التصنيفات
صحة المرأة

أمراض الغدة الدرقية في الحمل والولادة

من الطبيعي في أثناء فترة الحمل أن تتضخم الغدة الدرقية قليلًا، وتصبح أكثر بروزًا، وهذا التضخم نتيجة تأثير هرمون تفرزه المشيمة، ويطلق عليه هرمون الغدد التناسلية المشيمية البشرية (إتش سي جي)؛ وذلك لأن هذا الهرمون له تأثير يشبه تأثير الهرمون المحفز للغدة الدرقية – ولكن بشكل أضعف – وهرمون تي إس إتش (الهرمون المحفز للغدة الدرقية)، وهو هرمون تنتجه الغدة النخامية، ويحفز الغدة على إنتاج المزيد من الهرمونات.

ومن الممكن أن تُصاب الغدة الدرقية بالالتهاب بعد الوضع، وتَنْتُج عن هذا الالتهاب أعراض مزعجة، ويسمى هذا الالتهاب بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة postpartum thyroiditis.

ما التهاب الغدة الدرقية بعد الولادة؟

التهاب الغدة الدرقية بعد الولادة (يطلق عليه في بعض الأحيان التهاب الغدة الدرقية الصامت)، هو التهاب في الغدة الدرقية يحدث في النساء بنسبة من خمسة إلى تسعة في المائة خلال الأشهر الستة الأولى بعد الوضع؛ حيث يمكن أن تتضخم الغدة الدرقية، ولكن هذا الالتهاب عادةً غير مؤلم.

أعراض التهاب الغدة الدرقية بعد الولادة

هناك، عادةً، مرحلتان لهذا المرض: المرحلة الأولى هي زيادة نشاط الغدة الدرقية، ثم يحدث انخفاض نشاط هذه الغدة. في المرحلة الأولى، في أثناء التهاب الغدة الدرقية تفرز كميات كبيرة من الهرمونات في الدم، وتستمر عادةً هذه المرحلة لمدة من شهرين إلى أربعة أشهر، ويتسبب ذلك في إسراع عملية التمثيل الغذائي. ومن الشائع معاناة النساء خلال هذه المرحلة من أعراض زيادة نشاط الغدة الدرقية، مثل فقدان الوزن، وسرعة ضربات القلب، والقلق، وزيادة التعرق، والحساسية للحرارة. وتكون هذه الأعراض عادةً طفيفة للغاية، ولا تشعر بها العديد من النساء إلا نادرًا.

أما في المرحلة الثانية، فلا تُنْتِج الغدة الدرقية ما يكفي من الهرمونات، ما يؤدي إلى ظهور أعراض انخفاض نشاط الغدة الدرقية، ومن الممكن أن تمتد هذه المرحلة إلى نحو العام، وتصاب بعض النساء بالدراق (تضخم الغدة الدرقية)، ومن الممكن ظهور بعض الأعراض الأخرى مثل: الاكتئاب، والإرهاق، والحساسية للبرودة، والإمساك، وجفاف الجلد، وتقصف الأظافر، وزيادة الوزن، وسقوط الشعر، ويمكن تشخيص الحالة بقياس مستويات هرمونات تي٣، وتي٤، والهرمون المحفز للغدة الدرقية في الدم.

ما أسباب التهاب الغدة الدرقية بعد الولادة؟

وُجِدت لدى نسبة تقدر ب ٨٠٪ – ٩٠٪ من النساء اللاتي أُصبن بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة أجسام مضادة للغدة الدرقية في الدم، وهذا يعني أن هذه الحالة هي مرض من أمراض المناعة الذاتية؛ حيث يخطئ الجهاز المناعي في الجسم في التعرف على خلايا الغدة الدرقية، ويعتبرها جسمًا مُهاجِمًا غريبًا، فيُنْتِج أجسامًا مضادة لتدميرها، ويتوقف عمل جهاز المناعة إلى حد ما عند النساء في أثناء فترة الحمل، وذلك لكيلا يُنْتِج أجسامًا مضادة يمكن أن تضر بتطور الجنين، ويستعيد جهاز المناعة نشاطه مرة أخرى بعد الولادة، ويحدث ذلك في الوقت الذي قد تلتهب فيه الغدة الدرقية، وتُوجد في دماء بعض النساء في أثناء الحمل أجسام مضادة للغدة الدرقية، ويُصاب ما يقرب من ٣٠٪ إلى ٥٠٪ منهن بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة.

النساء اللاتي يعانين الحالات التالية هن الأكثر عُرضةً لخطر الإصابة بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة:

• مستوى عاليًا من الأجسام المضادة للغدة الدرقية خلال الأشهر الثلاثة الأولى في الحمل.

• خللًا في الجهاز المناعي، أو مرضًا من أمراض المناعة الذاتية، مثل مرض السكري من النوع الأول، أو التهاب المفاصل الروماتويدي، أو داء الزلاقي، أو مرض الذئبة الحمراء. وقد وجد أن النساء المصابات بداء السكري من النوع الأول عُرضةٌ للإصابة بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة أكثر بثلاث مرات من النساء غير المصابات به.

• إصابة سابقة بأحد أمراض الغدة الدرقية مثل مرض الدراق الجحوظي، أو التهاب الغدة الدرقية هاشيموتو، أو تاريخ مرضي عائلي للإصابة بها.

• الدراق (تضخم الغدة الدرقية).

• إصابة سابقة بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة، فالنساء اللاتي أُصبن بهذه الحالة خلال حمل سابق أكثر عُرضةً لتكرار الإصابة بها في الحمل التالي بنسبة ٢٠٪.

علاج التهاب الغدة الدرقية بعد الولادة

تُنْتِج الغدة الدرقية في المرحلة الأولى كمية كبيرة من الهرمونات، وتكون الأعراض في هذه المرحلة عادةً طفيفة، ولا تحتاج إلى علاج. فإذا حدث شعور بالرجفة وسرعة ضربات القلب، يمكن إعطاء المريض أدوية حاصرات مستقبلات البيتا لمدة قصيرة لتخفيف الأعراض، وعندما تعجز الغدة الدرقية عن إنتاج كمية كافية من الهرمونات خلال المرحلة الثانية، تُعطى عادةً أقراص هرمون الثيروكسين (تي٤) لاستعادة مستويات الهرمونات الطبيعية، ويمر القليل من أدوية هرمونات الغدة الدرقية عبر المشيمة ويصل إلى الجنين، أو إلى لبن الرضاعة، وهذه الهرمونات مطابقة أيضًا للهرمونات الطبيعية التي تفرزها الغدة الدرقية الخاصة بك؛ لذلك فهي آمنة للاستخدام في أثناء الحمل أو الرضاعة، ويمكن لعدم معالجة الإصابة بانخفاض نشاط الغدة الدرقية في أثناء الحمل أو الرضاعة أن تكون له عواقب خطيرة على التطور العقلي للطفل حديث الولادة، وتتناول العديد من النساء أقراص الثيروكسين لما يقرب من ستة أشهر، ثم يُطلب منهن بعد مرور هذه المدة التوقف عن تناول الأقراص لمدة من أربعة إلى ستة أسابيع، ثم يجرى اختبار دم لتقدير مستوى هرمون تي٤، والهرمون المحفز للغدة الدرقية؛ ويتيح لنا ذلك معرفة ما إن كان انخفاض نشاط الغدة الدرقية دائمًا، أم أن الغدة الدرقية تعافت، وأصبح بإمكانها الآن إنتاج هرموناتها مرة أخرى بشكل طبيعي، وتتحول حالات الإصابة بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة فيما بين ٢٥٪ و٣٠٪ من النساء إلى إصابة دائمة بانخفاض نشاط الغدة الدرقية الدائم؛ الأمر الذي يتطلب تناول أدوية هرمونات الغدة الدرقية البديلة، كما يمكن أن تفيد بشدة جرعة من هرمون البروجسترون الطبيعي والمتطابق حيويًّا قدرها ٥٠ – ٢٠٠ مجم يوميًّا في تعجيل الشفاء.

تقليل مخاطر التهاب الغدة الدرقية بعد الولادة

تمر العديد من النساء بعد الوضع بشهور من الشعور بالإنهاك والاضطرابات النفسية، كما تعاني العديد منهن اكتئاب ما بعد الولادة أيضًا، ويمكن لذلك أن يسبب وهنًا شديدًا إذا لم يُعالج. لذا فإن الفحص الطبي واختبار وظائف الغدة الدرقية بشكل دوري أمران مهمان للغاية؛ لأن التهاب الغدة الدرقية بعد الولادة يمكن معالجته بسهولة، ويمكن تقليل المخاطر بتناول المكملات الغذائية المحتوية على السيلينيوم، والماغنسيوم، والأحماض الدهنية الأساسية، وفيتامين د.

إذا كنتِ تخططين للحمل، فاحرصي على أن تطلبي من طبيبك إجراء اختبار دم للكشف عن الأجسام المضادة للغدة الدرقية، والهرمون المحفز للغدة الدرقية، خاصةً إذا كنتِ:

• تعانين أحد أمراض المناعة الذاتية، وخاصة داء السكري من النوع الأول، وكذلك أمراض التهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة الحمراء، وداء الزلاقي، وغيرها.

• تعانين دراقًا.

• تعانين مرضًا في الغدة الدرقية.

• لديك تاريخ عائلي قوي من الإصابة بأمراض الغدة الدرقية.

• أصبتِ بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة من قبل.

وتواجه النساء اللاتي تُوجد في دمائهن أجسام مضادة للغدة الدرقية خطر العقم، والإجهاض، والإصابة باكتئاب ما بعد الولادة١٥. ويُصاب في النهاية ما يقرب من ٩٠٪ من النساء, اللاتي يصبن بالتهاب الغدة الدرقية بعد الولادة, بالتهاب الغدة الدرقية هاشيموتو، وبالطبع كلما اكتُشف وجود أجسام مضادة للغدة الدرقية في دمك بشكل أسرع، كنت أقل عرضةً للإصابة بأمراض الغدة الدرقية التي لا يمكن علاجها، وتحتاج إلى علاج مدى الحياة!

انخفاض نشاط الغدة الدرقية في الحمل

المحافظة على مستويات هرمونات الغدة الدرقية في أثناء الحمل في الحدود المناسبة، تُعد أمرًا ضروريًّا لتطور الجنين بشكل طبيعي، فهرمونات الغدة الدرقية تعبر المشيمة، وهي ضرورية في المراحل المبكرة من الحمل للتطور العصبي للجنين؛ فالغدة الدرقية لدى الجنين لا تستطيع إنتاج الهرمونات الخاصة بها إلا بعد أول ١٢ أسبوعًا من الحمل، وإلى أن يمر هذا الوقت يظل الجنين مُحتاجًا إلى هرمونات الأم للمحافظة على المستوى المناسب. ويوجد لدى حديثي الولادة الذين ولدوا دون غدة درقية مستويات قليلة جدًّا من الهرمونات؛ وهذه هي الهرمونات التي حصلوا عليها من الدورة الدموية لأمهاتهم.

ويمكن أن يؤدي النقص الشديد في هرمونات الغدة الدرقية عند الجنين، أو الطفل حديث الولادة، إلى تأخر عقلي، وغيره من الإعاقات، حيث أظهر بحث جديد أن النقص الطفيف سوف يُضْعِف ذكاء الطفل، ويَنْتُج عن ذلك معدل ذكاء منخفض، وعليه، فإن النساء اللاتي في سن الإنجاب واكتشفن إصابتهن بانخفاض نشاط الغدة الدرقية، يجب عليهن تناول الأدوية لضبط مستوى الهرمونات في أسرع وقت ممكن.

زيادة الحاجة إلى الثيروكسين خلال الحمل

اكتشف بحث نشر في مجلة نيو إنجلاد الطبية أن ٨٥٪ من النساء الحوامل المصابات بانخفاض نشاط الغدة الدرقية يحتجن إلى زيادة أدوية هرمونات الغدة الدرقية لحماية الجنين، حيث يزيد الهرمون الدرقي لدى السيدات الحوامل الأصحاء، وبذلك يمكن أن يمر بعض منه من خلال المشيمة ويصل إلى الجنين، أما النساء اللاتي لا يستطعن تصنيع هرمونات الغدة الدرقية الخاصة بهن، فيجب عليهن زيادة الجرعة العلاجية التي يتناولنها.

وقد أجريت دراسة في برجهام، وكلية طب مستشفى هارفارد للنساء في بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، على ١٩ سيدة متطوعة يعانين انخفاض نشاط الغدة الدرقية، ويخططن للحمل، وقد أجرين اختبارًا لتقدير مستوى هرمونات الغدة الدرقية قبل الحمل، ثم بعد ذلك أجرين الاختبار كل أسبوعين طوال فترة الحمل، وتبين أن ١٧ من بين ١٩ حالة حمل لل ١٩سيدة احتجن إلى زيادة العلاج الهرموني بنسبة ٤٧٪ في المتوسط، وبدأ هذا الاحتياج إلى زيادة الهرمونات مبكرًا في الأسبوع الخامس من الحمل.

وخلال النصف الأول من الحمل، زادت الحاجة إلى هرمونات الغدة الدرقية سريعًا، واستقرت بعد مرور أول ٢٠ أسبوعًا. ويجب أن تجري جميع النساء اختبار وظائف الغدة الدرقية بمجرد أن يعرفن بحملهن، ثم تكراره كل ثمانية أسابيع، ولكن لا تزيدي جرعة العلاج من تلقاء نفسك؛ إذ يجب عليكِ استشارة طبيبك.

الهرمون المحفز للغدة الدرقية في أثناء الحمل

وفقًا لدراسة نُشرت في فبراير ٢٠٠٦، المستوى الطبيعي للهرمون المحفز للغدة الدرقية (تي إس إتش) في الدم كل ثلاثة أشهر من الحمل هو:

الأشهر الثلاثة الأولى: 0.24 – 2.99 مللي وحدة دولية / لتر
الأشهر الثلاثة الوسطى: 0.46 – 2.95 مللي وحدة دولية / لتر
الأشهر الثلاثة الأخيرة: 0.43 – 2.78 مللي وحدة دولية / لتر

وتواجه النساء الحوامل اللاتي يعانين ارتفاع مستوى الهرمون المحفز للغدة الدرقية خطرًا متزايدًا للولادة المبكرة ثلاثة أضعاف ما قد تعانيه غيرهن من النساء