التصنيفات
الباطنية

مرض الارتداد المعدي المريئي GERD

لا شك بأن كثيراً منا قد سبق له أن أصيب بالحرقة، أي ذلك الإحساس المحرق في الصدر وأحياناً في الحلق، والناجم عن ارتداد حمض المعدة إلى المريء. وقد يكون السبب في ذلك هو الإفراط في الأكل أثناء العشاء، أو الخلود للنوم قبل أن يتم هضم وجبة المساء الخفيفة.

والواقع أنّ الحرقة هي عارض شائع، والإصابة بها عرضياً لا يشكل مدعاةً للقلق عموماً. غير أنّ عدداً كبيراً من الناس يعاني من الحرقة بانتظام، لا بل يومياً. علماً أنّ حالات الحرقة المتكررة تمثل مشكلة خطيرة، وتستحق عناية طبية. وفي أغلب الأحيان، تشكل الحرقة المتواصلة أو المتكررة عارضاً لمرض الارتداد المعدي المريئي.

ما هو مرض الارتداد المعدي المريئي Gastroesophageal Reflux Disease ؟

ينتقل الطعام عندما تأكل عبر المريء إلى صمام عضلي يفصل بين أسفل المريء والمعدة. فينفتح هذا الصمام، الذي يدعى مِصرَّة المريء السفلى، للسماح للطعام بالمرور إلى المعدة ثم ينغلق من جديد.
ويحدث ارتداد حمض المعدة عندما يضعف الصمام ولا ينغلق بإحكام كما ينبغي. فيتدفق الحمض رجوعاً إلى أسفل المريء مسبباً حرقة متكررة وإزعاجاً يومياً. ومن شأن الحمض أيضاً أنّ يرتد إلى أعلى المريء مخلّفاً طعم حموضة في الفم أو مسبباً السعال. ويؤدي هذا الارتداد المتواصل للحمض إلى تهيّج بطانة المريء والتهابها (التهاب المريء). ومع الوقت، قد يصاب المريء بالتضيّق أو التآكل مما يسبب نزفاً أو صعوبة في البلع.

ومرض الارتداد المعدي المريئي هو الاسم الذي يطلق على حالات الارتداد المزمنة التي ينجم عنها التهاب المريء. ويصيب هذا المرض أياً كان، حتى الأطفال والرضّع، غير أنه أكثر شيوعاً لدى الأشخاص الذين تجاوزوا سن الأربعين. واستناداً إلى الإحصاءات فإنّ نصف المصابين بهذا المرض يتراوح سنهم بين الخامسة والأربعين والرابعة والستين.

تنوع العوارض

يعتبر ارتداد الحمض والحرقة عارضين مشتركين لدى معظم المصابين بمرض الارتداد المعدي المريئي. أما بالنسبة إلى بقية العوارض فهي تختلف عادةً، وتشتمل على:

•    حرقة
•    ألم الصدر: غالباً ما يتفاقم الألم بعد وجبة دسمة أو أثناء الليل. وبما أنّ الإصابة بمرض الارتداد المعدي المريئي واعتلال القلب في وقت واحد هو أمر ممكن، فمن الضروري تقييم ألم الصدر للتأكد من أنه غير مقترن بحالة قلبية.
•    السعال المتواصل: يصاب البعض بسعال مزمن قد يكون ناجماً عن ارتداد كميات صغيرة من حمض المعدة إلى المجاري الهوائية للرئة (الشعب الهوائية).
•    أزيز النفَس: يبدو أن ارتداد الحمض يؤدي إلى تفاقم أزيز النفس الشبيه أحياناً بالربو أو يتسبب في نشوئه.
•    مشاكل الحلق (بحة): من شأن ارتداد الحمض والالتهاب أن يسببا بحة في الصوت أو حاجة دائمة إلى تنظيف الحلق كما يولدان في حالات أخرى شعوراً بوجود كتلة فيه أو يؤديا إلى التهاب مزمن أو فُواق.
•    صعوبة البلع: قد تشير مشاكل البلع إلى تضيّق المريء أو إصابته بتشنج مؤقت. وفي الحالات الحادة، قد يصاب المريض بالاختناق أو يشعر وكأن الطعام محجوز خلف عظم الصدر.
•    النزف: من شأن التهاب بطانة المريء وتآكلها أو الإصابة بقرحة مريئية أن تسبب نزفاً. وقد يبدو الدم أحمر فاتحاً أو داكناً (أو حتى أسود) ويظهر في القيء أو ممتزجاً بالبراز.

من هم المعرَّضون للمرض؟

ليس من السهل دوماً تحديد سبب الارتداد المعدي المريئي. فبعض المصابين بالمرض ليست لديهم عوامل خطر تشير إلى سبب محتمل. غير أنّ كثيراً من الناس لديهم عامل واحد على الأقل. والواقع أنه ثمة خمسة عوامل من شأنها أن تزيد بشكل ملحوظ خطر الإصابة بمرض الارتداد المعدي المريئي. وهي تتضمن:

•    الوزن الزائد: إنّ كثيراً من المصابين بمرض الارتداد المعدي المريئي، وليس جميعهم، هم من ذوي الوزن الزائد. فزيادة الوزن تضع ضغطاً إضافياً على المعدة والحجاب الحاجز، وهو العضل الكبير الذي يفصل بين الصدر والبطن، وتجبر مصرة المريء السفلى على الانفتاح. كما أنّ تناول وجبات كبيرة أو غنية بالدهون قد يؤدي إلى النتائج نفسها.

•    التاريخ العائلي: استناداً إلى الباحثين في مايو كلينك، يملك بعض الأشخاص تأهباً وراثياً للمرض. فإن كان والداك أو أشقاؤك مصابين بمرض الارتداد المعدي المريئي، تتضاعف فرص إصابتك به أنت أيضاً.
•    الفتق الفوهي أو الفتق الحجابي (Hiatal hernia): في هذه الحالة، يبرز جزء من المعدة إلى أيمن الصدر، ويعجز الحجاب الحاجز عن مصرة المريء السفلى. وحين يكون الفتق كبيراً، من شأنه أن يجعل ارتداد الحمض أكثر سوءاً.

•    التدخين: من شأن التدخين أن يزيد من إفراز الحمض ويؤدي بالتالي إلى تفاقم مرض الارتداد.

•    الحمل: يعتبر مرض الارتداد المعدي المريئي أكثر شيوعاً أثناء الحمل وذلك بسبب تزايد الضغط على المعدة وزيادة إفراز البروجسترون. والمعروف أنه من شأن هذا الهرمون أن يسبب استرخاء كثير من العضلات، بما فيها مصرة المريء السفلى.

•    الربو: يشيع مرض الارتداد المعدي المريئي أيضاً لدى المصابين بالربو. بيد أنه من غير الواضح ما إذا كان الربو يشكل سبباً أو نتيجة لهذا المرض. ويمكن القول نظرياً بأنه من شأن السعال والأزيز اللذين يرافقان الربو أن يؤديا إلى تغير في الضغط داخل الصدر والبطن، ينجم عنه ارتداد حمض المعدة إلى المريء. علاوة على ذلك، بإمكان بعض الأدوية المستعملة لتوسيع المجاري الهوائية أن ترخي مصرة المريء السفلى متيحة للحمض بالارتداد.

وبمقدور مرض الارتداد المعدي المريئي أيضاً أن يفاقم عوارض الربو. فمثلاً، قد يستنشق المريض كميات صغيرة من العصارات الهضمية المرتدة إلى المريء، مما يسبب تلف المجاري الهوائية.

•    الداء السكري: من بين مضاعفات السكري العديدة ثمة اضطراب هضمي يتمثل في استغراق المعدة وقتاً طويلاً لهضم الطعام (شلل المعدة). وحين تبقى محتويات المعدة فيها لفترة طويلة، من شأنها أن ترتد إلى المريء وتتلف البطانة.

•    القرحة الهضمية: إنّ وجود جرح مفتوح (قرحة) قرب الصمام الذي يتحكم بتدفق الطعام من المعدة إلى المعي الدقيق (صمام البواب) بإمكانه أن يسدّ الصمام أو يعيق عمله. بالتالي، لا تخرج الأطعمة والسوائل من المعدة بالسرعة المطلوبة، فيبقى الحمض في المعدة لوقت أطول من العادة ويرتد إلى المريء.

•    تأخر تفريغ المعدة: إضافة إلى السكري أو القرحة، من شأن الخلل الوظيفي لأحد الأعصاب أو العضلات أن يؤخر تفريغ المعدة، ويسبب ارتداد الحمض.

•    اضطرابات في النسيج الضامّ: من شأن الأمراض التي تؤدي إلى زيادة سماكة النسيج العضلي وتورمه أن تمنع العضلات من الاسترخاء والتقلص بشكل طبيعي، متيحة ارتداد الحمض.

•    مرض زولينغر إليسون Zolinger Ellison Syndrom: من مضاعفات هذا الاضطراب النادر إفراز المعدة كميات مرتفعة جداً من الحمض، مما يضاعف خطر ارتداد الحمض والإصابة بمرض الارتداد المعدي المريئي.

العقاقير والملحقات التي قد تفاقم مرض الارتداد المعدي المريئي

من شأن بعض الأدوية والملحقات أن تؤدي إلى تفاقم عوارض مرض الارتداد المعدي المريئي وذلك بتخفيف ضغط مصرة المريء السفلى أو تهييج المريء. بالتالي، حاول تجنب الأدوية والملحقات التالية إن أمكن. وفي حال كنت تتعاطى أحدها، استشر الطبيب قبل التوقف عن أخذها. فإيقاف هذه الأدوية بشكل مفاجئ قد يشكل خطراً على صحتك.

● مضادات إفراز الكولين، وهي أدوية ترخي العضلة الملساء.
● أدوية حصر قناة الكالسيوم، وتوصف لارتفاع ضغط الدم.
● أقراص البوتاسيوم.
● أقراص الفيتامين ج.
● تيتراسيكلين، وهو مضاد حيوي، على شكل كبسولات.
● العقاقير المضادة للالتهاب الخالية من الستيروييد، كالأسبيرين (Bayer, Bufferin)، إبوبروفين (Advil, Motrin, Nuprin)، نابروكسين (Aleve) وكيتوبروفين (Orudis).
● كينيدين (Quinidex)، وهو دواء لعدم انتظام القلب.
● ثيوفيلين (Theo-Dur)، ويوصف للربو.
● المسكنات والمهدئات.
● ألندرونات (Fosamax)، ويوصف لترقق العظم.

الأسباب الأخرى لالتهاب المريء

يعتبر مرض الارتداد المعدي المريئي من أكثر أسباب التهاب المريء شيوعاً. غير أنّ الالتهاب قد يتأتّى عن أسباب أخرى. فمن شأن الفطريات أو أحد الفيروسات أن تحدث التهاباً في نسيج المريء، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف في الجهاز المناعي.
كما أنه ثمة أقراص قد تهيّج الأنسجة أثناء ابتلاعها، خاصة إنّ تم تناولها من دون سائل ملائم أو أثناء الاستلقاء. وتشتمل هذه الأقراص على المضادات الحيوية، والألندرونات (Fosamax) التي توصف لترقق العظم، وأقراص الفيتامين C.

ما هو الفتق الحجابي؟

الفتق الفوهي هو عبارة عن نتوء الجزء الأعلى من المعدة في تجويف الصدر الأيمن. وقد كانت هذه الحالة تعتبر في الماضي السبب الأبرز لمرض الارتداد المعدي المريئي، بيد أنّ رأي الأطباء في هذا الموضوع اتخذ اليوم منحىً آخر. وصاروا يعتبرون حالات الفتق الفوهي المتوسط إلى الكبير فقط هي التي تؤدي دوراً في مرض الارتداد المعدي المريئي، إما عبر المساهمة في زيادة حدة الارتداد أو في تفاقم عوارض المرض.

ويفصل بين تجويف الصدر والبطن عضلة كبيرة على شكل قبة تدعى الحجاب الحاجز. ويظهر الفتق الفوهي حين يندفع الجزء الأعلى من المعدة إلى الأعلى عبر الفتحة (الفوهة) الموجودة في الحجاب الحاجز والتي يمر المريء من خلالها.

ولا يشكل الفتق الفوهي الصغير مشاكل تذكر. والواقع أنّ معظم الفتوق الفوهية لا تسبب عوارض على الإطلاق. إلا أنه من شأن الفتوق المتوسطة إلى الكبيرة الحجم أن تساهم في تفاقم الحرقة بإحدى هاتين الطريقتين. في الحالات الطبيعية، يكون الحجاب الحاجز موازياً لمصرة المريء السفلى، بحيث يدعمها ويضغط عليها لإبقائها مقفلة. ويأتي الفتق الفوهي ليزيح المصرة ويخفف الضغط على الصمام. وبإمكان الفتق الفوهي أيضاً أنّ يسبب الحرقة إن تحول الجزء المفتوق من المعدة إلى وعاء لحمض المعدة، الذي يتجه فوراً إلى المريء.

في حالة الفتق الفوهي، يبرز الجزء الأعلى من المعدة فوق الحجاب الحاجز.
وفي التواء الجزء الناتئ من المعدة في تجويف الصدر، يصبح المصاب عرضة للألم والانتفاخ وصعوبة البلع وانسداد المريء. وفي حالات نادرة، قد يبرز جزء كبير من المعدة في تجويف الصدر مقلصاً تدفق الدم إلى المعدة. وتسبب هذه الحالة ألماً حاداً في الصدر وصعوبة في البلع.
وبالنسبة إلى الفتوق الفوهية الكبيرة التي تسبب مشاكل للمصابين بها، فيتم علاجها عموماً بالجراحة لإعادة المعدة إلى وضعها الطبيعي وإغلاق فتحة الحجاب الحاجز.

مخاطر تجاهل العوارض

إنّ مضاعفات مرض الارتداد المعدي المريئي شائعة جداً. وفي حال عدم علاج الحالة، من شأن ارتداد الحمض أن يؤدي إلى واحدة أو أكثر من المشاكل التالية:

1.    التضيّق المريئي

يطرأ التضيق لدى حوالى 10 بالمئة من المصابين بالمرض. إذ يؤدي تلف خلايا أسفل المريء الناجم عن التعرض للحمض إلى تشكل نسيج ندبي. فيضيق هذا النسيج ممر الطعام وقد يعيق البلع ويؤدي إلى احتباس اللقم الكبيرة في المنطقة المتضيقة. وينص علاج التضيق عامةً على إجراء عملية لشدّ وتوسيع أنسجة المريء، بالإضافة إلى دواء كابح للحمض يساعد على منع إعادة التضيق.

2.    القرحة
من شأن حمض المعدة أن يؤدي إلى تآكل بعض الأنسجة في المريء يتكون بنتيجته جرح مفتوح. وقد تنزف القرحة مسببة الألم وصعوبة في بلع الطعام. غير أنّ العقاقير المصحوبة بتغييرات في نمط الحياة للتحكم بارتداد الحمض المعدة قد تنجح في شفاء القرحة، وذلك بإعطائها الوقت الكافي لتلتئم. لمزيد من المعلومات عن القروح.

3.    مريء باريت Barrett’s esophagus

هو من إحدى المضاعفات الخطيرة لمرض الارتداد المعدي المريئي. وبالرغم من ندرة هذه الحالة، إلا أنها في تزايد مستمر. وفي مريء باريت يتغير لون وبنية الأنسجة التي تبطن أسفل المريء، فتتحول من اللون الوردي إلى لون السلمون (أي البرتقالي الوردي). وتبدو الأنسجة تحت الميكروسكوب شبيهة بأنسجة المعي الدقيق. ويدعى هذا التغير الخلوي بالتبدّل الكامل.
ويتأتى التبدل الكامل عن التعرض المتكرر والطويل لحمض المعدة، ويقترن بزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء. واستناداً إلى الإحصاءات، فإنّ 5 بالمئة من المصابين بمرض الارتداد المعدي المريئي لديهم مريء باريت. وفور الإصابة بهذه الحالة، يرتفع احتمال تكون سرطان المريء بين 30 و 125 مرة اكثر من الأشخاص الاصحاء. ولكن نظراً لندرة سرطان المريء، يبقى احتمال إصابة مريض الارتداد المعدي المريئي بسرطان المريء منخفضاً جداً.
ويعتبر التنظير الداخلي الوسيلة الأكثر استعمالاً للكشف عن مريء باريت. إذ يتم إدخال أنبوب دقيق ومرن يحتوي على كاميرا بالغة الصغر في المريء، مما يسمح للطبيب بفحص هذا العضو والبحث عن الأنسجة التالفة. وفي حال اكتشاف تغيرات نسيجية، قد يعمد الطبيب إلى أخذ عيّنات صغيرة (خزع) من النسيج من أسفل المريء لفحصها والتأكد من وجود دليل لتغيّرات خلوية ما قبل سرطانية. وتتراوح درجة التغيرات ما قبل السرطانية في مريء باريت من التغيرات المنعدمة إلى القليلة ولكن الملحوظة (خلل نسيجي خفيف الدرجة) إلى التغيرات الخطيرة (خلل نسيجي عالي الدرجة)، وأخيراً إلى السرطان التوسعي. وكلما ازدادت خطورة التغيرات، تعاظم احتمال وجود سرطان أو تكونه.

وثمة علاج لمريء باريت. غير أنّ المشكلة تتمثل في كون المصابين غالباً ما يلجأون إلى الطبيب بعد فوات الأوان، حين يكون السرطان قد سبق وظهر. ويبدأ العلاج بالسيطرة على مرض الارتداد المعدي المريئي بواسطة الغذاء والتغييرات الحياتية وغالباً بالأدوية لإيقاف ارتداد حمض المعدة. وقد يوصي الطبيب بإجراء تنظير داخلي كل سنتين إلى 3 سنوات للاطلاع على التغيرات الطارئة على الأنسجة المريئية. وفي حالات الخلل النسيجي العالي الدرجة، قد يشتمل العلاج على إحراق الأنسجة التالفة أو على جراحة لإزالة جزء من المريء.

زيارة الطبيب

إنّ كنت تصاب بالحرقة مرتين في الأسبوع على الأقل وذلك لعدة أسابيع أو لاحظت تفاقم العوارض، اقصد الطبيب. وسيطرح عليك هذا الأخير أسئلة عن صحتك وعن العوارض التي تشعر بها. كم مرة تطرأ العوارض؟ متى تطرأ عادةً؟ هل تزداد حدتها؟ هل ثمة ما يشعرك بالتحسن؟ وقد يستعلم الطبيب أيضاً عن نمط حياتك: هل تدخن؟ ما هي عاداتك الغذائية؟ هل ازداد وزنك مؤخراً؟

فإن كنت تعاني من العوارض النموذجية لمرض الارتداد المعدي المريئي، أي الحرقة وارتداد الحمض، من دون وجود أية عوارض أو مضاعفات أخرى، قد لا تحتاج لإجراء أيّة اختبارات. ولكن، إن كانت الحرقة حادة أو مصحوبة بعوارض إضافية، فقد يشير ذلك إلى وجود مضاعفات للمرض. وسيحتاج الطبيب على الأرجح للقيام ببعض الاختبارات قبل إعطاء التشخيص.

لتشخيص مرض الارتداد المعدي المريئي وتحديد المضاعفات التي تصاحبه، يصف الطبيب واحداً أو أكثر من الاختبارات التالية.

•    التنظير الداخلي العلوي: وهو يعتبر الاختبار الأكثر دقة لأنه يسمح للطبيب برؤية المريء والمعدة. كما يمكنه أخذ عيّنات عند الضرورة.
•    صورة أشعة إكس لأعلى المعدة والأمعاء: من شأن هذا الاختبار أن يكشف عن الظواهر الشاذة أو الانسداد في أعلى قناة المعدة والأمعاء. ويشرب المريض قبل الخضوع للاختبار محلولاً معدنياً أبيض اللون (باريوم) يغلّف القناة الهضمية، ويسمح برؤية المعدة والأمعاء بشكل أوضح على أفلام أشعة إكس.
•    اختبار سبر الحمض المتنقّل (PH): يقيس هذا الاختبار مستويات الحمض في أعلى المريء وأسفله، ومن شأنه أن يساعد على تحديد مدى تواتر ارتداد الحمض ومدته.

العناية الذاتية، خطوة أولى نحو العلاج

بغض النظر عن حدة المرض، فإنّ الخطوة الأولى لعلاج مرض الارتداد المعدي المريئي هي فحص العادات المعيشية. فبالنسبة إلى من يعانون من عوارض خفيفة، قد تكون التغييرات الحياتية كافية لعلاج المرض. أما في الحالات الحادة، فمن شأن التغييرات المعيشية أن تساعد على السيطرة على المرض بالأدوية.

•    أقلع عن التدخين: فالتدخين يضاعف ارتداد الحمض ويجفف اللعاب الذي يساعد على حماية المريء من الحمض.

•    تناول وجبات أصغر حجماً: فهذا يخفف الضغط على مصرة المريء السفلى ويمنع الصمام من الانفتاح ليرتد الحمض إلى المريء.

•    اجلس معتدلاً بعد الأكل: انتظر ثلاث ساعات على الأقل قبل الذهاب إلى الفراش أو أخذ قيلولة. وخلال هذه المدة يكون معظم الطعام الموجود في المعدة قد انتقل إلى المعى الدقيق، ولا يمكنه الارتداد إلى المريء.

•    لا تمارس الرياضة مباشرة بعد الأكل: انتظر لساعتين أو ثلاث ساعات قبل القيام بنشاط جسدي مضنٍ.

•    قلّل من الأطعمة الدهنية: أسفرت الدراسات عن احتمال وجود علاقة وثيقة بين استهلاك الدهون ومرض الارتداد المعدي المريئي. فالأطعمة الدهنية ترخي مصرة المريء السفلى وتسمح لحمض المعدة بالارتداد إلى المريء. كما تبطّئ الدهون عملية تفريغ المعدة وتزيد المدة التي يمكن أن يرتد خلالها الحمض إلى المريء.

•    تجنب الأطعمة والمشروبات الضارة: وهي تشتمل على المشروبات المحتوية على الكافيين والشوكولا والبصل والمأكولات المحتوية على التوابل والنعناع. إذ تميل هذه الأطعمة إلى زيادة إفراز حمض المعدة، ومن شأنها أيضاً أن ترخي مصرة المريء السفلى. إضافة إلى ذلك، قلل من الفاكهة الحمضية والمأكولات المرتكزة على الطماطم. فهذه الأطعمة حمضية وقد تهيّج المريء المصاب بالالتهاب مؤدية إلى تفاقم عوارض مرض الارتداد المعدي المريئي لدى البعض.

فإن كانت مصرة المريء السفلى لديك مصابة بضعف معتدل إلى حاد، فإن ما تتناوله من طعام أو شراب لا يهم فعلاً. ذلك أنّ حمض المعدة يرتد إلى المريء بغض النظر عما تأكل.

•    تجنب الكحول: فالكحول يرخي مصرة المريء السفلى وقد يهيج المريء ويزيد العوارض سوءاً.

•    خفف الوزن الزائد: فزيادة الضغط على المعدة بسبب الوزن الزائد يجعل المرء أكثر عرضة للإصابة بالحرقة وارتداد الحمض.

•    ارفع رأس السرير من 6 إلى 9 إنش: فهذه الطريقة توفر انحناءً تدريجياً من القدمين إلى الرأس وتساعد على منع الحمض من التدفق إلى المريء أثناء النوم. ضع إسفنجة تحت المرتبة لرفعها، والأفضل وضع قطع خشبية تحت قدمي السرير من جهة الرأس.

•    تجنب الملابس الضيقة: فهي تضغط على المعدة.

•    خذ وقتاً للاسترخاء: حين تشعر بالتوتر تتباطأ عملية الهضم وتتفاقم عوارض مرض الارتداد المعدي المريئي. إلا أنّ تقنيات الاسترخاء، كالتنفس العميق أو التأمل أو اليوغا، من شأنها تحسين حالة المريض عبر تخفيف التوتر، بالرغم من عدم إثبات فعاليتها علمياً.

الأدوية المستعملة

ربما جربت جميع وسائل العناية الذاتية، فانقطعت عن تناول الأطعمة الدهنية وصارت وجباتك أصغر حجماً وخففت من وزنك وأقلعت حتى عن التدخين. غير أنّ العوارض بقيت على حالها أو تحسنت بشكل طفيف فقط. حين لا تنفع التغييرات المعيشية، تتمثل الخطوة التالية بالعلاج بالأدوية.

1.    مضادات الحموضة

تعتبر هذه الأدوية غير الموصوفة ملائمة جداً لحالات الحرقة العارضة أو الطفيفة. فمضادات الحموضة تبطل حمض المعدة وتزيل العوارض بصورة سريعة ومؤقتة. وتتوفر هذه الأدوية بأشكال مختلفة من العوامل المبطلة. فمثلاً، Tums ﻭRolaids هي أقراص تؤخذ مضغاً وتحتوي على كاربونات الكالسيوم. أما Mylanta ﻭMaalox فيحتويان على الماغنيزيوم أو الكالسيوم ويتوافران على شكل سائل أو أقراص. وبشكل عام، تؤدي الأشكال السائلة مفعولاً أسرع من الأقراص، مع أنّ البعض لا يفضلونها.

وبإمكان مضادات الحموضة أن تخفف العوارض إلا أنها لا تعالج سبب الارتداد. وهي آمنة إجمالاً، ولكن في حال استعمالها بشكل متواصل من شأنها أن تسبب آثاراً جانبية كالإسهال أو الإمساك. وقد تتفاعل بعض مضادات الحموضة مع عقاقير أخرى بما فيها أدوية اعتلال الكلى أو القلب. إضافة إلى ذلك، فإن الاستعمال المتواصل للمستحضرات المحتوية على الماغنيزيوم يمكن أن يؤدي إلى توضّع الماغنيزيوم الذي قد يفاقم اعتلال الكلى أو يسببه، خاصةً إن كان المريض مصاباً بالسكري. ومن شأن كثرة الكالسيوم أيضاً أن تؤدي إلى حصى في الكلى. فإن كنت تتعاطى مضادات الحموضة بانتظام، اذكر الأمر لطبيبك.

2.    أدوية حصر الحمض

تتوافر هذه الأدوية المعروفة أيضاً بأدوية حصر الهيستامين (H-2) بأنواع موصوفة وغير موصوفة. وعوضاً عن إبطال الحمض، فهي تقلص إفرازه. وتتميّز أدوية حصر الحمض عن مضادات الحموضة بقدرتها على منع ارتداد الحمض والحرقة، وليس تخفيفها فحسب. علاوة على ذلك فإن مفعولها يدوم أطول نظراً لكونها توقف الحرقة لمدة 8 ساعات، مقابل 4 ساعات أو أقل بالنسبة إلى مضادات الحموضة.

وتشتمل أدوية حصر الحمض على: سيميتيدين (Tagamet)، فاموتيدين (Pepcid)، نيزاتيدين (Axid)، ورانيتيدين (Zantac). وتتمتع الأنواع غير الموصوفة بنصف قوة مثيلاتها الأدوية الموصوفة. ويستحسن أخذ أدوية حصر الحمض قبل الوجبة التي تسبب الحرقة أو بعد ظهور العوارض، علماً أنّ مفعولها لا يظهر قبل 30 دقيقة على الأقل.

وتساعد أدوية حصر الحمض على شفاء التهاب المريء والقروح وذلك بتخفيف تعرض أنسجة المريء للحمض. وقد يوصي الطبيب باستعمال الدواء لعدة شهور أو أكثر إن كان يحول دون عودة العوارض. والجدير بالذكر أنّ هذه العقاقير نادراً ما تسبب بعض الآثار الجانبية، بما في ذلك تغيرات معوية وجفاف في الفم ودوار ونعاس، ولكنها آمنة عموماً. بيد أنّه يحظر أخذ بعض أدوية حصر الحمض مع عقاقير أخرى تجنباً لاحتمال حدوث تفاعلات خطيرة. بالتالي، إن كنت تتناول دواءً لحصر الحمض وتستعمل في الوقت نفسه أدوية أخرى، استشر الطبيب أو الصيدلي حول التفاعلات المحتملة للعقار.

3.    مثبطات ضخ البروتون

تعتبر هذه الأدوية الموصوفة، لانسوبرازول (Prevacid)، أوميبرازول (Prilosec)، ورابيبرازول (Aciphex)، هي الأكثر فعالية في علاج مرض الارتداد المعدي المريئي. وثمة مثبط أحدث هو بانتوبروزول (Protonix)، ويمكن تناوله عن طريق الفم أو بالوريد في المستشفيات. ويقوم هذا العقار بحصر إفراز الحمض متيحاً للنسيج المريئي المتضرر بالشفاء. وهو سهل الاستعمال لأنه يؤخذ مرة في اليوم. بيد أنه أكثر كلفة من

4.    الأدوية الأخرى لمرض الارتداد المعدي المريئي.

وتعتبر مثبطات ضخ البروتون آمنة إجمالاً ويمكن تحمّلها في العلاج الطويل المدى لمرض الارتداد المعدي المريئي. وقد أثبتت التجارب بأنّ هذه العقاقير آمنة بالنسبة إلى الأطفال دون سن العاشرة. أما المخاوف الأولية من احتمال أن تسبب الأدوية أوراماً في المعدة، فلم يتم تأكيدها. فإن كنت تعاني من عوارض حادة لمرض الارتداد المعدي المريئي، قد يوصي الطبيب باستعمال العقار لمدة غير محددة وذلك لإبقاء العوارض تحت السيطرة. وتجنباً للآثار الجانبية المحتملة، كألم المعدة أو البطن أو الإسهال أو ليونة البراز أو الصداع، يصف الطبيب أصغر جرعة فعالة.

متى يتم اللجوء إلى الجراحة؟

نظراً لفعالية الأدوية، نادراً ما يتم اللجوء إلى الجراحة لعلاج مرض الارتداد المعدي المريئي. بيد أنّ الجراحة قد تشكل خياراً في حال عدم احتمال المريض للأدوية، أو عدم فعالية هذه الأخيرة أو عدم تمكن المريض من استعمالها على المدى الطويل. علاوة على ذلك، يوصي الطبيب بإجراء الجراحة إن عانى المريض من إحدى المضاعفات التالية:

● فتق فوهي كبير
● التهاب مريئي حاد، خاصة إن ترافق بنزف.
● تضيّق متكرر في المريء.
● مريء باريت، خاصةً إن ترافق مع تغيرات سابقة للسرطان أو سرطانية.
● مشاكل رئوية حادة، كالتهاب القصبات أو الإلتهاب الرئوي، ناجمة عن ارتداد الحمض.