طبيب دوت كوم

القائمة

تربية الأطفال بالتعبير عن الدفء والدعم الحنون ضمن قواعد واتفاقيات

تربية الأطفال بالتعبير عن الدفء والدعم الحنون المحب مع وضع الحدود والاتفاقيات

مع الحب غير المشروط والدعم للأطفال، يجب أن يوازن الآباء الناجحون هذا الحب من خلال وضع قواعد وحدود واضحة. تلك هي المنطقة التي علينا أن نتعلم بها الكثير.

أربعة أنواع أساسية من الآباء

الآباء المسيطرون:

ينزع هذا النوع من الآباء إلى توليد أكثر الصفات سلبية لدى الأطفال. فعادةً ما يضع الآباء المسيطرون معايير وتوقعات عالية جداً، ولكنهم نادراً ما يقدمون الدعم الدافئ والحنون، وقلما يقدمون تفسيرات لقواعدهم الصارمة. وينزع هؤلاء الآباء إلى العناد والصلابة، ويطلبون من أطفالهم عدم ممارسة بعض الأنشطة بسبب قناعات راسخة لديهم. ولكن لأن الأطفال لا يعرفون سبب كون تلك الأنشطة خاطئة، فربما ينخرطون فيها سراً.

قامت مجموعة من علماء وأطباء النفس بدراسة 875 تلميذاً في الصف الثالث الابتدائي في مقاطعة كولومبيا الريفية، وتوصلوا للعديد من النتائج بشأن الآباء المسيطرين. لقد وجدوا أن السبب في ارتفاع مستوى العدوانية بين الأطفال الأصغر سناً هو أفعال الآباء مفرطي السيطرة. وعادةً ما تستمر تلك العدوانية الزائدة مدى الحياة ويمكن أن تؤدي إلى العنف الشديد. كذلك أوضحت الدراسة أن العقاب الصارم المصحوب بالنبذ يمكن أن يؤدي إلى السلوكيات العدوانية.

وإليك بعض العبارات والأفعال المعتادة للآباء المسيطرين:

“القواعد هي القواعد. أنت متأخر؛ اذهب إلى النوم دون عشاء”.
“لن أحتمل ردودك الوقحة، اعتذر الآن”. (أو يقوم بصفع وجه الطفل).
“لست بحاجة لمعرفة الأسباب. فقط افعل ما آمرك به”.
“لست أبالي بعدد أصدقائك الذي سيذهبون. أنت لن تذهب ولا أريد أن أسمع كلمة أخرى عن هذا الأمر، هل تسمع؟”.
“لن يتهرب ابن لي من المسئولية أبداً. لقد قبلت بأداء المهمة، وعليك إتمامها”.
“كم مرة طلبت منك أن تتوقف عن ذلك؟ ادخل، ستنال عقابك الآن!”.
وإليك بعض ردود الأفعال المحتملة لأطفال الآباء المسيطرين:
يقل تقديرهم للذات، وتكون لديهم قدرة أقل على التكيف مع القواعد أو السلطة.
القسوة الصارمة للأب تحطم روح الطفل وينتج عنها المقاومة، أو “الصمت”، أو العصيان والتمرد.
عادةً ما تنعدم رغبة الطفل في القيام بأي شيء مطابق لقواعد والديه أو قيمهما، حيث ينزع الطفل إلى رفض مُثُل والديه.
قد ينجذب الطفل إلى غيره من الأطفال المتمردين على أبائهم وعلى القواعد العامة للمجتمع. وقد يلجأ أيضاً إلى المخدرات أو غيرها من الأنشطة غير الشرعية.
قد يصبح الطفل متبجحاً ولحوحاً في المطالبة بحقوقه.
في الفصل المدرسي، قد يتسبب الطفل في الإزعاج والتشويش بغرض جذب انتباه الآخرين إليه.

الآباء المهملون

يفتقر الآباء المهملون عادة إلى كل من الدعم المحب والسيطرة على أبنائهم. فهم يبدون موقفاً يتسم بعدم الاهتمام أو عدم النضج، حيث يضربون الطفل عندما يتعرضون للضغط أو الغضب. ويميل هؤلاء الآباء عادة إلى عزل أنفسهم عن أبنائهم من خلال الاستخدام الزائد لجليسات الأطفال، والانغماس في أنشطتهم الذاتية الأنانية. وهم ينظرون للأطفال باعتبارهم مصدراً للإزعاج “يمكن أن نراهم ولكن لا يجب أن نسمع لهم صوتاً”.

وقد ساعدني د. أرماند نيكولي، وهو طبيب نفسي بكلية الطب بجامعة هارفارد، على فهم أن الآباء المهملين لا يكونون غائبين فحسب عندما لا يكونون متواجدين بالمنزل؛ فهؤلاء الآباء يسلبون أبنائهم واحداً من أكثر العوامل أهمية في حياتهم وهو التواجد العاطفي. فعندما يكونون بالمنزل، عادةً لا يستمعون إلى أطفالهم ولا يبدون اهتماماً بهم.

هناك أربعة أسباب رئيسية لإهمال الأطفال في وقتنا الحالي، طبقاً لما ذكره د. نيكولي:

أ. ارتفاع معدلات الطلاق. توضح الإحصائيات أن هناك أكثر من 13 مليون طفل يعيشون مع أحد الوالدين المنفصلين في الولايات المتحدة. لقد كانت معدلات الطلاق في زيادة كبيرة مستمرة منذ بداية الستينيات من القرن العشرين وزادت بنسبة 700 بالمائة منذ بداية هذا القرن. وتتطلب معظم حالات الطلاق أن يعمل العائل الذي يعيش معه الطفل خارج المنزل، مما يسمح بوقت أقل للتنمية العاطفية للطفل. ومن الصعب للغاية بالنسبة للطرف المنفصل عن زوجه إمداد أطفاله بالوقت اللازم كل يوم للإنصات والتواجد العاطفي؛ برغم أن هذا ليس مستحيلاً.

ب. زيادة الأمهات في سوق العمل. أكثر من 50 بالمائة من الأمهات بالولايات المتحدة أمهات عاملات. وقد ازدادت تلك النسبة أيضاً بشكل كبير في الستينيات من القرن العشرين، وذلك من خلال التأكيد القوي على عدم تحقيق النساء لذواتهن بالمنزل. كما أن الضغوط الاقتصادية لهذا العصر قد أجبرت بدورها الكثير من النساء على البحث عن وظائف. وعن طريق الانضمام إلى سوق العمل، غالباً ما تكون الأمهات أقل تواجداً وتواصلاً مع أطفالهن.

وقد تضاعف معدل الانتحار بين الأطفال من سن 10 إلى 14 سنة ثلاثة أضعاف خلال السنوات العشر الماضية. يقول د. نيكولي إن هذا يمكن ربطه مباشرة بالتغييرات التي طرأت على البيوت الأمريكية. وتوضح دراسة أشار إليها د. نيكولي أن الآباء الأمريكيين يقضون وقتاً أقل مع أطفالهم من الآباء في أي دولة أخرى عدا إنجلترا. واقتبست الدراسة عن أب روسي قوله إنه حتى لا يفكر مجرد التفكير في قضاء أقل من ساعتين يومياً مع أطفاله. وعلى النقيض، وجدت دراسة في جامعة بوسطن أن الأب العادي في الولايات المتحدة يقضي ما يقرب من سبعة وثلاثين ثانية في اليوم مع أطفاله.

ج. مشاهدة التليفزيون بإفراط. لقد ازداد هذا العامل أيضاً بشكل كبير في الستينيات، واليوم تمتلك أكثر من 90 بالمائة من البيوت الأمريكية جهاز تليفزيون واحداً على الأقل. ومشكلة التليفزيون هي أنه يجعل التواصل العاطفي الهادف في أدنى مستوياته برغم تواجد الأشخاص بأجسادهم معاً في غرفة واحدة. وعندما يهمل الآباء أطفالهم من أجل مشاهدة التليفزيون أو أنشطة أخرى، يواجه الأطفال حرماناً عاطفياً مشابهاً للحرمان الناتج عن فقد أحد الوالدين نتيجة للموت. وغالباً ما يشعر الأطفال بالذنب عندما لا يكون والداهم معهم، حتى أن بعضهم يعتقدون أن السبب في ذلك هو أنهم أطفال سيئون، ولو أنهم كانوا أفضل من ذلك لقضى والداهم وقتاً أطول معهم. وبالطبع، يقلل هذا الإدراك إحساس الطفل بقيمته.

د. التنقل الاجتماعي المتزايد. أكثر من 50 بالمائة من الأمريكيين يغيرون عناوين سكنهم كل خمس سنوات. وهذا التنقل يسلب الأطفال وقت آبائهم وكذلك يحرمهم التواجد العاطفي والقوة العاطفية التي يستمدونها من أصدقائهم وأقاربهم في منزلهم السابق. ولكن حتى إذا كنا مضطرين إلى تغيير مكان سكننا ونقل أسرنا، فما زال بمقدورنا التواجد عاطفياً والتواصل مع أطفالنا. ويمكن ذلك من خلال تخصيص وقت كل يوم لقضائه مع أطفالنا أو لقضائه معاً كأسرة واحدة. وقد أكد د. نيكولي على ضرورة هذا الوقت لإبطال آثار كثرة التنقل التي يتسم بها المجتمع الأمريكي.

ولكي نوضح مدى انتشار مشكلة التواجد والتواصل العاطفي، خذ فترة راحة قصيرة وحاول قضاء خمس دقائق فقط في التركيز على رفاهية أسرتك وسعادتها وعلى كيفية مساهمتك في الوفاء بالاحتياجات العاطفية لكل طفل. قد تجد هذا أمراً بالغ الصعوبة لأننا غير معتادين على فعل هذا في ثقافتنا.

فيما يلي بعض العبارات والأفعال المعتادة من جانب الآباء المهملين:

“افعل هذا بنفسك. ألا ترى أني مشغول؟”.
“لا! أنا مرتبط بموعد آخر الليلة. اجعل والدتك تساعدك”.
“كلا، لا يمكنك أن تسهر. ألا تذكر أنك أردت السهر الليلة الماضية. كف عن إزعاجي!”.
“تلك مشكلتك، عليّ الذهاب إلى العمل”.
“تباً! ألا يمكنكم أن تكونوا أكثر حذراً”.
“يا إلهي، لقد تأخرت مرة أخرى. أيمكن أن يمرر لي أحد قطعة من اللحم؟”.
“أنت تعتقد أنني غبي، وتلك هي مشكلتك يا فتى. اغرب عن وجهي الآن!”.
وإليك بعض الآثار المحتملة التي تحدث لأبناء الآباء المهملين:
عادة ما تجرح الصرامة والقسوة روح الطفل، مما ينتج عنه التمرد والعصيان.
الإهمال يخبر الطفل أنه غير جدير بقضاء الوقت معه.
يشعر الطفل بعدم الأمان لأن والديه لا يمكن التنبؤ بسلوكهما مطلقاً.
قد لا يتكون لدى الطفل احترام صحي لذاته، وذلك لأنه لا يحظى بالاحترام ولم يتعلم كيفية التحكم بنفسه.
نقض الوعود يحطم روح الطفل ويقلل تقديره لذاته.
يسوء أداء الطفل في المدرسة بسبب نقص أو غياب الشعور بالتحفز.

الآباء المتساهلون:

ينزع الآباء المتساهلون إلى العطف، والدعم، ولكنهم ضعفاء في وضع القواعد والحدود لأطفالهم وفرضها بالقوة.

كان ذلك هو نوع الآباء الذي انتمى إليه والديّ. كان أبي وأمي حنونين للغاية ومحبين ومتقبلين لي. ولكن بقدر ما أذكر، لم تكن هناك أي قواعد صارمة في منزلنا على الإطلاق. فعادةً ما كانا يستجيبان لاحتياجاتي ويلبياها لي. وحتى عندما كنت أقع في مشكلة، لم يحدث أنهما قاما بضربي أو معاقبتي. كانت أمي تقول إنها لم تضرب أحداً من أطفالها لأن طفلتها الأولى ماتت نتيجة تسمم بالدم وكانت قد صفعتها قبل وفاتها بأسبوعين. وقد جعلت أبي يقطع وعداً بأنه لن يصفع أي طفل من أطفالهم الخمسة الباقين.

وعلى الرغم من حسن نيتهما، إلا أن هذا الرفق قد أثر علي بشكل سلبي. لقد ترك والديّ جميع القرارات المتعلقة بكيفية قضائي وقت فراغي لي. وفي الواقع، فقد تسبب هذا في عدد من المشاكل في حياتي. فذات مرة، ضبطني أبي أرتكب مخالفة جسيمة بالنسبة لولد صغير. ومن خلال نبرة صوته القوية، عرفت أنني كنت في مشكلة. ولكن فيما بعد، قال إنه لن يعاقبني إذا وعدته أنني لن أفعل ذلك ثانية. وقد أخبرته بالفعل أنني يجب أن أعاقب، ولكن أبى أن يفعل. كان هناك شيء في كياني يحتاج للتصحيح والتقويم.

إن أحد أسباب كون بعض الآباء متساهلين للغاية هو خوفهم الداخلي من احتمال تدمير أبنائهم إذا كانوا صارمين معهم أكثر مما ينبغي. وقد يؤدي هذا الخوف من التصدي لأبنائهم إلى حدوث الأشياء التي يخشون حدوثها.

وعلى الجانب الإيجابي، الآباء المتساهلون هم آباء أقوياء فيما يخص مسألة تقديم الدعم. وأنا ممتن للغاية أن والديّ قدما لي الدفء والحب. فقد كان والداي كثيري العطاء، وقادرين على التفهم، وتقديم السلوى والمواساة. ويدرك الآباء الفعالون أن القدر المناسب من التساهل هو أمر صحي. وهذا يعني قبول كون الأطفال أطفالاً، وأن القميص النظيف لن يبقى نظيفاً طويلاً، وأن الأطفال سيجرون بدلاً من أن يسيروا، وأن الشجرة للتسلق، وأن المرآة لتلطيخ الوجوه. ويعني هذا قبول امتلاك الأطفال للمشاعر والأحلام الطفولية. وهذا النوع من التساهل يمنح الطفل الثقة بالنفس والقدرة المتزايدة على التعبير عن أفكاره ومشاعره.

ومن ناحية أخرى، فالتساهل المفرط يسمح بأفعال غير مرغوب بها مثل استخدام القوة ضد الأطفال الآخرين، والكتابة على الجدران، وكسر الأشياء.

العبارات والأفعال التالية مألوفة من الآباء المتساهلين:

“حسناً، يمكنك السهر لوقت متأخر هذه المرة، فأنا أعرف مدى حبك لهذا البرنامج”.
“أنت متعب، أليس كذلك؟ إن توزيع الصحف عمل شاق بالتأكيد؛ سأقلك في سيارتي”.
“أكره أن أراك تحت كل هذا الضغط من جانب المدرسة. لم لا تسترح غداً؟ سأقول إنك مريض”.
“ألم تسمعني حين استدعيتك للعشاء؟ حسناً، لا بأس. اجلس، فلا أود أن تأكل عشاءً بارداً”.
“من فضلك لا تغضب مني، إنك تضخم الموضوع وتبالغ في رد فعلك”.
“جيمي، من فضلك حاول أن تسرع، ستتأخر والدتك مرة أخرى إن لم نبدأ في الحال”.

إليك بعض الاستجابات المحتملة لأطفال الآباء المتساهلين:

يشعر الطفل أنه في موضع القيادة ووفقاً لذلك يمكنه أن يتلاعب بالآباء.
ينمو لدى الطفل شعور بعدم الأمان، فاعتماده على الآباء مثل الاتكاء على حائط يبدو ثابتاً ولكنه ينهار.
قد يكون شعور الطفل باحترام الذات ضئيلاً لأنه لم يتعلم ضبط النفس والالتزام بمبادئ انضباط شخصية.
يتعلم الطفل أنه بما أن المعايير ليست صارمة، يمكنه التلاعب بالقواعد.

الآباء المحبون والحازمون:

عادةً ما يكون لهذا النوع من الآباء قواعد وحدود ومعايير للحياة محددة بوضوح. ويستغرق هؤلاء الآباء وقتاً لتدريب أطفالهم على فهم هذه المعايير -مثل سبب عدم إمكانية نحت علامات الحب على شجرة الجيران- ويقومون بإعطاء تحذيرات واضحة عندما يتخطى الطفل حداً معيناً. ولكنهم أيضاً يقدمون الدعم من خلال التعبير عن الحنان الجسدي وقضاء بعض الوقت في الاستماع إلى كل طفل. ويتسم هذا النوع من الآباء بالمرونة، والاستعداد لسماع كل الحقائق إذا تم انتهاك أي من القواعد.

هذا النوع من الآباء هو تركيبة صحية ومتوازنة من الآباء المسيطرين والمتساهلين. فهناك صرامة مصحوبة بقواعد واضحة مثل “لا يمكنك أن تضر بأثاث منزلنا أو أي منزل آخر متعمداً” ولكن تلك الصرامة مصحوبة بمواقف وأفعال تظهر الحب.

إليك بعض العبارات والأفعال المعتادة من جانب الآباء المحبون الحازمون:

“أنت متأخر مرة أخرى على العشاء يا تايجر. كيف يمكننا إيجاد حل لتلك المشكلة؟” (يقضي هؤلاء الآباء وقتاً في إيجاد الحلول مع أطفالهم).
“أتمني لو كان بإمكاني أن أدعك تسهر لوقت متأخر، ولكننا اتفقنا على هذا الموعد. فهل تذكر كيف يكون حالك في اليوم التالي عندما لا تنال كفايتك من النوم؟”.
“عندما يهدأ كلانا، دعنا نتحدث عن ما يجب عمله”.
“أنت متعثر للغاية، أليس كذلك؟ سأساعدك تلك المرة، ثم سنرى كيف ستقوم بذلك بمفردك المرة القادمة”.
“أنت تقولين أن جميع البنات سيذهبن إلى هناك. أود الحصول على المزيد من المعلومات أولاً”.
“هل انتهيت من درس البيانو؟ أكره أن أفعل هذا، ولكننا اتفقنا؛ ليس هناك عشاء قبل الانتهاء منه، سوف نبقي عشاءك دافئاً من أجلك”.
“يمكنك الرد على الهاتف، ولكن قبل أن تفعل يجب أن تتعلم أولاً كيف ترد عليه بطريقة مناسبة”.
بعض صفات المعتادة لأطفال الآباء المحبين والحازمين:
يؤدي الدعم الدافئ والقواعد الواضحة إلى بناء احترام الذات بداخل الطفل.
يكون الطفل أكثر رضا عندما يتعلم التحكم بنفسه.
يكون العالم الذي يعيش فيه الطفل أكثر أماناً عندما يدرك أن هناك قواعد راسخة لا يمكن تخطيها، ويدرك أن السبب في ذلك هو المبادئ الأساسية.
لأن روح الطفل غير مغلقة، تكون خيوط التواصل مع والديه منفتحة. كذلك تقل فرص “التمرد في سنوات المراهقة”.
يصنف أطفال الآباء المحبين والحازمين في مكانة مرتفعة في : (أ) احترام الذات، (ب) القدرة على الإذعان لرموز السلطة في المدرسة، إلخ، (ج) اهتمام أكبر بإيمان والديهم بالله، (د) ميل أكبر لعدم الارتباط بجماعة متمردة.

ويعكس الآباء الداعمون المحبون لأطفالهم والحازمون في الوقت نفسه الصورة المثلى لتنشئة الأبناء. وهذا النمط يؤكد على طريقتين مهمتين يجب أن يهتم الآباء بأطفالهم من خلالهما. أولاً، يجب أن يهذبوا أطفالهم، وهو ما يعني وضع قواعد محددة في المنزل. ثانياً، يجب أن يتبعوا أعظم نصيحة على الإطلاق؛ وهي حب بعضهم البعض.

ملخص جميع أنواع الآباء الأربعة:

الآباء المسيطرون هم الأقل قدرة على إظهار الحب، والدعم، وهم الأعلى في وضع القواعد الصارمة والقيود. والآباء المهملون يميلون إلى الافتقار للقدرة على تقديم الدعم الحنون، وكذلك وضع القواعد والقيود في المنزل. والآباء المتساهلون يميلون إلى حد كبير إلى تقديم الحب والدعم والعطف، ولكنهم يفتقرون للقدرة على وضع قيود وقواعد واضحة. أما النوع الرابع من الآباء، الآباء المحبون والحازمون، فإنهم يضعون قواعد واضحة وهم أكثر اجتهاداً وقدرة على توصيل الدفء والدعم المحب.

أهم طرق للتعبير عن الدفء والدعم الحنون المحب لأطفالنا

الالتزام غير المشروط

إحدى أهم الطرق للتعبير عن الدفء، والدعم الحنون المحب لأطفالنا هو الالتزام غير المشروط نحوهم مدى الحياة. ذلك النوع من الالتزام الذي يقول: “أنت مهم بالنسبة لي اليوم، وغداً، ومهما حدث”. إنني أذكر أفراد أسرتي يومياً بالتزامي نحوهم. فعلى مدخل منزلنا تتدلى لافتة صنعتها بنفسي تحمل عبارة: “إلى نورما، وكاري، وجريجوري، ومايكل، تأكيداً لالتزامي الأبدي نحوكم”.

ونخبر أطفالنا أنا ونورما بشكل متكرر بحبنا لهم. وبعدة طرق، نجعلهم يعرفون أننا ملتزمون نحوهم طوال حياتهم، مهما فعلوا. إننا ملتزمون بمساعدتهم كي يكونوا ناجحين في أي شيء يريدون فعله. وسنظل ملتزمين بذلك حتى بعد زواجهم. وسنظل ملتزمين بذلك أياً كان الأشخاص الذين سيرتبطون بهم. وسنظل ملتزمين بذلك مهما حدث أثناء زواجهم. وسنكون ملتزمين بذلك نحو شركاء حياتهم وأطفالهم. ونخبر أطفالنا أننا متواجدون دائماً للإنصات لهم. وإذا حدث وتورطوا في مشكلة، سنتواجد لمساعدتهم. وليس بالضرورة أن يعني هذا أننا سنخرجهم من أي موقف صعب، لأنه ربما لا يكون هذا في صالحهم. ولكنهم يعرفون مدى حبنا لهم، وأنه ليس هناك أي شيء يمكن أن يمنعنا من حبهم.

وعلى النقيض، يمكن أن ينتج عن غياب الالتزام غير المشروط صراع كبير. لقد كان هناك طفل في الثامنة عشر من عمره يقف في غاية الرعب مستمعاً لقاضٍ متجهم -كان صديقاً حميماً لوالد هذا الصبي- وهو يقول له إنه عار على المجتمع وعلى أسرته: “ينبغي أن تخجل من نفسك لما سببته من خزي لاسم أسرتك وما سببته لوالديك من ألم وإحباط بالغين. فوالدك مواطن مستقيم في هذا المجتمع، وقد خدمت شخصياً معه في العديد من اللجان وأعرف إخلاصه لتلك المدينة. إنني أعتبر والدك صديقاً شخصياً حميماً، وأشعر بالأسى العميق لاضطراري للحكم عليك اليوم بعقوبة بسبب جريمتك”.

وبرأس منكّسة بحرج واضح، استمع الصبي إلى القاضي. وبعد ذلك وقبل أن يتم النطق بالحكم، طلب أن يتحدث: “سيدي، إنني لا أقصد أن أكون قليل الاحترام أو أن أقدم تبريرات لسلوكي. ولكنني أحسدك كثيراًّ. لقد كانت هناك العديد من الأيام والليالي التي تمنيت فيها أن أكون أفضل صديق لوالدي. وقد كان هناك العديد من الأوقات التي احتجت فيها إلى مساعدته في الواجب المدرسي، واحتجت إلى نصائحة ومشورته في بعض الأوقات الصعبة التي مررت بها كمراهق. ولكن والدي كان منشغلاً بدرجة كبيرة، والأرجح أنه كان منشغلاً في بعض تلك اللجان معك، أو في لعب الجولف. لقد شعرت دائماً وكأن الأشياء الأخرى كانت أكثر أهمية مني لديه. إنني لا أقصد بذلك إهانة أو عدم احترام، ولكنني أتمنى حقاً لو كنت عرفت أبي مثلما عرفتَه أنت”.

صعق القاضي لما سمعه من الصبي، وأمر بوضعه تحت المراقبة وأمر أن يقضي الولد ووالده وقتاً معاً كل أسبوع، حتى يعرف أحدهما الآخر بصورة أفضل. وبالطبع كان هذا الحكم مهيناً بالنسبة للوالد، حيث أدرك حينها كم كان يفتقر للالتزام نحو ابنه، ولكن هذا جعله يعرف ولده بشكل أفضل وكانت تلك هي نقطة التحول في حياة ابنه.

الأوقات المخططة

هناك طريقة أخرى يمكننا كآباء التعبير بها عن حبنا وهي تنظيم أوقات خاصة نقضيها مع الأسرة. إن توصيل الاستحسان الدافئ المحب لأطفالنا لا يحدث تلقائياً فحسب. إنني أعتقد أن هذا الوقت يجب أن يتم تخطيطه بشكل منتظم -يفضل أن يكون يومياً- لأن أطفالنا في حاجة لنا.

خطط أوقاتاً ذات معنى لكل الأشخاص المشاركين. ليس الأمر المهم هو طبيعة النشاط نفسه، ولكن فقط يجب أن يكون شيئاً ممتعاً بالنسبة لكل من الطفل والأب. وغالباً ما يكون من الممكن تطوير أعمق العلاقات خلال أبسط الأنشطة.

كأسرة، نقوم بالتخييم معاً بشكل متكرر. والأوقات التي نكون فيها داخل السيارة، أو مستلقين في حقائب النوم، أو في انتظار التقاط السمكة للطُعم، هي التي تقال فيها أشياء تمنحنا فهماً عميقاً لأطفالنا. وتساعدنا تلك الأوقات الخاصة على فهم الاتجاه الذي يتجهون نحوه في الحياة وما الذي يشغل تفكيرهم. فمجرد التواجد معهم يوصل لهم الإحساس بأنهم محبوبون. فاستعداد الآباء للانتظار حتى تتطور محادثاتهم مع أبنائهم يزيد من إحساس الأبناء بتقدير الذات.

كثيراً ما أتساءل عن سبب عزوفنا -كآباء- عن إخبار أطفالنا بأهميتهم لدينا. إننا بحاجة إلى إخبارهم بشكل منتظم أن لهم أهمية هائلة لدينا. على مقياس متدرج من رقم واحد حتى عشرة، أين يرى طفلك نفسه فيما يتعلق بشعوره بأهميته بالنسبة لك؟ أطفالي أنا شخصياً يعرفون أنهم يمثلون رقم تسعة تقريباً بالنسبة لي. فهم أهم شيء في حياتي بعد علاقتي مع الله ثم علاقتي بزوجتي. وفي بعض الأحيان، أسمح لقيمتهم بالهبوط إلى رقم أربعة أو سبعة، ولكنني أواصل دفعها مرة أخرى إلى رقم تسعة بقرار واعٍ بتقديرهم.

التواجد إلى جانب الأطفال

إلى جانب الالتزام غير المشروط والأوقات المخططة ذات المغزى التي نقضيها مع أطفالنا، نحن بحاجة لتوصيل فكرة أننا متواجدون إلى جانب أطفالنا خلال الأوقات المخططة وغير المخططة لهم. في بعض الأحيان، أثناء قراءتي للصحف، أو مشاهدة شيء مميز على التليفزيون، أو الخروج من المنزل من أجل الذهاب لاجتماع، يأتي أحد أولادي ويقول لي: “أبي، هل لديك دقيقة؟ لدي تلك المشكلة في مادة الهندسة”. أو ربما تقول كاري لنورما في المطبخ: “أمي، ماذا أفعل؟ لا يمكنني أن أجد أي شيء أرتديه”. وعلينا أن نكون حريصين بشأن ما نوصله إليهم في هذه الأوقات. فإذا قلنا: “ليس الآن، إنني مشغول”، سيلاحظون عندئذٍ ما نقوم بعمله ويقارنون أهميتهم به. وغالباً يمكننا أن نقول “الآن ليس وقتاً مناسباً للتحدث، ولكنني أستطيع منحك كامل انتباهي بعد ثلاثين دقيقة”. وفي بعض الأحيان، يمكننا التوقف عما نقوم به، ببساطة لأن أطفالنا أهم منه.

وربما يمر يوم بأكمله دون أن يطلب أطفالنا أن نساعدهم. ولكن كما يشرح د. كامبل، فإن لدى المراهقين شيء مثل “الوعاء” موجود بداخلهم ومن حين لآخر ينفذ “وقودهم العاطفي”. وهذا هو الوقت الذي يقتربون فيه ويودون أن يكونوا بالقرب منا. فهم يحتاجون إلى الملامسة، والإنصات، والفهم، وكذلك يحتاجون إلى وقتنا. وبعد أن نملأ وعاءهم بالوقود العاطفي، غالباً ما يقولون: “حسناً، أراك فيما بعد”. حينها، ربما لا نكون قد انتهينا من كل ما أردنا قوله، ولكنهم يكونون قد امتلئوا. وهذا أمر جيد. فأنا أود أن يدرك أطفالي أنهم ذوو قيمة وأنني متواجد إلى جانبهم أغلب الوقت الذي يحتاجونني فيه.

وكون الأب متواجداً إلى جانب أطفاله لا يعني أن نتوقف عن فعل ما نفعله وننتظر قدومهم إلينا، ولكنه يعني تقدير الشيء الأكثر قيمة في حياتنا. هل هو التطريز؟ أم الجولف؟ أم التليفزيون؟ أم كرة القدم؟ أم العمل؟ كم عدد الآباء الذين يمكن أن يقولوا إن الصحف أهم من أطفالهم؟ لا أحد على الأرجح. ومع ذلك، يبدو العديد من الآباء غير متواجدين إلى جوار أبنائهم، أو حتى يظهر عليهم الغضب إذا اقترب منهم أبناؤهم بشأن حاجة خاصة، أثناء قراءتهم للصحف.

ومن الطبيعي أن يكون الأب منهمكاً في عمله، ولكن يجب أن يقدر المرء لماذا يعمل في المقام الأول. هل يعمل للوفاء باحتياجات أسرته قبل أي شيء آخر، أم يعمل للوفاء باحتياجاته الشخصية؟ فإذا كان يعمل للوفاء باحتياجات أسرته، فيجب ألا يبرر أنه من الطبيعي أن يقضي ساعات إضافية في العمل لأنه يطعم أطفاله أو يعد لإرسالهم إلى الجامعة. ففي الواقع، يحتاج الأطفال إلى قضاء وقت مع أبيهم أكثر من احتياجهم لأن يعرفوا أن أبيهم في العمل حتى يستطيعوا هم تناول الطعام أو الذهاب للجامعة.

ولأنني شخصياً يمكن أن أنشغل بسهولة في عملي وتبرير الوقت الذي أقضيه بعيداً عن أطفالي، فإنني أعيد التقييم بشكل منتظم. وغالباً ما أسأل زوجتي ما إذا كانت تشعر بأنني أقضي وقتاً كافياً مع أطفالنا أم لا. كذلك أسأل أطفالي نفس السؤال، وأستمع بانتباه واهتمام شديد لما يقولون.

إن الأبناء لا يتوقعون أن يتخلى الآباء عن كل أنشطتهم ووقت متعتهم لمجرد أن يكونوا معهم. ولكن يجب أن يدركوا أن هذه الأنشطة الأخرى لا تساويهم في القيمة عند آبائهم.

المعاملة الحنونة

ومن بين الجوانب الأخرى لتوصيل الحب إلى الأطفال طريقة تصرف الآباء أثناء تواجدهم مع أطفالهم. فالأطفال بحاجة إلى المعاملة بحنان. وللرفق والحنان أهمية بالغة في التعامل مع أطفالنا. أما القسوة والتوبيخ الغاضب فيوصلا للأطفال أنهم قليلو الأهمية، وفي بعض الأحيان غير ذوي قيمة. وعبارة “إذا كنت أعني أي شيء لأي شخص، فلن يكون بهذه القسوة معي” هي الاستنتاج اللاواعي المتكرر الذي يتوصل له المراهقون.

إن التأثير المهدئ للحنان داخل المنزل له آثار إيجابية هائلة. ففي بعض الأحيان، بينما أقرأ في المساء، يتسلق أحد أطفالي إلى أعلى ويجلس في حجري. ربما كان يرغب في التحدث؛ وفي أحيان أخرى، يكتفي فقط بالتواجد معي. ومن المعتاد أن تأتي كاري وتقول لي شيئاً مثل: “أبي، لدي مشكلة مع صديقة بالمدرسة، فهل تعتقد أنه من الممكن أن نتحدث عنها الليلة؟”. إنها تعرف أنني عادةً ما أكون منفتحاً لمثل هذا الموقف، وقد علمت أنه عندما نتحدث مع بعضنا البعض، تود أن أستمع إليها، وأن أظل هادئاً، وأن أقدم بعض الاقتراحات، وأن أحاول على وجه الخصوص فهم اقتراحاتها. فهي لا تحتاج إلى محاضرة. وفوق كل شيء، تود كاري أن أكون حنوناً أثناء استماعي إليها.

التواصل البصري المتكرر

يحتاج الأطفال إلى التواصل البصري المتكرر معنا. فالتواصل البصري هو طريقة فعالة للغاية في توصيل الحب إلى أي شخص. ويمكن أن يساعد هذا أيضاً الأب في تقييم انفتاح روح الطفل من انغلاقها. وينزع الطفل ذو الروح المنغلقة إلى تنكيس رأسه أو النظر بعيداً، أو إبعاد جسده بالكامل عن والديه. ومع الأطفال الأصغر سناً، يكون من المفيد أن نجثو على ركبتينا وننظر في أعينهم.

وقد كنت دوماً أسمع نورما تقول: “والآن، انظر إلى عيني” عند طرح سؤال على أحد أطفالنا. وتقول أنها عادةً تستطيع أن تشعر ما إذا كان الطفل يقول الحقيقة أم لا. ومن الصعب بالنسبة للطفل أن يبقي عينيه على والديه عندما يشعر بالذنب؛ فهو يحني رأسه أو ينظر بعيداً، أو تتطرف عينيه بشكل متكرر. وقد يعترف الطفل بشيء ما بسبب إصرارنا برفق على النظر في أعين بعضنا البعض.

الإنصات بطريقة متفهمة

المظهر السادس لنقـل الحـب لأطفالنا هو الإنصات لهم بطريقة متفهمة. فالإنصات مهارة لا يدرك قيمتها الكثير من البشر. وبرغم ذلك، أعتقد أن الإنصات مهم للغاية لدرجة أنني أوصي الآباء أن يشتروا كتابــاً أو يلتحقوا بدورة لتعلم كيفية الإنصات. والإنصات لا يتأتى بشكل تلقائي. فكثير من البالغين يكونون مشغولين للغاية باحتياجاتهم ومشاكلهم الخاصة، ومن ثم يكون لديهم ميل لعدم الإنصات باهتمام لمن حولهم. وبعدم ملاحظة احتياجات الآخرين، يمكن أن نوصل إليهم إحساس بأننا غير مهتمين بهم.

هناك العديد من النقاط المهمة التي يجب تذكرها بشأن الإنصات الفعال لأطفالنا:

المنصت الجيد يريد التواصل البصري مع المتحدث. ويعني هذا وقف أنشطتنا -وضع الجريدة جانباً، أو إغلاق التليفزيون- ومنح انتباهنا الكامل له.

المنصت الجيد لا يفترض أبداً أنه يعرف ما يتحدث عنه الشخص الآخر. وقد حدث أن استجبت لشيء قاله أحد أطفالي إلا أنني عرفت فيما بعد أن ما فهمته لم يكن ما كان طفلي يعنيه. وإحدى أسرع الطرق لإغلاق روح شخص ما هي اتهامه بشيء لا يعنيه حقاً.

لقد وجدت أنه من المفيد أن أطرح أسئلة لتوضيح ما قاله الشخص الآخر. كما أنني أكرر بصياغة مختلفة ما أعتقد أنه يقصده. ثم أسأله: “هل هذا ما تقصده؟” فيرد قائلاً: “حسناً يا أبي، إنه قريب منه، ولكنه ليس هو بالضبط”، فأقول له: “حسناً، لدينا الكثير من الوقت. فماذا تعني بذلك؟”، وعندئذٍ يكرر ما يحاول إخباري به.

ومن العوامل الأساسية الأخرى ليكون الشخص مستمعاً جيداً عدم الإفراط في رد الفعل أو اتخاذ تصرف فوري. فذات يوم كنت على وشك الإسراع إلى مدرسة كاري بعدما سمعت ما قاله عنها أحد مدرسيها في الفصل. كنت منزعجاً لدرجة مفرطة تجاه ما قاله مدرس متمرس لابنتي. وعلى الفور بدأت كاري في البكاء وتوسلت إليّ ألا أواجه المدرس. وعندما رأيت خوفها، هدأتها وطمأنتها بأني لن أذهب للمدرس إلا بعد موافقتها. وقد منحها عهدي مزيداً من الحرية بحيث تمكنت من إخباري بباقي ما قاله المدرس.

وفيما بعد، وبعد أن كان لدينا الوقت للتفكير، طلبت موافقة كاري بشأن مقابلة المدرس، وبالفعل وافقت. لقد واجهته أنا ونورما، مكررين ما قالت كاري إنه قاله عنها في الفصل. فاعترف المدرس بذلك، واعتذر لنا، وطلب أن يرى كاري على الفور. فأخذناه إليها، وبعينين دامعتين وضع ذراعيه حولها وطلب منها الصفح والسماح. وكانت تلك لحظة معبرة بالنسبة لنا جميعاً. ولأنني لم أتصرف باندفاع -ولكن طلبت موافقة كاري أولاً- استمرت كاري في انفتاحها بشأن مشاركتنا فيما يحدث لها في حياتها بالمدرسة.

لقد وجدت أنه من الأفضل أن نقيم حواراً كاملاً مع أبنائنا، وفيما بعد -وبعد أن يتاح لنا الوقت الكافي للتفكير- نتخذ تصرفاً بموافقة الطفل المعني بالموقف. فرد الفعل الفوري يتسبب في خوف الأطفال من إخبارنا بأي شيء في المستقبل، مما يقطع خطوط التواصل.

ذات مرة، كنت عالقاً في محادثة مع جريج بشأن إحدى درجاته المدرسية. وفي ذروة غضبي، قلت إنني سأحرمه من كل شيء إلى الأبد. وبهدوء ذكّرَتني كاري بوعدي بالانتظار أيام قليلة بعد العودة من أي رحلة قبل تغيير القواعد أو وضع قواعد جديدة تؤثر على الأطفال. وكانت محقة. فبعد أيام قليلة، نسيت كل شيء بشأن الموقف. فالصبر أمر ضروري وحاسم لبناء الثقة والانفتاح بين الآباء وأبنائهم.

وحتى نكون مستمعين جيدين، فمن المهم أيضاً ألا نسخر مما يقوله أطفالنا. فربما لا نفهم ما يقولونه، ولكن إذا كنا ناقدين أو ساخرين من الطفل، فهذا يقلل من إحساسه بقيمته ويمكن أن يتسبب في انقطاع التواصل البناء.

بعض الأفكار الإضافية عن الإنصات:

1. يجب أن ينتبه الآباء لعدم وضع أطفالهم في قوالب نمطية ثابتة. فإذا شعرت أن طفلك كثير الشكوى والأنين، أو متنمر، أو مسوّف، فربما يؤثر ذلك على تفكيرك فيما يقوله لك. فإذا قلنا في أنفسنا: “أوه، إنه كثير الشكوى. لا يهم ما يقوله”، فربما نفقد بعض المعلومات المهمة التي كان يمكن أن نعرفها.

2. يستطيع البشر الاستماع بسرعة تصل إلى خمسة أضعاف سرعة التحدث. فإذا كان طفلك يتحدث بمعدل مائة كلمة في الدقيقة، ويمكنك سماع خمسمائة كلمة في الدقيقة، فماذا تفعل في بقية الوقت؟ غالباً ما يحل الملل ونبدأ في الاستغراق في أحلام اليقظة. أو ربما نحاول مساعدة أطفالنا على التعبير عن أفكارهم بدلاً من استخدام الوقت في الإنصات لما يريدون قوله بالفعل.

3. نحن نحتاج إلى الإنصات بأجسادنا كاملة، وليس فقط بآذاننا وأعيننا. ولا يمكننا الإنصات بشكل جيد أثناء سيرنا، أو أثناء تحضير العشاء، أو تصفح الجريدة. إننا ننصت بفعالية أكبر عندما تكون أجسادنا متجهة ناحية المتحدث ونكون مائلين قليلاً للأمام.

جميع هذه العوامل -الالتزام غير المشروط، والأوقات المخططة، والتواجد إلى جانب الأطفال، والمعاملة الحنونة، والتواصل البصري المتكرر، والإنصات بطريقة متفهمة- تزيد من إحساس أطفالنا بالقيمة والتقدير. وعندما يشعرون بمزيد من القيمة والتقدير من جانبنا، يشعرون بحبنا لهم.

الملامسة المعبّرة

وأخر وسيلة من الوسائل الرئيسية للتعبير عن حبنا لأطفالنا هي الملامسة المعبّرة. هناك العديد من الأبحاث حول أهمية ملامسة أطفالنا واحتضانهم.

طبقاً لبعض الأبحاث، الجلد هو أكبر عضو في جسدنا، ونحن جميعاً لدينا احتياج فطري داخلي إلى ملامسة الجلد. ويؤكد علماء الفسيولوجيا على الارتباط الفعلي لنهايات الخلايا الحسية للجلد ببعض الغدد في المخ. وتنظم تلك الغدد النمو والكثير من الوظائف المهمة للجسم. وتقترح بعض الأبحاث أن سبب توقف نمو بعض الأطفال عند مرحلة معينة هو افتقارهم إلى الملامسة. وفي جامعة مينسوتا، يوجد ما يعرف بـ “جلسات المعالجة بالاحتضان”، حيث تقضي الممرضات والمرافقون الوقت في احتضان وملامسة الأطفال المهمَلين بطريقة معبّرة، مع إخبارهم بأنهم يبلون بلاءً حسناً. وقد وجد الباحثون أن هؤلاء الأطفال قد لحقوا بنظرائهم بالفعل في النمو الجسدي.

وبالإضافة إلى تحفيز نموهم ومساعدة صحتهم البدنية، ينقل التلامس إلى الأطفال أيضاً الإحساس بأنهم ذوو قيمة. فعندما أضع يدي برفق على كتف طفلي، فأنا في الواقع أقول له: “أنت مهم بالنسبة لي، وأود قضاء الوقت معك”. ومن ناحية أخرى، فإن دفع أطفالنا بعيداً أو ضربهم بأيدينا ينقل لهم الإحساس بالنبذ. كذلك ينقل رفضنا ملامسة أطفالنا إحساساً بأنهم “محظور لمسهم”. ويجب أن تكون ملامستنا لهم معبّرة من وجهة نظر الطفل حتى تكون فعالة.

بالنسبة للزوجة، أحد أنواع الملامسة المعبرة من زوجها هي احتضانها برفق أثناء حديثهما. ولكي يكتشف الزوج ما إذا كانت ملامسته لها معبرة أم لا، يمكن أن يسألها عن ذلك. ونفس الشيء ينطبق على الأطفال. يمكننا أن نسألهم بالفعل، وبخاصة عندما يكبرون، ما إذا كانت طريقتنا فظة للغاية أو إذا كنا نلمسهم أكثر مما ينبغي، أو أقل مما ينبغي.

ومن المهم أن نتذكر أن الملامسة طريق ذو اتجاهين. فملامسة الآباء لأبنائهم ليست هي المسألة الوحيدة الضرورية، بل أيضاً أن يلامس الأطفال آباءهم أيضاً. ومن المهم أن يعرف الأطفال أن آباءهم يحتاجون إلى الاحتضان. إن الآباء لا يعتمدون على أحضانهم وملامستهم مثلما يعتمدون هم على أحضان وملامسات آبائهم، ولكنهم قد لا يدركون أننا نمتلك احتياجات عاطفية وجسدية مثلهم تماماً، ونقدر تلقائية عاطفتهم نحونا.

ذات مرة كنا نعقد اجتماعنا الأسري المنتظم وتحولت المناقشة إلى الملامسة. فأثناء المحادثة، ذكرنا لجريج، الذي كان في الخامسة عشر من عمره، أننا كنا بحاجة إلى استجابته عندما نحاول احتضانه. وقد بدا جريج مرتبكاً، لذا تحدثنا عن هذا الأمر باستفاضة. وقال جريج إنه لم يكن يدرك أننا نشعر بعدم حبه لنا من خلال مقاومة بعض أحضاننا له. وعلى الفور تغير جريج وأصبح أكثر تقبلاً لأحضاننا، على الرغم من أننا نشعر في بعض الأوقات أنه يحاول إعادة تنظيم عمودنا الفقري.

وهناك عدة أنواع من الملامسة التي تناسب الأطفال: ومنها جلوسهم على أرجلنا أثناء القراءة لهم، أو احتضانهم عند وصولهم إلى البيت من المدرسة، أو الاكتفاء بإمساك الأيدي. ولدينا طريقة لتشابك الأيدي بأسرتنا، وهي تشبيك أصابعنا الصغيرة. كل فرد من أفراد أسرتنا يعرف أن تلك هي طريقتنا السرية، والمتميزة، والتقليدية لدى الأسرة لتشبيك الأيدي. وقد بدأنا أنا ونورما تشبيك أيدينا بتلك الطريقة عندما كنا في بداية خطبتنا. وتلك هي علامة شخصية ومادية للعاطفة في أسرتنا. وبالطبع مع تقدم سن أبنائنا، أصبح من النادر أن نشبك أيدينا معهم بتلك الطريقة. إن إحدى مشكلات ثقافة العالم اليوم هي أننا أصبحنا نربط أي نوع من التلامس بالدلالات الجنسية. ويجب علينا أن نفهم أن التلامس ليس بالضرورة مطلقاً أن يكون مرتبطاً بمثل هذه الدلالات والإيحاءات.

ينبع المعنى الحقيقي للقيمة الكبيرة والأمان من خلال الملامسة. وفي الأوقات التي يبقى فيها أطفالنا في سريرهم صباح يوم العطلة الأسبوعية. أذهب إلى سريرهم وأضع ذراعي على وسادتهم كي يضعوا رؤوسهم على ذراعي. وفي أوقات أخرى ألمس أكتافهم أثناء حديثنا.

ولكن ثبت أن التلامس معبر للغاية وذلك لأنه يبني إحساساً بالقيمة بداخل أطفالنا. كذلك يساعد على الوفاء باحتياجاتهم العاطفية، والعقلية، والجسمانية. وكي تتحقق أكبر استفادة من الملامسة، يجب أن أقول إنه على الآباء بذل جهد واعي لملامسة أطفالهم من ثمان مرات إلى اثنتي عشرة مرة يومياً بطريقة معبرة بالنسبة لهم.

إن التعبير عن الدعم الحنون له أهمية عظمى داخل هيكل الأسرة. كذلك من المهم أن نتذكر أن التوجهات الذهنية للآباء عند التعبير عن حبهم مهمة بقدر أهمية كيفية إظهار الحب. لقد ناقشنا طرق التعبير عن الدعم المحب لأطفالنا.

موازنة الدعم المحب من خلال الاتفاقيات

يقول د. هوارد هيندريكس، المدرس، إن الآباء يحتاجون إلى وضع بعض الأهداف والأولويات الواضحة لأبنائهم. ويضيف قائلاً: “إن الإنسان لا يستطيع تحقيق شيء سوا ما يهدف إليه. فإذا كنت لا تهدف لشيء، فلن تحقق أي شيء في كل مرة”. ويحدث نفس الشيء مع وضع القواعد والحدود. فإذا لم تكن لدينا قواعد محددة، وإذا قمنا بتغيير قواعدنا من أسبوع إلى أسبوع، لن نعرف ما الذي نهدف إليه أو ما الذي نريد تحقيقه من نظامنا.

وضع الحدود من خلال الاتفاقيات

إذا كان وضع الحدود مهماً إلى هذا الحد، فكيف يبدأ الآباء؟

بالنسبة لنا، كان من المهم أن نضع أساساً لتحديد ما هو صواب وما هو خطأ. وفي أسرتنا، يأتي كثير من هذا الأساس مما نعتقد أن الدين يقوله عن عيش حياتنا. عندما كان أطفالنا صغاراً للغاية، كنا ندرك أنه من المهم جداً أن ننجح في تحديد ما نعتقد أنها الحدود الأسرية المهمة. لقد كنا مهتمين حتى بالأشياء البسيطة، مثل المجاملات البسيطة وآداب المائدة.

وعندما بدأنا في اختيار الحدود الأسرية، أدركنا أنه من المهم ألا نضع حدود وقواعد واضحة فحسب، ولكن أيضاً أن نضع عدداً قليلاً جداً منها. فمن خلال دراساتنا، توصلنا إلى مفهومين أساسيين. وهما نفس المفهومين اللذين يعتبران أعظم وصايا في الحياة.

أولاً، يجب أن نكوّن علاقة وثيقة مع الله. ويتضمن هذا فهم ما عرفنا إياه عن نفسه في كتبه السماوية، وكذلك كيفية التواصل معه. وقد اتفقت أنا ونورما أن علاقتنا مع الله كانت أهم عامل في حياتنا، وتمنينا أن يكون لأطفالنا نفس العلاقة معه.

والمفهوم الثاني يتبع المفهوم الأول بشكل منطقي تماماً. يجب علينا أن نحب الناس ونقدرهم كما نقدّر أنفسنا. إنني أعتقد أن هذين المبدأين هما جوهر ما تأمر به جميع الكتب السماوية. وقد كانت القواعد التي وضعناها قائمة على هذين المبدأين.

عندما كان أطفالنا في الثالثة من عمرهم تقريباً، كانت قواعدنا الأولية والبسيطة للغاية هي:

1. سنطيع الله وفق فهمنا لتعاليمه.

2. سنطيع أبينا وأمنا.

3. سنكون عطوفين مع الناس ومع كل ما خلقه الله.

من خلال القاعدة الأولى، أردنا أن نعلّم أطفالنا أننا -كآباء- لسنا السلطة العليا، فهناك سلطة أعلى منا. فلو أننا طلبنا من أطفالنا أن يفعلوا شيئاً يخالف تعاليم الخالق، فإننا لا نريدهم أن يطيعونا. وقد شرحنا لأطفالنا أننا نريد وضع هذه القواعد في منزلنا لأن ذلك سيرضي الله، حيث إن تلك أوامره، وليست أوامرنا. ومن خلال طاعتهم لنا، كانوا يطيعون الله.

وقد نشأت القاعدة الثالثة بصورة طبيعية نتيجة للقاعدتين الأولى والثانية؛ وهي التعامل بعطف مع الناس ومع جميع المخلوقات. فلم نكن نريد أن يطلق الأطفال أسماء قبيحة على بعضهم البعض، أو يفعلوا أي شيء يجعل طفلاً آخر يشعر بقلة قيمته. كذلك أردنا أن يتعلم أطفالنا أن إخوانهم وأخواتهم ورفاقهم في اللعب ذوو قيمة لأن الله تعالى هو الذي خلقهم.

وبتقدم الأطفال حتى سن السادسة أو السابعة، بدأنا في مراجعة قواعدنا والإضافة إليها. وقد أشركنا أطفالنا في تلك العملية، وأخيراً -وبعد بضع سنوات- اتفقنا نحن الخمسة على ست قواعد لا تزال نافذة في منزلنا.

وتقوم اتفاقيتنا بالكامل على حدود وجدناها في الدين. ونذكر أطفالنا بانتظام أن تلك هي حدود الله لأسرتنا. ومن خلال التزامهم بهذه الاتفاقية، يعرفون أنهم يطيعون الله؛ فتلك هي التعاليم الإلهية، وليست تعاليمنا نحن.

1. تعلّم طاعة الوالدين.

2. تعلّم وضع الأشياء في أماكنها بعد استخدامها.

3. تعلّم القيام بالأعمال اليومية الروتينية؛ ويعني هذا تحمل المسئولية.

4. تعلّم الالتزام بالسلوكيات الحميدة، وتحمل المسئولية تجاه الآخرين.

5. تعلّم الاعتناء بخلق الله: الناس والأشياء والمخلوقات الأخرى.

6. تعلّم الصفات الشخصية الداخلية المناسبة.

كانت تلك الحدود الستة بمثابة مخططنا النهائي للاتفاقية الفعلية المكتوبة التي وقّع كل منا عليها وتم وضع تاريخ التوقيع عليها. وبمعنى واقعي للغاية، كانت تلك الاتفاقية أشبه بعقد تجاري. وقد اكتشفنا أن وجود اتفاقية موضوعية مكتوبة قد ساهم بشكل كبير في تحقيق الانسجام داخل أسرتنا. فقد جعل انضباط الأطفال أسهل بكثير لأننا ببساطة كنا نشير إلى اتفاقية الأسرة، وكان أطفالنا أكثر رغبة في التعاون والتكيف مع هذه الاتفاقية.

بكل بساطة إذن، كان الانضباط في منزلنا عبارة عن حدود موضوعة بوضوح أمام أطفالنا. وقد أصبحت تلك الحدود اتفاقية أسرتنا المكتوبة.

معظم الناس يعيشون وفق عقود واتفاقيات، ولكن أغلب تلك الاتفاقيات غير مكتوبة أو موقعة. فعقد الزواج ورخصة القيادة هي اتفاقيات. والموافقة على القيام بمهمة معينة لحساب صاحب العمل هي اتفاقية. وهناك بعض الاتفاقيات التي لا يذكرها أحد. فعلى سبيل المثال، يجب أن تحافظ على حديقتك في حالة معينة وإلا فسيشتكي الجيران للسلطات. وجرّب أن تقود سيارتك بسرعة ثمانين ميلاً في الساعة وستكتشف أن هناك اتفاقية مع المدينة أو الولاية التي تعيش فيها سيكلفك غرامة باهظة.

وأساس الاتفاقية هو أن تشترك جميع الأطراف في المفاوضات بشأنها. فيجب أن يوافق الجميع على كل النقاط، وعلى العواقب التي تترتب على مخالفة أي نقطة منها. وبعد ذلك يوقع الجميع على العقد حيث يضع كل منهم نفسه بذلك تحت سلطة العقد.

وقد كان أطفالنا مشاركين في وضع الحدود. فعلى سبيل المثال، في قاعدتنا الأولى “تعلم طاعة الوالدين”، سألناهم عما تعنيه كلمة الطاعة. فقالوا إنها تعني شيئين: أولاً، تعني عدم الشكوى. وقد تضمنت الأمثلة على تلك الشكوى: “لماذا عليّ أن أفعل ذلك؟ لماذا لا يمكن أن تفعلها كاري؟ إنني دائماً الشخص الذي يقع عليه الاختيار. لماذا يتم اختياري أنا دائماً؟ لماذا لا يمكنك فعلها بنفسك؟”.

وكان الجزء الثاني من الطاعة هو عدم الإلحاح. “من فضلك يا أبي، أيمكنني أن أفعل هذا؟ ممكن؟ من فضلك، الجميع يفعله. أعني، أليس من الممكن أن أفعلها تلك المرة؟”. فقد تم تفسير الإلحاح المستمر بأنه عدم طاعة وانتهاك لقاعدة طاعة الوالدين. وأخيراً ساعدونا في تعريف كلمة الطاعة والتي نعني بها: “نعم، سأفعلها ولن أتذمر”.

أما القاعدة الثانية التي كنا نهتم بها جميعاً كانت تتعلق بتنظيف المنزل. فقد كان المنزل فوضوياً في كثير من الوقت حيث إن الأطفال كانوا يتركون متعلقاتهم مبعثرة على الأرض. وفي المساء، عادةً ما يكون هناك سيل من الملابس واللعب بدءاً من الحمام وحتى غرف نومهم. وقد اتفقنا معاً أنه من الصعب جداً بالنسبة لوالدتهم أن تمشي وراءهم وتجمع متعلقاتهم. فقرروا أن يتعلم كل شخص أن يكون مسئولاً عن متعلقاته.

أما القاعدة الثالثة، فكانت المسئولية. فقد تحدثنا عن أهمية كل فرد في الأسرة والحاجة إلى العمل كوحدة متكاملة. وكان لكل فرد مسئولياته. فقد كان هناك الواجب المنزلي، وتنظيف حجرة النوم، وإطعام الحيوانات. وكان على أحد ما أن يخرج النفايات إلى خارج المنزل. وكان التدريب على البيانو جزءاً من مهام كل طفل. وبمجرد أن ننتهي من الأعمال المنزلية التي ساعدت على سهولة سير الحياة في منزلنا، شعرنا أنه كان من المهم لكل منا كفرد في الأسرة أن يقوم بدور فعال. وكان هذا جزءاً من تعلم تحمل المسئولية والقيام بالجزء الخاص بكل فرد من العبء.

أما القاعدة الرابعة فكانت تعلم السلوكيات الحميدة. وقد عرّفنا ما هو المقصود بذلك. ففي الوجبات، كان ذلك يعني الامساك بأدوات المائدة الفضية بطريقة مناسبة، ووضع منديل المائدة على الحجر، ومضغ الطعام والفم مغلق، وذلك بالطبع إن لم يكن لدى الشخص دعامات لتقويم الأسنان. كذلك كانت هناك بعض المسئوليات عند التواجد مع الناس. فالجري ممنوع في متجر البقالة أو في دور العبادة. وممنوع الزحف أسفل المقاعد ولدغ امرأة عجوز رقيقة في كاحلها. وقد أدركنا أن سلوكنا في وجود الآخرين هو انعكاس لمدى تقديرنا لهم.

وقد تعاملت القاعدة الخامسة مع الاعتناء بخلق الله؛ الناس والأشياء. وجزء من الاعتناء بما خلقه الله هو الاعتناء بجسدنا. فعلى سبيل المثال، في ليالي المدرسة كان يعني ذلك ذهاب الأطفال إلى أسرتهم ما بين الساعة الثامنة والتاسعة، وذلك حسب أعمارهم. كذلك كان غسيل أسنانهم بالفرشاة بعد الوجبات جزءاً من الاعتناء بخلق الله، والاستحمام، وغسل الشعر، وارتداء ملابس نظيفة وأنيقة.

كذلك تضمنت تلك القاعدة الاعتناء بالآخرين، مثل طرح الأسئلة بدلاً من الجدال. فهي تعني محاولة فهم الآخرين لأن ما يقولونه يمثل أهمية حقيقية. وتضمنت أيضاً اللعب بحذر، أي عدم ضرب أحد عمداً للتسبب في شعوره بالألم، أو الانتقام، أو مناداة شخص ما باسم مهين.

وبعد كتابة هذه القواعد الخمس الأولى في الاتفاقية (وسنناقش القاعدة السادسة فيما بعد)، خصصنا مكاناً لتوقيع كل شخص. وإن لم يكونوا بالغين بالدرجة الكافية لأنْ يوقّعوا، كانوا يرسمون أي علامة وكنت أكتب أنا التاريخ إلى جواره. ويوضح هذا أننا قد اتفقنا جميعاً على الاتجاه الذي نذهب إليه كأسرة واحدة. ولأننا جعلنا الأطفال يشاركون معنا -منذ الأعوام الأولى- في المساعدة في كتابة هذه القواعد، فقد اعتبروها قواعد خاصة بهم، بدلاً من اعتبارها معايير مفروضة عليهم من والديْهم.

ولم ننظر مطلقاً إلى أي من تلك القواعد والحدود باستخفاف. فقد أردنا أن نرى هذه الحدود الخمسة البسيطة جزءاً من حياة أطفالنا. ويعني هذا أنه كان علينا أن نحدد كيفية تحفيزهم، وما هي أفضل الوسائل لتصحيح أخطائهم عند الخروج عن النهج. وكانت تلك هي بداية المرح. فقد حاولنا تجربة عدة أشياء لم تكن مناسبة قبل اختيار الطريقة التي حققت لنا مرادنا.

تطبيق الاتفاقيات: تجاربنا

لقد جربنا تطبيق الضرب عند انتهاك واحد من الحدود. ولكن على الرغم من أن الضرب مفيد جداً في التأديب، فإنه لم يكن من المجدي أن نطبق اتفاقية أسرتنا يومياً من خلال الضرب.

وجربنا تدريبات التذكر حيث حفظت أنا ونورما والأطفال جميع القواعد والحدود. وقد توقعت أنه بعد حفظهم للقواعد، سيرغبون بشكل طبيعي في إتباعها. ولكن لم يكن الأمر بتلك البساطة.

جرّبنا أشياء مثل غسيل فمهم بالصابون إذا أطلقوا على شخص ما اسماً مهيناً يحط من قدره. وقد فعلنا ذلك مرات قليلة ثم توقفنا عنه لأننا وجدنا أنه يقلل فعلياً من قدر الأطفال، حيث كان ينتهك الشيء الجوهري الذي كنا نعاقبهم عليه.

وجربنا حرمانهم من المصروف وفرض غرامات عليهم. وكان لدي تذاكر انتهاك مطبوعة، تشبه تلك التي يعطيها الشرطي. وعندما ينتهكوا واحداً من الحدود، أحرر واحدة من تلك التذاكر. وقد تراوحت الغرامات بين عشرة سنتات وخمسة وعشرين سنتاً، حسب الانتهاك الواقع. وكان ذلك جيداً لعدة أيام، ولكنه سرعان ما تحول ليصبح عبئاً علينا كآباء.

وقائمة تجارب العقوبة الخاصة بنا طويلة. فقد جربنا أن نجعلهم يكتبوا القاعدة التي انتهكوها وكيف سيغيرون من أنفسهم خمسين مرة. وكان هذا فعالاً لحد معين، ولكن أيضاً لم يستمر سوى لأسابيع قليلة. كما حاولنا جعلهم يمارسون تمرين الضغط والجري حول المبنى، ولكن هذا لم يؤد سوى لإنقاص الوزن.

وجربنا معاقبتهم بواسطة عدم تناولهم للعشاء. وظن الأطفال أن تلك ربما تكون طريقة جيدة للعقاب لأنها ستجعلهم مدركين لأهمية القواعد. وكانت المرة الأولى التي فعلنا فيها ذلك هي الأخيرة أيضاً. فقد جلس جريج على بعد حوالي خمسة عشر قدماً من منضدة الطعام ولسانه يتدلى أثناء تناولنا الطعام. وفي منتصف الوجبة تقريباً، قالت نورما: “هذا أكثر صعوبة عليّ مما هو على جريج”. ولحسن حظ جريج، جعلناه ينضم إلينا إلى العشاء.

وجربنا العقاب بالحرمان من الكلام، واللعب بالدُمى، والجلوس في حجراتهم. وجربنا أيضاً إغلاق مكيف الهواء في حجراتهم، ومنعنا رحلات المعسكرات، ومنعنا الوجبات الخفيفة، وزدنا من التدريب على البيانو، وكثير من الأشياء الأخرى. إنني أضحك بصوت خافت الآن أثناء كتابتي لهذا. ولكنني لم أتربى في منزل منضبط ملتزم بالقواعد والحدود، ولم تكن هناك مواد مكتوبة كثيرة في هذا المجال، لذا كان علينا أن نجرّب.

وبكل أسف، لم يبد أن هناك شيء يساعد أطفالنا على الاستمرار في العيش وفقاً لهذه الحدود الخمسة. وبالإضافة إلى ذلك كانت طرق التقويم صعبة بالنسبة لنا كآباء. ففي بعض الأحيان، بدت محاولة اتباع كل تلك القواعد واللوائح البسيطة كوظيفة بدوام كامل.

وفي بحثنا لاكتشاف كيفية تطبيق تلك القواعد في منزلنا، قابلنا طبيب أطفال بارز وزوجته: د. تشارلز شيلينبرجر وزوجته دوروثي. وقد شرحا كيفية تطبيق القواعد الخاصة بهما بطريقة عملية. ولم تكن مؤثرة فحسب، ولكنها قدمت العامل المفقود في تدريب أطفالنا.

طريقة عملية لتطبيق الاتفاقيات الأسرية

إن استخدام طريقة الاتفاقيات في المنزل طريقة فعالة للموازنة بين الحب والحدود. وقد وجد د. تشارلز بي. برنارد ود. رامون جي. كورالز أن الأسرة يجب أن توضح الحدود من خلال كتابتها على الورق. وقبل أن يرغب أي شخص في التوقيع، عادةً ما يرغب في فهم ما يضع اسمه عليه. إذن فالسؤال هو كيف يمكن تطبيق الاتفاقية بصفة يومية.

وهذا هو ما ساعدنا فيه د. شيلينبرجر بدرجة كبيرة. لقد علّمنا أن هناك ثلاثة أجزاء لتلك العملية:

1. وضع حدود وقواعد محددة بوضوح بكتابة اتفاقية.

2. الإشراف على فعالية وملائمة هذه الحدود بانتظام.

3. التعامل مع المقاومة بشكل مستمر من خلال الحرمان من الامتيازات.

وقد كان رقم ثلاثة هو العنصر المفقود بالنسبة لنا. فقد وضعنا القواعد وكتبنا الاتفاقيات، ولكننا لم ندمج عواقب انتهاك تلك الحدود في الاتفاقية بطريقة عملية. لذا، اجتمعنا مرة أخرى كأسرة وأعدنا كتابة الاتفاقية. ومنذ عام 1977، وعلى الرغم من أنه تم تعديل اتفاقيتنا عدة مرات، فلا تزال الصيغة في الأساس كما هي.

أولاً، تفاوضنا على اتفاقية أسرتنا بحيث بدت كالقائمة رقم 1 التالية:

قائمة رقم 1

حدود الأسرة

1. تعلّم طاعة الوالدين.

الإجابة بقول “نعم أبي/أمي” على الفور وتنفيذ المطلوب في الحال.

عدم الشكوى: “لا أريد فعل هذا”. “هل عليّ أن أفعل هذا؟”. “ألا يمكن أن يفعل هذا شخص آخر؟”. “هذا ليس عدلاً”.
عدم الإلحاح: “أوه، من فضلك، من فضلك، أليس من الممكن أن نفعل هذا؟” “ألا أستطيع أن أذهب يا أمي؟ ألا أستطيع أن أذهب يا أمي؟ ألا أستطيع أن أذهب يا أمي؟”.

2. تعلّم وضع الأشياء في أماكنها بعد استخدامها.

دمى اللعب في الخزانة أو الجراج.
الملابس في صندوق الملابس المتسخة أو معلقة في الدولاب.
المناشف على حاملة المناشف.
تخصيص مكان لكل شيء ووضع كل شيء في مكانه.

3. تعلّم القيام بأعمالنا المنزلية.

تنظيم حجرة النوم قبل الذهاب للمدرسة.
وضع الأطباق المتسخة في الحوض بعد الوجبات.
بعد المدرسة: الواجب المدرسي وتمرينات البيانو قبل اللعب؛ إخراج القمامة أيام الثلاثاء والجمعة؛ إطعام القطط؛ وإحضار الجريدة إلى الوالدة.
القيام بالأعمال المنزلية الروتينية عند حاجة الأم أو الأب للمساعدة.

4. تعلّم الالتزام بالسلوكيات الحميدة.

الوجبات: سر إلى مائدة الطعام، ضع يديك في حجرك، ولا حديث والطعام في فمك. امضغ الطعام وفمك مغلق. قل “كاري، هل يمكن أن تمرري لي ___.”
عندما يتحدث الآخرين، انتظر حتى تكون هناك وقفة في الحديث وقل: “معذرة يا أبي، هل يمكن أن ___؟”.
عندما لا نتفق مع أحد، لا نقول ذلك، ولكن نتعلم منه ونسأل: “ماذا قلت؟” أو “لقد اعتقدت دائماً أنه كان ___”.

5. تعلّم الاعتناء بخلق الله: الناس والأشياء

الناس (النفس):

8:30 مساءً: الاغتسال -إذا كانت هناك حاجة لذلك- غسل الأسنان، وضع حقائب المدرسة بجوار باب المنزل، القراءة، الاستماع إلى تسجيل أو قصة.

(الآخرين):

طرح الأسئلة؛ وليس المجادلة.
اللعب برفق؛ وليس اللعب بخشونة.
الدعاء “لأعدائنا”؛ وليس التنازع معهم.
التعامل بعطف وحساسية؛ وليس تبادل الشتائم (فالحب والعطف منحة من عند الله؛ وهو الذي يغيّر قلوبنا).

(الأشياء):

الحفاظ على المنزل والأثاث: عدم القفز واللعب على الكراسي، والسرائر، الخ؛ عدم اللعب بالكرة في المنزل أو قذفها في الحائط؛ وعدم تسلق الأشجار الصغيرة.

ثانياً، قررنا كأسرة الامتيازات التي سيفقدها كل شخص إذا تم انتهاك أحد الحدود. وكان لدى الأطفال العديد من الأفكار؛ مثل الحرمان من اللعب، ومشاهدة التليفزيون، والأفلام، وتناول الطعام خارج المنزل، والحرمان من الوجبات الخفيفة، والهاتف، والحرمان من العشاء لمدة شهر. وكانت بعض الامتيازات التي قرروا حرمان أنفسهم منها أكثر قسوة مما كان ممكن أن نقرره نحن الآباء. وبعد أن قمنا بوضع قائمة تحتوي على ثلاثين أو أربعين من الامتيازات الممكن فقدها، قمنا بمراجعة القائمة ووافقنا على أربع وعشرين ساعة من فقد الامتيازات لكل حد من الحدود الخمسة. وقد قمنا بمراجعة كل حد وأطلقنا على تلك القائمة اسم قائمة المسئوليات الخمس.

قائمة 2: المسئوليات // الامتيازات المفقودة لمدة 24 ساعة

1. الطاعة: طاعة الأب والأم؛ عدم الشكوى، أو الجدال، أو الإلحاح. // جميع اللعب

2. التنظيف: تنظيف الغرفة كل صباح؛ والتنظيف بعد استخدام اللعب أو الأشياء الأخرى. // التليفزيون

3. الأعمال المنزلية: أعمال الحديقة مرة كل أسبوع؛ والقمامة كل مساء؛ والبيانو في تمام الساعة 5:30 م. // الوجبة الخفيفة بعد المدرسة

4. السلوكيات الحميدة: في الوجبات، وفي دور العبادة، وعند الخروج. // الخروج مع الأسرة لتناول الطعام بالخارج المرة التالية.

5. الاعتناء: إلى السرير في الموعد المحدد، وغسل الأسنان، والعطف مع الناس ومع الأشياء (خلق الله) وعدم المضايقة، أو الضرب، أو المجادلة. // مقابلة الأصدقاء

مقابلة الأصدقاء

ويمكنك أن ترى من خلال القائمة رقم 2 أنه عندما ينتهك أحد أطفالنا واحداً أو أكثر من الحدود، ربما يفقد اللعب أو فرصة مشاهدة التليفزيون لمدة أربع وعشرين ساعة.

وكنا نلتقي لمدة عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة كل ليلة بعد العشاء لكي نقيّم كيفية تصرف كل فرد فيما يتعلق بكل حد من الحدود الخمسة. وقد احتفظنا بالقائمة الواردة في الصفحة التالية بالقرب من منضدة المطبخ. وكانت مغطاة بالبلاستيك حتى يتسنى لنا وضع علامات عليها باستخدام قلم زيتي ونقوم بمسحها في المساء التالي. كذلك استخدمنا هذا الوقت لتقويم أطفالنا بدلاً من تأنيبهم طوال اليوم، وهذا بالطبع إن لم يرتكبوا خطأ فادحاً، فهذا كنا نتعامل معه فور وقوعه.

تلك القائمة جعلت مواكبة اتفاقيتنا الأسرية أمراً سهلاً. وكل مساء وعند مقابلتنا بعد العشاء، يمكننا مراجعة هذه القائمة مع أطفالنا. فعلى سبيل المثال، إن لم يتحمل جريج مسئولية أعماله المنزلية هذا اليوم،

اتفاقية القيادة

قيادة السيارة هي ميزة أخرى تأتي مع تقدم السن وتطور الشخصية. حتى قبل أن يبلغ أطفالنا بالدرجة الكافية لقيادة السيارة، اتفقنا كأسرة على ما يلي:

1. عند استلامي رخصة القيادة، سيُسمح لي بالقيادة في الرحلات المحلية عندما أكون برفقة أحد الوالدين. كذلك سأساعد في القيادة في المسافات الطويلة في الرحلات الطويلة للأسرة تحت كل أنواع ظروف القيادة.

2. قبل استخدام السيارة، سأسأل أبي أو أمي عما إذا كان بإمكاني استخدامها وأشرح السبب.

3. إذا كنت أود أن أذهب إلى مكان ما بمفردي، يجب الانتهاء من واجبي المنزلي والتدرب على البيانو أو القيام بالمهام المنزلية الأخرى أولاً.

4. خلال الشهر الأول بعد استلام رخصة القيادة، لن يتم استخدام المذياع أثناء القيادة.

5. خلال العام الدراسي، سيُسمح لي بالقيادة ذهاباً إلى الأنشطة في المساء ولكن لن أصطحب أي أحد إلى المنزل دون استئذان.

6. لن أسمح لأي شخص آخر باستخدام السيارة تحت أي ظرف دون موافقة والديّ.

7. لن أصطحب أكثر من خمسة أشخاص في السيارة في المرة الواحدة.

8. لن أصطحب أي من المارة على الطريق في أي حال من الأحوال، وسأكون أكثر حذراً في قبول المساعدة إذا كانت لدي صعوبة في التعامل مع السيارة.

9. سأقوم بدفع نصف تكاليف التأمين الزائدة متى نقصت درجتي عن جيد. وفي حالة وقوع حادث، سأقوم بدفع نصف التكاليف القابلة للخصم.

10. إذا حصلت على مخالفة، سأفقد رخصتي لمدة تصل إلى شهر كامل. وعند المخالفة الثانية، سأفقدها لثلاثة شهور.

لقد تطلبت مناقشة هذه الاتفاقية البسيطة عدة أسابيع، ولم يقم أطفالنا بالتوقيع إلا بعد عدة مراجعات. وبالتأكيد نحن مستعدون للمراجعات المستقبلية، ولكن أيضاً يجب تُفهم أي تغييرات والموافقة عليها بواسطة الجميع.

إرشادات للضرب

تتعامل الاتفاقية الأخيرة مع مسألة الضرب المهمة. إننا نعاقب على معظم الانتهاكات لحدودنا بالحرمان من الامتيازات. ولكن جزء من اتفاقيتنا المكتوبة ينص على أننا سنستخدم الضرب إذا كان أحد الأطفال عنيداً أو متمرداً بشكل واضح، وبخاصة إذا تحدى أحد والديه بقوة.

ويمكن أن يكون الضرب فعالاً للغاية للوقاية من التمرد، ولكن كما يقول د. أرماند نيكولي، فالمشكلة الرئيسية بالنسبة للضرب هي أنه من الممكن أن يكون تنفيساً عن الاحباطات، أو الذنب، أو الغضب الذي يصيب الآباء. ومن ثم، فمن الممكن أن تتحقق الفائدة للأب أكثر منها للطفل. وينصح د. أرماند الآباء أن يسألوا أنفسهم من الذي سيستفيد أكبر استفادة من الضرب. ومن المؤكد أن الضرب يمكن استخدامه عند انتهاك أحد الحدود، ولكن يجب أن يُستخدم بحذر.

وقد أدركت أيضاً أن فعالية العقاب بالضرب تتناقص مع التقدم في العمر. إنه مفيد للغاية في مرحلة ما قبل دخول المدرسة، ولكن لا يجب استخدامه إلا نادراً بعد سن الثالثة عشر. وإذا كان الضرب ضرورياً، يجب التعامل معه برصانة تامة حتى لا يتم غلق روح الطفل. وعادةً ما يكون فقد الامتيازات أكثر فعالية من الضرب للأطفال الأكبر سناً.

قبل أن نضع اتفاقياتنا، اكتشفنا أن معظم الضرب في منزلنا يحدث قبل الوجبات. وعادةً ما يكون ذلك هو أصعب وقت لأن الجميع يكونون جائعين ومتعبين. كذلك تكون مستويات سكر الدم منخفضة، ويكون الأطفال منهكين وغير صبورين، كما تزيد رائحة الطعام من التوتر. ويمكن أن يحدث عدد من الأشياء في هذا الوقت تشعل العصيان في نفوس الأطفال. وقد وجدنا أنه يمكن أن نقلل بعض التوتر ببساطة من خلال قضاء مزيد من الوقت مع الأطفال عند عودتي للمنزل من العمل.

ونسمح أيضاً لأطفالنا بطلب “المحاكمة” إذا كانوا يعتقدون أنه يتم تقويمهم بالضرب بصورة ظالمة. ويمكن أن يستدعي المدعى عليه الأسرة كاملة، كذلك يمكن أن يستدعي شاهداً أو صديقاً ليكون محامياً عنه إذا أراد أن يقدّم حجته بشأن اعتقاده عدم استحقاقه للضرب. وبعد جمع كل الحقائق، نجتمع حول المائدة ونسأل كل فرد من أفراد الأسرة حكمه. وإذا قال الجميع إنه “مذنب”، نسأل المتهم عن رأيه. وفي كل مرة فعلنا فيها هذا، كان الطرف المذنب يتفق مع الآخرين معترفاً بذنبه.

إليك عشرة عوامل يجب وضعها في الاعتبار عند استخدام الضرب كطريقة للتقويم:

1. أعط تحذيراً واضحاً قبل الضرب. يحتاج الأطفال إلى فهم سبب ضربهم. وقد أخبرْنا أطفالنا أنه لن يتم ضربهم سوى في حالة إظهار تمرد واضح ضد إحدى القواعد الموضوعة. وربما كان من أمثلة ذلك هو إيذاء بعضهم البعض بدنياً أو القيام بفعل معين دون اهتمام بتحذير تلقوه من أحد الوالدين بعدم القيام به.

2. رسّخ لدى الطفل شعوراً بمسئوليته عن سلوكيات عدم الطاعة. عندما يعصي الطفل والديه بعد إعطاء التعليمات والتحذير، يجب أن يعترف بالمسئولية تجاه عصيانه. إننا نسأل أطفالنا عما فعلوه حتى يتمكنوا من رؤية انتهاكهم لقواعد وحدود الأسرة. وفي بعض الأحيان، يستغرق الأمر برهة من الوقت من الشخص لكي يعترف بخطئه. وقد يريد إلقاء اللوم على غيره وتبرير سلوكه. ويجب أن نواصل سؤالنا حتى يعترف بأنه قام بشيء خاطئ.

3. تجنب الإحراج والتدخل الخارجي. عند ضرب الطفل أو تقويمه، تأكد أنك بمفردك معه، وبخاصة عندما يحدث خطأ الطفل علانية. فإذا أثار الأب مشكلة لابنه أمام أصدقاء الطفل وحاول تقويمه، سيكون الطفل مهتماً بسمعته أكثر من اهتمامه بالخطأ الذي ارتكبه. ومثل هذا التهذيب يضعف معنويات الطفل ويمكن أن ينتج عنه روح مغلقة. كذلك ربما يحفز الطفل على اختلاق طرق لتبرير فعله لهؤلاء الذين رأوه عند معاقبته وذلك حتى ينضموا إلى جانبه ويؤيدونه.

4. قم بتوصيل حزنك الأبوي الناتج عن الخطأ. وهذا عامل مهم لأنه يجعل الطفل والأب يفكرا ملياً فيما حدث. كذلك يمنحهما فرصة للهدوء. والهدف الأسمى لذلك هو توصيل الطفل إلى الشعور بالندم المخلص على ما بدر منه، بحيث يرغب هو نفسه في أن يتم تقويمه.

5. اربط بين الحب والضرب. من المهم أن يتم شرح القول القديم “إن هذا يؤلمني أكثر مما يؤلمك” للأطفال. وقد شكك أطفالنا في هذا عدة مرات، ولكنه صحيح.

6. استخدم شيئاً حيادياً للضرب. من المهم أن يتم استخدام شيء حيادي للضرب وذلك لأن الطفل لديه نزعة للربط بين الألم وبين الوسيلة المستخدمة في ضربه. فإذا استخدم الأب يده، فربما يشعر الطفل بعدم الارتياح عند استخدام نفس اليد في الملامسة، والاحتضان، وبخاصة إذا تم ضرب الطفل بعنف. وقد وجدنا أنه من المؤثر للغاية أن يتم استخدام عصا نحيفة قمنا بتزيينها جميعاً. ونطلق عليها اسم “المعلم”. كما يساعد استخدام عصا “المعلم” في تهدئة الجميع لأن البحث عنها يستغرق في الغالب بضع دقائق.

7. هذّب أو اضرب حتى تنكسر الإرادة. من المهم للغاية ألا نضرب أطفالنا بقسوة أو بغضب شديد، حتى إذا كان هذا يعني الابتعاد لدقائق قليلة حتى نهدأ. يجب أن نأخذ الوقت كي نوصل لهم الحب، ولكن يجب أيضاً أن نوصل لهم أننا سنضربهم حتى يدركوا أننا جادين. وإذا ضربنا الأطفال أثناء الغضب الشديد، فهذا عادة يؤدي إلى كسر أرواحهم والذي من الممكن أن يكون أسوأ من عدم ضربهم على الإطلاق.

8. واسي الطفل بعد الضرب. غالباً ما كان كاري ومايك يرتميان بين ذراعيّ لاحتضانهما بعد الضرب. ولكن مع جريج، كان الأمر في بعض الأحيان يتطلب ساعة أو اثنتين حتى يهدأ ويقبل الملامسة. وذات مرة، اختار كاري وجريج أن يتم ضربهما في نفس الحجرة في نفس الوقت، فقد أرادا أن يكونا معاً حتى يواسيا بعضهما البعض. وقد احتضنا بعضهما البعض قبل الضرب وسألا من الذي سيتم ضربه أولاً. وقد ضربتهما معاً، وبكيا معاً أيضاً، ثم احتضنا بعضنا جميعاً بعد ذلك. الاحتضان يعزز حبنا لأطفالنا.

9. ناقش أي تعويض ربما يكون ضرورياً. إذا تم ضرب الطفل لأنه ضرب أحد الجيران عن عمد، فربما يكون من المهم بالنسبة لك أن تناقش معه كيفية ذهابه إلى هذا الجار وطلب صفحه. وإذا سرق طفلك المال من شخص ما، فربما تناقش معه كيف يمكن إعادته وبأي طريقة.

10. قيّم تقويمك واستجابة طفلك له. إذا كنت قد أخطأت في حق طفلك بأي طريقة -كاتهامه ظلماً، أو الغضب عليه، أو مهاجمته لشخصه وليس لسلوكه الخاطئ، أو تسببت في احراجه، أو افتقاده للحب، أو عاقبته بقسوة مفرطة- فمن المهم أن تذهب إليه وأن تتبع خطوات إعادة فتح روحه. ويجب فعل ذلك عندما يكون قد هدأ كل من الطفل والأب عاطفياً وأصبح بإمكانهما تقييم ما حدث بموضوعية أكثر. لدى الأطفال إحساس قوي بالعدل وعادة ما يكونون شديدي الحساسية لإساءات آبائهم إليهم. وأحد أكثر الاتهامات شيوعاً والتي يوجهها الأطفال لآبائهم أنهم نادراً ما يعترفون بخطئهم. وهذا الكبرياء يجعل التقويم المستقبلي أمراً صعباً للغاية لأنه من الممكن أن يتسبب في إغلاق روح الطفل.