عوامل خطر مرض القلب التاجي – نوبة قلبية

سنلقي في هذا الموضوع نظرة عن كثب على ماهيّة عوامل الخطر المنذرة باعتلال القلب التاجي Coronary artery disease أو بنوبة قلبيّة Heart Attacks، كيفيّة تأثيرها على القلب والصحّة.

العوامل الثابتة: ما لا يمكن تغييره

بعض العوامل التي تؤثّر على خطر الإصابة باعتلال القلب التاجي، كالجنس والسنّ والعرق، هي عوامل خارجة عن سيطرتك. ولكن، كما سيتبيّن لك، يمكنك في كثير من الحالات أن تغيّر درجة تأثيرها السلبي على القلب.

كيف يؤثّر جنس المرء على خطر إصابته باعتلال القلب التاجي؟

بكلّ بساطة، الرجال هم أكثر عرضة للإصابة باعتلال القلب التاجي من النساء. وبتعبير أدقّ، الرجال هم أكثر عرضة لهذا المرض من النساء ما قبل سنّ اليأس.

ما الذي يفسّر هذه الفجوة بين الجنسين؟ في الواقع، يحمل جسد المرأة درجة معيّنة من الحماية الطبيعيّة ضدّ اعتلال القلب التاجي من خلال إفراز الهرمونات الأنثويّة، كالإستروجين. ولكن لسوء الحظّ، تدوم فوائد الإستروجين التي تحمي القلب ما دام الجسم ينتج الهرمون بنشاط بمعدّلاته القصوى. بالتالي، يرتفع خطر إصابة المرأة باعتلال القلب التاجي بشكل ملحوظ فور بلوغها سنّ انقطاع الطمث. ومن أقوى حجج العلاج الهرموني هو أنّ الإستروجين المستبدل من شأنه أن يحمي المرأة من المرض. غير أنّ العلاج الهرموني هو موضوع أخذ وردّ حاليّاً.

وفيما تعتبر الفوائد الوقائيّة للإستروجين رائعة، إلاّ أنّني أتخوّف من كون المرأة قد استبعدت تماماً من معادلة اعتلال القلب التاجي. أمّا اليوم، فقد تبيّن لنا أنّ على المرأة أن تأخذ الموضوع بجدّية شأنها في ذلك شأن الرجل تماماً. فهذا المرض ليس محصوراً بالرجال فقط، وكلّ كلام عكس ذلك ليس مخطئاً فحسب، بل وخطر أيضاً. وأودّ استغلال هذه الفرصة للتذكير بأنّ اعتلال القلب – وليس سرطان الثدي – هو المسؤول الأوّل عن الوفاة بين النساء الأميركيّات. بالتالي، لا يمكن للمرأة أن تكون أقلّ حذراً في ما يتعلّق بسلامة القلب.

ما هو تأثير السنّ على القلب؟

نحن نعتبر بأنّ تدهور أعضاء الجسد مع التقدّم في السنّ أمراً مسلّماً به. بيد أنّ الخبراء يقدّرون أنّ بلاء الجسم الطبيعي ليس هو المسؤول عن تدهور أجسادنا السابق لأوانه، بل المرض المزمن. وأحد تلك الأمراض المزمنة هو التصلّب العصيدي.

من غير الممكن ردّ عقارب الساعة إلى الوراء عند الحديث عن الشيخوخة، فالزمن لا يتوقّف عن المرور. ولكنّ مجرّد التقدّم في السنّ لا يفسّر بحدّ ذاته سبب اعتلال القلب التاجي. فخطر اعتلال القلب يتضاعف بالتأكيد مع مرور السنوات، ولكنّ السبب يعود إلى كوننا كلّما عشنا لفترة أطول، تعرّضت أجسادنا أكثر للحالات التعصّديّة – وهي الحالات التي تسبّب اعتلال الشريان التاجي. فكلّما طالت حياتنا على هذا الكوكب، تضاعف احتمال تناولنا للوجبات الغنيّة بالدهون، مثلاً، وتنشّقنا نسبة أكبر من الدخان الثانوي. وكلّما تعاظم الأثر التعصّدي على الجسد، تدهور الجهاز القلبي الوعائي على نحو أسرع. بالتالي، لا تشير الشيخوخة إلى عدد السنوات التي تعيشها، بل لما تقوم به من أمور مفيدة وضارّة لجسدك خلال تلك السنوات.

وبالرغم من أنّك لا تستطيع خفض سنّك الزمني، غير أنّك تستطيع أن تحدّد “سنّ” شرايينك من خلال الحفاظ على سلامتها. وبدلاً من أن تصاب بتلك النوبة القلبيّة الأولى في الخامسة الأربعين، أخرّها إلى الخامسة والثمانين.

كيف يؤثّر العِرْق على خطر الإصابة بالمرض؟

قد لا يكون الأمر مقبولاً سياسيّاً، ولكنّه صحيح. إذ تعدّ بعض الجماعات العرقيّة أكثر عرضة للإصابة باعتلال القلب التاجي من غيرها. وفي بعض الحالات، من شأن العِرْق أن يضاعف خطر الإصابة بالمرض إلى حدّ يفوق ارتفاع معدّل الكولسترول أو التدخين. ويبدو بأنّ خطر الإصابة بالمرض يرتفع بشكل خاصّ لدى الهنود الآسيويّين، سكّان أميركا الأصليّين، الأميركيّين المكسيكيّين، وأولئك المتحدّرين من سكّان هاواي الأصليّين أو من جزر المحيط الهادئ.

وتشكّل مسألة العرق هذه مثلاً جيداً عن الآليّة التي تربط بين المورّثات والبيئة وعن أهميّة استغلال هذا التوازن لمصلحتك القصوى. فالأشخاص المنتمون إلى هذه الجماعات يواجهون خطراً خاصّاً ومتعاظماً إن كانوا زائدي الوزن. لا تهدر الوقت بالتالي في إلقاء اللوم على أجدادك، بل ابذل جهدك في الحفاظ على رشاقتك!

وكما هو الحال بالنسبة إلى جميع عوامل الخطر الثابتة، فإنّ معرفة كونك أكثر عرضة للمرض نتيجة لانتمائك العرقي وحسب من شأنها أن تكون قيّمة للغاية. فهي تمكّنك من السيطرة على وضعك الصحّي عبر إبعاد جميع عوامل الخطر الممكنة.

المورّثات: إنّها مسألة عائليّة

إنّ الحالات المؤدّية إلى ارتفاع خطر الإصابة باعتلال القلب التاجي هي عوامل موروثة بمعظمها. فإصابة أحد أفراد العائلة بالمرض هي إنذار حقيقيّ. لذا، حين أكتشف بأنّ لأحد مرضاي قريب من الدرجة الأولى يعاني من اعتلال القلب التاجي، أدقّ ناقوس الخطر على الفور.

هل تملك تاريخاً عائليّاً باعتلال القلب التاجي؟

تميل الحالات الوراثيّة المسبّبة لاعتلال القلب إلى الانتقال من جيل إلى آخر وفقاً لما نطلق عليه النموذج المندلي للوراثة السائدة. ما يعني أنّ واحداً من الأبوين يملك فرصة 50 بالمئة لنقل هذه الحالات الوراثيّة إلى ذرّيته. بالتالي، يحصل كلّ طفل من أطفاله على فرصة 50 بالمئة بالإصابة بها – ولا يعني ذلك بأنّ طفلاً يرثها وطفلاً ينجو منها. بل يمكن لكليهما أن يرثا تلك الحالات أو أن لا يرثاها، ولكنّهما يملكان فرصاً متساوية بوراثة علّة تضاعف على نحو كبير خطر إصابتهما باعتلال القلب التاجي. وإصابة قريب من الدرجة الأولى (أب، أم، أخ أو أخت) باعتلال القلب هي واحدة من أقوى المؤشّرات إلى إمكانيّة كونك معرّضاً للخطر.

والواقع أنّني حين أقابل المرضى للمرّة الأولى، أطلب إليهم دوماً رسم شجرة اعتلال القلب التاجي العائليّة بأنفسهم. وبالرغم من أنّ هذه المعلومات سترد في الاستمارة التالية، إلاّ أنّني أعتقد بأنّ رؤية تصوير بصري لتاريخ العائلة في مكان واحد – التداخل بين علم القلب وعلم الوراثة – من شأنه أن يكون مفيداً.

ولكن حتّى ولو كان شجرتك العائليّة مليئة بالقلوب وبمكعّبات السكّر، لا تدعها تثبط عزيمتك. فمورّثاتك لا ترسم قدرك، بل لنمط الحياة دور أساسيّ في ذلك. فلنفرض بأنّ شقيقك يعاني من النوع الثاني من داء السكر، ما يجعلك أكثر عرضة للإصابة بداء السكر وباعتلال القلب التاجي على السواء. ولكنّ شقيقك يحمل 70 باونداً من الوزن الزائد منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره. بالتالي، إن عملت جاهداً لتحافظ على وزن صحّي، وذلك من خلال الغذاء السليم، والرياضة، والسيطرة على الوزن، وعلى مأخوذك من الدهون فإنّك تبذل بذلك مجهوداً جيّداً للسيطرة على هذا الخطر الوراثي. وبمقدورنا إجراء تحاليل لحالات خفيّة أخرى يمكنك علاجها هي أيضاً قبل أن تنقل جهودك الوقائيّة إلى المستوى التالي.

العوامل الجسديّة: اسأل المرآة

مهما بدا الأمر غريباً، إلاّ أنّ بعض العلل الجسديّة تنبئ بخطر نوبة قلبيّة. وما من شيء يمكن القيام به حيالها، ولكن إن كنت مصاباً بها، ستشكّل حافزاً لديك لكي تتأكّد من أنّك تقوم بالتدابير الحياتيّة الممكنة التي تقلّص الخطر.

ما هو قوس الشيخوخة Arcus senilis؟

انظر إلى عينيك. ثمّة نقطة سوداء في الوسط، وهي البؤبؤ أو الحَدَقة، يحيط بها جزء ملوّن هو القُزَحيّة. فإن كان ثمّة خطّ دقيق لونه أبيض مائل إلى الاصفرار حول البؤبؤ يفصل بين هاتين المنطقتين، تكون معرّضاً لاعتلال القلب التاجي. (وقد يكون الخطّ متقطّعاً، مكوّناً من قوس في الأسفل وآخر في الأعلى، ولكنّه يبقى إشارة إلى الخطر).

وهذا الخطّ القشديّ اللون، والمعروف بخطّ الشيخوخة، هو عبارة عن ترسّب للكولسترول، وهو يشير في جميع الحالات تقريباً إلى ارتفاع كبير في معدّل الكولسترول في الدم. وغالباً ما نرى هذا الخطّ لدى العجائز، ولكنّ ظهوره ممكن لدى الأشخاص الأصغر سنّاً. وهو يشكّل إشارة كبيرة إلى خطر الإصابة باعتلال القلب التاجي.

ما هي ثنية الأذن التاجيّة Earlobe crease؟

ابحث عن ثنية بمقدار 45 درجة، تمتدّ من الخلف إلى الأمام (وموجّهة نحو الحاجب) في حلمتي الأذنين.

لاحظ طبيب قلب في السويد بأنّ عدداً ملحوظاً من مرضى النوبة القلبيّة الذين يعالجهم يملكون ثنية في حلمة آذانهم. فجمع بعض المال لإجراء بحث حول ذلك، وتبيّن له وجود ترابط بين هذا النوع من ثنيات الأذن وازدياد معدّل الإصابة باعتلال القلب التاجي.

ومن الواضح بأنّ هذه الثنية الموجودة في الأذن لا تسبّب حالات احتشاء عضلة القلب. ولكن بما أنّ كلاًّ من اعتلال القلب وثنية الأذن وراثيّان، نعتقد بأنّ هذه المورّثات مرتبطة ببعضها بشكل ما. ومهما بدا الأمر غريباً، تؤدّي ثنية الأذن هذه دور إنذار غير رسمي بارتفاع خطر الإصابة باعتلال القلب. والجدير بالذكر أنّ الثنية يجب أن تظهر على حلمة الأذنين، إذ أكّد الباحثون أنّ وجود ثنية من جهة واحدة لا علاقة له على الإطلاق بخطر اعتلال القلب.

هل أنت أصلع في أعلى رأسك وفي الوسط Baldness at the crown؟

تلك نقطة أخرى مثيرة للقلق. فكيفيّة تساقط شعرك قد تؤثّر على خطر إصابتك بالخناق وبالنوبات القلبيّة غير المميتة وحاجتك إلى الجراحة المجازيّة.

فقد أثبت عدد من الأبحاث أنّ الرجال الذين يرقّ شعرهم في أعلى الرأس يواجهون خطراً أعلى بالإصابة باعتلال القلب التاجي. فإن كنت تعاني من صلع قرص الرأس الذكوري، أي أنّك أصلع في أعلى رأسك وفي الوسط، مع وجود شعر على جانبي الرأس، فإنّ خطر إصابتك باعتلال القلب يفوق بكثير الرجال الذي لا يعانون من الصلع وحتّى أولئك الذين يتراجع لديهم خطّ الشعر أو المصابين بالصلع في مقدّمة الرأس. والحقيقة أنّ صلع قرص الرأس الذكوري هو مؤشّر حقيقي للخطر يجب أن يؤخذ بجدّيّة.

والواقع أنّ الرابط بين الصلع وخطر المرض غير جليّ. وقد يكون عائداً إلى ارتفاع معدّل التستوستيرون المرتبط بحالات الصلع (وقد يكون ذلك وراء مقولة النساء المسنّات بأنّ الرجال الصلع يتمتّعون برجولة أكبر). وربّما كانت مورّثة الصلع الذكوري تأتي مرتبطة مع مورّثة اعتلال القلب التاجي، وهذا ما يجعلهما يظهران معاً.

هنا أيضاً، ونظراً لعدم وجود ما يمكن القيام به حيال تلك المؤشّرات الجسديّة (فزرع الشعر لن يجدي نفعاً!)، بوسعك أن تحشد طاقاتك للتصدّي لعوامل الخطر التي يمكن السيطرة عليها.

العوامل الطبيّة: الجسد هو كلّ مترابط

إنّ أجهزتنا الفيزيولوجيّة ليست موجودة في الفراغ. فالجسم البشري هو مثال حيّ عن التعاون، إنّه عبارة عن جهاز مُعيَّر ومترابط، أعضاؤه تعتمد على بعضها البعض. بالتالي، حين يعاني أحد أجزاء هذا الجسد من مشكلة معيّنة، من المحتمل جدّاً أن يعاني جزء آخر على الأقلّ من الجسم لاحقاً. والقلب ليس استثناءً عن القاعدة، إذ إنّه يتأثّر بشدّة بعدد من الحالات المرضيّة التي تصيب أجزاءً أخرى من الجسم.

وربّما اعتقدت بأنّك لو كنت تعاني من واحدة أو أكثر من تلك الحالات ستفقد السيطرة على زمام الأمور. وهذا غير صحيح. بالطبع، عليك أن تقوم بكلّ ما هو ممكن لتفادي هذه الأمراض، ولكن إن كنت تعاني منها أساساً، عليك أن تدرك بأنّ التعامل معها بحذر من شأنه أن يساعد على الوقاية من التلف الذي تسبّبه للقلب.

هل تعاني من داء السكر Diabetes؟

إن كنت مصاباً أنت أو أحد أفراد عائلتك بداء السكر، فإنّ خطر إصابتك باعتلال القلب التاجي يرتفع بشكل ملحوظ. والواقع أنّ اعتلال القلب هو المسؤول الأوّل عن الوفاة المرتبطة بداء السكر، ومرضى داء السكر البالغون هم عرضة للوفاة نتيجة للاعتلال القلبي الوعائي مرّتين إلى أربع مرات أكثر من البالغين الذين لا يعانون من داء السكر.

فالأنسولين هو الهرمون الذي يعدّل سكّر الدم. وحين تأكل، يعمد البنكرياس إلى إفراز الأنسولين لكي لا يرتفع السكّر في الدم وينخفض كثيراً وفقاً لما تأكله. ومرضى داء السكر هم إمّا غير قادرين على تصنيع كميّة كافية من الأنسولين (وهو النوع الأوّل النادر نسبيّاً) أو أصبحت خلايا جسدهم مقاوِمة لمفعول الهرمون (وذاك هو النوع الثاني). وعلى مرضى داء السكر أن يراقبوا معدّلات الأنسولين وسكّر الدم لديهم ويساعدوا في السيطرة عليها، لأنّ أجسادهم أصبحت عاجزة عن ذلك.

بالتالي، إن كنت تملك تاريخاً عائليّاً بداء السكر، عليك أن تقوم بكلّ ما يلزم لتتأكّد من وقاية نفسك من هذه الحالة. ويشمل ذلك اتّباع غذاء سليم، ممارسة الرياضة باستمرار، والحفاظ على وزن صحّي.

أمّا إن كنت تعاني أساساً من داء السكر أو من مقاومة الأنسولين، فإنّ السيطرة على معدّل السكّر في الدم أمر حيوي. فالأنسولين بحدّ ذاته هو مادّة مسبّبة لتصلّب الشرايين، وارتفاع معدّله في مجرى الدم يهيّج القلب. وقد ارتبط ارتفاع معدّل السكّر المزمن بانخفاض كولسترول البروتين الشحمي العالي الكثافة (أي الكولسترول الجيّد) وبارتفاع معدّل الشحوم الثلاثيّة وبارتفاع ضغط الدم وبتصلّب الشرايين – وجميعها تضاعف خطر الإصابة باعتلال القلب التاجي.

وحين تحافظ جيّداً على معدّل سكّر الدم لديك، فإنّك تحافظ جيّداً على قلبك أيضاً.

هل تعاني من ارتفاع ضغط الدم High blood pressure؟

تشير التقديرات إلى أنّ واحداً من كلّ أربعة أميركيّين يعاني من ارتفاع ضغط الدم. وتلك نسبة كبيرة!

فمن شأن ارتفاع ضغط الدم أن يسبّب ضبابية في الرؤية وفقدان البصر كما يقلّص من فاعليّة وظيفة الكلى، أي أنّها تصبح أقلّ فاعليّة في إزالة الموادّ المهملة في مجرى الدم. كما أنّ ارتفاع ضغط الدم يدفع بالقلب إلى العمل بجهد أكبر ممّا هو بحاجة إليه، وهي حالة ترتبط بشكل مباشر باعتلال القلب التاجي وبالجلطة الدماغيّة، وهما المسؤولان الأوّل والثالث عن الوفاة في الولايات المّتحدة. يرتبط ارتفاع ضغط الدم إحصائيّاً بالبروتين الشحمي أو الدهني القليل الكثافة LDL.

وغالباً ما يمكن السيطرة على ارتفاع ضغط الدم الطفيف من خلال التدابير الحياتيّة كالغذاء والرياضة. بالتالي، لمَ الانتظار حتّى تبلغ منطقة الخطر لمكافحة المشكلة بالأدوية؟ ولمَ القبول بضغط دم سمسار بورصة يعاني من الإجهاد الشديد إن كان بمقدورك التمتع بضغط دم عدّاء ماراتون؟

وما دمنا نتحدّث عن ارتفاع ضغط الدم، لنتطرّق قليلاً لموضوع سآتي كثيراً على ذكره. في الواقع أنا لست شديد الولع “بالأرقام المحدّدة” – أي فكرة وجود خطّ رقمي يبدأ الخطر عنده. أنا أفهم الأسباب التي تجعل الأرقام المحدّدة ضروريّة، ولكنّ سلبيّاتها أمر واقع أيضاً. وبالنسبة إلى ارتفاع ضغط الدم، سأعرض عليك مثالاً جيدّاً للسبب الذي يدفعنا إلى الحذر عند استعمال الأرقام المحدّدة.

في الحقيقة، عن فكرة كون ضغط الدم البالغ 130 خطر وأنّه لا بأس من بلوغه 129 هي فكرة عبثيّة. وهي تمثّل برأيي أسوأ نموذج عن مقاربة الطبّ القديمة. علينا أن نتحرّر من عبوديّة الأرقام إن أردنا التغلّب على هذا المرض، وعلى كلّ شخص أن يتطلّع إلى الأرقام المناسبة الخاصّة به. فإن كنت معرّضاً للمرض لأسباب أخرى غير ارتفاع ضغط الدم، وكان ضغط دمك مائلاً إلى الجهة المرتفعة، وإن لم يكن في منطقة الخطر، عليك أن تعمل على خفضه برأيي.

هل تعاني من اعتلال الشريان المحيطي Peripheral artery disease؟

ستدهش لمعرفة كم يفشل الناس في الربط بين التصلّب العصيدي الذي يصيب مواضع أخرى من الجسد وبين التصلّب العصيدي في القلب.
فإن كان لديك تاريخ بانسداد الشرايين في موضع آخر من جسمك غير القلب، كالساقين، العنق أو البطن، سيرتفع لديك خطر الإصابة باعتلال القلب التاجي.

هل تعاني من الإنتانات المزمنة و/أو المتكرّرة؟

ربطت الدراسات خطر اعتلال القلب التاجي بمجموع الحالات المولّدة للمرض. بتعبير آخر، كلّما ازداد عدد الإنتانات التي تعاني منها، ارتفاع خطر إصابتك باعتلال القلب.

ولكن ما العلاقة بين إنتان عادي، كاعتلال اللثّة أو التهاب القصبة الهوائيّة، بالقلب؟ يعتقد العلماء بأنّ الأمر يرتبط بمسألة الالتهاب الشرياني. فحتّى الإنتان الشُّعبي العادي من شأنه أن يسبّب بعض التلف، وحين يعمد الجسم إلى علاج ذاك الإنتان، يجعل الحالة أكثر سوءاً عبر إنتاج نسيج ندبي من شأنه أن يتحوّل إلى لويحات شريانيّة.

إن أصبت بالتالي بحالات حادّة من الزكام، التهاب الشُّعَب الهوائيّة، ذات الرئة، إنتانات الأذن، إنتانات القناة البوليّة أو التهاب اللثّة أكثر من مرّتين في السنة أو التهاب اللثّة المزمن، قد تكون أكثر عرضة لاعتلال القلب التاجي. حافظ بالتالي على قوّة جهازك المناعي وعالج الإنتانات التي تصاب بها كما يجب، وهكذا ستتمتّع بشتاء أفضل وستساهم في الحفاظ على سلامة قلبك.

العوامل الحياتيّة: لمَ لا تغيّر ما يمكن تغييره؟

من الممكن التأثير على جميع عوامل الخطر تقريباً التي ناقشناها آنفاً، لا بل وإبطال مفعولها تماماً، من خلال نمط الحياة. فكيفيّة تعاملك مع عوامل الخطر الخاضعة لسيطرتك من شأنها أن تنقذ حياتك. لنلقِ نظرةً على الخيارات الحياتيّة التي تحدث هذا الفرق في مصير قلبك.

لا شكّ بأنّ على كلّ منّا أن يكون شديد الحرص على اتّباع نمط حياة صحّي في ما يتعلّق بالقلب. وهذا مهمّ بشكل خاصّ لمن أدركوا بأنّهم معرّضون للخطر، إمّا لكونهم متقدّمين في السنّ أو لامتلاكهم تاريخاً عائليّاً باعتلال القلب التاجي أو لأنّهم يعانون من صلع قرص الرأس الذكوري. والأمر بين يديك لتولّي زمام القيادة وزيادة فرصك بإبعاد الخطر.

هل تدخّن السجائر؟

إن كنت من المدخّنين حاليّاً وفي هذه السنّ، لن أكون بالطبع أوّل من يلقي على مسامعك محاضرة عن مضارّ التدخين. لذا سأكتفي بالقول: التدخين يقضي على حياتك.

ولا بدّ أنّك مطّلع على الأرجح على الأرقام المخيفة عن سرطان الرئة وانتفاخ الحويصلات الرئويّة، ولكنّ كثيراً من الأشخاص لا يدركون مدى الضرر الذي يحدثه التدخين في شرايينهم. فهل تعلم مثلاً بأنّ اعتلال القلب التاجي يسبّب بين المدخّنين عدداً من الوفيات يفوق ما يسبّبه السرطان؟

فالتدخين يخفض معدّل البروتين الشحمي العالي الكثافة والبروتين الشحمي العالي الكثافة 2b، وهما النوعان “الجيّدان” من الكولسترول، كما يخفض معدّل واحد من مضادّات الأكسدة الطبيعيّة في الجسم، وهو أنزيم وقاية طبيعي يدعى بارا أوكزاناس (Paraoxonase). والعوامل السامّة التي يشتمل عليها التبغ تسمّم فعليّاً خلايا جدران الشرايين، لتجعلها أكثر عرضة لتكوّن اللويحات وللتمزّق. فيما يدفع دخان السجائر بالشرايين المتلفة أصلاً إلى التقلّص بطريقة غير صحيّة، ممّا يعرّض صاحبها للنوبة القلبيّة المفاجئة ويزيد من ميل الدم إلى التخثّر. وهذا ما يضاعف خطر اعتلال الشريان المحيطي، اعتلال الشريان التاجي، النوبة القلبيّة، والجلطة الدماغيّة. باختصار، لا يمكن للوضع أن يكون أكثر سوءاً.

ولكن يمكنك عكس هذا الواقع ببساطة. فالشخص الذي يقلع عن التدخين يتقلّص لديه خطر الإصابة باعتلال الشريان التاجي إلى النصف، مهما طالت مدّة تدخينه قبل أن يقلع عنه. وبعد خمس سنوات، يتقلّص الخطر إلى حدّ كبير.

والواقع أنّ عدداً كبيراً من مرضاي وأصدقائي كانوا من المدخّنين، وأنا أدرك مدى صعوبة الإقلاع عن هذه العادة. فما من صيغة سحريّة لذلك. بل عليك أن تتّخذ قراراً بالتوقّف عن التدخين، والانتقال إلى تنفيذه. ولكن ثمّة ما يساعدك على ذلك، من علكة النيكوتين واللصقات إلى الأدوية والتنويم المغناطيسي. ولن أوصي بوسيلة معيّنة، بل على كلّ شخص أن يختار الطريقة التي يفضّلها. ومهما كانت المساعدة التي سيقع عليها اختيارك، أنصحك بأن تقوم بكل ما في وسعك لتقلع عن التدخين.

هل تعيش أو تعمل مع مدخّنين؟

قد يواجه الأشخاص المعرّضون باستمرار للدخان الثانوي خطراً لا يقلّ عن ذاك الذي يتعرّض له مدخّنو السجائر أنفسهم.

والواقع أنّ عدداً متزايداً من المدن يحظر تدخين السجائر في المطاعم، كما صار التدخين محظوراً في أماكن العمل، ولكن ما زالت الاستثناءات موجودة. لذا، من حقّك تماماً أن تطلب من المدخّن الذي تحتكّ به أن يدخّن في الخارج. فهو قد اختار إيذاء نفسه، وأنت لست مضطرّاً لتحمّل نتائج قراره غير الصحّي على سلامتك. لا بل ربّما كنت تقدّم له خدمة بذلك. فانحناؤه على النافذة كلّما رغب بالتدخين قد يحفزه على التوقّف.

هل أنت من أصحاب الوزن الزائد؟

السمنة هي واحدة من أكثر القضايا الصحّية خطورة في الولايات المتّحدة، نظراً لكونها تؤثّر على كثير من أجهزة الجسم الأخرى.

سنوجز القول إن الوزن الزائد هو واحد من أخطر الأمور على الجسم. فحين تكون زائد الوزن، يحمل جسدك باوندات من الأنسجة غير الناشطة. كما أنّ الوزن الزائد يضغط على المفاصل والظهر والعنق ويعيق طريقة عمل الجسم الأساسيّة، خاصّة القلب والجهاز القلبي الوعائي.

والوصيّة التي أقدّمها لمرضاي الزائدي الوزن هي التالية: تخلّص من وزنك الزائد وأنا أضمن لك تحسّناً في معدّلاتك وفي صحّتك العامّة. وفي جعبتي مئات القصص عن أشخاص نجحوا في تغيير بيان الخطر القلبي لديهم تغييراً تامّاً بمجرّد تخفيف أوزانهم.

والواقع أنّ كثيراً من الأشخاص قد يئسوا من فكرة السيطرة على أوزانهم، ولكنّني أعتقد بأنّ الأمر بغاية الأهميّة. إذ إنّه بمقدورك مكافحة أهمّ العوامل المساهمة في اعتلال القلب التاجي بمجرّد التحكّم بما تضعه في فمك! وسنتطرّق لهذه لمسألة الشديدة البساطة والأهميّة في آنٍ بتفصيل أكبر في القسم الثاني من الكتاب.

ما هو مقاس وسطك؟

مقاس الوسط هو أداة أخرى نستعملها لاكتشاف الوزن الزائد.

المكان الذي يتركّز فيه الوزن الزائد يؤثّر على خطر الإصابة باعتلال القلب التاجي. فبعض الأشخاص يحملون وزناً زائداً في الفخذين والمؤخّرة، ما يعطيهم شكل الإجاصة، فيما يكتسب البعض الآخر وزناً زائداً في البطن، فيبدون أشبه بالتفّاحة. والأشخاص الذين يحملون الوزن الزائد في بطونهم هم الأكثر عرضة لاعتلال القلب التاجي.

هل تمارس الرياضة؟

الرياضة هي واحدة من أهمّ العوامل الحياتيّة التي تساهم في الوقاية من اعتلال القلب التاجي، شأنها في ذلك شأن الغذاء. لا بل ثمّة بعض الأدلّة على أنّ التمارين النشيطة والمنتظمة من شأنها أن تساعد على شفاء اعتلال القلب!

ولكن للاستفادة من حسنات الرياضة، عليك ممارستها بنشاط وبانتظام. عليك أن تتمرّن لفترة جيّدة في كلّ مرّة وأن تمارسها وفقاً لروتين أو نموذج منتظم من التمارين وذلك على عدّة سنوات للحصول على النتائج المرجوّة. لهذا السبب، عليك أن تعتمد روتيناً يناسبك ويتلاءم مع نمط حياتك. فإن كنت تبغي فائدة القلب والأوعية، يجب أن تتحوّل الرياضة إلى جزء من روتينك اليومي الاعتيادي.

والواقع أنّه من غير الممكن الإفراط في التشديد على أهميّة الرياضة في الحفاظ على صحّة القلب

هل تعاني من الإجهاد؟

هل يضاعف الإجهاد من خطر الإصابة باعتلال القلب التاجي؟ أجل في الواقع. ولكن ذلك لا يعني بأنّك ستصاب به بالضرورة إن كنت تعاني من الإجهاد.

إذ يتجاوب الناس مع الإجهاد على نحو متفاوت، وحسب ظنّنا، إن طريقة التجاوب هي مفتاح خطر اعتلال القلب الناتج عن الإجهاد.

ربما سبق لك أن سمعت بنمطي الشخصيّة الأساسيّين، النمط أ والنمط ب. فالنمط أ يميل إلى الكفاح الشديد ويتصدّى للمشاكل بشراسة. وحين تواجهه مشكلة عصيبة، يتفاعل معها بقوّة وتأتي استجابته شديدة الإجهاد لجسده (وليس للمحيطين به فحسب). أمّا النمط ب فهو أكثر ليونة، تمرّ به الأوقات المسبّبة للإجهاد على شكل عقبة مؤقّتة أو كما يسيل الماء على المنحدر. وفي ما يتعلّق بخطر النوبة القلبيّة، يعتبر الأشخاص ذوي النمط أ “متفاعلين ساخنين”. إذ يرتفع ضغط دمهم وتتضاعف سرعة قلبهم بشكل كبير حين يتعرّضون للضغط، بينما تأتي استجابة ذوي النمط ب أقلّ حدّة.

ماذا يمكنك أن تفعل بالتالي لتقليص خطر النوبة القلبيّة المرتبطة بالإجهاد؟ أمامك خياران: قلّص الإجهاد الذي تتعرّض له في حياتك أو تعلّم كيفيّة التعامل معه بشكل أفضل. ويمكنك بالتالي أن تحاول تحرير حياتك من الإجهاد، إمّا عن طريق ترك عملك الرهيب أو إيجاد طريقة لإنجاح زواجك أو الانتقال إلى منزل أصغر مساحة يمكنك تحمّل نفقاته. وثمّة أيضاً عدد من التقنيّات الموثّقة لسيطرة على الإجهاد، كتقنيّات التنفّس والتأمّل والرياضة، المفضّلة لدي.

وحتّى إن لازمك الإجهاد ولم تنجح التقنيّات المذكورة في السيطرة عليه، بمقدورك أن تغيّر طريقة استجابتك للإجهاد. بتعبير آخر، حتّى ولو كنت من ذوي النمط أ، يمكنك أن تحوّل نفسك إلى متفاعل بارد، يتفاعل مع الإجهاد مثل شخصيّة النمط ب. وقد قام د. روبرت إيليوت بعمل ممتاز في هذا الصدد، بما في ذلك اللجوء إلى المزاح لتغيير استجابتك للإجهاد.

والمثير للاهتمام في النمطين أ وب ونسبيّة خطر النوبة القلبيّة المرتبط بهما هو أنّ أصحاب النمط أ وبالرغم من كونهم أكثر ميلاً للإصابة بنوبة قلبيّة أولى، إلاّ أنّهم أقلّ عرضة لنوبة ثانية. إذ إنّهم يميلون إلى التصدّي لقضاياهم الحياتيّة بطريقة عدائيّة مثاليّة، نموذجيّة لدى النمط أ (أي في ما يتعلّق باتّباع برنامج رياضيّ واعتماد غذاء خاصّ والإقلاع عن التدخين). أمّا أصحاب النمط ب فهم أقل فاعليّة في إحداث هذه التغييرات التي قد تقيهم من نوبة قلبيّة تالية.