طبيب دوت كوم

القائمة

حلول لمشاكل الطفل الموهوب

حلول لمشاكل الطفل الموهوب

من الملفت للنظر أن يصادف المعلم في الصف طفلاً يخفي مواهب كامنة لا يرغب في إظهارها كونه لا يهتم بواجباته المدرسية ولا حتى بالتحصيل المدرسي، إن هكذا طفلاً موهوباً لا يقوم بأداء واجباته المدرسية ويتراخى في عملها يطلق عليه ” الطفل المتخلف في التحصيل المدرسي “.

الطفل الموهوب المتخلف في التحصيل المدرسي

وإذا حاولنا التعرُّف على الأسباب التي أدت وتؤدي إلى هذا التراخي، على الرغم من قدرته العقلية القادرة على إنجاز العمل على أفضل وجه، فإنها ولا شك موجودة وهذا ما أشارت إليه الدراسات والبحوث التي أجريت على هذه الفئة من الأطفال الموهوبين. ويمكننا أن نجمل هذه الأسباب فيما يلي:

1 ـ قد يكون التحصيل الضعيف نتيجة لمشكلة انفعالية في حياة الطفل. فقد تؤثر هذه الانفعالات عبر توترات معينة على جهازه العصبي بحيث تحد من نشاطه مما ينعكس سلباً على تحصيله المدرسي.

2 ـ قد يرغب الطفل في الانتقام من أبويه لسبب ما أو نتيجة لإحباط معين من برنامجه الدراسي الذي لا يرتاح إليه، فيجعل من تحصيله الضعيف خير وسيلة لهذا الانتقام، وذلك بسبب ما يعوله الوالدان من أهمية كبرى على طفلهم في عملية تحصيله المدرسي.

وهناك دراسات أخرى أجريت حديثاً على هؤلاء الأطفال تـثبت من نتائجها أن سبب التراخي والإهمال مرتبط بالحالة الوجدانية للطفل وليس لنوع الدراسة التي يمارسها. فقد دلت النتائج أن الطفل الموهوب المتراخي يجد نفسه غير قادر على الوصول إلى مستوى الطفل الموهوب العادي من حيث القدرة على ممارسة ما يميل إليه من أنواع النشاط، أو على أن يعبِّـر عن مشاعره تعبيراً واضحاً، أو من حيث القدرة على أن يتجاوب مع البيئة التي يعيش فيها.

والسؤال المطروح الآن هو: كيف يُفترض بالمعلم أن يواجه هذه الحالة؟ لا بُد له من أن يتأكد من الأسباب التي أدت إلى هذا التراخي والتخلف. وهنا نفترض وجود مرشد تربوي اجتماعي ونفسي في المدرسة بحيث يستفيد المعلم من إرشادات هذا المرشد في غمار بحثه عن الأسباب. وعلى أية حال فإن أفضل طريقة لمعالجة هذا الموضوع يكمن في أن يجعل المعلم من الحصة الدراسية حصة شيّـقة لتكون حافزاً لهؤلاء الأطفال كي يقبلوا على الدراسة والتحصيل المدرسي برغبة وشوق إقبال الظمآن على الماء القراح. ويجب أن لا نغفل دور الأطباء النفسيين في هذا الخصوص، إذْ تستدعي الضرورة وكلما دعت الحاجة، إلى عرض هؤلاء الأطفال على الأطباء المذكورين من أجل المساعدة في إيجاد بعض الحلول لمعالجة هذه المشكلة.

تأثير الذكاء على الطفل الموهوب

يظن البعض بأن الطفل اللامع في ناحية معينة لا يكون ذكياً أو لامعاً في ناحية أخرى والعكس بالعكس. ولكن منطق الموضوع يُفترض بأن العوامل تؤثر بعضها ببعض سلباً وإيجاباً. بكلمة أخرى إن الربط بين العوامل هو الأساس وليس تعويض عامل بآخر. لذلك دلت الأبحاث بأن الطفل الذي يتمتع بمزايا اجتماعية وانفعالية يتمتع بقدرة عقلية محترمة، وأن الطفل الغير موهوب اجتماعياً وانفعالياً لا يتمتع بقدرة عقلية جيدة وإنما بمستوى عقلي متواضع.

ولكن السؤال هو: ما علاقة الذكاء بمفرده بما يتمتع به الطفل من مزايا اجتماعية وانفعالية ؟ نجيب بالإيجاب. إذْ أن نسبة الذكاء العالية تلعب دوراً هاماً في حياة الطفل لا بل تكسبه حباً وتقديراً واحتراماً من الناس. ولذلك وبناء عليه فإن إدراك العلاقات الإنسانية أسهل على الطفل الذكي منه عن غيره. وهذا الإدراك بدوره يؤهله إلى اكتساب الأصدقاء.

ولكننا إذا تمعنّـا في موضوع الذكاء جيداً وتمحصنا فيه كفاية لوجدناه غير كافٍ لأن يُضفي على الأطفال كل شيء وبالتالي لا يلعب دور الساحر القادر على وهب الطفل ما يريد ويشتهي. فهناك عوامل أخرى تلعب دورها في هذا المجال كالعلاقات الأسرية المستقرة التي تساهم في جعل الطفل يتمتع بمركز اجتماعي محترم ممّا يضفي على الذكاء رونقاً وتوازناً بحيث يصبح الطفل قادراً على التجذر فيما يسعى إليه.

إن وضعاً كهذا يجعل الطفل الموهوب موضوع دراسة من قبل معلميه بحيث يستفيد المعلمون من خلال اضطلاعهم عن كثب من الوصول مع هذا الطفل إلى النتيجة المتوخاة.

حقائق متعلقة بالطفل الموهوب يُفترض في المعلم أن يعرفها حتى يتمكن من مساعدته:

أولاً : يواجه الطفل الموهوب مشاكل متعددة: اجتماعية ودراسية وانفعالية ذات علاقة بالأهداف التي يسعى إلى تحقيقها شأنه في ذلك شأن أي طفل آخر. ولكن عمق هذه المشاكل وبعدها أقل من تلك التي تواجه الأطفال العاديين وفي هذا عزاء للمعلم وللأهل.

ثانياً: لا يبدو أن نسبة الذكاء سبباً ـ في حد ذاتها ـ في المشاكل الاجتماعية والانفعالية ولو أنها يمكن أن تكون عاملاً مساعداً في ذلك. فبعض المشاكل (خاصة ذات العلاقة بعدم قدرة بعض الأطفال الموهوبين في القدرة على التكيُّـف) لا يمكن أن تعتبر نتيجة طبيعية للذكاء ما دام الكثير من الأطفال الأذكياء يمتازون بالاستقرار النفسي والاجتماعي.

ثالثاً: إن أكثر المشاكل شيوعاً عند بعض الأطفال الموهوبين تلك المتصلة بعدم الميل للتحصيل العلمي بالإضافة إلى التكيُّـف. ولكن هذه المشاكل ذات علاقة بعوامل خارجة عن المدرسة . لذلك يُفترض بالمعلمين أن يستفيدوا من خبرات الأخصائيين النفسيين من أجل مساعدتهم في حل هذه المشكلات.

رابعاً: لا يستطيع المعلم أن يغيّر البرامج المدرسية المقررة كي تتماشى مع هذا الطفل أو ذاك إذا لم نبحث حالته لمعرفة مصدر مشاكله الخاصة إذا كانت هذه المشاكل قد لازمته مدة طويلة من حياته.

مناهج التدريس والبرامج التدريسية

هناك آراء عديدة حول المناهج والبرامج الدراسية الواجب تدريسها للأطفال الموهوبين، وعلى الرغم من تباينها وتنوعها واختلاف وجهات النظر حولها، لكنها تبقى في حدود هذا التباين وذاك الاختلاف فيما بينهم (المشرفون ، القيمون ، واضعو المناهج ) . ولكن الأهميـة القصوى يجب أن تُعطى للطفـل الموهوب ذاته . وهذا يعني ضرورة دراسة مشاكـل المناهـج والبرامج من وجهة نظـر الطفل لا من وجهة نظر المشرفين عليه.

عقبات تواجه الطفل الموهوب

كما أن المشاكل تواجه الأطفال العاديين كذلك تواجه الأطفال الموهوبين، إذ أن مشاكلهم من نوع خاص بهم ذات علاقة بقدراتهم ونسبة ذكائهم وعلاقاتهم الاجتماعية مع الآخرين.

وفي طليعة المشاكل التي يواجهها الطفل الموهوب في الصف هي القدرة على التكيُّـف مع زملائه الذين هم دونه في المستوى الذكائي والقدرة على الاستيعاب. فقد يجد هذا الطفل نفسه في وضع متفوق خاصة عندما يتحدث المعلم عن أمور سبق وأن استوعبها وفهمها، في حين أن السواد الأعظم من التلامذة لم يستوعبوا بعد القواعد الأساسية التي يعتبرها المعلم جزءاً أساسياً من المنهاج المقرر.

كما أن هناك مشاكل أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها وهي علاقته برفاقه في الصف، إذْ يفقد بعض الموهوبين صبرهم في تحمل رفاقهم الذين هم دونهم في المستوى الذكائي خاصة أولئك المتخلفون، وهذا ما يجعله ضيق الصدر، قصير النظر والنَفَس. من هنا ضرورة إرشاد الطفل الموهوب إلى أن يُحسن التكيّـف معهم بصدر رحب خاصة عندما يسمع أحد رفاقه أو إحدى رفيقاته تتحدث بشكل يدل على ضعف المستوى، ممّا يجعله يتفوه بكلمات بقصد أو بدون قصد دونما سابق تفكير ممّا يؤدي إلى جرح شعورهم كأن ينعتهم بالغباء والحمق أو سوى ذلك من العبارات المؤذية للشخصية. وهذا بدوره يجعل من رفاقه موضـع الازدراء والاحتقار مهيئين لأن يشعروا بشيء من الكراهية والحقـد نحوه كـونهـم لا يتمتعون بمثـل قدراته العقلية والذكائيـة ، بالإضـافة إلى ما تجره هذه الأمور من نتائج سلبيـة تنعكس على الطفل المـوهوب ذاتـه بأن يصبـح منعـزلاً ومنبوذاً من الآخرين.

وهناك شيء آخر جدير بالذكر وهو ضرورة معرفة الطفل الموهوب لحدوده السلوكية، بمعنى أن يأخذ بالقول المأثور ” رحم الله إمرءاً عرف حده فوقف عنده “. فلا يجوز أن يفرض أفكاره وآراءه داخل الصف معترضاً حيناً ومتباهياً أحياناً أخرى مما يؤدي إلى الإخلال بالنظام مما يؤدي بدوره إلى الفوضى، وقد يتعدى الطفل الموهوب في أفكاره وآرائه حدود زملائه إلى معلميه حيث يتنطح مقترحاً طريقة أو تجربة أخرى ممّا يجر بدوره إلى نوع من التحدي لسلطة المعلم في الصف. لذلك يُفترض في المعلم المؤهل أن يكون يقظاً متنبهاً لشؤون وشجون الطفل الموهوب فيميل حيناً إلى إطرائه بإبراز مواهبه وقدراته كما يميل أحياناً أخرى إلى إفهامه وتنويره ونصحه وإرشاده إلى سواء السبيل مذكراً إياه بالقول المأثور أيضاً “تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين”.

عقبات تواجه المعلم

لا شك أن أهم عقبة تواجه المعلم في الصف هي التفاوت الملحوظ في مستوى الطفل الموهوب مقارنة بمستوى رفاقه لا سيما في المراحل الدراسية المتقدمة. وهي في نظرنا مشكلة ذات صفة أولية كونها تواجه معظم المعلمين الذين يقفون حيارى أمامها فيما يجب أن يفعلوا.

وكما سبق وتحدثنا أن هذا التفاوت في المستوى الذي يبدأ بسيطاً في مراحل التعليم الأولى لا يلبث أن يكبر ككرة الثلج مع تقدم الأطفال في سنواتهم الدراسية. وعلى سبيل المثال تشكل الصفوف الابتدائية الأولى (الأول والثاني والثالث الابتدائي) مرحلة أولية من هذا التفاوت الذي يبدو صغيراً لكنه سرعان ما يبدو جلياً وواضحاً في الصفين الرابع والخامس الابتدائيين، وهذا يظهر بوضوح في مادة الحساب مثلاً، إلاّ أنه لا يلبث أن يظهر بقوة أكبر وأوضح عندما يبدأ الأطفال بدراسة مادتي الجبر والهندسة في مرحلة التعليم المتوسط. فكيف يجب على المعلم أن يتصرف حيال هذا الفرق الشاسع في قدرات التلامذة؟ من الأمور التي تسهّـل مهمة المعلم في مواجهة هذه المشكلة هو معرفته بالخلفية الاجتماعية والثقافية للتلامذة الموجودين في صفه. وبما أن معظم المعلمين غير ملمين بهذه المعرفة فلن يتمكنوا من مواجهة هذه المشكلة كما يجب.

وإذا أضفنا إلى هذا كله عدم قدرة المعلم على القيام بمهنة التعليم كما يجب، أي أنه غير مؤهل للقيام بعمله، لوجدنا مدى الصعوبة التي يمكن أن يواجهها خاصة وأن معلم المرحلة الإبتدائية يُفترض أن يلمّ بأصول وطرق التدريس لمعظم المواد الدراسية في تلك المرحلة. لذلك، وفي نظرنا، يلعب المعلم المؤهل دوراً هاماً ورئيسياً في هذا الصدد، وعبر هذا التأهيل وتلك القدرة يتمكن من مواجهة الأمر ولو بشكل نسبي.

ضرورة تنويع المنهاج

أمام هكذا مشاكل لا بد لنا من حلول خاصة على صعيد المنهاج الدراسي، لذلك جاءت فكرة تنويع المنهاج وتطعيمه ببعض النشاطات بحيث تخدم الغرض المتوخى وتصبّ في خانة تنمية مواهب الطفل الموهوب وزيادة قدراته عبر ما يلي:

ـ الربط بين المفاهيم والأفكار المختلفة.

ـ تقويم الحقائق والأفكار عبر نقد إيجابي.

ـ التجدد والخلق والابداع في مجالات التفكير.

ـ التزود برأي سديد لمواجهة المشاكل المعقدة.

ولكن السؤال المطروح الآن: هل يمكن أن تجتمع كل هذه الصفات في الطفل الموهوب؟ الإجابة بالنفي إذ من غير المعقول أن يتمكن الطفل الموهوب ـ أي طفل ـ من جمع هذه القدرات مهما كانت نسبة ذكائه. لذلك تأتي المدرسة لتتدخل في هذا المجال عبر النشاط الإضافي التي تعده للطفل الموهوب بحيث يساهم هذا النشاط في تدعيم قدراته وتفعيلها.

ومن الجدير ذكره أن دور المدرسة يجب أن ينصبّ ليس على ملء وقت فراغ الطفل الموهوب بهذه النشاطات بل في تزويده بالقدرة على الخلق والإبداع والتجديد والابتكار. فعوضاً عن لجوء المدرسة إلى زيادة واجبات الطفل الموهوب البيتية لملء وقت فراغه في حلها ـ كونها لا تنمي قدراته العلمية ـ بل في إعطائه طريقة جديدة لإثبات صحة عملية حسابية معينة ـ الطرح أو القسمة مثلاً ـ. وعوضاً عن إشغال الطفل الموهوب بالبحث في موسوعة عن معلومات جديدة في الإنتاج ـ صناعة، زراعة، تجـارة ـ لملء وقت الفراغ بل الطلب منه البحث عن علاقة هذا الإنتاج بالسياسة والإقتصاد، ففي هذا تنمية لقدراته.

ويبقى السؤال هل باستطاعة المعلم أن يهيء الجو المناسب بحيث يتمكن الطفل الموهوب والأطفال الآخرون من القيام بواجباتهم دونما مشاكل تذكر؟ لا شك أننا نحمّـل المعلم حملاً ثقيلاً إذا طلبنا منه التمكّن من القيام بهذا لأنه أمر شاق يحتاج إلى جهود وخبرة ويقظة في تحقيق هذا الهدف، حتى ولو تمكن من تحقيقه في حده الأدنى. فما العمل؟؟ هل من السهل فصل الأطفال الموهوبين ووضعهم في صف خاص بهم؟ أو إيجاد مدرسة خاصة لهم؟ وهل من الممكن القيام بهذا العمل؟؟

الحلول لمشاكل الطفل الموهوب

أمام هكذا مشاكل لا بد للمربي وللمختص في شؤون التربية وشجونها من التفتيش عن حلول علّـها تكون مناسبة للخروج من هذا المأزق. وفي طليعة هذه الحلول:

1 ـ مدرسة خاصة بالموهوبين

إن أول ما تبادر إلى ذهن القيمين على التربية والتعليم إيجاد مدرسة خاصة بالأطفال الموهوبين بحيث يتواجد الأطفال فيها من حيث المستوى العقلي الممزوج بالقدرة على التكيّـف والاستقرار النفسي بحيث تتمكن هذه المدرسة من:

ـ خلق تجانس عقلي متقارب بين الأطفال الموهوبين.

ـ وضع صفوف معينة حسب المستوى الفعلي.

ـ التمكن من إيجاد الأخصائيين القادرين على القيام بإنجاح هذه المهمة.

أما البرنامج المفترض وضعه في هكذا مدارس يكمن في تنفيذه عبر الأطفال أنفسهم، ولذلك فالصفوف في مجملها صفوف حرة شبيهة بالعمل في المعمل بحيث يقسم الأطفال في الصف الواحد إلى مجموعات لكل منها هوايتها وعملها الخاص بها سواء كان ذلك في مجال الرياضيات، أو العلوم، أو الفن، أو اللغات أو البحث أو سواها. وهذه المدارس على ندرتها وقلتها حتى في الدول المتقدمة خير دليل على مدى تواجدها لأن المجتمع عادة لا يتقبل مدارس النخبة.

2 ـ صفوف خاصة بالموهوبين

فكر بعض القيمين على التربية والتعليم بإيجاد صفوف خاصة بالموهوبين على أن يوضع هؤلاء الأطفال في صفوف خاصة بهم بما يختص بالمواد ذات العلاقة بالتحصيل الذهني على أن ينضموا إلى رفاقهم الآخرين ـ العاديين ـ في مواد الرسم والموسيقى، والرياضة البدنية.

ويتم في هذه الصفوف الخاصة إيجاد مناخ من حرية التفكير والمسلك، ويُفسح المجال للتلامذة بالحوار والنقاش المنطقي وتفهم الحقائق ووضع الخطط بدلاً من حفظ الدروس حفظاً روتينياً.

3 ـ مجموعات خاصة بالموهوبين

يقدم بعض القيمين على التربية والتعليم طريقة أخرى وذلك عبر جمعهم في مجموعات خاصة يتم اختيارها ضمن مستوى عقلي وزمني متجانس بحيث يتم تدريسهم في وقت محدد من اليوم المدرسي، على أن يمضوا الجانب الآخر مع زملائهم العاديين. ويسمح لهذه المجموعات الخاصة بإعداد البرامج والمشاريع للصف والقيام برحلات ذات صفة واسعة تحقق رغباتهم وطموحاتهم. كما تقدم لهم المدرسة دروساً أكثر في مجال اللغات وتعمل على إعدادهم للقيادة.

4 ـ أخصائيو الإرشاد والتعليم والتوجيه

لجأ آخرون من المتعاطين بالشأن التربوي إلى حل وسط بين الحلين السابقين وذلك عبر إيجاد أخصائي يقوم بتوجيه المعلمين في أصول وكيفية تعليم الأطفال الموهوبين بالإضافة إلى الاجتماع بهم من حين إلى آخر بضع ساعات في الأسبوع وذلك من أجل إشباع رغباتهم وتنمية ميولهم السريعة النمو.

ومن الجدير ذكره أن البرامج الموضوعة لتعليم الأطفال الموهوبين تختلف باختلاف البيئة والمجتمع ولكنها تتشابه رغم كثرتها في قواسم مشتركة عبر النقاط التالية:

ـ وضع الأطفال الأذكياء في مجموعات خاصة بهم.

ـ تزويدهم بقدر من المسؤولية لتخطيط البرامج.

ـ الاهتمام بالابتكار والتعبير والتقليل من الحفظ.

ـ وضع الأطفال الموهوبين في مجموعات قليلة العدد.

ـ عدم التقيد بالروتين عبر إعطائهم حرية أكبر.

5 ـ التعليم الفردي أو الانفرادي

لعلّ هذه الطريقة هي الأكثر قِدماً وشيوعاً كونها ترتكز على الفروقات الفردية Individual Differences بين التلامذة الموهوبين أنفسهم. لذلك لجأت بعض المدارس إلى دراسة كل حالة فردية على حِدة بحيث يجري، عبر امتحانات معينة، الكشف عن شخصية وميول ورغبات وحاجات واتجاهات التلامذة ومن ثـمّ العمل على ما يتناسب وهذه الاحتياجات. من هنا ضرورة وجود اختصاصي بدراسة هذه الحالات الإفرادية. ولقد دلت الدراسات والبحوث التي أجريت فوائد هذه الطريقة خاصة دراسة الموهوبين الذين يعانون من مشاكل خاصة بهم.

ترفيع وتسريع تعليم الطفل الموهوب

لا زلت أذكر شخصياً ترفيع أحد زملائي الطلبة في الصف الخامس الابتدائي إلى صف أعلى كونه كان موهوباً. وكان الدافع إلى ذلك وضع الطالب المتفوق في صف يكون رفاقه مساوين له في القدرة العقلية، وعلى الرغم من تمكن الطفل الموهوب من الاستمرار في صفه الأعلى إلا أن هذه العملية لم تراع نضج الطفل الاجتماعي والانفعالي سيما في المراحل اللاحقة، وعلى وجه التحديد المرحلة الجامعية، حين يجد الطالب نفسه بين رفاق أكبر منه سناً وانضج عقلا. وهذا ما جرّ بدوره إلى مشاكل أثرت بدورها على الطلبة وكانت عائقاً إلى حد ما. ولكن هذه المعوقات والمشاكل لم تضع حداً لهذا الاتجاه في التشريع والترفيع بل جاءت الدراسات والبحوث الحديثة تؤكد صحة هذا الاتجاه.

وبالعودة إلى مرحلة التعليم الابتدائي نجد أن بعض المدارس لجأت إلى قبول الطفل في الصف الأول الابتدائي في سن مبكرة عما يُفترض. وهنا نقف أمام وجهتي نظر: الأولى تقول بأن تلتزم المدارس بإدخال التلامذة ضمن سن معينة واحدة لجميع الأطفال مهما كانوا وأياً كان مستواهم، ولم تأخذ هذه الوجهة بعين الاعتبار التقدم الملحوظ لطرق التعليم الحديثة ولا الفروقات الفردية الملحوظة بين التلامذة في سن السادسة ضمن قدراتهم الفعلية: أما وجهة النظر الثانية فتلحظ في اعتبارها ضرورة فتح المجال أمام المدرسة بأن ترفّع وتسرّع في تعليم الطفل الموهوب كلما دعت الحاجة وعند الضرورة.

ومن الناحية العملية دلت الدراسات والبحوث التي أجريت في هذا الخصوص بأن الأطفال الموهوبين، الذين سمح لهم بمتابعة التعلم في صف أعلى، حققوا نجاحاً وأحرزوا تقدماً في دراستهم وأن النتائج التي حصلوا عليها خير دليل ودافع على الاستمرار فيها.

ويجب أن لا يسهى عن بالنا وجود بعض العقبات والمشاكل الملازمة لعملية الترفيع والتشريع في مجالين اثنين:

الأول: وهو مشاكل إدارية تتطلب إجراء عدد من الاختبارات على الأطفال في سن الخامسة للتأكد من قدرتهم على الالتحاق بالصف الأول وهذا من شأنه أن يجعل الأمر متعذراً لمدارس أخرى ـ وهي كثيرة ـ من القيام بهذا العمل نظراً لافتقارها إلى مستلزمات القيام بهذا العمل من أخصائيين وإداريين وسواهم.

الثاني: وهو تسريع الانتقال بشكل يتم فيه الترفيع ليس من صف إلى صف أعلى بل إلى صفين أعلى من الصف الأساسي ويتم هذا دفعة واحدة، كأن ينتقل الطفل الموهوب من الصف الثالث الابتدائي إلى الصف الخامس الابتدائي مثلاً.

ومن الجدير ذكره أن المجال الثاني رغم حصوله في بعض المدارس لكنه نادر لندرة الحالات. وقد دلت الدراسات والبحوث التي أجريت أن الضرر المترتب على الاعتماد عليها أكثر من النفع المتوقع من إجرائها، لذلك أوحت هذه الدراسات باللجوء إليها في الحالات غير العادية أو ما تسمى الحالة الاستثنائية Exceptional.

ولا يسعنا في هذا المجال من التطرق إلى طريقة لجأت إليها بعض المدارس وهي إزالة الحواجز بين الصفوف في السنوات الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية بحيث يتمكن الأطفال الموهوبين من اجتياز برنامج المرحلة الدراسي في مدة أقل من ثلاث سنوات. وهكذا تكون المدرسة قد أمنت لهؤلاء الموهوبين فرصة دراسة المنهاج المدرسي اللاحق قبل الأطفال العاديين على أن يُنظم لهؤلاء برنامجاً خاصاً يتناسب مع قدراتهم لتتناسب مع مستواهم العقلي. وهنا يُفترض في المدرسة أن تراعي ـ بالإضافة إلى مستواهم العقلي ـ عنصر التكيّـف الاجتماعي والعاطفي الانفعالي بحيث يكون هذا التكيّـف في مستوى المطلوب.

ضرورة تحديث وتطوير المناهج

طالما أن الأطفال الموهوبين يستحقون منهاجاً يتلاءم ومواهبهم فهذا يفترض منا أن نعدل أو نغيَر مناهج الدراسة الحالية المعمول بها بشكل طفيف. ولكن المشكلة لا تكمن في هذا التعديل البسيط إنما هي في فحوى المادة الدراسية المقررة وكيفية تدريسها خاصة في مادتي العلوم والرياضيات Sciences and Math .

هناك نقد يوجه إلى طريقة تدريس العلوم وهذا النقد موجه إلى المعلمين الذين يلجأون إلى ربط مفاهيم الدرس بأشياء يراها التلميذ في حياته اليومية ويجدها غير مُجدية. ومثال ذلك لجوء المعلم إلى شرح مفهوم فكرة الضغط Pressure مثلاً فيشرحه المعلم عن طريق ما يحدث داخل أنابيب الثلاجة الكهربائية Refrigerator، أو أن يكون الدرس عن خواص تموجات الصوت فيأخذ المعلم الأطفال في رحلة إلى بحيرة معينة ويقذف بقطعة صلبة في الماء ليحدث فيه تموجات، ثم يشرح لهم تموجات الصوت بمقارنتها بتموجات الماء.

ويعتقد معارضو هذه الطريقة بأنها تجعل أفق الطفل ضيقاً، وتفكيره محدوداً وتساهم بالتالي في عدم تفهمه وإدراكه للفكرة العلمية العامة التي تعتبر مرتكزاً أساسياً في دراسة العلوم، لذلك يقترحون ما يلي: أن يلجأ المعلم إلى الانطلاق من المفاهيم الأساسية في الدرس ثم يطلب من التلامذة تطبيق القاعدة ليس فقط على شيء معين ـ كالماء والصوت ـ كما في المثال السابق بل على كل ما يدور حولهم كي يستطيعوا تعميم هذه الحالة على كل ما من شأنه أن يمت إلى القاعدة بصلة. ويعطون مثالاً على ذلك وهو:

في حالة تدريس الفلك “Astrology Space” يبدأ المعلم بتدريس المجموعة الشمسية ـ حسب الطريقة الأولى ـ ولكنه عوضاً عن ذلك يبدأ بتدريس كيفية نشوء المادة Substance إلى حيز الوجود وهي في نظرهم أهم من تدريس علم الفلك من المجموعة الشمسية. وفي الطبيعة يبدأ المعلم بتدريس تموجات الصوت ويقارنها بتموجات الماء، ولكن عبر الطريقة الثانية Astrology، يبدأ المعلم بتدريس التموجات عامة حتى يتمكن الطفل من إدراك العلاقات بين تموجات الصوت وتموجات الضوء وتموجات الحرارة، وهكذا يستطيع أن يدرك كنه الحياة التي نعيش فيها.

وكذلك في الرياضيات فقد دلت البحوث على أنه من الأفضل أن ندرس أولاً الفكرة العامة عن الرياضيات عوضاً عن إتقان بعض العمليات الأولية. كما تبين أن تعلّـم الطريقة الاستقرائية Deductive واستعمالها تمكنهم من حسن استـنـتاج القواعد الأساسية بأنفسهم، ممّـا يساهم في فهم تلك المادة فهماً جيداً، وتطبيقها بشكل عملي بحيث يستغني التلميذ عن حفظها عن ظهر قلب.

كما تساعد هذه الطريقة على تمكن التلميذ من ملاحظة العلاقات المتداخلة بين العمليات والمبادئ المختلفة بحيث تغنيه عن اللجوء إلى عمل التمارين الكثيرة كي تترسّخ في ذهنه، علماً بأن الطفل الموهوب لا يستحب ويرغب ـ لا بل يكره ـ الحفظ الببغائي والروتين الآلي المُـمل.

ومن الجدير ذكره أن تطبق هذه الطريقة على الأطفال الموهوبين دون سواهم لأن الطفل العادي لا يتمكن من استيعاب وهضم المفاهيم المجردة Abstract بل يستطيع عبر تطبيقه للعمليات الآلية الملموسة من أن يرسخ الدرس في ذهنه بشكل أفضل.

ولا بد والحالة هذه من لفت النظر إلى العبء الكبير الذي يتحمله المعلم في هذا الخصوص، إذ عليه أن يكون ملماً إلماماً كافياً بشؤون المادة الدراسية كما يتطلب منه سعة الاطلاع كي يواجه أسئلة التلامذة الموهوبين التي يقتضيها هذا النوع من التعليم. لذلك يُفترض أن يتم تدريب المعلم بشكل كاف يمكنه من القيام بهكذا عبء.

من هو معلم الأطفال الموهوبين

يجب أن تتوافر في معلم الأطفال الموهوبين الصفات التالية:

ـ أن يكون مزوداً بخبرة واسعة.

ـ التواضع. أي الاعتراف بالخطأ عند حصوله.

ـ عنده ثقة ملحوظة بالنفس.

ـ غزير المعرفة بالمادة الدراسية.

ـ العودة إلى المراجع العلمية والاعتماد عليها كلما دعت الحاجة.

ـ جذاباً قادراً على جعل التلامذة يقبلون على درسه برغبة وشوق.

ـ قدرات عقلية جيدة كي يساير مواهب التلامذة الموهوبين.

ومن الجدير ذكره أن معلمي الأطفال الموهوبين، عبر الصفات المذكورة أعلاه، قليلو العدد بالإضافة إلى قلة البرامج الموضوعة خصيصاً للمتفوقين. ولكن الاتجاه الحالي يتوجه نحو إعداد هؤلاء المعلمين واختيارهم حتى يتمكنوا من القيام بتدريس هؤلاء الأطفال بشكل ملائم.