذكورة سابقًا، والترويج القوي من قبل الشركات المصنعة. وقد وجدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أنه من الضروري إصدار رسائل تحذير لبعض هذه الشركات المصنعة. وعلى سبيل المثال: تم إخبار إحدى الشركات بأن إعلاناتها “تتجاهل مخاطر الأمان الكبيرة المرتبطة بدواء أوكسيكونتين وتقلل منها، والترويج لها في استخدامات لم يثبت ] بعد ذلك [ أنها آمنة وفعالة”.

وبوجه عام، تضاعفت الوصفات الأفيونية أربعة أضعاف منذ عام 1999 ، مع زيادة حادة مماثلة في الجرعات الزائدة من المواد الأفيونية، والإصابات، وحالات الوفاة، خاصة مع معاناة ما يصل إلى 60 % من قدامى المحاربين العائدين من الحرب من الألم المزمن (مقارنة بنحو 30 % من المدنيين الأمريكيين)، كما أن المحاربين القدامى أكثر عرضة للوفاة بسبب الجرعات الزائدة العرضية من المواد الأفيونية بمقدار مرتين عن غير المحاربين، وعلاوة على ذلك، كان هناك ارتفاع مثير للقلق في تعاطي الأفيونيات الموصوفة، وتُنتج شركات الأدوية من هذه الأدوية كمًّا أكبر من اللازم للاستخدام الطبي المشروع، ويتم تحويل معظم هذا الإنتاج إلى السوق السوداء. وتشيع إساءة استخدام دواء أوكسيكونتين بصورة كبيرة؛ فهو دواء منتشر للغاية في الريف الأمريكي؛ حيث أصبح معروفًا باسم “الهيروين المغشوش”. ويكلف الإفراط في استخدام المواد الأفيونية الموصوفة وسوء استخدامها الولايات المتحدة أكثر من 60 مليار دولار كل عام، نصفها تقريبًا يُعزى إلى تكاليف مكان العمل (مثل الإنتاجية المفقودة)، ونصفها إلى تكاليف الرعاية الصحية (مثل علاج فرط الاستخدام). وعلاج شخص ما بالمواد الأفيونية، مثل أوكسيكونتين، يكلف حسب تقدير حديث نحو 6000 دولار في السنة، وهذا التقدير لا يأخذ في الاعتبار الأموال التي تُنفق على اختبار المخدرات ورصدها، وعلاج الأعراض الجانبية المحتملة، وإعادة التأهيل بعد إدمان الأدوية عند الحاجة.

ولعل الأطباء يكونون هم المسئولين عن معظم هذا؛ فمنذ أن تم فصل المورفين عن الأفيون، صاروا يصفونه هو والأدوية المرتبطة به بشكل فيه تهور، مع إيلاء القليل من الاهتمام إلى مخاطر هذا في كثير من الأحيان، إلى جانب إقناع أنفسهم والمرضى بأن كل منتج أفيوني جديد أكثر أمانًا من سابقه. وعندما يتم استدعاء الأطباء للمساءلة، كما يحدث بشكل دوري، فإنهم يتراجعون عن استخدام المواد الأفيونية، وأحيانًا ما يمنعونها عن المرضى الذين يحتاجون إليها حقًّا. وإن عاجلًا أم آجلًا فإنهم يعودون إلى العادات غير المسئولة نفسها في وصف الأدوية. وقد كتب الدكتور “ريتشارد إيه. فريدمان”، أستاذ الطب النفسي السريري ومدير عيادة علم النفس الدوائي في كلية طب وايل كورنيل، في افتتاحية نيويورك تايمز عام 2015 : “إن الأطباء هم، غالبًا، من أطلق العنان لوباء الأفيون الحالي باستخدامهم غير المشروع هذه الأدوية؛ لهذا تقع على عاتقنا مسئولية كبيرة لإنهاء هذه المسألة”.

بحلول عام 2011 ، كان الكثير من الأطباء المشاركين في تعزيز زيادة استخدام المواد الأفيونية يعترفون علنًا بأن هناك مشكلات كبيرة في الاعتماد على هذه الأدوية في علاج الألم المزمن فترة طويلة الأجل، وردًّا على الارتفاع السريع في سوء استخدام المواد الأفيونية الموصوفة والإفراط فيها، بدأ عدد من الدول بتقييد إتاحتها، وقد اتخذت الحكومة الفيدرالية إجراءاتها أيضًا مثل وضع الشركات المصنعة تحت مزيد من التدقيق، والإصرار على تصنيع تركيبات أفضل، والمطالبة بتثقيف الأطباء بالوصف الآمن لها، وبالنسبة إلى البعض من أولئك الذين يعانون الألم، فقد أدى هذا إلى معالجة ناقصة، إذا كانت المواد الأفيونية عنصرًا أساسيًّا في العلاج، وبخاصة إذا كانت العلاجات الأخرى غير متاحة بسهولة أو بأسعار معقولة، وبالنسبة إلى الأطباء، كان هذا استمرارًا لنهج غير مريح على مدار القرن الماضي، وبالنسبة إلى كل من المرضى والأطباء، أدى هذا الموقف إلى تقدم في تطوير الأساليب التكاملية لعلاج الألم المزمن وقبولها.

خيارات الطب التكاملي لعلاج الألم المزمن

خلص استعراضٌ حديثٌ لأكثر من عشرين دراسة أجريت على ألم أسفل الظهر إلى أنه عند إضافة ممارسة التمارين الرياضية والوخز بالإبر والعلاجات الجراحية إلى العلاج المعياري للعقاقير، يكون هناك تحسن أكبر فيما يتعلق بتخفيف الألم وممارسة الحياة، ولعل أحد الأمثلة لكيفية تطبيق هذا الاستنتاج في الممارسة العملية هو المبادرة التكاملية للجنة ولاية أوريجون لعلاج الألم؛ فبناءً على التكاليف والنتائج السيئة للنهج الذي يركز على الدواء، أقرت الولاية مبادرة عام 2016 لتوفير علاجات متكاملة لمتلازمة الألم المزمن، بالإضافة إلى أساليب الرعاية التقليدية، بما في ذلك الوخز بالإبر، والتدليك، والعلاج اليدوي، واليوجا، والتمارين الرياضية الخاضعة للإشراف والعلاج الطبيعي. وآمل شخصيًّا أن تحذو ولايات أخرى حذو ولاية أوريجون، وأن يستخدم المرضى والأسر ومقدمو الرعاية الصحية الاكتشافات الحديثة لعلاج الألم المزمن، وأن يطالبوا بتغطية تأمينية له، ولقد تراجعت أيضًا شئون المحاربين القدامى عن الاعتماد على المواد الأفيونية لعلاج متلازمة الألم المزمن، وهي الآن تروِّج بنشاط للرعاية الشاملة التي تشمل الوخز بالإبر، واليوجا، وتأمل الوعي التام، والعلاج الطبيعي.

وتشمل تجربة الألم كلًّا من الإحساس الأساسي به، وتفسير الدماغ هذا الإحساس. ويعمل التخدير الموضعي, مثل البروكين (نوفوسين) على إلغاء المسبب؛ حيث تعمل المواد الأفيونية في المخ لتعديل تفسير إشارات الألم، ومع تسكين الأفيونيات الناجم عن تناول المواد الأفيونية، قد يفيد المريض بأن ” الألم ما زال موجودًا؛ لكنه لا يزعجه”، أو “يبدو الأمر كما لو كان الألم يحدث لشخص آخر”. وتحت تأثير التنويم المغناطيسي كثيرًا ما يدلي الأشخاص بالعبارات نفسها، ولدى المرضى الطيعين (أي الأشخاص ذوي القدرة العالية على الدخول في غيبوبة)، يمكن أن يؤدي التنويم المغناطيسي إلى تسكين الألم بشكل كامل، كما هي الحال بالنسبة إلى أية مادة أفيونية بصورة كاملة بما يكفي إجراءات طب الأسنان، وكذلك الجراحات الكبرى دون استخدام الأدوية المخدرة. وقد تنطوي آلية هذا التأثير الفعال على مواد أفيونية ذاتية؛ وفي الكثير من الحالات تتضح إمكانية استخدام اتصال العقل والجسد لتغيير تجربة الألم.

وبعيدًا عن التنويم المغناطيسي، فإن أساليب علاج العقل والجسد المفيدة في علاج الألم تشتمل على التصور، والتخيل الموجه، والارتجاع البيولوجي، وآليات التنفس، والتأمل، وتدريب الوعي التام. وهناك مجموعة ضخمة من الأدلة تدعم فاعلية الوعي التام في مساعدة المرضى على التعايش بشكل أفضل مع الألم المزمن، كما أنها تسمح لهم بتركيز الوعي على اللحظة الراهنة، بدلًا من التركيز على الأحاسيس المؤلمة السابقة، أو توقع تلك المقبلة. وينبغي أن يكون طب العقل والجسد مكونًا رئيسيًّا في المنهجية التكاملية لعلاج الألم، سواء أكان الدواء المسكن مطلوبًا أم لا. (وفي رأيي، فإن غياب هذه الأساليب العلاجية من مبادرة علاج الألم المتكاملة في ولاية أوريجون يعد إهمالًا صارخًا)؛ ويمكن لليوجا وأنواع مختلفة من التدريب على الاسترخاء، بما في ذلك الاسترخاء الجماعي، أن تكون مفيدة.

وينبغي النظر إلى أساليب التدليك، والمعالجة اليدوية، والأساليب العلاجية التقويمية (مثل تلك التي يقدمها مقوّمو العظام وأطباء التقويم) في أية حالات يسهم فيها توتر العضلات، واختلال وضعية الجسد، والتشوهات الهيكلية في حدوث الألم. وقد تم الآن تأكيد كون التمرين تدخلًا قويًّا مضادًّا للالتهابات، وقادرًا على تقليل علامات الالتهاب المرتبطة بالألم، كما أن للوخز بالإبر أثرًا كبيرًا في تسكين الألم قد تتوسط فيه الإندورفينات.

“التحفيز الحيوي” هو مصطلح شامل للعلاجات الحديثة التي تهدف إلى تقليل الألم من خلال توجيه محفزات كهربائية، ومغناطيسية، وضوئية، وصوتية إلى مناطق الجسم المختلفة، ومن الأمثلة على ذلك التحفيز الكهربائي للعصب عبر الجلد، الذي يمكن أن يخفف من آلام العضلات والعظام. وتتوافر عشرات الأجهزة للاستخدام المنزلي، وتتوافر أيضًا أجهزة تحفيز الدماغ التي توفر الطاقة الكهرومغناطيسية لتحويل تيار الدم، وتقليل استثارة مناطق محددة من الدماغ تشارك في متلازمة الألم المزمن. وفي الوقت الحاضر يمكن الوصول إلى هذه المناطق فقط في الجلسات الطبية، ولكن سيتمكن الأشخاص من التوصل إليها قريبًا عن طريق أجهزة الاستخدام المنزلي (مثل التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة).

ويمكن للعلاج السلوكي المعرفي المساعدة على تخفيف الألم المزمن الذي يتعرف عليه المرضى، وتغيير أنماط التفكير التي تسهم في المشكلة.

ويمكن أن يكون الدعم الجماعي مفيدًا للغاية؛ لذلك يستخدم العديد من المؤسسات الطبية الرائدة، بما في ذلك كليفلاند كلينك ومركز بوسطن الطبي، الجلسات الجماعية لعلاج الألم المزمن بنجاح. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن إجراء بعض التدخلات، مثل تأمل الوعي التام، من خلال المجتمعات المتاحة عبر الإنترنت؛ ما يتيح الوصول إلى أولئك الذين قد لا يعيشون بالقرب من الصف الذي تُعقد فيه الجلسات الجماعية.

ويمكن للنظام الغذائي والمكملات أن يساعدا بطرق متعددة على الحد من الألم. فأولًا، عندما يصبح الألم مزمنًا، من المعروف أن مناطق الدماغ التي تتحكم في التذوق والشبع تتغير بالتزامن مع تغير المناطق التي تسيطر على الحالة المزاجية؛ ونتيجة ذلك، تشيع حالات النقص الغذائي مع متلازمة الألم المزمن، كما يمكن أن يتفاقم ذلك النقص عن طريق استخدام المسكنات على المدى الطويل، ومن بين العناصر الغذائية التي كثيرًا ما تحتاج إلى المكملات فيتامين D ، والماغنسيوم، والأحماض الدهنية أوميجا – 3 ، وإنزيم Q10 (CoQ 10). وليس من النادر أن يتم التغاضي عن مثل هذه النواقص.

ويمكن للنظام الغذائي المضاد للالتهابات، والمعروف بأنه يحسِّن الصحة العامة، ويقلل من خطر الإصابة بالأمراض، أن يقلل أي مكون التهابي من مكونات الألم، ويقلل من الحاجة إلى الدواء. وبالإضافة إلى تركيزه على الأطعمة النباتية، يشمل هذا النظام الغذائي الأعشاب والتوابل المضادة للالتهابات، مثل الكركم ( كركم لونجا ) والزنجبيل ( الزنجبيل الطبي ).

وإذا كان النوم المضطرب جزءًا من متلازمة الألم المزمن، يجب أن يتم تصحيحه؛ لا بأدوية إضافية، لكن عن طريق تحديد العوامل المسهمة فيه (مثل استخدام الكافيين والمنبهات الأخرى، والضوضاء أو الضوء في غرفة النوم) وإيلاء جميع الجوانب التي تخص النوم الصحي اهتمامًا دقيقًا. نظرًا إلى أن استخدام نبات القنب في المجال الطبي أصبح قانونيًّا في بعض الدول، فقد أبلغ العديد من المرضى عن نجاح استخدامه في علاج الألم المزمن، سواء من تلقاء نفسه أو مع المواد الأفيونية جنبًا إلى جنب؛ فالمكونات النشطة لهذا النبات – كانابينويد – تتفاعل مع مستقبلات المواد الأفيونية، على الأقل لدى بعض الأفراد؛ ما يجعل من الممكن الحفاظ على التأثير المسكن للعقاقير الأفيونية مع تناول جرعات أصغر وبصورة أقل تواترًا. وهناك أبحاث مستمرة تنظر إلى أي من السلالات والمستحضرات من القنب باعتبارها الأكثر فاعلية في تسكين الألم.

الخلاصة

يختلف الألم المزمن كلية عن الألم الحاد، ولا يمكن علاجه بنجاح عن طريق العقاقير وحدها. وللأدوية الأفيونية دور مهم في السيطرة على الألم في مواضع معينة؛ لكن الاعتماد عليها في علاج متلازمة الألم المزمن له نتائج مدمرة؛ لا للمرضى وحدهم، بل أيضًا لأسرهم ومجتمعهم على النطاق الأكبر.

إن كنت تعاني أنت أو أحد المقربين منك متلازمة الألم المزمن، فمن المهم أن تتمسك بخطة علاج تكاملي، ولتعلم أن السبب الرئيسي للألم قد لا يكون مهمًّا دومًا بقدر ما يكون تأثير هذا السبب في المخ ووظائف العقل والجسد مهمًّا. ولا يمكن للعقاقير الطبية علاج الأوجه النفسية المجتمعية، والمهنية، والحياتية المعقدة للألم المزمن، أو عكس التغييرات الكامنة وراءها والمترسخة في المخ كذلك.

وينبغي أن يدعم الأطباء هذه المنهجية؛ نظرًا إلى كونها متسقة مع إرشادات علاج الألم الحديثة، كما قد يساعدونك على التواصل مع ممرض لإدارة حالتك، أو مدرب صحي، أو غيرهما من مقدمي الرعاية الطبية الذين يمكنهم مساعدتك على اتباع الأساليب العلاجية غير الدوائية.

بواسطة الطاقم الطبي

نحن مجموعة من الأطباء والمتخصصين في القطاع الصحي، نقوم بتقديم الاستشارات الطبية مجاناً والمعلومات والنصائح الطبية الموثوقة منذ عام 2005، ونستهدف الجمهور العام، المثقفون والمهتمون بشؤون صحة الإنسان. للتفاصيل، اضغط هنا

هل لديك سؤال؟ استشارات طبية مجانية