التصنيفات
صحة المرأة

مرحلة ما قبل الميلاد: مرحلة الجنين


عندما يتم تلقيح البويضة عند المرأة بالحيوان المنوي عند الرجل، تبدأ مسيرة خلق إنسان داخل الرحم.. والتي تستمر تسعة أشهر.

البويضة هي أكبر خلية في جسم الإنسان، فقطرها يبلغ 5 مليمتر. ومجموع البويضات التي يفرزها المبيض خلال فترة الإخصاب، من سن البلوغ إلى سن انقطاع الدورة الشهرية، يزيد عن 500 بويضة. في كل شهر يفرز المبيض بويضة واحدة التي لا تعيش أكثر من 24 ساعة، يحصل الحمل عندما يتم تلقيح تلك البويضة بالحيوان المنوي.

أما بالنسبة للرجل، فالخصية تفرز مئات الملايين من الحيوانات المنوية، وفي كل دفقة – مني – يوجد ما بين 200 إلى 300 مليون حيوان منوي. الكثير منها يموت أثناء رحلته إلى البويضة، وما يصل منها لا يزيد عن 500 حيوان منوي فقط، وواحد منها فقط هو من يستطيع الولوج إلى البويضة ليتحد بها مكوناً النطفة الأمشاج.

سبب كبر حجم البويضة – مقارنة بالحيوان المنوي الذي رأسه لا يزيد عن 5 ميكرونات – أنها مسؤولة عن تغذية النطفة الأمشاج المكونة من كروموزومات الحيوان المنوي (للأب) وكروموزومات البويضة (للأم)، وعلى البويضة أن تقوم بتغذية النطفة الأمشاج إلى أن تتشبث بجدار الرحم لتصبح علقة. فالبويضة مسؤولة عن تغذية النطفة الأمشاج إلى أن تبلغ مرحلة العلوق بجدار الرحم. وتتغذى العلقة من دم الأم ليتوفر لها المواد اللازمة من أجل نموها وتطورها، ومن ثم تتتابع مراحل نمو الجنين معتمداً في غذائه على الأم (خلق الإنسان – د. محمد البار).

1– مراحل تطور الجنين

اتحاد البويضة التي تحتوي على (23) كروموزوم، بالحيوان المنوي الذي يحتوي أيضاً على (23) كروموزوم، يؤدي إلى تكوين الخلية الأولى أو ما يسمى بالنطفة الأمشاج التي يكتمل فيها عدد الكروموسومات (46) كروموزوم كأي خلية جسدية أخرى. هذا العدد يحمل الصفات الوراثية من الأم والأب بالتساوي، وعبر هذه الكروموزومات تنتقل الصفات الوراثية من الآباء والأجداد.

وتبدأ الخلية الأولى بالانقسام المتتالي فتصبح خليتين ثم أربع وثمان وهكذا.. تتكون مئات الخلايا على هيئة ثمرة التوت خلال (5 أيام)، وتسمى في هذه المرحلة بالتوتة، وتتجه عبر القناة الرحمية – حيث تم التلقيح – إلى الرحم فيما بين اليوم الخامس والسابع وتتشبث وتنغرز في جدار الرحم النصف العلوي منه – وهنا تسمى علقة وحجمها لا يزيد عن ربع مليمتر – حيث يعتبر هذا الجزء أكثر مناطق الرحم صلابة من أجل نمو الجنين واكتماله. ويكون الرحم قد استعد لاستقبال البويضة الملقحة بزيادة سماكة طبقة غشائه وازدياد الدماء فيه، حيث تتكون به جيوب دموية كثيرة.

تبدأ العلقة في التمايز إلى طبقتين: طبقة خارجية ووظيفتها قضم خلايا الرحم والاتصال المباشر بالجيوب الدموية الرحمية لامتصاص الغذاء منها. وطبقة داخلية ووظيفتها تكوين الجنين وأغشيته.

في هذه الفترة يكون الاتصال بين دماء الأم وخلايا التغذية في العلقة اتصالاً مباشراً. وتصبح الدورة الدموية للجنين تامة ومتصلة بالدورة الدموية للأم عبر المشيمة والحبل السري، وبذلك يتمكن الجنين عبر مراحل نموه من أخذ المواد الغذائية اللازمة، فيكون الجنين أشبه بعضو من أعضاء الأم والعوامل التي تؤثر على جسد الأم ونفسيتها تؤثر على تكوينه أيضاً. وتتفاعل عوامل الوراثة مع عوامل البيئة لتتحكم في سرعة نمو العلقة.

وهكذا تتتابع المراحل وتتلاحق وتتحول العلقة إلى مضغة في الأسبوع الرابع وتبدأ الكتل البدنية في الظهور من جميع جوانبها. وفي الأسبوع الخامس والسادس والسابع تتحول الكتل البدنية إلى عظام وعضلات تكسو العظام، وتظهر براعم الأطراف العلوية والسفلية وينمو الجهاز العصبي ويتكون الوجه. وفي الأسبوع الثامن تكون العين واضحة المعالم. ويمكن سماع نبضات قلبه من الأسبوع السادس. أما جهاز السمع فيبدأ تكونه في الأسبوع الرابع.

يستطيع الجنين في الشهر الرابع سماع الأصوات الداخلية والخارجية. وعند ميلاده يكون لديه قدرة سمعية مطابقة تقريباً لقدرة البالغين على السمع اكتسبها من خبرته داخل الرحم والتي تقارب (6 أشهر) وهو يسمع نبضات قلب أمه وصوتها وصوت أعضائها وصوت المحيطين بها. وباستخدام جهاز المراقبة (التراساوند) تبين أن الجنين يهتز بوضوح للمنبهات الصوتية القوية، كما أنه يولد وهو يفضل صوت أمه.

مما سبق يتضح، أن أعضاء الجنين يبدأ تكوينها في الأسابيع الأولى من عمره، ويستمر النمو بشكل سريع ومتكامل. ويمكننا تقسيم مراحل تطور الجنين إلى 3 أطوار: طور العلقة ويستمر 3 أسابيع. وطور المضغة ويمتد من الأسبوع الرابع إلى نهاية الأسبوع الثامن، ويتميز بالنمو السريع ويتكون فيه جميع أعضاء الجسم. وأخيراً طور الجنين ويمتد من بداية الشهر الثالث إلى الميلاد ويتميز بالزيادة السريعة في النمو.

يستمر الحمل مدة (280 يوماً) أو (40 أسبوعاً). يكون لتلك الفترة تأثيرها على جسم الحامل ونفسيتها، وتنشأ علاقة عاطفية ارتباطية وفسيولوجية بين الحامل والجنين يكون لها تأثير على تطور الجنين ونموه النفسي والجسمي، فهو في تلك الفترة عضو من أعضائها ما يصيبها يصيبه ويؤثر فيه.

2– الأم والجنين

يرتبط الجنين خلال مراحل نموه بالأم ارتباطاً وثيقاً فسيولوجياً ونفسياً. فسيولوجياً لأن الدورة الدموية لكل من الجنين والأم متصلة، فكأنه عضو من أعضائها يعتمد عليها في التغذية. ويرتبط بها نفسياً لأن مشاعر الأم وأحاسيسها وانفعالاتها تؤثر على الجنين فيتفاعل معها. كما أن الحمل يؤثر على نفسية الحامل وفسيولوجيتها بشكل مباشر وغير مباشر، لأن وضعية الزوجة الحامل قد تؤدي إلى زيادة التوتر داخل النظام الأسري بسبب ظروف معينة، منها عدم استعداد الزوجين للإنجاب في تلك الفترة، ولأن الحمل في حد ذاته هو حدث جديد يحتاج إلى استيعاب واستعداد لاستقبال المولود المنتظر.

الارتباط الفسيولوجي والنفسي بين الحامل والجنين

يصل الحبل السري بين الجنين والأم عن طريق المشيمة، وهذا الارتباط الفسيولوجي يحقق له احتياجاته من الغذاء. فالمواد الغذائية التي يحتاجها الجنين لنموه يأخذها من دم أمه، لذلك فإن نقص غذاء الحامل وضعف شهيتها يؤدي إلى اضطراب في صحتها من جهة، ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى نقص في المواد الضرورية اللازمة لنمو الجنين، وبالتالي يكون تأثير ذلك سلبياً على سلامة بنيته. فالجنين يسحب ما يحتاجه من مواد من دم أمه حتى وإن أدى ذلك إلى نقص في مواد جسمها. لذلك من الضروري أن تهتم الأم الحامل بغذائها فهي تحتاج إلى البروتين الموجود في البيض واللحم والسمك، وتحتاج إلى الكالسيوم الموجود في اللبن ومشتقاته، وتحتاج إلى الحديد والفيتامينات الموجودة في الخضروات والفواكه. كما أن للتدخين والكحول تأثيراً سلبياً على نمو الجنين، والأدوية يجب أن لا تستخدم إلا بإذن الطبيب.

ويرتبط الجنين بالأم من الناحية النفسية والعقلية، فمشاعر الأم وأحاسيسها وانفعالاتها وأفكارها تصل للجنين، فالقلق والخوف والغضب والفرح والاسترخاء والحزن والإحباط تصل جميعها عبر رسائل كيميائية – تسمى الهرمونات – تنتشر في دم الأم وتصل إلى دم الجنين عبر المشيمة فتؤثر فيه. ومع تطور وسائل مراقبة الأجنة تمكن الباحثون من متابعة سلوكيات الأجنة ومن مشاهدة حركاتها وردود أفعالها للمؤثرات الخارجية. فتبين أن هناك علاقة بين الاضطراب الانفعالي للأم قبل الولادة وصحة المولود وسلوكه، فمثلاً: اكتئاب الأم في فترة الحمل يؤثر على الجنين سلباً، فقد يصاب بعد ميلاده بمشاكل فقدان الشهية وقلة النوم وارتفاع في هرمونات التوتر.

من أكثر الأمور أهمية تقبل الأم الحامل للجنين، فتقبلها له وسعادتها بالحمل ينعكس إيجاباً على صحة المولود وسلامته، بينما الحمل المرفوض في الغالب يؤدي إلى ميلاد طفل مضطرب نفسياً. ويلعب دعم الزوج ومساندته دوراً أساسياً في مدى تقبل الزوجة للحمل.

عموماً مع تطور الجنين داخل الرحم، ومع متابعة الأم لحركاته ومتابعتها للتغيرات في حجم بطنها، تنشأ علاقة تعلق وحنين للمولود الجديد. فالعلاقة بين (أم – طفل) والتي يُنظرلها كرابطة فريدة، هي في الواقع استمرار للارتباط الذي بدأ قبل ذلك والذي استمر تسعة أشهر. فالجنين بعد ميلاده يتابع خبراته التي كونها وهو في رحم أمه – فكما سبق وذكرت – كان يسمع انتظام دقات قلبها فتشعره بالأمان، ويسمع صوت أعضائها وصوتها وصوت المحيطين، وتؤثر فيه أحاسيسها وأفكارها وانفعالاتها. لقد كان هناك ارتباط فسيولوجي ونفسي وعاطفي.

تأثير الحمل على فسيولوجية ونفسية الحامل

تؤثر التغيرات الهرمونية التي تصاحب فترة الحمل في كيمياء جسم الحامل فتؤدي إلى اضطرابات في نفسيتها ووظائف أعضائها، كما أن زيادة وزن الجنين مع تقدم الحمل يساهم بدوره في ذلك الاضطراب.

فمن ناحية نفسية تصبح الحامل شديدة الحساسية متقلبة المزاج وأكثر عرضة للتوتر. وقد تصاب نسبة من النساء قد تتجاوز (10 بالمائة) بالاكتئاب والذي قد يستمر إلى ما بعد الولادة. ونسبة (40 بالمائة) إلى (70 بالمائة) من النساء يصبن بعد الولادة بأعراض حزن وكآبة. وقد يعود ذلك إلى القلق بشأن المسئوليات الجديدة المرتبطة بالمولود والتي قد تمس الزوج أيضاً فيشعر بثقل المسئولية، وأيضاً يشعر بتغير الزوجة، وقد لا يستوعب هذا التغير فتزداد الخلافات الزوجية. وقد تصبح الزوجة الحامل أكثر ميلاً للشعور بالسعادة والرضا، والزوج قد يشعر بالفخر لأن حمل زوجته يؤكد له رجولته وقدرته على الإنجاب. وبصفة عامة، كلما كان الزوج مقبولاً للزوجة كلما كان الحمل مرغوباً لديها، والعكس صحيح، الخلافات الزوجية تشعرها بعبء الحمل فتتناقض مشاعرها نحو الجنين ما بين تقبل ورفض.

أما من ناحية فسيولوجية فالاضطرابات الطبيعية التي تحدث للمرأة الحامل سأوضح بعضها في الآتي:

العظام والأسنان: يسحب الجنين من دم أمه وعظامها الكالسيوم والمواد اللازمة لبناء هيكله العظمي، حتى لو أدى ذلك إلى أن تصبح هي شاحبة هزيلة، لذلك قد تصاب بلين العظام وبالتهابات متكررة في أسنانها أثناء الحمل وبعده، وقد تصاب بالتهاب في المجاري البولية وفقر الدم. كل ذلك يحدث في حالة الحمل الطبيعي، فالجنين يأخذ كل ما يحتاج إليه من غذاء وهواء ويعطي الأم إفرازاته من المواد السامة لطردها خارج الجسم بدلاً عنه.

الجهاز الهضمي: يضطرب الجهاز الهضمي للحامل اضطراباً شديداً، فعادة يبدأ الحمل بالغثيان والقيء خاصة في الصباح وفي الأشهر الأولى للحمل. أيضاً خلال تلك الأشهر تبدو ظاهرة تعرف بالوحم، ويقصد بها الميل الشديد لبعض الأطعمة ويفسرهذا الميل بحاجة الجسم لبعض المواد المتوفرة في تلك الأطعمة. وتقل الشهية وتتعرض الحامل للحرقة والإمساك. وفي الأشهر الأخيرة من الحمل تظهر أنواع أخرى من المتاعب الناتجة عن ضغط الرحم على المعدة والكبد.

الجهاز التنفسي: تشكو الحامل عادة، خاصة في الأشهر الأخيرة للحمل، من نهج وضيق في التنفس، ذلك لأن الرحم ملأ تجويف البطن وأصبح يضغط على الحجاب الحاجز.

القلب: يزداد حجم القلب قليلاً بسبب الحاجة إلى أن يضخ كمية مضاعفة من الدم تكفي للأم والجنين، لذلك يسارع من نبضاته ويزيد من ضرباته.

الغدد الصماء: تضطرب بعض وظائف الغدد الصماء أثناء الحمل. وتكثر الهرمونات المتعلقة بالحمل مثل: الأستروجين والبروجيسترون وهرمونات المشيمة، وجميعها ذات تأثير على جسم الحامل عموماً، وعلى الرحم والجنين خصوصاً.

وتؤكد الآية الكريمة التالية ما سبق.

يقول الله تعالى: «حملته أمه وهناً على وهن». (سورة لقمان، آية 14).

معنى «وهناً على وهن» أي ضعفاً على ضعف. فكلمة «وهن» جامعة شاملة ودقيقة لتدل على الضعف المتزايد لدى الحامل في كل مرحلة من مراحل حملها، ووهن عند الولادة وعند الرضاعة.

3– العوامل السلبية المؤثرة على نمو الجنين وصحته

أثبتت الدراسات العلمية أن العوامل البيئية المحيطة بالجنين تؤثر على سلامة الجنين الجسمية والعقلية وعلى حالته المزاجية الانفعالية. فصفات الجنين وخصائصه تتحدد نتيجة للتفاعل بين العوامل الوراثية (الجينات) التي تنتقل من الآباء والأمهات والأجداد للأبناء وبين العوامل البيئية.

العوامل الوراثية لا يمكننا التحكم فيها، فكما سبق وذكرت، نصف الصفات الوراثية يأخذها الجنين من أبيه والنصف الآخر من أمه، فالبويضة الملقحة تحتوي على 23 كروموزوم من الأم و 23 كروموزوم من الأب. بينما العوامل البيئية والتي ترتبط بصحة الأم الحامل ونفسيتها وبالظروف المحيطة المؤثرة عليها، يمكننا أن نتحكم بها إلى حد ما، لنُخرج من الجنين أقصى ما يمكن أو الأفضل، ومن أجل بناء أساس قوي لمشروع إنسان سيرى النور قريباً..

الكثير من النساء الحوامل يتوجه اهتمامهن إلى ما يحتاجه المولود من تجهيزات وملابس وأدوات، ويتجاهلن أهمية حالتهن النفسية والمزاجية والصحية التي تلقائياً تؤثر على الجنين إيجاباً أو سلباً حسب نوع الحالة.

وسألقي الضوء على مجموعة من العوامل البيئية التي تؤثر بشكل سلبي على نمو الجنين، وهي:

المشاعر السلبية للحامل

القلق والخوف والغضب والحزن والغيرة والحسد كل منها يؤدي إلى إفراز هرمونات معينة، حسب نوع الانفعال، تنتشر في الدم وتؤثر على وظائف أجهزة الجسم. ففي حالة الخوف، على سبيل المثال، تفرز الغدة الكظرية هرمون الأدرينالين الذي يجعل الجسم في حالة من التوتر والضغط.

وفي حالة الأم الحامل رغم أن دورتها الدموية منفصلة عن دورة الجنين الدموية، إلا أنه أصبح مؤكداً أن التغيرات التي تحدث في دمها بسبب انفعالاتها تنتقل للجنين عن طريق المشيمة فتؤثر فيه. وتؤكد ذلك دراسة شهيرة قام بها طبيب ولادة نمساوي عن ردود فعل الجنين لانفعالات الأم، فقد طلب من عدة نساء حوامل الاستلقاء تحت جهاز يصدر اهتزازات صوتية ترددها من القوة بحيث يتعذر سماعها لفترة تتراوح بين 20 إلى 30 دقيقة، لم يذكر خلالها أن الجنين في هذا الوضع سوف يهدأ ويتوقف عن الحركة. وما أن شعرت الأمهات بذلك حتى أصابهن الذعر الذي كان متوقعاً ومقصوداً من قبل الطبيب.

لقد هدفت التجربة إلى قياس السرعة والكيفية التي يستجيب بها الجنين لخوف أمه، إذ بعد بضع ثوان باشر الحركة وكان وضعه ظاهراً على شاشة جهاز مراقبة الأجنة، وما أن شعر بضيق أمه وخوفها حتى أخذ يركل بقوة. وتم تفسير هذه الاستجابة بأنها ناتجة عن ارتفاع نسبة هرمون الأدرينالين في دم الأم بسبب الخوف، والذي انتقل إلى دم الجنين عن طريق المشيمة.

إنها تجربة بسيطة لكنها فسرت كيف يمكن لانفعالات الأم وأحاسيسها بما تحدثه من تغيرات كيميائية (وغيرها) في دمها أن تنتقل للجنين فتؤثر فيه. وقد يؤدي تكرار انفعال الخوف وحدته عند الأم أثناء الحمل إلى ميلاد طفل أكثر استعداداً للخوف.

وكذلك الأمر بالنسبة للانفعالات السلبية الأخرى، فلو أخذنا انفعال الحزن المرتبط بحالة الاكتئاب كمثال آخر، لوجدنا أن اكتئاب الأم في فترة الحمل يؤثر سلباً على الجنين، فقد أظهرت أبحاث استمرت (20 عاماً) في جامعة ميامي بأمريكا، أن الرضع الذين ولدوا من أمهات مكتئبات لديهن ارتفاع في هرمونات التوتر ونشاط كهربائي للمخ يدل على الاكتئاب، كما ظهرت لديهم أعراض أخرى مثل: فقدان الشهية وقلة النوم.

الضغوط المستمرة والصدمات النفسية

تعرض الأم الحامل للضغوط بشكل مستمر، وتعرضها لصدمات نفسية كهجر الزوج أو موته أو موت أحد أفراد العائلة، يؤثر سلباً على الجنين فيصبح أكثر نشاطاً وأقل استقراراً. وبعد ميلاده غالباً تميل حالته المزاجية الانفعالية للسلبية: الميل للبكاء المستمر وقلة النوم وفقدان الشهية، وقد يعاني من نشاط مفرط ونوبات مغص وتوتر، وبطء في ردود الأفعال، واضطراب في عادات النوم والرضاعة، وحساسية شديدة للبيئة المحيطة به.

وقد تبين أن الضغوط المستمرة والصدمات النفسية القوية تزيد من إفرازالجسم لهرمون «الكورتيزول» نتيجة التوتر والضغط العالي. ويلعب هرمون الكورتيزول دوراً مهماً في وظائف معظم أعضاء الجسم، وزيادة إفرازه ينقص مناعة الجسم. وينتقل في حالة المرأة الحامل للجنين فيؤثر على نمو نظام المناعة الطبيعي لديه، وقد تؤدي الضغوط النفسية التي تتعرض لها الأم في الشهور الثلاثة الأولى للحمل إلى زيادة احتمال ولادة طفل يعاني من عيوب خلقية في جهازه العصبي.

رفض الأم للحمل

من بين العوامل المؤثرة سلباً على تطور الجنين وصحته رفض الأم للحمل، أو عدم رغبتها في هذا الإنجاب. وبعد الميلاد تتضح بوادر اضطراب حالته المزاجية الانفعالية. ويتعرض هؤلاء الأطفال في حياتهم إلى الكثير من الصعوبات بسبب خوفهم الدفين من رفض الآخرين لهم، ويظهر ذلك في سمات شخصياتهم التي تميل للعدوانية والانطواء وشرود الذهن. تلك السمات بدورها تنعكس سلباً على علاقتهم بالوالدين، اللذين يبرران ردود أفعالهما السلبية تجاه الطفل بأنه هو نفسه صعب وسيء، وتتصاعد الدائرة السلبية..

وقد يكون من أسباب رفض الأم للجنين هو عدم التخطيط المسبق للحمل، والخوف من الظروف الأسرية غير المناسبة للإنجاب في تلك الفترة، ومن بين الأسباب أيضاً الخلافات الزوجية.

الخلافات الزوجية

يمثل الحمل رباطاً قوياً بين الزوجين – فنظام الأسرة لا يبدأ إلا بعد ميلاد الطفل الأول – فهو رباط بيولوجي ونفسي واجتماعي يرسخ العلاقة بينهما، ويجعلهما يمارسان أدواراً جديدة، فالزوجة تصبح أماً والزوج يصبح أباً. هذه الأدوار تستلزم تعديلاً في تصوراتهما وتوقعاتهما بشأن علاقتهما ببعضهما وعلاقتهما بالأبناء والمحيط العائلي..

وقد يصيب انتظار المولود الزوجين بحالة من القلق والخوف، فتصبح المشاعر متناقضة نحو المولود المنتظر. فمن ناحية، أضاف أبعاداً ومعان جديدة، ومن ناحية أخرى، أضاف مسئوليات جديدة. لذلك التفاهم والمودة بين الزوجين أساسيان من أجل إنجاب أطفال أسوياء، بينما الخلافات الزوجية بما تحمله من مشاعر خوف وغضب وضغوطات نفسية مؤذية للجنين. فالخوف والغضب هما السبب المباشر لافراز هرمون الأدرينالين، وإفراز هذا الهرمون في جسم المرأة الحامل ينتقل للجنين فيؤثر على حالته الانفعالية والجسمية سلباً، ويصبح بعد الميلاد أكثر استعداداً للمخاوف.

سوء التغذية

سوء التغذية ونقص البروتينات والفيتامينات والكالسيوم في غذاء الأم الحامل ينعكس سلباً على صحتها وصحة الجنين وسلامته. فمثلاً، إصابة الأم بنقص مادة الحديد أو الأنيميا يحرم الجنين من التغذية اللازمة لنموه نمواً سليماً. وسوء التغذية الشديد قد يؤدي إلى حدوث حالات الإعاقة العقلية البسيطة لدى الجنين، ويتضح ذلك في الأوساط الفقيرة وتلك التي تعاني من الحروب والكوارث حيث نجد نسبة لا يستهان بها من الإعاقات العقلية لدى الأطفال. فكما سبق وبينت، الجنين يأخذ من دم الأم ما يحتاجه من مواد غذائية حتى وإن أدى ذلك إلى ضعف وهزال الأم، وعندما تعاني الأم من ضعف شديد في المواد الغذائية اللازمة فإن صحتهما معاً، الأم والجنين، تكون مهددة.

التدخين والكحول

يؤدي تدخين الأم الحامل إلى اضطراب الحمل ونقص في وزن الجنين، وقد يؤدي إلى حدوث ولادة مبكرة، خاصة في حالة الأم التي تدخن (20 سيجارة) أو أكثر في اليوم. وسبب التأثير هو مرور أول أكسيد الكربون الناتج عن الدخان إلى دم الجنين مما يؤدي إلى نقص الأكسجين. كما أن التدخين السلبي لا يقل خطورة، فتعرض الحامل للدخان من قبل أشخاص يدخنون حولها، خاصة الزوج، له نفس التأثير كما لو هي التي تدخن.

وتناول الأم الحامل للكحول يؤدي إلى أذى في دماغ الجنين، ومشاكل أخرى مرتبطة بخلل في وظائف أعضائه قد تؤدي إلى تشوهات جسدية بسبب مرور الكحول إلى دم الجنين.

تناول الأدوية

تناول المرأة الحامل للأدوية دون استشارة الطبيب فيه خطورة ليس عليها فقط، بل قد ينتقل الخطر إلى الجنين. ففي منتصف القرن الماضي كان الاعتقاد السائد أن المشيمة تمثل حاجزاً يمنع مرور المواد الضارة إلى الجنين، لكن أثبتت الأبحاث الحديثة أن المواد التي تتناولها الحامل تمر عبر المشيمة إلى الجنين بنسب مختلفة. ويوضح ذلك، الضجة التي أثارتها الأوساط الطبية سنة 1961 بسبب اكتشافهم الأضرار الجانبية لدواء (ثاليدومايد) المضاد للقيء الذي استعملته النساء الحوامل ابتداءً من سنة 1951، فقد تبين أن هذا الدواء أدى إلى تشوهات جسدية لدى آلاف من الأطفال في أنحاء العالم قدر عددهم بـ (10.000 طفل)، وتم سحب هذا الدواء من الأسواق. ونبهت هذه الحادثة إلى الأخطار التي تهدد سلامة الأجنة الصحية بسبب تناول النساء الحوامل للأدوية، لذلك لابد من استشارة الطبيب والحذر الشديد قبل تناولهن أي دواء. ومن أمثلة الأدوية الأخرى التي قد تضر بالجنين الأسبرين والمضادات الحيوية.

وتعتبر الثلاثة أشهر الأولى من الحمل هي الأخطر، حيث قد يتعرض الجنين لتشوهات جسدية وعقلية ولخطر الموت بسبب الأدوية أو المواد الكيميائية التي قد تتسرب من دم أمه إلى دمه عبر المشيمة، لذلك لا بد من امتناع النساء الحوامل قدر المستطاع عن تناول الأدوية إلا للضرورة القصوى وبإذن الطبيب.

الأمراض المعدية

هناك مجموعة من الأمراض التي تبين أنها إن أصابت الأم الحامل – خاصة في الأشهر الثلاث الأولى للحمل وهي الفترة التي يتشكل فيها جميع أعضاء الجنين – قد تؤدي إلى تشوهات تكوينية وعيوب خلقية أو موت الجنين. من أهم تلك الأمراض على سبيل المثال: الحصبة الألماني وجدري الماء والتهاب الكبد وفيروس نقص المناعة وداء السكري ومرض الغدة الدرقية والأمراض الجنسية كالسيلان والزهري. لذلك من الضروري المتابعة الدورية للأم خلال فترة الحمل لدى طبيب متخصص.

عمر المرأة الحامل

العديد من النساء يؤخرن قرار الإنجاب بسبب متطلبات العمل أو عدم العثور على الشريك المناسب أو لأسباب أخرى، رغم ما بينته الأبحاث من مخاطر الحمل المتأخر بعد سن (35 سنة) بالنسبة للحامل والجنين، وبعد سن الأربعين تصبح المخاطر أكثر، حيث يقل عدد وجودة البويضات ويزيد احتمال ولادة طفل منغولي. كما أكد الباحثون في هذا المجال أن أنسب فترة للحمل هي التي تقع مابين سن (20 – 35 سنة)، فقبل سن العشرين يكون النضج الجسمي والنفسي للمرأة لم يكتمل بعد، لذلك الحمل في هذه الفترة قد يكون له تأثير سلبي على صحة الحامل وصحة الجنين.

وبصفة عامة، تعتبر صحة الأم النفسية والجسمية هي الأهم، وليس سنها، من أجل إنجاب طفل طبيعي وسليم.

ذكرت مجموعة من العوامل التي تؤثر سلباً على نمو الجنين وصحته. إضافة إلى العوامل السابقة توجد عوامل أخرى قد يكون لها تأثير سلبي على الجنين أذكر منها: تعرض الأم الحامل لأشعة (إكس) بكميات كبيرة، واستنشاقها للرصاص أو تلوث الماء أو الغذاء به، تعرض الجنين لنقص الأكسجين أثناء الولادة بسبب انفصال المشيمة الجزئي، ونقص الماء الموجود حول الجنين، والولادة المبكرة.. وغير ذلك من العوامل.

4– العوامل الإيجابية التي تساهم في إخراج أقصى ما يمكن من الجنين

يعيش الجنين داخل رحم الأم تسعة أشهر، يأخذ خلالها ما يلزمه من مواد غذائية من دم أمه، نظراً لأن الدورة الدموية للجنين متصلة بالدورة الدموية للأم عن طريق المشيمة. لذلك تساهم صحة الأم النفسية والجسمية بشكل مباشر، والبيئة المحيطة بالأم بشكل غير مباشر، في مدى سلامة تكوين الجنين وصحته.

كما سبق وذكرت، صفات الجنين وخصائصه تتحدد نتيجة للتفاعل بين العوامل الوراثية التي لا يمكننا التحكم فيها، وبين العوامل البيئية والتي ترتبط بصحة الأم الحامل ونفسيتها وبالظروف المؤثرة عليها والتي يمكننا التحكم فيها إلى حد ما. وبالتالي يمكننا أن نُخرج من الجنين أقصى ما يمكن أو الأفضل، إن تحلى كل من الزوجة الحامل والزوج بدرجة كافية من الوعي من أجل التأثير الإيجابي على الجنين.

ومن أجل التأثير الإيجابي على الجنين، لا بد أولاً من عدم ممارسة الأساليب المتعلقة بالعوامل ذات التأثير السلبي على تكوين الجنين والمذكورة سابقاً. وثانياً ممارسة أساليب إيجابية أخرى تساعد الأم الحامل والمحيطين بها، أولهم الزوج، على استخراج أقصى ما يمكن من الجنين، سأوضح ما سبق فيما يلي:

المشاعر الإيجابية

الاسترخاء والفرح والحب والشعور بالرضا والأمان والسعادة، كلها مشاعر إيجابية من الأهمية أن تعيشها الحامل إن رغبت في التأثير الصحي على الجنين. فتلك المشاعر تؤدي إلى إفراز هرمونات معينة تنتقل من دم الأم الحامل للجنين فتؤثر في نموه العقلي والجسمي إيجابياً، كما أن تلك المشاعر تقوي الجهاز المناعي للأم والجنين.

ويساعد تواصل الحامل مع مشاعرها الإيجابية والسلبية على التخفيف من حدة ضغوطاتها النفسية وعلى إحساسها بالطمأنينة.

تقبل الحمل

من المهم جداً اتفاق الزوجين على الرغبة في الحمل، لأن ذلك يجعل الزوجة الحامل مستعدة نفسياً لتقبل الحمل ومتاعبه، وهذا بدوره يؤثر إيجاباً على نمو الجنين وصحته.

دعم الزوج ومساندته

الجنين الذي يعيش داخل رحم الأم هو مشروع إنسان ساهم الزوجان في وجوده، فالبويضة الملقحة هي نتيجة التلقيح الذي تم بين بويضة المرأة مع الحيوان المنوي للرجل. بالتالي الجنين نصف صفاته الوراثية من أبيه، والنصف الآخر من أمه، لذلك دور الأب في رعاية الطفل قبل ميلاده وبعده لا يقل أهمية عن دور الأم، فرعاية الزوج لزوجته الحامل ومراعاته لمشاعرها وتعبها ومساندتها نفسياً له أكبر الأثر على صحة الجنين وحالته المزاجية بعد الميلاد. كما أن الحب والتفاهم بين الزوجين مهم من أجل إنجاب أطفال أسوياء، بينما الخلافات الزوجية تجعل الحامل تشعر بأن الحمل عبئاً عليها لأنه يربطها بزوج يسيء إليها، وتصبح مشاعرها متناقضة نحو الجنين ما بين قبول ورفض مما يؤثر سلباً على نموه وصحته.

الغذاء المتوازن

كما سبق وذكرت، سوء تغذية الحامل يؤثر سلباً على الجنين، رغم أن الجنين يأخذ ما يحتاجه من مواد غذائية من دم أمه، وقد يتركها ضعيفة وتعاني من نقص في المواد الضرورية خاصة الكالسيوم والحديد. لذلك من الأهمية أن يحتوي غذاء الحامل على المواد اللازمة لصحتها وصحة الجنين، كالأسماك واللحوم والبيض والحليب والجبن والفواكه والخضروات.. إضافة إلى تناول الفيتامينات الضرورية تحت إشراف الطبيب.

كما يجب أن تتجنب الحامل السجائر والكحول والمخدرات التي تؤثر سلباً على تطور ذكاء الجنين وعلى سلامته الجسمية والمزاجية.

ممارسة الرياضة

عدا فوائد الرياضة الجسمية، للرياضة فوائد نفسية كبيرة، فهي تخفف من الضغوط النفسية وتجلب الطمأنينة والسعادة، كما أنها تساعد الشخص على التواصل مع مشاعره السلبية والإيجابية وعلى رفع روحه المعنوية.

ومن أهم أنواع التمارين الرياضية المناسبة للحامل، رياضة المشي خاصة وسط الطبيعة والهواء الطلق، ورياضة اليوجا التي تساعد على الاسترخاء.

سماع الموسيقى وتجنب الضوضاء

الأجواء الهادئة والمستقرة من العوامل التي تساعد على استقرار الجنين نفسياً، بينما الضوضاء والضجيج يؤثران سلباً على الحالة المزاجية للجنين والطفل فيما بعد. فالجنين ابتداءً من شهره الثالث يستطيع سماع الأصوات، لأن حاسة السمع هي أول حاسة تتكون لديه.

لقد بينت بعض الدراسات أن الجنين يتأثر إيجاباً بالموسيقى الهادئة إذ أنها تؤدي إلى هدوء ملحوظ في ضربات قلبه، كما أنها تؤثر على سلامة صحته ونموه وسلامة الأم. بينما سماع الحامل للموسيقى الصاخبة ومشاهدتها لأفلام العنف والجريمة يؤدي إلى زيادة في ضربات قلب الجنين واضطرابه.

التفكير الإيجابي

يعطي التفكير الإيجابي للحامل قوة كبيرة تساعدها على تحمل أعباء الحمل، عبارات مثل: أنا قوية ومطمئنة، أنا أحب طفلي وفخورة به.. لها تأثير السحر في رفع الروح المعنوية وبالتفاؤل، وبالتالي ينعكس ذلك على الجنين.

التحدث مع الجنين

التحدث مع الجنين في فترة الحمل له دور هام وإيجابي، ويساعده على تطوير مهارات الاتصال ويألف ما سمعه في رحم أمه بعد الميلاد. كما أن تحدث الأب مع الجنين بأن يقترب من بطن زوجته الحامل ويغني أو يدندن له، يجعل الرابطة بينهما واستعداد الرضيع للتفاعل معه أقوى بعد الميلاد.

وأخيراً أشير إلى مدى أهمية زيارة الحامل للطبيب المختص بصحبة زوجها من أجل الفحص الدوري، لما في ذلك من دعم معنوي ونفسي للزوجة والذي ينعكس إيجاباً على سلامة نمو الجنين.

تأليف: د. فاطمة الكتاني