التصنيفات
الغذاء والتغذية

الكربوهيدرات والقلب

شكّلت الكربوهيدرات مثار “الجدالات الغذائيّة” التي احتدمت مؤخّراً. هل إنّ أحجار البناء الأساسيّة هذه تسبّب السمنة، أم أنّها الطريق الوحيد للخلاص؟

الجواب هو كالعادة أبسط وأكثر تعقيداً على السواء ممّا يصوّره البعض. فالكربوهيدرات هي مصدر الطاقة السريع للجسد. وجميعها مؤلّفة من وحدات سكّر. ويمكن تصنيف الكربوهيدرات كيميائيّاً على نوعين، بسيطة ومركّبة. الكربوهيدرات البسيطة تعرف بالسكّر، وتتمثّل عمليّاً في العصائر والفاكهة المجفّفة والمشروبات الغازيّة والحلويات، الخ. أمّا الكربوهيدرات المركّبة، والتي تعرف كذلك نظراً لكون تركيبتها أطول بكثير من تركيبة السكّر، فتتمثّل في النشويّات ومعظم الألياف. ومن الأمثلة على ذلك، منتجات الحبوب الكاملة، المعكرونة، والبطاطس.

والحقيقة أنّه بإمكاننا أن نهضم الكربوهيدرات البسيطة بسرعة أكبر من الكربوهيدرات المركّبة. فيتمّ امتصاص السكّر في مجرى الدم بسرعة كبيرة، ممّا يسبّب ارتفاعاً كبيراً، وفي بعض الأحيان هبوطاً مفاجئاً، في معدّل سكّر الدم. وبما أنّ معظم الكربوهيدرات المركّبة تتكسّر عادة ببطء أكبر، فإنّ امتصاصها في مجرى الدم يتمّ ببطء أكبر، وتزوّدنا بالتالي بكميّة أكثر ثباتاً من الطاقة.

ومن شأن السكّر أيضاً أن يضاعف معدّل الشحوم الثلاثيّة في الدم. أمّا الكربوهيدرات المركّبة فهي لا ترفع عموماً معدّل هذه الشحوم بالنسبة نفسها، ولكن إن كنت تتبع نظاماً غذائيّاً غنيّاً جدّاً بالكربوهيدرات، حتّى وإن كنت تستهلك الكربوهيدرات المركّبة، من شأنكّ أن تلحظ ارتفاعاً في معدّل الشحوم الثلاثيّة نتيجة لضخامة حجم استهلاكك للكربوهيدرات.

مؤشّر سكّر الدم

“بسيط” و”مركّب”، يعطينا المستوى الأوّل من التصنيف الذي نستعمله للحديث عن الكربوهيدرات. وقد صرنا قادرين اليوم على الحصول على تفاصيل أكثر. فمنذ حوالى 20 سنة، بدأ الباحثون بقياس الطريقة التي تؤثّر بها أطعمة مختلفة على معدّل السكّر في الدم – الوقت الذي يستغرقه امتصاص الأطعمة، كم ترفع معدّل سكّر الدم، ولِكم من الوقت. وأسفرت الأبحاث عن مؤشّر سكّر الدم. فالأطعمة ذات المؤشّر المرتفع، تؤدّي مفعول الغلوكوز (وهو من أشكال السكّر، والسكّر يحتّل درجة عالية جدّاً في المؤشّر). وهذه الأطعمة ذات المؤشّر المرتفع تضاعف معدّل سكّر الدم وتبقيه مرتفعاً لمدّة أطول من كميّة مساوية من الطعام ذات المؤشّر المنخفض. ويتمّ امتصاص الأطعمة ذات المؤشّر المرتفع بسرعة، يتبعها ارتفاع في معدّل سكّر الدم. وهذا ما يؤدّي إلى تصحيح هرموني مفرط، يصبّ أطناناً من الأنسولين في مجرى الدم وقد يؤدّي إلى هبوط شديد في سكّر الدم. لهذا السبب، تشعر بدفعة قويّة من الطاقة بعد تناول الحلوى مباشرة، ولكنّك تكون مستعدّاً لأخذ غفوة بعد ساعة من ذلك.

وتملك معظم الأطعمة المكرّرة الغنيّة بالكربوهيدرات، كالخبز الأبيض مثلاً، مؤشّر سكّر دم مرتفع. وتعتبر الخضار النشويّة، كالبطاطس، ذات مؤشّر مرتفع هي أيضاً. أمّا معظم الحبوب والخضار والفاكهة والبقول الكاملة فهي ذات مؤشّرات سكّر دم منخفض. ولكي تكون عملية تحرير الطاقة في جسدك هي الأبطأ والأكثر ثباتاً، اختر الأطعمة ذات المؤشّر المنخفض كلّما أمكن.

بتعبير آخر، ليست جميع أنواع الكربوهيدرات متساوية. وليس المقصود هنا هو الانقطاع عن الكربوهيدرات نهائيّاً، بل القيام بخيارات صحّية أكثر في ما يتعلّق بتلك التي نأكلها. فجميع الكربوهيدرات المكرّرة تقريباً لديها بدائل غير مكرّرة. وليس عليك أن تتوقّف عن أكل الكربوهيدرات المكرّرة تماماً، بل وضعَها تحت فئة الاستهلاك “النادر”.

أمّا الأطعمة ذات المؤشّر المنخفض فتتألّف بشكل رئيسيّ من الكربوهيدرات المركّبة غير المكرّرة، التي يتمّ امتصاصها على نحو أبطأ في مجرى الدم. فحين نعرّي حبّة الحنطة من غلافها الليفي ومحتواها الغذائيّ – كما نفعل لصنع الأرزّ الأبيض من الأرزّ الكامل مثلاً – نحوّلها من طعام ذات مؤّشر منخفض إلى طعام ذات مؤشّر مرتفع. فالأرزّ الأسمر هو ذات مؤشّر سكّر دم منخفض؛ أمّا الأرز الأبيض السريع التحضير فهو ذات مؤشّر عالٍ فعلاً.

الكربوهيدرات واعتلال القلب التاجي

ما العلاقة إذاً بين اعتلال القلب التاجي والكربوهيدرات؟ في الواقع، يميل خطر اعتلال القلب التاجي إلى الانخفاض لدى الشعوب التي تكثر من أكل الكربوهيدرات غير المكرّرة. ولا شكّ بأنّ الأطعمة الغنيّة بالكربوهيدرات تميل لأن تكون قليلة الدهون أيضاً، لذا يصعب الفصل بين هاتين الميزتين.

وثمّة أمر واضح مع ذلك، وهو أنّ الكربوهيدرات التي يأكلها الناس في البلدان التي يقلّ فيها خطر اعتلال القلب التاجي هي غير مكرّرة وتمتاز بمؤشّر سكّر دم منخفض. وهؤلاء الأشخاص لا يتجنّبون اعتلال القلب التاجي عبر الانكباب على أكل الحلويات والخبز الأبيض حصريّاً. إنّهم يأكلون كميّات من الحبوب والخضار الكاملة تفوق استهلاكهم للحوم – أو الحلويات.

وقد أثبتت دراسات عديدة بأنّ زيادة استهلاك الكربوهيدرات من شأنها أن تؤدّي إلى ارتفاع في معدّل الشحوم الثلاثيّة وانخفاض في معدّل كولسترول HDL. وهنا أيضاً، يعتمد الأمر إلى حدّ بعيد على نوع الكربوهيدرات الذي يستهلكه الناس. فالكربوهيدرات البسيطة، كالسكروز (سكّر الطاولة) والفروكتوز (سكّر الفاكهة)، ارتبطت بارتفاع إنتاج الشحوم الثلاثيّة.

نحن نعلم بالتالي بأنّه عليك التركيز على الكربوهيدرات المركّبة. ولكن ما هي الكميّة التي تعتبر زائدة منها؟ فكميّة الكربوهيدرات التي يجب عليك استهلاكها، أي كميّة الدهون مثلاً، تعتمد على مواصفاتك الوراثيّة الخاصّة والحالات الأيضيّة الخفيّة التي تعاني منها، ممّا يتيح لنا إعطاءك توصيات فرديّة في قسم الوصفة الغذائيّة.

في الواقع إنّ بعض أنواع الحمية التي تقلّ فيها جدّاً نسبة الدهون، كتلك التي يروّج لها بعض الأطبّاء، تحتوي على كميّات مرتفعة من الكربوهيدرات (75 إلى 80 بالمئة من السعرات الحراريّة) إلى درجة أنّها قد تؤدّي إلى ارتفاع في معدّل الشحوم الثلاثيّة لدى البعض، لمجرّد حجم الكربوهيدرات الذي يتوجّب عليهم استهلاكه. ومن شأن ذلك أن يكون شديد الخطورة بالنسبة إلى بعض الاشخاص. فأنظمة الغذاء الغنية بالكربوهيدرات والقليلة الدهون قد أظهرت أيضاً بأنّها تشجّع البعض على التحوّل إلى جزيئات LDL الصغير الحجم نموذج ب الذي يشكّل خطراً على الصحة. علينا بالتالي أن ندرس عن كثب وضعك الصحّي ونعدّل التوصيات الخاصة باستهلاك الكربوهيدرات للتأكّد من أنّك تتبع الغذاء الأنسب لقلبك.

مصادر الكربوهيدرات الرئيسيّة

الأرزّ، الشوفان، القمح، الشعير، الكينوا؛ الخبز، خبز البيتا، البسكويت الهشّ، الكيك، البسكويت المحلّى؛ جميع أنواع الخضار والبقول (البطاطس، البازلاّء، الذرة)؛ الحلويات.

الخيارات الصحيّة

قلّل من أكل الأطعمة التي تنتمي إلى فئة الكربوهيدرات البسيطة، وأكثر من أكل الكربوهيدرات المركّبة. وقم بمجهود لتختار من تلك اللائحة أطعمة ذات درجة منخفضة على مؤشّر سكّر الدم، كالبقول، الحليب، الشعير، ومعظم أنواع الفاكهة والخضار. واحرص على الحصول على خمس حصص على الأقلّ من الخضار في اليوم، وأضف البقول إلى وجباتك كلّما أمكنك. انتقِ أيضاً الحنطة الكاملة عوضاً عن الحنطة البيضاء، والخبز الذي يحتوي على أنواع عدّة من الحنطة عوضاً عن الخبز الأبيض، والأرز الأسمر عوضاً عن الأرزّ الأبيض. واشترِ رقائق حبوب الحنطة الكاملة غير المحلاّة عوضاً عن الرقائق المحلاّة. وتجنّب أخيراً الإفراط في استهلاك السكّر والمنتجات التي تحتوي عليه. فكلّ المأكولات الحلوة الطعم تحتوي بالتأكيد تقريباً على سكّر بسيط.