بالرغم من التطورات الحديثة والنتائج الجيدة التي أصبحنا نحصل عليها، هناك نسبة من السيدات المرضى، خاصة اللواتي لم يكن الكشف عندهن مبكرا، يعود إليهن المرض بعد عدد من السنوات من العلاج الأساسي. هذه العودة قد تكون في الثدي أو في أمكنة أخرى من الجسم.

العودة الموضعية والعودة الانتشارية:

1-  حالات عودة المرض الموضعية (Local Recurrence): إذا كانت السيدة قد خضعت للاستئصال الجزئي وللعلاج الشعاعي وتجدد المرض في نفس المكان، فيجب استئصال الثدي كله. أما إذا كانت السيدة قد خضعت لاستئصال كامل في السابق فقد يمكن استئصال الورم الجديد وإعطاء العلاج الشعاعي. وقد يمكن إعطاء علاج كيميائي أو علاج مهدف قبل الاستئصال الجديد. وهناك دراسة جديدة أثبتت أن العلاج الكيميائي قبل الجراحة الجديدة يطيل عمل المريضة ويساهم بشفائها.

2-  حالات عودة المرض منتشرة في الجسم (Metastatic disease): الانتشار قد يكون في أي مكان في الجسم مثل الكبد أو العظم أو الرئة. عندئذ لا يكون عادة هناك مكان للجراحة إلا إذا كان الورم المتجدد يتسبب بمشاكل موضعية ومؤذية أو بتقرح وازعاج كثير. الطريقة الأفضل للعلاج هنا تكون علاج الجسم كله باستعمال العلاج المضاد للهرمونات، أو العلاج الكيميائي، أو باستعمال المضادات المركزة والمصوبة مثل تراستوزوماب (هيرسبتين) معها أو أيضاً إضافة بيرتوزوماب (بيرجيتا) أو لاباتينيب (تايكرب) هذا وأثبت مركب جديد لدواء تراستوزومايس مع ايمتانسين اسمه تي-دي أم-1 (t-DM1) كادسيلا (Kadcyla) فعالية كبرى في حالات عودة المرض لاحقاً. تتم إضافة أدوية بيسفوسفونات في حال الانتشار في العظام، وقد يكون للأشعة أو للجراحة أدوار في بعض الأحيان.

عودة سرطان الثدي: التشخيص والعلاج:

مواقع العودة والانتشار والعلاجات الخاصة بها:

قد يعود المرض بعد العلاج الجراحي بفترات قصيرة أو طويلة من الزمن. قد يتم اكتشاف عودة المرض إذا كانت المريضة تشكو من عوارض أو خلال الفحص السريري أو إذا كانت هناك تغيرات غير طبيعية في فحوصات الدم. عندما يتم تشخيص عودة المرض فهي قد تكون اما موضعية في الثدي، واما قد تكون منتشرة في الجسم كما ذكرنا أعلاه. يتم إجراء الصور الضرورية أو ربما إجراء خزعة للتأكد من عودة المرض، وللتأكد من مستوى متلقيات هرمونات ايستروجين وبروجيستيرون وهير2 واحتمال تغيرهم منذ التشخيص الأول. وقد يطلب الطبيب إجراء فحص دم لإشارات الورم Tumor Markers خاصة سي أي 15.3 (15.3Ca) أو Ca27.29، وأيضاً Ca125، وأحياناً CEA وإذا كانت إحدى مؤشرات المرض مرتفعة فيمكن متابعتها بشكل دوري كل شهر ثم كل شهرين أو ثلاثة. وإذا انخفضت كمية Ca 15.3 مثلاً فهي تعني أن المرض يخف والمريضة تستجيب للعلاج. أما إذا زادت كمية Ca 15.3 فيجب التحقق من هذا الأمر بالفحوصات الضرورية للتأكد بأن المرض لا يستجيب للعلاج وقد يتوجب تغيير الأدوية المعاطاة للمريضة.

مواقع عودة المرض وعلاجه:

تجب المراقبة لفترات طويلة من الزمن بعد الجراحة الأساسية وذلك من قبل المريضة نفسها وبواسطة زيارات دورية للطبيب.

1 – تجدد موضعي (Local Recurrence)

العودة الموضعية للمرض هي بين 5 و15بالمئة للعودة وخاصة عند المريضات الصغيرات بالعمر.

إذا تم اكتشاف العودة باكراً فيمكن معالجتها والشفاء منها بنسبة عالية وكاملة. إذا كانت السيدة قد خضعت لجراحة جزئية للثدي ولعلاج شعاعي وتجدد المرض موضعياً فقط، يمكن علاجها وشفاؤها بجراحة جديدة واستئصال ما تبقى من الثدي بكامله. وقد تعطى علاجاً جديداً بالأشعة إذا أمكن، أو علاجاً كيميائياً أو هرمونياً قبل أو بعد الجراحة والأشعة، كما ذكرنا سابقاً.

2 – عودة منتشرة في واحد أو أكثر من أعضاء الجسم (Systemic Recurrence):

قد يتجدد المرض بشكل انتشار في أحد أعضاء الجسم (في الكبد أو في العظم أو الرئة مثلاً) وعندئذ لا يكون هناك مكان للجراحة إلا إذا كان الورم يتسبب بمشاكل أو بتقرح وانزعاج كبير.

يكون العلاج عادة إما موضعياً أو هرمونيا بقطع مصدر الهرمونات النسائية أو استعمال مضاد للهرمونات، واما بواسطة الأدوية الكيميائية، و/أو المضادات المصوبة المهدفة. وقد يكون هناك دوراً للأشعة في بعض مواقع الانتشار مثل الرأس أو العضم وحال وجود ضغط على الأعصاب. أما الجراحة فهناك دراسات جديدة تشير إلى إمكانية الاستفادة منها واستئصال الثدي في حال كانت المريضة تستجيب للعلاج، والعلاج الكيميائي أو الهرموني العام يقوم بتذويب المرض. أما في حال وجود ورم صغير في الدماغ فان الجراحة مع العلاج الشعاعي أفضل من العلاج الشعاعي لوحده.

أمثلة حول تشخيص الانتشار وعلاجه

الانتشار بالعظم:

الانتشار في العظم قد يتسبب بضغط على الأعصاب خاصة في فقرات الظهر. لهذا يتطلب الانتباه الشديد من لدن المريضة ومن الطبيب المعالج لأية عوارض أولية مثل أوجاع الظهر التي لا يجب إهمالها أبداً خاصة عندما ينزل الالم إلى الفخذ والرجل. يجب التشخيص المبكر لروجعة المرض إذا حصلت، وعلاجها فوراً وتجنب الوصول إلى مرحلة الضغط على الأعصاب والشلل.

علاج الانتشار بالعظم:

أ-   العلاج بالأشعة مع/أو بدون جراحة: العلاج الشعاعي هو أساسي وضروري لمعظم حالات الانتشار بالعظم. هذا وقد تحتاج المريضة أيضاً إلى جراحة لرفع الضغط عن الأعصاب وتثبيت فقرات الظهر فوراً، أو لوضع حديد وبراغي وقائية لتثبيت العظم المعرض للانكسار قبل حدوثه، أو لعلاج وتجليس العظم المكسور كما نبين في المثل التالي.

الانتشار في العظم قد يتسبب بأوجاع أو بترقق موضعي في بعض العظام الطويلة التي تصبح مهددة بالانكسار. هذا الكسر الذي نسميه “كسر باثولوجي” قد يحصل بسبب ثقل المريضة أو الإتكاء على ذلك العظم أو إذا تعرضت لحادث خفيف أو ضغط قد يتسبب بالكسر بسبب ضعف العظم.

ب- العلاج بالأدوية الكيمائية أو الهرمونات أو المضادات المصوبة.

ج- العلاج بأدوية Bisphophonates: هذه الأدوية وظيفتها تقوية نمو العظام وزيادة الكالسيوم فيها وقد يكون لها مفعول مباشر ضد السرطان أيضاً. يتم استعمالها بواسطة الوريد مع إعطاء المريضة حبوب الكالسيوم تقوي سماكة العظام وتقلل من احتمالات الكسور. يتم استعمالها مرة كل شهر لعدة سنوات، مع الإشارة إلى أن هناك دراسات جديدة تقارن استعمالها مرة كل شهر مقابل مرة كل ثلاثة أشهر. هذا وأثبتت دراسة حديثة أنه يمكن أستعمال حامض زوليدرونيك مرة كل شهر لمدة سنة ثم مرة كل 3 أشهر. وهناك مستحضرات بيسفوسفونات (كلودرونات) يمكن إعطائها بشكل حبوب ودواء مضاد لمتلقيات رانكل خلايا العظام اسمه دينوسوماب يتم إعطاءه بشكل إبرة تحت الجلد.

2- 2 – الانتشار إلى الدماغ:

الانتشار في الدماغ قد يتسبب بأوجاع في الرأس وحالات تقيؤ ودوخة وضعف عضلات وشلل وضياع وتغيير في مستوى الوعي قد يصل إلى الغيبوبة. تتم معالجة هذا الانتشار فوراً بالأدوية التي تخفف تجمع السائل في الرأس وهي من نوع الكورتيزون (ديكساميثازون)، وبالعلاج الشعاعي بأسرع وقت ممكن. يجب الانتباه إلى عوارض الانتشار بالدماغ ومعالجتها في بداياتها قبل أن تتسبب بتعثر النطق أو بالشلل أو الفالج. أما إذا كان الانتشار في موقع واحد في الدماغ وتسهل استئصاله فهذا ما نفعله قبل العلاج بالأشعة لأن هناك دراسات عديدة أثبتت جدوى الجراحة ثم الشعاعي.

2 – 3 – الانتشار في النخاع الشوكي:

الانتشار في النخاع الشوكي الذي يقع داخل العمود الفقري قد يسبب مشاكل سريعةً بالأعصاب وقد تشكو المريضة من وجع في ظهرها أو وجع ينزل إلى يديها أو رجليها. إذا ثبت أن سرطان الثدي منتشر في النخاع الشوكي فيجب إعطاء المريضة بسرعة علاج الديكساميثازون والأشعة وقد تحتاج إلى علاج كيميائي داخل سائل الدماغ أيضاً. هنا يتم إعتماد التدقيق الكبير لتحديد مسار الأشعة وعدم التسبب باشتراكات إضافية على النخاع الشوكي.

3 – الانتشار داخل الكبد:

يتم اكتشاف الانتشار في الكبد إما بسبب التورم أو الانتفاخ أو الأوجاع في القسم الأعلى الأيمن أو الوسطي للبطن، أو عن طريق فحوصات الدم التي تبين ارتفاعاً في خمائرالالكالاين فوسفاتاز أو غاما – جي – تي، أو بواسطة الصورة الصوتية أو الطبقية المحورية أو المغناطيسية أو البيت سكان،. تتم معالجة الانتشار في الكبد بواسطة الأدوية الكيميائية أو الهرمونية أو الأدوية المصوبة المهدفة التي تعطى بالوريد وتذهب إلى كل أنحاء الجسم بما فيها الكبد.

إذا كان هناك انتشار سريع أو كثير داخل الكبد فيتم علاجه أولاً بالعلاج الكيميائي و/أو العلاج المهدف، أما إذا كان النمو بطىء والانتشار في الكبد قليل والورم يحتوي على متلقيات هرمونية فيمكن إعطاء علاج مضاد للهرمونات.

هناك أيضاً دراسات أثبتت فعالية العلاج الهرموني مع العلاج المهدف في حال وجود متلقيات استروجين ومتلقيات هير2. يمكن إعطاء المريضة المصابة بسرطان الثدي المنتشر المتقدمة على سن الحيض دواء ليتروزول (فيمارا) مع لاباتينيب (تايكرب) حيث ان هذه الطريقة أثبتت فعاليتها أكثر من ليتروزل لوحده. ويمكن أيض وبالطريقة ذاتها إعطاء اناستروزول (اريميديكس) مع تراستوزماب (هيرسبتين) لعلاج الانتشار الذي يحتوي على متلقيات استروجين وهير2.

4 – الانتشار في الرئة أو في غلافها:

4-أ الانتشار داخل الرئة:

قد يتسبب هذا النوع من الانتشار بالسعال وضيق النفس أو الأوجاع ويتم تشخيصه بواسطة الصورة الشعاعية التي قد تبين كتلاً وانتقالات أو انتشارات غير متجانسةً في نسيج الرئة وأوعيتها اللمفية. أما بالنسبة للعلاج فيكون بالأدوية الكيميائية والمضادات المهدفة. أما إذا كان الانتشار قليلاً أو بطيء النمو فيمكن علاجه بمضادات الهرمونات.

4-ب الانتشار في غلافات الرئة:

قد يكون الانتشار في غلافات الرئة فيتسبب عندئذ بتراكم وتجمع السوائل فيها.

قد يتسبب تجمع الماء في غلافات الرئة بصعوبات في التنفس وتحتاج المريضة إلى سحب السائل من غلافات الرئة بواسطة إبرة خاصة رفيعة. أما إذا كانت هناك ضرورة متكررة لسحب السوائل، فيجب إعطاء دواء أو مليف عن طريق قثترة إلى داخل الغلافات (بليومايسين أو تيتراسايكلين أو تالك، أو دواء كيميائي مثل مايتوزانترون) يجعل الغلافات تلصق ببعضها البعض وتوقف إفراز وتجمع السوائل الذي له نفس المفعول بالإضافة إلى مفعوله الكيميائي.

الانتشار في غلافات القلب:

قد يتسبب هذا النوع من الانتشار بتجمع السوائل حول القلب وينتج عنه ضيق النفس القوي الذي قد يتطور بسرعة ويجب تشخيصه بواسطة صورة الصدر العادية والصورة الصوتية للقلب. تتّم معالجة هذا الانتشار بسحب السائل المتراكم والعلاجات الكيميائية أو الهرمونية أو المصوبة كما بينا أعلاه، وقد تحتاج المريضة إلى قسطرة داخلية لسحب السوائل وإعطاء دواء بليومايسين.

علاج الانتشار بالأدوية الهرمونية والكيميائية والمصوبة/المهدفة:

إذا كان الورم يحتوي على متلقيات هرمونية، فإن معظم الحالات قد تستجيب جيداً للعلاج بنسبة تصل إلى حد 80% وذلك أما بتوقيف المبيضين عن العمل أو إزالتهما (عند السيدة دون سن الخمسين)، أو استعمال الهرمونات المضادة أو قطع انتاج الهرمونات. قد تستمر فترة الاستجابة على هذا العلاج لفترات طويلة تتراوح بين الأشهر والسنوات. قد تحتاج المريضة إلى العلاجات الهرمونية الواحدة تلو الأخرى، وقد تحتاج لاحقاً إلى علاج كيمائي. قد تستمر فترات العلاج الهرموني لسنوات عديدة ايضاً. أما إذا كان الورم لديه متلقيات هير2/نيو Her2/neu فتعطى المريضة أيضاً الدواء المضاد تراستوزوماب (هيرسبتين) بالإضافة للعلاج الهرموني، أو دواء لاباتينيب (تايكرب) مع ليتروزول كما بينا أعلاه. أما في حال تقدم المرض مع وجود متلقيات هرمونية فيتم إعطاء المريضة الدواء المضاد المهدف تراستوزوماب (هيرسبتين) بالإضافة للعلاج الكيميائي. هذا وأثبت دواء مهدف جديد ضد هير2 (بيرتوزوماب: بيرجيتا) فعاليته وحصل على موافقة لاستعماله مع تراستوزوماب وعلاج كيميائي دوسيتاكسيل (تاكسوتير) أو باكليتاكسيل (تاكسول)، وكذلك دواء تي دي أم وان. أما في حال عدم وجود متلقيات ويكون الورم ثلاثي السلبية فيتم اعتماد العلاج الكيميائي

الأمل باكتشاف أدوية جديدة والمساندة النفسية في حالات العلاج

لقد أصبحنا قادرين على ان نتعامل مع السرطان كمرض قابل للشفاء التام أو أن نجعله مرضاً مزمناً مثل السكري والضغط يتم علاجه بالأدوية لفترات طويلة. هذه الأدوية تعطى عن طريق المصل أو حبوب. ولكن هناك مرضى كثيرين ما زالوا يفقدون حياتهم بسبب السرطان المنتشر لذلك يجب الاستمرار والمشاركة بالأبحاث العلمية والسريرية وتشجيعها والتبرع لها حتى نستطيع شفاء نسبة أكثر من المرضى. هناك دائماً آمال كبيرة بأن يتم اكتشاف أدوية أجدد وأحدث للعلاج. هذه النظرة التفاؤلية تساعد السيدات المرضى على التحلي بالصبر والتمسك بالأمل.

وإننا دائماً نحث أنفسنا والأطباء المتدربين على الاهتمام بمرضى السرطان المنتشر كما يهتمون بمرضى السرطان المبكر وإعطائهم الوقت الكافي ومناقشة حالاتهم بمجالس الأورام، وكذلك الانخراط في البحوث الطبية والتجارب السريرية لتحسين فرص علاجهم وشفائهم ومساندتهم.