لا أريد الصعود إلى الطائرة: كيف تتصرف مع الطفل

سواء أكنا معتادين على السفر أو كنّا نسافر للمرّة الأولى في حياتنا، فإن الطيران غالباً ما يولّد لدينا شعوراً بالخوف والقلق. ومن المحتمل جداً أن يكون ولدنا البالغ من العمر خمس سنوات قد سمعنا مرّةً نتحدّث عن المخاطر المحدقة بالسفر جواً والإحتياطات الأمنيّة الواجب اتّخاذها في أثناء السفر بالطائرة أو أنه ربما قد شاهد ثمّة تقارير تلفزيونيّة حول حوادث تحطّم الطائرات أو أيضاً حول عمليات الخطف التي تتعرّض لها هذه الأخيرة. لذا، ولكي يساعد الأهل أولادهم على التغلّب على خوفهم من السفر في الطائرة، يُفترض بهم أولاً أن يركزوا معهم على فوائد السفر الجوي، كما وينبغي عليهم أيضاً أن يؤكدوا لهم أن سلامتهم هي أكثر ما يخافون عليه.

بعض النصائح المفيدة

●    ينبغي على الأهل، وقبل أن يحجزوا للسفر مع ولدهم، أن يأخذوا بعين الإعتبار قدرة هذا الأخيرعلى تحمّل التغييرات التي قد تطرأ على برنامج رحلتهم، وهرج المطار ومرجه، والجلوس لساعات عديدة مسمّراً إلى مقعده، كما وقدرته على التغلّب على خوفه من الطيران.

●    ينبغي على الأهل أن يفكّروا بوسائل السفر الأخرى التي قد يُضطرّوا إلى استخدامها في أثناء رحلتهم، آخذين بعين الإعتبارالوقت الذي سيستغرقه وصولهم إلى مكانهم المقصود، كما وكلفة وفوائد كلٍّ من وسائل النقل تلك. وينبغي على الأهل أيضاً أن يأخذوا بعين الإعتبار حاجة طفلهم المتكرّرة للدخول إلى الحمام، كما وسواها من حاجاته الخاصة.

●    ينبغي على الأهل أن يضعوا أنفسهم مكان أولادهم من خلال تصوّر ما قد تكون عليه حالة الإنسان الصغير الذي لا خبرة لديه في الحياة مع الأحداث الكبرى كالسفر في الطائرة مثلاً.

●    ينبغي على الأهل أن ينتبهوا لكل كلمة يتفوّهون بها، إذ يمكن حتى لأقلّ تعليق يقومون به عن غير قصد حول خوفهم من الطيران أن يكون معدياً. لذا يُفترض بالأهل أن يحافظوا على هدوئهم من خلال قولهم إن نسبة الموت في حوادث تحطّم الطائرات هي واحد على مليون.

حديث الأهل لأنفسهم

ينبغي على الأهل ألا يقولوا لأنفسهم:

“سيغضب منا أقرباؤنا إن لم نذهب”.

في الواقع، إن خوف الأهل ممّا قد يقوله الآخرون عنهم من شأنه أن يجعلهم يركّزون انتباههم على شيء لا يمكنهم ضبطه ولا التحكّم به، كما ومن شأنه أيضاً أن يزيد من حدّة توتّرهم إزاء مسألة عدم تعاون ولدهم معهم. وهذا كلّه يحول دون تمكّنهم من الحفاظ على هدوئهم وهم يشجّعون ولدهم على الصعود إلى الطائرة.

إنما ينبغي عليهم أن يقولوا لأنفسهم عوضاً عن ذلك:

“ينبغي عليّ أن أركّز انتباهي على مساعدة ولدي للتغلّب على خوفه من الطائرة، وليس عما سيقوله أقربائي”.

إن تحويل الأهل تركيزهم من أقربائهم إلى ولدهم قد يحول دون تفاقم المشكلة، كما وأنه قد يساعدهم على تفادي الأحزان والمحن التي قد يكونون بغنى عنها.

ينبغي على الأهل ألاّ يقولوا لأنفسهم:

“ليس ولدي طبيعياً؛ فهو لا يريد السفر في الطائرة”.

ليس من المنطقي أن يقول الأهل لأنفسهم ما يفترض أو ما لا يفترض بولدهم أن يخشى، وذلك لأن مشاعر هذا الأخير ومخاوفه أمور لا يمكنهم ضبطها ولا التحكم بها. فهم في الواقع لا يستطيعون أن يضبطوا سوى مشاعرهم، لا مشاعر الآخرين أياً كانوا.

إنما ينبغي عليهم أن يقولوا لأنفسهم عوضاً عن ذلك:

“إن خوف ولدي من الطيران يساعدني على تعلّم شيء جديد عنه”.

من الطبيعي أن يخاف الناس، أياً كان عمرهم، من المجهول، سيّما وإن كانوا في وضع لا يمكنهم فيه فعل أيّ شيء على الإطلاق. ولكن حتى ولو كان الولد يُعتبر ولداً حذراً بالنسبة إلى عمره، إلا أنه من الممكن لأهله أن يعلموه كيف ينظر إلى عالمه على أنه عالم محفوف بالمغامرات، لا بالمخاطر.

ينبغي على الأهل ألاّ يقولوا لأنفسهم:

“لقد ورث ولدي المسكين خوفه من الطيران مني!”

إن لوم الأهل أنفسهم على مخاوف ولدهم لن يساعدهم ولن يساعده على التغلّب على مخاوفه تلك.

إنما ينبغي عليهم أن يقولوا لأنفسهم عوضاً عن ذلك:

“إن تمكّنت من التغلّب على خوفي من الطيران، فقد أتمكن من مساعدته على التغلّب على خوفه أيضاً”.

إن إدراك الأهل لمواطن القوة والضعف عندهم من شأنه أن يساعدهم على التعاطف مع مشاعر ولدهم وتفهّمها.

ينبغي على الأهل ألا يقولوا لأنفسهم:

“لن يتمكّن ولدي أبداً من ركوب الطائرة إن لم نقم معه بهذه الرحلة”.

من غير المنطقي أن يطلب الأهل من ولدهم أن يتعاون معهم بحجّة أنه إن لم يفعل ذلك الآن، فلن يتمكن بعد ذلك من التغلّب على خوفه أبداً.

إنما ينبغي عليهم أن يقولوا لأنفسهم عوضاً عن ذلك:

“هدفي هو مساعدة ولدي للتغلّب على خوفه من الطيران”.

إن إدراك الأهل للدور التعليمي الهامّ الذي يُفترض بهم أن يؤدوه مع ولدهم من شأنه أن يساعدهم ويساعده على تعلّم درس جديد من كل تحدٍّ أو مغامرة يخوضونها. وفي هذه الحالة، ينبغي على الأهل أن يعملوا على تهيئة ولدهم نفسيّاً لرحلات جويّة عديدة قد يقوم بها في المستقبل.

حديث الأهل إلى أولادهم

ينبغي على الأهل ألاّ يحطّموا أولادهم بنعتهم بنعوت سلبيّة وقولهم مثلاً:

“ماذا دهاك؟ ظننتك ستحبّ السفر في الطائرة. أنت ولد صعب المراس حقاً”.

اذ إنهم بهذه الكلمات وكأنهم يقولون لولدهم إنه يعاني من خلل ما في شخصيّته، كونه قد عبّر لهم عن مشاعره؛ الأمر الذي قد يجعله ينظر إلى نفسه وإلى عالمه نظرة تشاؤميّة سوداء. كما وأن الأهل بهذه الطريقة سيثنون ولدهم عن إطلاعهم على كل ما يقلقه ويزعجه.

إنما يفترض بهم عوضاً عن ذلك أن يأخذوا الأمور معه باللعب، كأن يقولوا مثلاً:

“لنلعب معاً لعبة الطائرة. أنت ستلعب دور المسافر وأنا سألعب دور المضيفة أي السيدة التي تقدم الطعام والشراب للمسافرين والتي تسهر على سلامتهم طيلة الرحلة”.

من خلال لعبة الطائرة هذه، يمكن للأهل أن يعلموا ولدهم ما الذي يُفترض به أن يتوقّعه من السفر في الطائرة؛ الأمر الذي قد يخّفف من خوفه من الطيران.

ينبغي على الأهل ألاّ يوجّهوا لولدهم الإنذارات كأن يقولوا مثلاً:

“إصغِ إلي يا أستاذ! سنركب في الطائرة شئت أم أبيت، ولا خيار آخر أمامك!”

إن تهديد الأولاد وتوجيه الإنذارات إليهم لا يؤدي سوى إلى تأزيم الوضع بين الأهل وأولادهم، الأمر الذي قد يضطرّ هؤلاء إلى اتّخاذ موقع دفاعي بغيّة حمايّة مواقفهم.

إنما يفترض بهم أن يستعيضوا عن ذلك بدعوتهم إلى التغذيّة الإسترجاعيّة، كأن يقولوا لهم مثلاً:

“قل لي ما الذي تشعر به في بطنك عندما تفكّر بالصعود إلى هذه الطائرة الكبيرة”.

فإن قال الولد لأهله إنه يشعر بشيء “كالفراشة” أو في حال وصف لهم شيئاً آخر يشعر به عندما يكون خائفاً إجمالاً، فهذا يعني أن القلق والخوف يسيطران عليه ويحولان دون تمكنه من السيطرة على مشاعره. لذا ينبغي هنا على الأهل أن يساعدوا ولدهم على فهم مشاعره وتصنيفها، إذ إنهم بذلك قد يساعدونه على إدراك مخاوفه والتغلّب عليها.

ينبغي على الأهل ألا يجعلوا أولادهم يشعرون بالذنب بقولهم مثلاً:

“إنتظر حتى تعرف جدتك بأنك لم تكن تريد الذهاب لزيارتها. فستغضب منك كثيراً، وأنتَ ستندم كثيراً على ذلك”.

إن تهديد الولد بخسارة استحسان جدّيه له لن يعلّمه كيف يتغلّب على مخاوفه، إنما بالعكس سيزيد من شعوره بالخجل ويخفّف من قدرته على التعاطف مع جدّيه.

إنما ينبغي عليهم أن يكونوا أكثر إيجابيّة معهم من خلال قولهم مثلاً:

“إن السفر في الطائرة لزيارة جدتك في منزلها الجديد سيكون بمثابة مغامرة رائعة! فسنلهو كثيراً باللعب على الشاطئ واكتشاف كل ما تحتفظ به جدتك في دُرجها السريّ”.

إن الأهل وبقولهم لولدهم إنه سيلهو كثيراً في رحلته هذه من شأنهم أن يساعدوه على التغلّب على مخاوفه، وربما قد يروح عندئذٍ يرى السفر في الطائرة مجرد وسيلة لبلوغ الهدف.

ينبغي على الأهل ألا يلجأوا مع ولدهم إلى التصنيف والنعوت السلبيّة بقولهم مثلاً:

” لا بأس يا عزيزي. فماما أيضاً تخاف من الطائرة”.

اذ إنهم بذلك وكأنهم يقولون له إنه لن يتمكن من التغلّب على خوفه وقلقه لأن هذا جزء منه، تماماً كما أنه جزء منهم أيضاً.

إنما يُفترض بهم أن يتعاطفوا معه ويحاولوا تفهّمه بقولهم مثلاً:

“أنا أعلم أن ركوب الطائرة أمر مخيف. فأنا أيضاً أشعر بالقليل من الخوف عندما أصعد في الطائرة. ولكني أقول دائماً لنفسي أني شجاعة وقويّة بحيث أني أستطيع القيام بذلك”.

إن إطلع الأهل ولدهم على مخاوفهم كما وعلى الأمور التي يقولونها لأنفسهم لكي يتغلّبوا عليها من شأنه أن يعلّم الولد مهارة مهمّة، كما ومن شأنه أيضاً أن يسهّل عليه فكرة اطلاعهم على مشاعره. وعلاوة على ذلك كله، فإن هذا الأسلوب يساعد الولد على معرفة أن مشاعره طبيعيّة جداً ويمكنه التغلّب عليها.

ينبغي على الأهل عدم رشوة وإغراء ولدهم بقولهم:

” إن صعدت معنا إلى الطائرة سنشتري لك تلك الدراجة الجديدة التي لطالما كنت تطلب منا أن نشتريها لك”.

إن رشوة الأولاد بهدف حثّهم على القيام بما نطلبه منهم لا تؤدي سوى إلى جعلهم يتوقّعون منا في كل مرّة مكافأة ماديّة نقدمها لهم لقاء تعاونهم معنا. غير أن هدف الأهل الحقيقي هو حثّ حماسة الولد الداخليّة للتعاون معهم، لا أن يقدموا له مكافآت خارجيّة تحثّه على القيام بما يطلبونه منه.

إنما يفترض بهم أن يظهروا له أنهم يقدرون أهميته بقولهم مثلاً:

“أنتَ مساعد رائع. أيمكنك أن تظلّ منتبهاً معي إلى كيس الحفاضات إلى أن أتأكّد من أنه أصبح معنا في الطائرة؟”

إن وصف الأهل ولدهم بالمتعاون، فإنهم يعطونه شيئاً إيجابياً يفكر فيه ويزيد من حسه بالسيطرة. كما أن هذا الأسلوب يعلم الولد كيف يكون لاعباً جماعياً ناجحاً. ولا شكّ عندئذٍ من أنه سيريد أن يتعاون مع أهله لأنه سيرى أنهم فعلاً بحاجة إليه.

تأليف: جيري وايكوف و باربرا أونيل

مواضيع قد تهمك

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي