التصنيفات
الغذاء والتغذية

الدهون: الأنواع والمصادر وكمية الاستهلاك

لطالما اعتبرت الدهون المسؤول الأوّل عن انسداد الشرايين والبدانة في الولايات المتّحدة. لهذا السبب تزدحم رفوف المتاجر بالمنتجات القليلة الدهون والخالية من الدهون.

ولكن حقيقة الدهون معقّدة بعض الشيء، وهي ليست العدوّ الذي نظنّه. فالجسد يحتاج في البداية إلى الدهون. ذلك أنّ مادّة الدهون الموجودة في الخلايا هي التي تخزّن الطاقة وتولّدها، كما تحمينا من البرد وتؤدّي دور ممتصّ الصدمات لأعضائنا وتحافظ على صحّة بشرتنا. بالتالي، يجب أن يشتمل غذاؤنا على كميّة معيّنة من الدهون.

فلنلقِ معاً نظرة عن كثب. ما هي دهون الدم، التي نقيسها في تحليل الدم العادي؟ إنّها عبارة عن شحوم ثلاثيّة: جزيئة تحتوي على ثلاثة أحماض دهنيّة معلّقة بها. من شأن هذه الدهون أن تكون مشبعة وغير مشبعة، وهذه إحدى الطرق للتمييز بين الدهون. وكما سترى فإنّ الفرق بين تأثير الدهون المشبعة وغير المشبعة على الشرايين واضح جدّاً. بالتالي فإنّ الدهون ليست عدوّاً لأجسادنا، بل النوع الخاطئ هو الذي يؤذينا.

الدهون غير المشبعة

بشكل عامّ، الدهون غير المشبعة تعتبر أفضل للجسم من الدهون المشبعة. ومعظم الزيوت النباتيّة (باستثناء الزيوت الاستوائيّة، مثل زيت جوز الهند ولب النخيل) هي دهون غير مشبعة. وأبسط طريقة للتعبير عن الفرق، هي أنّ الدهون غير المشبعة تبقى سائلة في حرارة الغرفة.

وثمّة نوعان عامّان من الدهون غير المشبعة: الدهون الأحاديّة غير المشبعة والدهون المتعدّدة غير المشبعة.

الدهون الأحاديّة غير المشبعة

أجريت دراسات على أنظمة الغذاء التي تستبدل الدهون المشبعة بالدهون الأحاديّة غير المشبعة، أثبتت انخفاضاً ملحوظاً في معدّل كولسترول LDL الضارّ. وربّما قرأت أو سمعت عن الغذاء المتوسّطي الذي يعتمد بقوّة على زيت الزيتون وعلى المكسّرات وغيرها من الأطعمة الدهنيّة. وتعتبر هذه الدهون بمعظمها أحادية غير مشبعة، ويبدو بأنّ لها الفضل في كون معدّل الإصابة باعتلال القلب التاجي هو أكثر انخفاضاً بكثير في البلدان التي تعتمد هذه النظم الغذائيّة.

مصادرها الرئيسيّة: زيت الزيتون وزيت الكانولا؛ المكسّرات واللوز.

الخيارات الصحيّة: تعتبر هذه الدهون الأحاديّة غير المشبعة دهوناً صحيّة يجب عليك استعمالها في المنزل للطبخ وإضافتها على الأطباق (كأطباق السلطة). وتجدر الإشارة إلى أنّ جميع الدهون، حتّى الصحّي منها، تشتمل على نسبة عالية من السعرات الحراريّة مقارنة بأحجار البناء الأخرى – حوالى 100 سعرة بالملعقة الواحدة. كن حذراً بالتالي، خاصّة إن كنت تحاول تخفيف وزنك.

الدهون المتعدّدة غير المشبعة

هي النوع الثاني من الدهون غير المشبعة، وهي تشتمل في الواقع على نوعين أساسيّين: أوميغا-6 وأوميغا-3.

الأحماض الدهنيّة أوميغا-6

الأحماض الدهنيّة أوميغا-6. موجودة في الزيوت النباتيّة، كزيت فول الصويا، زيت الذرة، وزيت العصفر. وتستعمل صناعة الأغذية كثيراً من زيت فول الصويا، لذا فأنت تحصل على الأرجح على كميّة كبيرة من هذه الزيوت في غذائك أصلاً. وتجدر الإشارة إلى أنّها تقلّص معدّل كولسترول الدم بعض الشيء، ولكنّها لا تخفض معدّل كولسترول LDL السيء فحسب، بل وكولسترول HDL الجيّد أيضاً. لهذا السبب، وغيره من الأسباب (الغذاء الذي يشتمل على نسبة عالية من هذه الدهون ارتبط أيضاً بارتفاع ميل الدم إلى التأكسد) نقترح التخفيف من استهلاكها. وأسهل الطرق لذلك هي بالتأكّد من عدم وجودها بين الزيوت التي تستعملها غالباً في المنزل للطبخ أو تضيفها على أطباقك.

مصادرها الرئيسيّة: زيوت العصفر، ودوّار الشمس، والذرة، وفول الصويا. وتعبير “زيت نباتي” الذي تراه في السوبرماركت هو عبارة عن مزيج من هذه الأنواع من الزيوت على الأرجح. ويجدر بك تجنّب شراء هذه الزيوت لاستعمالها في الطبخ أو على الأطعمة.

الخيارات الصحيّة: بما أنّك تحصل أساساً على كميّة كبيرة من هذه الزيوت في الأطعمة الجاهزة، ننصحك بعدم استعمالها في الطبخ في المنزل. استبدلها بدهون أحاديّة غير مشبعة كزيت الكانولا أو الزيتون.

الأحماض الدهنيّة أوميغا-3

هي أيضاً من الدهون المتعدّدة غير المشبعة، ولكن يبدو أنّ لها تأثيراً إيجابيّاً على القلب أكبر بكثير من الأوميغا-6. والأحماض الأكثر فائدة من بين الأحماض الدهنيّة أوميغا-3 هي حمض إيكوسابنتانويك (eicosapentaenoic acid, EPA) وحمض دوكوسا إكزانويك (docosahexaenoic acid, DHA).

والأحماض الدهنيّة أوميغا-3 هي مغذّيات لا يمكن للجسد أن ينتجها بنفسه، وعلينا أن نؤمّنها له بالتالي من الأطعمة. وأفضل مصدر لهذه الأحماض هي زيوت السمك. وقد ارتبطت أحماض أوميغا-3 الموجودة في السمك وزيوت السمك بانخفاض معدّلات الإصابة باعتلال القلب التاجي. كما تبيّن الدراسات بأنّ هذه الأحماض تقلّص معدّل الشحوم الثلاثيّة وترفع معدّل كولسترول HDL، فضلاً عن مجموعة من الآثار الجانبية الإيجابيّ للقلب التي ترافقها. فهي تقلّص خطر تكوّن الخثر الدمويّة وتريح الشرايين لتصبح أقلّ عرضة للتشنّج المفاجئ، كما يبدو بأنّها تساعد على تنظيم الإشارات الكهربائيّة التي يرسلها القلب، ممّا يقلّص خطر عدم انتظام وتيرة القلب.

وقد يصعب أحياناً الحصول على الكميّة الكافية من زيت السمك من خلال أكل السمك. ولكنّني أشجّع الجميع على زيادة كميّة السمك في نظامهم الغذائيّ. فلحم السمك يشكّل بديلاً ممتازاً وقليل السعرات الحراريّة عن اللحم الأحمر، كما أنّ الدهون الموجودة في السمك هي أفضل بكثير من الدهون المشبعة الموجودة في اللحم الأحمر. والواقع أنّ الفوائد التي يشتمل عليها الغذاء الغنيّ بالسمك يمكن اختصارها بالتعبير التالي: الغذاء الغنيّ بالسمك هو الغذاء غير الغنيّ بالهمبرغر.

مصادرها الرئيسيّة: الأسماك، لا سيّما الدهني منها، كالسلمون، والرنكة، والسردين، وتروتة البحيرة. أمّا مصادره النباتيّة فتشتمل على زيوت الكانولا، والبندق، وبزر الكتّان فضلاً عن بذور القمح وفول الصويا، بالرغم من أنّ الأحماض الدهنيّة الموجودة فيها قد لا تمتاز بالفوائد نفسها الموجودة في أحماض أوميغا-3 في السمك.

الخيارات الصحيّة: أقترح عليك أن تجعل من السمك عنصراً منتظماً في غذائك. جرّب وجبتين من السمك في الأسبوع أو أكثر إن أردت. وتجنّب بالمقابل تناول الأسماك في المطاعم وفي الأماكن التي تقدّم وجبات سريعة، لأنّها تحتوي عادة على نسبة قليلة من الأوميغا-3، كما أنّ الدهون التي قُليت فيها تجعلها غنيّة بالدهون الناقلة (Trans fat) غير الصحيّة. ويمكنك أيضاً أن ترشّ بزر الكتّان على طبق الحبوب الهشّة أو أن تضيفه على المخبوزات. استعمل زيت الكانولا للطبخ والخبز وعلى السلطات.

الدهون المشبعة

الدهون المشبعة هي الدهون الضارّة. فهي ترفع معدّل كولسترول LDL أكثر من أيّ عامل آخر، بما في ذلك الكولسترول الذي تحصل عليه من الطعام. ولكن كيف نميّزها عن الدهون غير المشبعة الصحيّة للقلب؟ القاعدة بسيطة، فالدهون المشبعة تتجمّد في حرارة الغرفة. ومنها القطع البيضاء التي يقتطعها الجزّار من شريحة اللحم، فضلاً عن الزبدة. جميعها دهون مشبعة واستهلاكها يخلّف آثاراً عكسيّة على معدّل الكولسترول وصحّة القلب.

وكما لاحظت فإنّ أنواع الدهون الثلاثة المذكورة أعلاه تأتي جميعها من الحيوانات، وهذا هو حال معظم الدهون المشبعة. ولكن ثمّة بعض الاستثناءات الملحوظة، كزبدة الكاكاو، وزيوت النخيل ولبّ النخيل. فهذه الدهون، وإن كانت نباتيّة، لا تقلّ ضرراً عن الزبدة!

وقد أثبت عدد من الدراسات التي أجريت على شعوب متنوّعة وجود رابط بين الغذاء الغنيّ بالدهون المشبعة واعتلال القلب التاجي. فالبلدان الأكثر استهلاكاً للدهون المشبعة (ومن بينها الولايات المتّحدة) هي التي تشتمل على المعدّلات الأكثر ارتفاعاً للإصابة باعتلال القلب التاجي. والواقع أنّ هذه الدراسات ركّزت على غذاء رجال يابانيّين يعيشون في ثلاثة مواقع مختلفة: اليابان، هاواي، والولايات المتّحدة. فكلّما توجّه الرجال شرقاً، تعاظم استهلاكهم للدهون، وكلّما تضاعفت كميّة الدهون المشبعة التي يأكلونها، ارتفع معدّل الكولسترول وارتفعت وتيرة إصابتهم باعتلال القلب التاجي.

وليس عليك أن تتوقّف تماماً عن استهلاك الدهون المشبعة، ولكنّنا نقترح عليك أن تحدّ من أكل الأطعمة التي تحتوي عليها.

مصادرها الرئيسيّة: اللحم الأحمر، لحم الغنم، والدجاج؛ الأجبان الكاملة الدسم، المثلّجات، الحليب الكامل الدسم، والزبدة؛ زبدة الكاكاو وزيوت النخيل، لبّ النخيل وجوز الهند.

الخيارات الصحيّة: نظّف اللحوم التي تتناولها من جميع الدهون المرئيّة. اختر شرائح اللحم الأحمر الخالية من الدهون. وعندما تتناول الدجاج، انتقِ لحم الصدر الأبيض أكثر من اللحم القاتم (كالساق أو الفخذ)، ولا تأكل الجلد. وانتقِ الأنواع القليلة الدهون أو الخالية من الدهون من مشتقّات الألبان المفضّلة لديك: كالحليب أو الأجبان الخالية من الدسم أو القليلة الدسم، الحليب المثلّج أو اللبن المثلّج عوضاً عن مثلّجات الآيس كريم. (ولكن كن حذراً في ما يتعلّق بمحتواها من السكّر!) اختر المارغرين المرتكزة على الكانولا عوضاً عن الزبدة. وتجنّب أخيراً المنتجات المحتوية على الزيوت الاستوائيّة.

الدهون الناقلة (Trans fat)

تفضّل الشركات المصنعة للمواد الغذائيّة استعمال الدهون المشبعة لأنّها تساهم في إطالة مدّة حياة المنتج أكثر من مثيلاتها غير المشبعة. ولكن حين بدأ جون ك. بابليك قراءة الملصقات الغذائيّة ورفض المنتجات المحتوية على هذه الزيوت الاستوائيّة المشبعة، كان على الشركات الغذائيّة إيجاد بديل تمثّل في عمليّة تدعى الهدرجة (hydrogenation).

والهدرجة هي عبارة عن عمليّة كيميائيّة تحوّل الدهون غير المشبعة الأقلّ ضرراً إلى دهون ذات سلوك شبيه بسلوك الدهون المشبعة. وهذه الدهون مفيدة لمدّة صلاحية الإنتاج، ولكنّها مؤذية لشراييننا. إذ تحتوي هذه الدهون المهدرجة على دهون ناقلة أو أحماض دهنيّة مشبعة ناقلة. وربّما سمعت عنها على الأرجح، إذ إنها كانت موضع انتقاد (استحقّته) من الصحافة في السنوات القليلة الماضية. فهي لا ترفع معدّل LDL فحسب، بل وتخفض أيضاً معدّل HDL، ومن شأنها أن ترفع نسبة الليبوبروتين A أيضاً. واستناداً إلى دراسة أجريت على 90.000 امرأة، كانت النساء اللواتي استهلكن الكميّة الأكبر من الدهون الناقلة أكثر عرضة بنسبة 27 بالمئة للإصابة باعتلال القلب التاجي من اللواتي استهلكن الكميّة الأقلّ.

والمشكلة الكبرى التي تلازم الدهون الناقلة هي أنّها لا تذكر على الملصقات الغذائيّة. وليس لديك فكرة بالتالي إن كان المنتج الذي تشتريه يحتوي عليها أم لا، ما لم تقرأ لائحة المحتويات وتبحث عن زيوت مهدرجة أو مهدرجة جزئيّاً. وتعتبر هذه الزيوت خطيرة لأنّها تتسلّل إليك من دون أن تدري. فحين تكون في السوبرماركت تختار المنتجات الصحيّة، وتعلم بأنّ الدهون المشبعة هي حيوانيّة عموماً، ستبتاع المنتج الذي يحتوي على زيوت نباتية. ها قد وقعت في الفخّ! إن كانت هذه الزيوت مهدرجة فإنّ ضررها على القلب يماثل ضرر الدهون الحيوانيّة لا بل قد يفوقه. راجع المربّع في أعلى الصفحة للاطّلاع على لائحة جزئيّة للأطعمة التي تحتوي عليها، وتجنّبها قدر الإمكان.

مصادرها: الشوريتنغ النباتيّة؛ المارغرين، لا سيّما أعواد المارغرين؛ زبدة الفستق المهدرجة (أي نوع يبقى متجمّداً على حرارة الغرفة)؛ المنتجات المخبوزة التجاريّة، كالفطائر والكيك والبسكويت المحلّى والبسكويت الهشّ والمعجّنات والكعك المحلّى (الدونات) ورقائق البطاطس؛ الوجبات السريعة.

الخيارات الصحيّة: اختر المارغرين الخالي من الدهون الناقلة (وهذه الملحوظة تظهر بوضوح على العبوة؛ وثمّة أنواع قليلة منها متواجدة في السوق حاليّاً) أو المارغرين المعبّأ في أنبوب، لاحتوائه على نسبة أقلّ من الدهون الناقلة.

ما هي كميّة الدهون التي يتوجّب استهلاكها؟

توصي المؤسّسة الأميركيّة لأمراض القلب حاليّاً بأن لا يتجاوز المأخوذ اليومي من الدهون 30 بالمئة من مجموع السعرات الحراريّة اليوميّة.

ومع أنّ كلّ ما يشجّع الناس على أكل كميّة أقلّ من الدهون المشبعة هو أمر جيّد، إلاّ أنّنا نعلم بأنّ هذا النوع من التوصيات الموجّه لجميع الحالات في وقت واحد ليس أفضل ما يمكننا إعطاؤه. فالتوصيات الغذائيّة، كغيرها، يجب أن تكون مصمّمة وفقاً لوضع المريض الوراثيّ وحساسيّاته الأيضيّة. والواقع أنّ 30 بالمئة من إجمالي السعرات الحراريّة هي نسبة مرتفعة جدّاً لبعض الأشخاص، ومنخفضة جدّاً بالنسبة إلى أشخاص آخرين.

نعم، منخفضة جدّاً! فاستناداً إلى دراسة أجريت على 105 رجال يتّبعون أنظمة حمية غنيّة بالدهون وقليلة الدهون، انتقل 36 رجل ممن يتبعون حمية قليلة الدهون من LDL نموذج أ غير المؤذي إلى LDL نموذج ب المسبّب للتصلّب العصيدي. وحتّى الرجال الذين ظلّوا على النموذج أ، تغيّر لديهم حجم جزيئات LDL من الكبير إلى الصغير والكثيف، الأكثر خطورة – وصحيح أنّه الذي يتحوّل إلى النموذج ب، ولكنّه كان في طريقه إلى ذلك من دون شكّ. بالتالي، من شأن قلّة الدهون أن توازي في خطورتها على البعض خطورة كثرة الدهون على آخرين.