الوقاية الكيميائية من السرطان

الوقاية الكيميائية من السرطان

لا شيء أكثر صعوبة بالنسبة لي من اضطراري لإخبار مريض بأنه مصاب بالسرطان. سيتعين على الأطباء في جميع أنحاء بلادنا تقديم الخبر المفجع نفسه إلى كثير من مرضاهم، حيث إنه سيتم تشخيص أكثر من ١.٣ مليون حالة جديدة من السرطان في الولايات المتحدة هذا العام.

سيلقى ما يقرب من ٥٥٠٠٠٠ مريض حتفهم بسبب السرطان قبل العام الجديد. وعلى الرغم من أنه تم إنفاق ٢٥ مليار دولار على أبحاث السرطان في السنوات العشرين الماضية، فإن الوفيات الناجمة عنه قد ارتفعت في الواقع خلال هذه المدة نفسها. وقد تفشى قلق بالغ بين الباحثين والأطباء على حد سواء بسبب ذلك، ما يعني أن الوقت قد حان لإعادة النظر في النهج الذي نتبعه للوقاية من السرطان وعلاجه.

ولكنك قد تسأل: ألم تحقق الأبحاث تقدما ملحوظا؟ في الواقع، حققنا بعض التحسينات، ولكنها كانت مقتصرة غالبا على القدرة على الكشف عن بعض أنواع السرطان في وقت أبكر من خلال اختراع ابتكارات جديدة كالتصوير الشعاعي للثدي للكشف عن سرطان الثدي، واختبار مضاد البروستات المحدد للكشف عن سرطان البروستاتا.

ولكن هل الكشف المبكر هو كل ما يمكن أن نأمله؟ في هذا الموضوع سنناقش بعض أحدث التطورات في مجال أبحاث السرطان، وكيف نتمكن من الحد من خطر إصابتك بالسرطان.

السرطان وأسبابه

هل تبقى في هذه الأيام شيء نفعله أو طعام نأكله دون أن يزعم أحدهم أنه يسبب السرطان؟ إن التعرض المفرط لأشعة الشمس يزيد من خطر الإصابة بسرطان الجلد. وقد زاد تعرض العمال إلى الأسبستوس من خطر الإصابة بسرطان الرئة بشكل غير عادي، وهو المرض الذي يسمى: ورم الظهارة المتوسطة .

ويعد تدخين السجائر والتدخين السلبي السببين الرئيسيين لكون سرطان الرئة هو السبب الرئيسي لحالات الوفاة بالسرطان. إن الإشعاع، وطهي اللحم على الفحم، ونسبة الدهون العالية في نظامنا الغذائي، والسكرين، والعديد من المواد الكيميائية الأخرى الموجودة في مبيدات الأعشاب ومبيدات الآفات هي ما تشير إليه المراجع الطبية بمصطلح المواد المسرطنة، أي تلك الأشياء التي تزيد من خطر الإصابة بالسرطان.

منذ ظهور التقرير الأول الذي ذكر أن هناك خطرًا متزايدًا من إصابة عمال تنظيف المداخن بسرطان الصفن بسبب تعرضهم للسخام، أصبحنا أكثر خوفا من بيئتنا، والحق معنا. فكما ذكرت سابقا، تتعرض أجسامنا للمواد الكيميائية بدرجة تفوق بكثير تعرض أي جيل سابق لها. ما القاسم المشترك بين جميع المواد المسببة للسرطان؟ نعم، ما خمنته صحيح. إنها جميعا تعزز عملية الإجهاد التأكسدي. هنا يكمن المفتاح لفهم الإستراتيجيات الجديدة في مكافحة السرطان .

الإجهاد التأكسدي بوصفه سببا للسرطان

قدم العديد من الباحثين نظريات حول السبب الكامن وراء السرطان. للأسف، لم تكن أي من هذه النظريات قادرة على شرح مظاهر السرطان المتنوعة وتطور المرض داخل جسم الإنسان بشكل مستفيض.

وردا على هذه المعضلة الطبية، قدم الدكتور “بيتر كوفاتشيتش” استعراضا شاملا على صفحات صحيفة كارينت ميديسينال كيميستري ٢٠٠١، قال فيه : “من بين النظريات العديدة التي تم تقديمها، فإن نظرية الإجهاد التأكسدي كانت الأكثر شمولا، كما أنها اجتازت اختبار الزمن. لقد ربطت معظم المظاهر المرتبطة بتطور السرطان ووضعت لها منطقا”.

تدعم أبحاث “كوفاتشيتش” الدليل الطبي المتنامي الذي يقول إنه عندما تترك الجذور الحرة المفرطة بالقرب من نواة الخلية، قد يؤدي هذا إلى إحداث ضرر بالغ بحمض الخلية النووي. ويكون الحمض النووي للنواة في أشد حالاته ضعفا عند انقسام الخلية، وخلال ذلك الوقت تكون سلسلة الحمض النووي منبسطة وممتدة حرفيا. ويستطيع الباحثون الآن تأكيد أن الجذور الحرة يمكن أن تضر بالحمض النووي لنواة الخلية، وأن سلاسل الحمض النووي هي الأكثر تضررا في معظم الأحيان.

عندما يُهاجَم الجسم من مجموعة من المواد المسببة للسرطان، فإن وحدة الإسعاف تكون مشغولة بمحاولة إصلاح تلف الحمض النووي. ولكن في الأوقات التي يزيد فيها الإجهاد التأكسدي، فإن الضرر الناتج عن الجذور الحرة يفوق قدرة الجسم على إصلاحه ما قد يؤدي إلى إحداث طفرة بالحمض النووي.

كما يمكن للجذور الحرة أن تضر بالبنية الوراثية للحمض النووي، ما قد يؤدي بعد ذلك إلى نمو الخلية بمعدل غير طبيعي. مع استمرار استنساخ هذه الخلايا، ينقل هذا الحمض النووي إلى كل خلية جديدة. عندما يزيد الإجهاد التأكسدي لهذا الحمض النووي المتحول، يحدث المزيد من الضرر. بعدئذ تبدأ الخلية في النمو خارج نطاق السيطرة وتصبح مستقلة عما حولها. وهذا يمنحها القدرة على الانتشار خلال أجزاء الجسم الواحد بعد الآخر (الورم الخبيث)، ويتحول هذا إلى سرطان حقيقي.

الإجهاد التأكسدي بوصفه سببا للسرطان

عملية متعددة المراحل لتطور السرطان

يذكر الدكتور “دونالد مالينز” – عالم كيمياء حيوية من سياتل – طريقة جديدة لتحديد التغيرات الهيكلية التي تحدث في الحمض النووي لنسيج الثدي. وباستخدام أداة تشتت الأشعة تحت الحمراء عن الحمض النووي ومن خلال تحليل الإشارات بواسطة حاسوب متطور، يتمكن من متابعة مدى الضرر في بنية الحمض النووي الناجم عن الجذور الحرة.

يتفق الباحثون مع “مالينز” على أن تطور السرطان هو عملية متعددة المراحل تستغرق عقودا في العادة. قد يستغرق السرطان عشرين أو حتى ثلاثين عاما في البالغين ليتطور من طفرة أولية للحمض النووي إلى أن يظهر في أوضح حالاته. وفي الأطفال قد تتطور هذه العملية بسرعة أكبر بسبب سرعة الدوران في الخلايا.

لاحظ “مالينز” حدوث تغيرات كبيرة داخل هيكل الحمض النووي مع تتبعه داخل نسيج الثدي الطبيعي ونسيج الثدي المصاب بالسرطان النقيلي في جميع مراحل تطوره. وقد اعتقد الدكتور “مالينز” أن الإجهاد التأكسدي هو سبب هذا الضرر الذي يمكن التنبؤ به والذي يلحق بالحمض النووي، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تكوين سرطان الثدي. كما ذكر أن السرطان لم يكن نتيجة لخلل الجينات بقدر ما هو نتيجة للضرر الجيني الناتج عن الجذور الحرة.

على مدى الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، اعتقد الباحثون أن الجينات الشاذة هي السبب الرئيسي وراء جميع أنواع السرطان.

ولكن الآن بدأ الباحثون في تصديق أن الأفراد ممن يكون لديهم جينات معينة هم الأكثر عرضة للإجهاد التأكسدي من غيرهم. وهذا قد يفسر التاريخ الوراثي لأنواع عديدة من السرطان.

تشخيص متأخر للغاية ومكلف جدًّا

عادة ما يشخص الأطباء السرطان في المراحل الأخيرة من تطوره. للأسف، فإنه بحلول الوقت الذي يستفحل فيه السرطان بما يكفي لتظهر أعراضه على المريض أو يظهر نفسه عبر الأشعة السينية، فإنه في العادة كان يتطور في جسم المريض لمدة تتراوح ما بين عشرة إلى عشرين عاما. يبدأ الأطباء فورا في التفكير في إجراء جراحة خطيرة، أو وصف العلاج الكيميائي والإشعاعي المكثف، ولكنهم يدركون في نهاية المطاف أنه ليس هناك سوى القليل مما يمكن فعله لمساعدة المريض.

في أحدث مرة شُخِّصَتْ فيها حالة أحد مرضاي بسرطان الرئة، أوصاه طبيب الأورام بالبدء في العلاج الكيميائي، وهو إجراء زعم الطبيب أنه يمكن أن يؤدي إلى تراجع سرطان الرئة بنسبة ٤٠ ٪. شجعت هذه النسبة مريضي قليلا على سؤال الطبيب عما كان يقصده بكلمة “تراجع” بالضبط، فأجابه بقوله: “إذا نجحنا في جعل السرطان يتراجع، فإنه يمكن أن تعيش لثلاثة شهور أخرى”. وغني عن القول أن هذا لم يكن ما يأمل المريض في سماعه. هذه هي القصة المأساوية التقليدية التي تحدث لمعظم المصابين بالسرطان.

إننا في الوقت الحاضر نخسر معركتنا ضد السرطان. أهناك شك في أن هذا المرض الخبيث يجب أن يُهاجَم في مراحل مبكرة للغاية من تطوره قبل أن نشهد انخفاضا في عدد الوفيات بسببه؟ ولكن الأمل موجود. إن فهم دور الإجهاد التأكسدي في استفحال السرطان يتيح أمامنا مجموعة من الإمكانات الجديدة للوقاية والعلاج.

الوقاية من السرطان = الوقاية الكيميائية

مع البدء في فهم السبب الجذري للسرطان، تصبح الخيارات العلاجية متاحة. بما أن السرطان عملية متعددة المراحل تستغرق سنوات لتطورها، فهناك بالتالي فرص عديدة للتدخل في هذه العملية.

في المراحل الأولى من السرطان، تحدث تغيرات أساسية داخل نواة الحمض النووي نفسه. أول الطفرات التي تحدث عبر هجوم الجذور الحرة على الحمض النووي تنتقل إلى الخلايا المتجاورة تباعا وتنسخ نفسها. في نهاية المطاف، بسبب الأضرار الإضافية التي تلحقها الجذور الحرة بالخلايا، يتطور ورم قبل سرطاني. وهذا هو المستوى الأول الذي يمكننا تقييمه طبيا. المرحلة الأخيرة هي تطور ورم خبيث أو سرطان، تكون لديه القدرة على الانتشار من جزء إلى آخر في الجسم.

وخلافا لمهاجمة السرطان بالعلاج في مراحله الأخيرة، تركز الوقاية الكيميائية على منع السرطان من التطور في مراحله الأولى. تذكر أن التوازن هو المفتاح. إذا كان لدينا ما يكفي من مضادات الأكسدة، فلن يحدث الإجهاد التأكسدي وسيظل الحمض النووي للنواة آمنا من الضرر الأولي.

كما تهدف الوقاية الكيميائية إلى إصلاح الضرر الذي حدث بالفعل في الخلية. إن الجسم لديه قدرة مذهلة على شفاء نفسه. دعونا الآن نطلع على إستراتيجية جديدة لمكافحة السرطان، وهي إستراتيجية وقاية كيميائية ذات ثلاث مراحل مدروسة، ثم ندرس أثر كل مرحلة منها على الجسم.

المرحلة الأولى من الوقاية الكيميائية: الحد من المخاطر

قد تبدو الإستراتيجية الأولى في الوقاية من السرطان واضحة: كلما كان ذلك ممكنا، توقف عن (أو قلل) التعرض للمواد المسرطنة (المواد الكيميائية التي نعرف أنها تزيد من خطر الإصابة بالسرطان). على الرغم من أن هذا يبدو بديهيا، فإنه يسهل القول عن الفعل في هذه المرحلة. وفيما يلي الخطوات التي يجب اتخاذها على الفور للحد من خطر الإصابة بالسرطان:

١. توقف عن التدخين!

دخان السجائر هو المادة المسرطنة الأكثر فاعلية التي يتعرض لها معظمنا. على الرغم من أن النيكوتين ذو درجة إدمانية شديدة، فإن علينا أن نكافح لتخليص الجسم منه هو وجميع المواد المسرطنة الموجودة في دخان السجائر. يُظهر المدخنون زيادة هائلة في عدد الجذور الحرة في أجسامهم. لكن وبرغم ذلك، يعد التدخين السلبي عاملا مسببا للإجهاد التأكسدي أيضا.

٢. قلل من التعرض لأشعة الشمس.

إن موجات الأشعة فوق البنفسجية الطويلة والمتوسطة هي مسرطنات معروفة. وأنا أوصي بشدة باستخدام واق للشمس يحمي الجلد من كليهما. إنها نصيحة لا يمكنك العيش دونها. أيها الآباء والأمهات، احموا أطفالكم.

٣. اتبع حمية منخفضة الدهون.

من المعروف أن تناول الطعام المرتفع في نسبة الدهون يحث على الإجهاد التأكسدي، وخصوصا عندما يفتقر الطعام إلى كميات كافية من مضادات الأكسدة؛ لذا علينا تقليل تناول الدهون المشبعة، والتأكد من استهلاكنا سبع حصص على الأقل من الفواكه والخضر وما يزيد على خمسة وثلاثين جراما من الألياف يوميا (أنا أعلم أنك سمعت بكل هذا من قبل؛ ولكن نسبة تقل عن ٩ ٪ من مجموع السكان هي فقط التي تتبع هذه النصيحة فعلا!).

٤. احذر المواد المسرطنة الأخرى.

إذا كان ذلك ممكنا، فاتخذ إجراء يساعدك على تقليل تعرضك للمسرطنات مثل الإشعاع، ومبيدات الآفات، ومبيدات الأعشاب، والأسبستوس، والفحم، والسخام، إلخ، وذلك عن طريق تطهير بيئتك المنزلية منها.

هناك مبدأ ستتعلم مع الوقت أن تقدره حق قدره، وهو أنه مع تقليل التعرض لكل هذه المواد المسرطنة، ستقل نسبة الجذور الحرة التي ننتجها وتضطر أجسامنا لمحاربتها. على سبيل المثال، فإنه من الصعب بالنسبة لي أن أوصي مريضا باتباع نظام غذائي صحي ودعمه بالمكملات الغذائية اللازمة بينما أراه يدخن علبتين من السجائر يوميا. فأنا أعلم أن تأثير هذا سيكون ضعيفا في أحسن الأحوال. وما لم يتوقف عن التدخين، فإن فرص تقليل خطر الإصابة بالسرطان ستكون بالتأكيد ضعيفة للغاية.

المرحلة الثانية من الوقاية الكيميائية: تعزيز نظام الدفاع المضاد للأكسدة والجهاز المناعي بالجسم

لا يمكننا تجنب التعرض لجميع المواد المسرطنة أو الكيميائية في البيئة؛ فنحن لا نزال نعيش في هذا العالم. إن الخوف “مما يمكن أن يصيبنا في العالم الخارجي” لن يفعل سوى أن يسلبنا حقنا في عيش حياة كاملة مزدهرة. كما علمت بالفعل، فإن مجرد حقيقة أننا بحاجة إلى الأكسجين للعيش يضعنا تحت خطر الإجهاد التأكسدي؛ ولذلك، فإن أفضل إستراتيجية ليست الاختباء، ولكن تعزيز نظام الدفاع المضاد للأكسدة والجهاز المناعي بجسمك بأقصى قدر ممكن. وهذا يبدأ بتناول الطعام الصحي.

من المنطقي أنه إذا كان الإجهاد التأكسدي هو السبب في السرطان، فإن استخدام مضادات الأكسدة لإعادة توازن عدد الجذور الحرة سيقلل من خطر الإصابة بالسرطان. وقد ثبتت صحة هذه الفكرة. وقد اتبعت الدكتورة “جلاديس بلوك” المتخصصة في أبحاث السرطان هذا المنطق تحديدا في أثناء استعراضها ل ١٧٢ دراسة وبائية من جميع أنحاء العالم أجريت حول علاقة النظام الغذائي بالسرطان. اكتشفت الدكتور “بلوك” نتائج متكررة وثابتة: أظهر الأفراد الذين يتناولون أكبر كمية من الفواكه والخضراوات (المصدر الرئيسي لمضادات الأكسدة) انخفاضا كبيرا في خطر الإصابة بكل أنواع السرطان تقريبا. كان خطر الإصابة بمعظم السرطانات أقل مرتين أو ثلاثًا لدى من يتناولون أكبر كمية من الفواكه والخضر مقارنة بمن يتناولون كمية أقل.

والعكس صحيح أيضا. قال الدكتور “بروس إيمز” – الباحث الرائد في مجال السرطان – في مقابلة له في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية إن الأفراد الذين يستهلكون أقل كميات من الفواكه والخضراوات يكون معدل تعرضهم للإصابة بالسرطان ضعفي معدل من يستهلكون منها كميات أكبر.

إننا فقط باستهلاك من خمس إلى سبع حصص من الفواكه والخضراوات يوميا، يمكن أن نقلل خطر الإصابة بأغلب أنواع السرطان بمقدار النصف.

وأفضل نظام دفاع ممكن لجسدك يمكن بناؤه باتباع نظام غذائي صحي. لا شيء يمكن للطبيب أن يصفه لك ويحل محل الغذاء الذي يحتاج إليه الجسم ليحصل على الطاقة ويجدد نفسه. ومن المبادئ التي ستسمعني أؤكد عليها مرارا حقيقة أنه إذا اخترت استخدام المكملات الغذائية، فعليك أن تدعمها باتباع نظام غذائي صحي تحديدا. الخطوة الأولى نحو بناء نظام مناعة قوي هي أن تتناول الطعام الغني بالألياف وقليل الدسم؛ أي الفواكه والخضراوات بدرجة كبيرة.

ولكننا بحاجة إلى المزيد من أجل الوقاية الكيميائية. بدأت الأبحاث الطبية في إثبات أن تناول مضادات الأكسدة في صورة مكملات غذائية ندعم بها نظامنا الغذائي أمر غاية في الأهمية للوقاية الكيميائية. تظهر الدراسات أن تناول المكملات الغذائية جيدة النوعية لعشرين أسبوعا والتي تحتوي على فيتامين ج، وفيتامين ه، وبيتا كاروتين أدى إلى الحد بدرجة كبيرة من آثار الأكسدة الضارة على الحمض النووي الخاص بالمدخنين وغير المدخنين أيضا. كما تبين أن فيتامين ه يساعد على حماية الجسم من الضرر الذي يصيب الحمض النووي بسبب ممارسة الرياضة.

المرحلة الثالثة من الوقاية الكيميائية: تعزز نظام الترميم بالجسم

في المرحلتين الأولى والثانية من الوقاية الكيميائية، كنا معنيين في المقام الأول بتقليل حجم الإجهاد التأكسدي الذي يضطر الجسم الى التعامل معه وتوفير مضادات الأكسدة الكافية لمنع مثل هذا الضغط من الإضرار بالحمض النووي. وفي المرحلة الثالثة سيتجه تركيزنا نحو نظام الترميم المدهش بالجسم عندما يقترن بتناول المغذيات بدرجة تكفي لتمكين الخلية من إصلاح الضرر البالغ الذي حدث بالفعل.

تقدم لنا الآفات أو الزوائد ما قبل السرطانية فكرة ممتازة عن أهمية استخدام مضادات الأكسدة في الوقاية الكيميائية. ومن الصعب أن نتتبع تلك الأورام داخل الجسم، ولكن العديد من الدراسات تمكنت من تتبعها على سطح الجسم. في المقام الأول تدرس هذه الدراسات مرضَيْ اللطخة البيضاء – وهو ورم قبل سرطاني يصيب أفواه ماضغي التبغ – والتنسج العنقي، وهو ورم قبل سرطاني يصيب سطح عنق الرحم.

ونحن نأمل أنه عبر مراقبة آثار استخدام مختلف مضادات الأكسدة على هذه الأورام، فإننا سنعلم ما يكفي عن تأثيرها المحتمل على الحمض النووي المتضرر بالفعل. تذكر أن السرطان عملية متعددة المراحل، وأنه حتى الأورام قبل السرطانية تكون في مرحلة متقدمة نسبيا. الخطوة التالية في هذه العملية متعددة المراحل هي تطور السرطان الحقيقي نفسه.

وكما قد تتخيل، هناك اهتمام بالغ بالوقاية والعلاج من اللطخة البيضاء. أظهرت العديد من الدراسات أن ماضغي التبغ لديهم مستويات منخفضة من مضادات الأكسدة. وبالتالي، يقل معدل خطر الإصابة باللطخة البيضاء لدى من يكون لديهم أعلى مستويات من مضادات الأكسدة.

كتب الدكتور “هاريندر جاريوال” مقالا حول تأثير مضادات الأكسدة ليس فقط في الوقاية من سرطان الفم ولكن أيضا في عكس أثر اللطخة البيضاء. وتعتبر هذه المقالة نقطة استدلال بارزة في المرحلة الثالثة من الوقاية الكيميائية؛ فالنتائج التي تَوصَّل إليها تمنح الأمل في قدرة مضادات الأكسدة على وقف عملية تطور السرطان، وتمكين نظام الترميم بالجسم من إصلاح الضرر بالخلية. و في المربع التالي سوف أوجز لكم العديد من التجارب السريرية التي ذكرها.

التنسج العنقي هو ورم قبل سرطاني يصيب الرحم ويظهر على سطح الجسم. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن النساء اللاتي يعانين مستويات منخفضة من بيتا كاروتين وفيتامين ج يرتفع لديهن معدل خطر الإصابة بالتنسج العنقي. والحقيقة أن النساء اللاتي لديهن مستويات متدنية من البيتا كاروتين يكن أكثر عرضة بمرتين أو ثلاث للإصابة به مقارنة بالنساء اللاتي لديهن المستويات أعلى.

والنساء اللاتي يتناولن أقل من ثلاثين مللي جرامًا من فيتامين ج يوميا يرتفع لديهن معدل خطر الإصابة بالتنسج العنقي بعشر مرات مقارنة بالنساء اللاتي يتناولن نسبة أكبر. وقد أظهرت دراسات وبائية أخرى أن الافتقار إلى فيتامين أ، وفيتامين ه، وبيتا كاروتين، وفيتامين ج يزيد من خطر الإصابة بسرطان عنق الرحم. وقد ثبت في الواقع أن مكملات بيتا كاروتين تمنع التنسج العنقي من التطور إلى سرطان عنق الرحم. وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت بعض التجارب السريرية دور فيتامين ج وبيتا كاروتين في عكس أو تقليل خطر التنسج العنقي.

على الرغم من أن العلوم الطبية تحاول العثور على المغذي “السحري” في كل نوع من هذه السرطانات، فإنني كطبيب، لا أحاول سوى تحديد المبادئ التي ستكون مفيدة لمريضي. وبعد الاستقصاء عن دراسات كتلك المذكورة هنا، لم يعد لدي أدنى شك في أن هذه المواد الغذائية المضادة للأكسدة تعمل معا، في تآزر. وهذا يعني أننا نحتاج إلى مجموعة متنوعة من مضادات الأكسدة المختلفة، وبحاجة أيضا إلى المعادن (المنجنيز والزنك والسيلينيوم والنحاس) و فيتامينات ب التي تدعم الوظائف الإنزيمية.

إنني أجد نفسي منبهرا بقدرة الله التي تتجلى في بناء الجسم بطريقة لا تجعله يحمي نفسه ضد الإجهاد التأكسدي وحسب، بل يتمكن من إصلاح الضرر الملحق بالحمض النووي. هناك العديد من التجارب السريرية الجارية التي ستحدد بمزيد من الدقة أدوار مضادات الأكسدة في عكس عملية التسرطن. في هذه الأثناء، تذكر أن اللطخة البيضاء والتنسج العنقي يظهران في المراحل الأخيرة من السرطان متعدد المراحل. وبرغم ذلك تظهر الدراسات كيف يمكن للجسم أن يعيد إصلاح نفسه عندما نوفر له المستويات الأمثل من بعض مضادات الأكسدة.

علاج السرطان التقليدي لا يبدو واعداً دائماً

إنني أسلم بأهمية العلاج الكيميائي للأفراد الذين لم يتطور لديهم السرطان بشكل كامل بعد. وعلاج السرطان التقليدي لا يبدو واعدا دائما؛ ويشمل هذا الجراحة (عندما يكون ذلك ممكنا)، والعلاج الكيميائي، والعلاج الإشعاعي للأورام الصلبة مثل السرطانات الموجودة في الرئة، والثدي، والقولون، إلخ. وعلى الرغم من جهود الأبحاث الطبية، فلا يبدو أن هذه العلاجات قادرة على مزيد من التطور.

الأخبار السيئة مستمرة: رغم وجود أدلة على زيادة معدلات الشفاء في علاج سرطان الغدد الليمفاوية، وسرطان الدم لدى الأطفال، وسرطان الخصية، فإن هناك خوفا متزايدا من تطور سرطان ثانوي وحدوث مضاعفات نتيجة لهذه العلاجات.

والخبر السار هو أن الأبحاث الطبية بدأت تدعم فكرة تناول المكملات مع خليط من مضادات الأكسدة والمواد الغذائية الداعمة. وهذا المزيج يمكنه في الواقع تعزيز العلاج الكيميائي والإشعاعي التقليدي وحماية الخلايا الطبيعية من الآثار السامة في الوقت نفسه.

لماذا لا يشجع الأطباء المرضى الذين يتلقون علاج السرطان على استخدام مضادات الأكسدة؟

إن أطباء الأورام والمعالجين بالإشعاع عادة ما لا يشجعون المرضى الذين يتلقون علاج السرطان على استخدام مضادات الأكسدة. فلماذا؟ يخشى الأطباء احتمال بناء المكملات المضادة للأكسدة لنظام دفاع مضاد للأكسدة خاص بالخلايا السرطانية؛ ما قد يجعل العلاجات أقل فاعلية، كونها تعتمد في المقام الأول على تدمير الخلايا السرطانية باستخدام الإجهاد التأكسدي. إنها مخاوف منطقية، ولكنها غير مدعومة بالأدلة الطبية.

قام الطبيبان “كيدار براساد” و”أرون كومار” وزملاؤهما بقسم الإشعاع في كلية الطب بجامعة كولورادو باستعراض أكثر من سبعين دراسة لمعالجة هذه المخاوف. كان اسم تقريرهم هو: “جرعات عالية من عدة فيتامينات مضادة للأكسدة: مكونات أساسية في تعزيز فاعلية العلاج التقليدي للسرطان”، والذي ظهر على صفحات مجلة الكلية الأمريكية للتغذية . ذكر الطبيبان “براساد” و “كومار” أن هناك عددا محدودا للغاية من الدراسات التي أظهرت وجود تأثير سلبي لاستخدام نوع واحد من المغذيات كمكمل مع بعض أنواع العلاجات الكيميائية. إلا أنه عندما استخدمت جرعات عالية من مضادات أكسدة متعددة معا، تم تعزيز العلاجات نفسها.

مضادات الأكسدة تساعد على تدمير الخلايا السرطانية

تكشف الأبحاث السريرية أن الخلايا السرطانية تتعامل مع مضادات الأكسدة على نحو يختلف عن الخلايا الطبيعية. في العادة تأخذ الخلايا السليمة الكمية التي تحتاج إليها من مضادات الأكسدة والمواد الغذائية. إنها حقيقة علمية مهمة للغاية عندما يتعلق الأمر بمبادئ التغذية الخلوية.

أما الخلايا السرطانية فهي تستمر في امتصاص مضادات الأكسدة والمغذيات دون توقف. هذا المقدار الهائل من مضادات الأكسدة يجعل الخلايا السرطانية في الواقع أكثر عرضة للموت. ومضادات الأكسدة لا تساعد الجسم في معركته ضد الخلايا السرطانية وحسب، بل إنها تعزز قدرته على الدفاع عن الخلايا السليمة ضد الآثار الضارة للعلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي.

مضادات الأكسدة تساعد الخلايا السليمة

من المعروف أن معظم الآثار الجانبية الضارة الناجمة عن العلاج الكيميائي والإشعاعي على الخلايا الطبيعية تكون غالبا بسبب أن هذه العلاجات تعزز عملية الإجهاد التأكسدي داخل الجسم. ولكن المعلومة غير الشائعة تقول إنه عندما يأخذ المريض جرعات عالية من المكملات المضادة للأكسدة، فإنه يحسن نظام الدفاع الطبيعي في الخلايا لأنها تتعامل مع مضادات الأكسدة هذه بصورة طبيعية. وهذا يعني ربحا للجانبين؛ فالعلاج الكيميائي والإشعاعي يمكن أن يكونا مكثفين لأقصى درجة ممكنة وفي الوقت نفسه سنتمكن من تقليل الآثار الجانبية والضرر الرهيب الذي يلحق بالخلايا السليمة.

يحمي فيتامين ه من الأضرار الناجمة عن مختلف العوامل العلاجية الكيميائية في الرئتين والكبد والكلى والقلب والبشرة. وقد ثبت أن الإنزيم المساعد كيو ١٠ يحمي الجسم من الضرر طويل المدى الذي يلحق بالقلب بسبب الأدرياميسين. كما يقلل البيتاكاروتين وفيتامين أ من الآثار الضارة للإشعاع وبعض العوامل العلاجية الكيميائية. وقد أظهرت أن جميع مضادات الأكسدة المذكورة تساعد على الحماية من الضرر الذي يلحق بالحمض النووي للخلايا الطبيعية بسبب علاجات السرطان.

مضادات الأكسدة الطبيعية والمواد الغذائية الداعمة لها عوامل مثالية في الوقاية الكيميائية

تقدم لنا العلوم الغذائية الأمل الأكبر في كفاحنا ضد السرطان والعديد من الأمراض التنكسية الأخرى. إنها لا تساعد على منع السرطان وحسب، بل قد تعزز العلاج الكيميائي والإشعاعي التقليدي أيضا. كيف يمكن لبناء الدفاع الطبيعي بالجسم أن يكون شيئا سيئا؟ ألا يريد الأطباء لمرضاهم أن يكونوا أصحاء بقدر الإمكان، بما أن العلاجات السرطانية ستضع المرضى تحت أكبر ضغط تحملوه في حياتهم؟

تعد مضادات الأكسدة الطبيعية والمواد الغذائية الداعمة لها عوامل مثالية في الوقاية الكيميائية، وذلك لأسباب عدة:

• إنها تقلل من – بل وتمنع – إضرار الجذور الحرة بالحمض النووي لنواة الخلية.

• توفر المواد الغذائية المناسبة اللازمة للجسم لإصلاح أي ضرر حدث بالفعل.

• تعد آمنة ويمكن تناولها طوال الحياة (لا تشترك العقاقير الصيدلانية معها في هذه الميزة؛ فالتاموكسيفين الذي ثبت أنه يقلل خطر الإصابة بسرطان الثدي، له آثار جانبية شديدة الخطورة).

• تعد غير مكلفة نسبيا (فالمغذيات التي أوصي بها للوقاية تتكلف ما بين دولار (أمريكي) ودولار ونصف يوميا.

• توفر أفضل دفاع ممكن ضد تطور السرطان بالجسم.

• تحمي الجسم من الإجهاد التأكسدي الذي يسببه العلاج الكيميائي والإشعاعي.

• تعزز من القدرة على مكافحة السرطان مع وجود العلاج الكيميائي والإشعاعي.

• تمنع تكرار نمو السرطان.

• ثبت أنها تسبب تراجع الورم في بعض الحالات.

لا يمكننا أن ننكر أن فاعلية علاجات السرطان التقليدية قد وصلت إلى سقفها وليس هناك من جديد لتقدمه؛ لذا على أطباء الأورام والمعالجين بالإشعاع أن يصبحوا أكثر انفتاحا بشأن استخدام مرضاهم لمضادات الأكسدة. ومع اهتمام الباحثين الجاد بدراسة فاعلية استخدام مضادات أكسدة متعددة بالجرعات المثلى، فإنه قد تحدث ثورة في الوقاية من السرطان وطرق علاجه. وخلال هذا الوقت فإن البحث المتوافر حاليا يدعم استخدام مضادات الأكسدة في جميع مراحل الوقاية الكيميائية وعلاج السرطان

مواضيع قد تهمك

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي