التصنيفات
الباطنية

الحمض المعدي ومشكلات الحموضة وسوء الهضم وألم وقرحة المعدة

رغم أن الحمض المعدي ليس إنزيماً، إلا أنه واحد من أكثر العوامل أهمية وحسماً في عملية الهضم. وتعتبر كثرة إفراز الحمض المعدي وقلته سببين شائعين للمشكلات الهضمية. والحمض المعدي ليس مطلوباً فقط لكل عمليات هضم البروتين، ولكنه ضروري أيضاً لامتصاص المعادن، وهو خط الدفاع الأول في جسدك ضد حالات العدوى، فهو يطهر طعامك بكفاءة، بل يعقمه. لذا فإن نقص الحمض المعدي (حمض الهيدروكلوريك) يجعلك غير قادر على الهضم جيداً ومعرضاً لحالات العدوى. وهذا يمكن أن يؤدي إلى سوء الهضم، لاسيما عند تناول الوجبات الغنية بالبروتينات، وإلى قابلية الإصابة بحالات الحساسية للأطعمة لأن جزيئات البروتين الكبيرة غير المهضومة تكون أكثر احتمالاً لأن تثير تفاعلات تحسسية في الأمعاء الدقيقة.

وجدير بالذكر أن نقص الزنك هو من أكثر أسباب نقص الحمض المعدي شيوعاً (وذلك لأن إنتاج حمض الهيدروكلوريك المعدي يعتمد على تناول ما يكفي من الزنك). ويتناقص غالباً إنتاج حمض الهيدروكلوريك مع كبر السن، وذلك مع تناقص الزنك في الجسم. وتفيد التقديرات أن ما يصل إلى نصف عدد السكان الذين تجاوزوا سن الستين يعانون نقص حمض الهيدروكلوريك.

وتشمل أعراض نقص الحمض المعدي كثرة التجشؤ بعد الأكل، أو رائحة النفس الكريهة، أو سوء الهضم الذي يحدث بصفة خاصة إثر تناول الأطعمة الغنية بالبروتين، أو آلاماً أعلى البطن، أو تطبلاً، أو انتفاخاً، أو إسهالاً، أو إمساكاً. وهناك مؤشر آخر هو الشعور بالامتلاء بعد الأكل بقليل أو الإحساس بأن الطعام بطيء المرور من المعدة.

والتوتر أيضاً يثبط إنتاج الحمض المعدي. ذلك لأننا حينما نكون متوترين، فإن الجسم يوجه طاقته نحو الاستجابة المسماة “القتال أو الهرب” أو ما يمكن أن نسميه “الكر والفر” وذلك على حساب إنجاز عملية الهضم. لذا، فمن الخطأ أن يأكل المرء وهو يتحرك أو يجري أو حينما يكون معرضاً للتوتر.

والحل الغذائي السليم لمشكلة قلة الحمض المعدي هو أن تتناول مكملاً من إنزيم هاضم يحتوي على هيدروكلوريد البيتايين، مع ما لا يقل عن 15 مجم من الزنك في صورة سهلة الامتصاص مثل سترات الزنك.

فرط الحموضة

بعض الناس ينتجون الكثير من الحمض المعدي، وفي هذه الحالة فإن إعطاء مكمل من هيدروكلوريد البيتايين يمكن أن يجعل الأمور تسوء بدلاً من أن تتحسن. وفي أغلب الحالات يشير فرط الحموضة إلى أن المعدة تواجه أوقاتاً عصيبة. ومما يذكر أن الطفل الرضيع حينما يأكل شيئاً غير مناسب له فإنه سريعاً ما يتقيأ أو يصاب بالإسهال. والاستمرار في إساءة استعمال المعدة غذائياً (أو إساءة التعامل معها) يزيد حدة تلك الاستجابة الفورية بسبب إصابة جدار المعدة بالالتهاب والتهيج الزائد.

إن تعاطي الكحوليات والقهوة والشاي والأسبرين يؤدي إلى تهيج جدار القناة الهضمية، وكذلك الإفراط في تناول منتجات القمح. كما أن المشروبات الساخنة جداً والأطعمة الحريفة، خاصة الفلفل الحار، كلها ضارة بالمعدة. ومما يذكر أيضاً أن اللحم والسمك والبيض وغيرها من البروتينات المركزة تنبه إنتاج الحمض المعدي. وهذا يمكن أن يزيد الموقف تدهوراً لأن الحمض المعدي يهيج البطانة المعدية غير السليمة والملتهبة، التي لو كانت سليمة لأنتجت الإفرازات المخاطية الواقية الخاصة بها. والأسلوب الطبي التقليدي يعمل على تثبيط الالتهاب بإعطاء عقار مثل تاجامت (سيميتادين). إلا أن هذا الأسلوب لا يتعامل مع العامل المسبب الذي هو تناول الأطعمة والأشربة الضارة وغير المناسبة.

قروح المعدة

إن نتيجة تناول غذاء ضار بالمعدة هي غالباً قروح المعدة. وفي واقع الأمر يوجد نوعان من القروح: القروح الببسينية التي توجد في المعدة، والقروح العفجية التي توجد في العفج أو الاثنا عشري في جزئه التالي للمعدة. ويقول الرأي المبسط للأمور أن القروح تنتج عن زيادة الحمض المعدي، ولكن الواقع يقول إن المعدة قد خلقها الله مزودة بالوسائل الطبيعية التي تحميها من عصاراتها الهاضمة الصحية. والمشكلة تبرز من مكمنها حينما يتم تناول أطعمة ومشروبات ضارة تتلف القناة الهضمية، وهذا يزداد سوءاً وتدهوراً بتأثير الحمض المعدي. ولا شك أن الامتناع عن تناول الأطعمة المهيجة والأطعمة الغنية بالبروتين يؤدي إلى تقليل التدهور الفوري للقروح الموجودة فعلاً ولكن القروح لا زالت تحتاج إلى العلاج.

وفيتامين أ مهم بصفة خاصة لعلاج القروح، في حين أن الدهون من نوع أوميجا 3 (التي توجد في زيوت الأسماك) تساعد على تهدئة الالتهاب. وفيتامين ج، مع أنه مفيد في التئام القروح، إلا أنه يعتبر حمضاً ضعيفاً (فاسمه العلمي هو حمض الأسكوربيك)، ومن ثم يمكن أن يزيد المشكلة تدهوراً. وفي الواقع، إنك إذا تناولت مكملاً من فيتامين ج وشعرت بعد ذلك سريعاً بحرقة أو ألم بالمعدة، فإن الأمر يستحق أن تطلب من طبيبك أن يتحرى عما إن كانت لديك قرحة في مراحلها المبكرة. وبدلاً من استخدام حمض الأسكوربيك يمكنك أن تتناول مكملاً من أسكوربات الكالسيوم أو المغنسيوم (وهما من الصور القلوية لفيتامين ج). وعلاوة على هذا، فإن معدني الكالسيوم والمغنسيوم لهما تأثير قلوي بصفة خاصة ولهما بعض التأثير المهدئ لمن يعانون زيادة الحموضة.

قصة الهليكوباكتر

لقد وجد أن أغلب من يعانون القروح هم مصابون في الوقت نفسه بعدوى نوع من البكتريا يسمى “هليكوباكتر بيلوري” Helicobacter pylori والذي يختلف عن سائر أنواع البكتريا في قدرته الفذة على المعيشة في الوسط مرتفع الحموضة الذي بالمعدة. وسواء أكانت هذه العدوى البكتيرية هي السبب الأصلي وراء المشكلات الهضمية أو كانت نتيجة تابعة لحالة القناة الهضمية الملتهبة والمتفاقمة، فلا شك أنها تجعل الحالة المرضية أشد سوءاً عن طريق تقليل إنتاج المعدة للمخاط الواقي لها مما يؤدي إلى الالتهاب والتقرح. وقد وجد أن الإصابة بعدوى الهليكوباكتر تزيد قابلية إصابة الشخص بقرحة عفجية خمس مرات، في حين أن 95% ممن يعانون القرح العفجية مصابون بتلك العدوى البكتيرية.

وبناء عليه يوصى كل من هو مصاب بالقرحة أو سوء الهضم المستمر أو الألم المعدي بأن يطلب إجراء اختبار لعدوى الهليكوباكتر. وهذا يتضمن اختباراً بسيطاً للدم يمكن أن يقوم به طبيبك. فإذا كان التشخيص إيجابياً، فإن العلاج التقليدي لهذه الحالة يتضمن مضادات حيوية متخصصة.

فتق الحجاب الحاجز

يوجد سبب شائع للألم المعدي وحرقة الفؤاد هو الإصابة بفتق الحجاب الحاجز. فإن المعدة التي توجد أسفل عضلة الحجاب الحاجز (انظر الشكل 4) تكون في الأحوال العادية مغلقة من كلا الطرفين بعضلة دائرية وبهذا يحفظ حمض المعدة في داخلها. ومع ذلك، توجد نسبة تقدر بـ 50% من الناس الذين تجاوزوا الخمسين من العمر لدى الواحد منهم جزء من معدته واقع فوق عضلة الحجاب الحاجز. وهذا يعني أن الحمض المعدي في هذه الحالة يمكن أن يتسرب إلى المريء مما يسبب حرقة الفؤاد والألم المعدي.

فتق الحجاب الحاجز

 

وهذا العيب الجسدي الذي يمكن تصحيحه بسهولة نسبية يرجح أنه يحدث لسببين: الأول هو أن المعدة يمكن أن تصاب بتقلص حينما تلتهب وتتهيج وقد ينتهي الأمر بها إلى “خلعها من موضعها”. والسبب الآخر هو وجود ضعف في عضلة الحجاب الحاجز (التي يمكن جعلها قوية عن طريق التنفس العميق وممارسة التمارين التي تحفز عليه). ورغم ما قيل من أن حالة قصر المريء (وهي حالة وراثية) هي سبب رئيسي، إلا أنه ليس من المرجح أن تفسر هذه الحالة (التي يقل حدوثها جداً) انتشار فتق الحجاب الحاجز بهذا المعدل غير القليل. ومن المحتمل أن المريء حينما يكون في حالة تقلص فإنه يجذب المعدة إلى أعلى، مما يؤدي إلى فتق الحجاب الحاجز. وعلى كل حال، فإنه توجد تقنيات جسدية يمارسها المعالجون بالطبيعة وبعض المعالجين بتقويم العظام والمعالجين بالحركات الجسدية يمكن أن تساعد في تصحيح هذه الحالة. وإذا كان ثمة تقلص عضلي، فإن كبسولات من زيت النعناع الذي يعتبر مرخياً للعضلات الباسطة يمكن أن تفيد في العلاج.

وتلخيصاً لما سبق، إذا كنت تعاني من مشكلات الحموضة أو سوء الهضم أو الألم المعدي أو القروح المعدية، فاتبع هذه الخطوط الإرشادية:

•    إذا كنت تعاني من أعراض نقص الحمض المعدي، فتناول مكملاً من إنزيم هاضم يحتوي على حمض الهيدروكلوريك علاوة على 15 مجم من الزنك.
•    قلل ما تتناوله من مهيجات المعدة، مثل الأسبرين والقهوة والمشروبات الساخنة جداً والأطعمة الحريفة، وامتنع عن الكحوليات.
•    إذا كنت تعاني من فرط الحموضة، فقلل ما تتناوله من الأطعمة الغنية بالبروتين المركز، مثل اللحم والسمك والبيض، وتناول بدلاً منها المزيد من البروتينات النباتية.
•    إذا كنت تعاني من قرحة بالمعدة، فتناول مكملاً من دهون الأوميجا 3 مع 1 جم من أسكوربات الكالسيوم أو المغنسيوم و 10000 و.د من فيتامين أ. ويجب أيضاً أن يجرى لك اختبار لبكتريا الهليكوباكتر بيلوري.