الوقاية من الاكتئاب الانتحاري | دراسات

الوقاية من الاكتئاب الانتحاري | دراسات

كيف تتقي الموت بسبب الاكتئاب الانتحاري؟ بالنسبة لأولئك الذين لا يعرفون الكثير عن ويلات المرض النفسي، ستكون الإجابة ببساطة: بألا تقدم على الانتحار. الواقع أن الموت بغير ذلك من أسباب الموت الكبرى مثل أمراض القلب والنمط الثاني من السكري، وارتفاع ضغط الدم، قد تعتبر بالقدر ذاته اختيارًا كالموت بسبب الاكتئاب الانتحاري؛ حيث إن الاضطرابات النفسية تشوه القدرة على الحكم على الأمور، في كل عام يقدم على الانتحار أربعون ألف أمريكي تقريبًا، والاكتئاب هو السبب الرئيسي لذلك. ولحسن الحظ يمكن لبعض التغييرات في نمط حياة الشخص أن تصلح خلل عقله.

ففي عام ١٩٦٤، عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها: “حالة من العافية البدنية والذهنية والاجتماعية الكاملة وليست مجرد الخلو من الأمراض أو العجز”. بعبارة أخرى، قد تكون بحالة بدنية رائعة – مستمتعًا بمعدل كوليسترول منخفض، ووزن مثالي، ولياقة بدنية جيدة بشكل عام – لكن هذا لا يعني أن تكون معافى بالضرورة، فالصحة العقلية بذات أهمية الصحة البدنية.

الاكتئاب هو من أكثر الأمراض العقلية التي يتم تشخيصها، فما يقدر ب ٧٪ من الأمريكيين البالغين مصابون بحالة اكتئاب خطرة – وهي النسبة التي تعادل ستة عشر مليون شخص يعانون نوبة اكتئابية كل عام على الأقل. لكننا جميعًا نشعر بنوبات حزن في بعض الأحيان، فهناك مجموعة كاملة من العواطف تشكل جزءًا أساسيًّا من تكوين الإنسان. لكن الاكتئاب ليس مجرد حزن. إنه حالة تمتد لأسابيع تتميز بأعراض مثل المزاج السيئ أو الحزين، واختفاء الرغبة في أعمال هي في العادة محببة للنفس، وزيادة الوزن أو نقصانه، والإرهاق الشديد، والشعور غير المبرر بالذنب، وصعوبة التركيز، والتفكير المتكرر في الموت. فقطعًا قد يمثل الاكتئاب علة مهددة للحياة.

والصحة العقلية لا تعني مجرد التعافي من الأمراض، فليس مجرد خلوك من الاكتئاب أنك شخص سعيد. والدراسات التي تجرى على الصحة والاكتئاب أكثر عشرين مرة من تلك التي تجرى على الصحة والسعادة. لكن في السنوات الأخيرة، ظهر مجال “السيكولوجيا الإيجابية”، مركزًا على العلاقة بين الصحة البدنية والجسدية.

تشير أدلة متكاثرة على أن العافية النفسية مرتبطة بتراجع احتمالات الإصابة بالأمراض الجسدية، لكن أيهما يأتي بالآخر؟ هل يكون الناس أصحاء لأنهم سعداء، أم أن سعادتهم سببها تمام صحتهم؟

الدراسات المستقبلية التي تتبع حالات على مدى زمني انتهت إلى أن السعداء أفضل صحة, وفي تحليل لسبعين من هذه الدراسات حول معدلات الوفيات انتهى إلى أن “الحالة النفسية الإيجابية لها تأثير جيد على طول الأعمار سواء في المجتمعات الصحية أو المعتلة”. الأكثر سعادة، إذن، أفضل صحة على ما يبدو.

لكن تمهل، فبينما ترتبط الحالة العقلية الإيجابية بمستويات أقل من التوتر ومقاومة أكثر للمرض، فإن الحالة الإيجابية يبدو أنها مرتبطة كذلك بنمط الحياة الصحي. وبشكل عام، أولئك الذين يشعرون بكثير من الرضا هم كذلك الأقل تدخينًا، والأكثر ممارسة للرياضة، والأكثر التزامًا بالطعام الصحي. فهل السعادة إذن علامة على الصحة الجيدة وليست سببًا لها؟ للإجابة عن هذا السؤال، رتب الباحثون لإمراض الناس.

هناك علماء بجامعة كارنيجي ميلون اختاروا مئات الأشخاص – بعضهم سعيد وبعضهم غير سعيد – ومنحوهم ٨٠٠ دولار نظير إصابتهم بفيروس البرد في أنوفهم. إن عطس شخص مصاب بالبرد في وجهك مباشرة ودخول الفيروس إلى أنفك لا يعني بالضرورة أنك ستصاب بالعدوى؛ لأن جهازك المناعي قد يتمكن من القضاء عليه؛ ولذا كان السؤال: مَن الذي سيكون جهازه المناعي أقدر على ردع البرد- أولئك الذين قيموا بشكل مبدئي بأنهم سعداء وفي حالة حيوية وشعور بالاسترخاء، أم أولئك الذين قدر أنهم قلقون عدوانيون ومكتئبون؟

واحد من كل ثلاثة تقريبًا من أصحاب المشاعر السلبية فشل في القضاء على الفيروس وأصيب بالبرد. لكن واحدًا فقط من كل خمسة من مجموعة السعداء أصيب بالمرض، حتى بعد حساب الباحثين لعوامل أنماط النوم، والتريض، ومستويات التوتر لدى المشاركين. وفي دراسة متابعة لهذه الدراسة، قام الباحثون بتعريض المشاركين (الذين دفع لهم مقابلًا أيضًا) لفيروس الإنفلونزا، وهو أشد من سابقه. ومرة أخرى، ارتبطت المشاعر الإيجابية بمعدلات أقل للإصابة بالمرض. يبدو أن الأكثر سعادة هم أقل الناس مرضًا.

يتضح من ذلك أن الصحة الذهنية تلعب دورًا في الصحة الجسدية؛ ولذا كان من المهم أن يكون طعامك الذي تتناوله معينًا لعقلك وجسدك معًا. وكما سترى، فإن الأطعمة الشائعة من الخضراوات ذات الأوراق الخضراء إلى تشكيلات الطماطم المزروعة بالمنزل تؤثر إيجابًا على كيمياء مخك وتساعدك على مكافحة الاكتئاب. والحقيقة أن مجرد شم رائحة أحد التوابل الشائعة كفيل بتحسين حالتك العاطفية.

لكن تجنب حالة الكآبة لا يكون فقط بتناول الخضراوات؛ فهناك أيضًا عناصر بأغذية أخرى تزيد من مخاطر الاكتئاب، مثل حمض الأراكيدونيك، وهو مركب مساعد على الالتهاب ويوجد غالبًا في الدجاج والبيض وهو نمط غذائي يلقى عليه باللائمة في تعكير الحالة المزاجية بتسببها في التهاب المخ.

حمض الأراكيدوينك Arachidonic acid: يزيد من مخاطر الاكتئاب

الدراسات التي أجريت عن الصحة العاطفية والحالات المزاجية لمن يتبعون أنظمة غذائية نباتية تظهر أن التقليل من تناول اللحوم ليس مفيدًا بدنيًّا فحسب؛ بل مفيد لحالتنا العاطفية كذلك. استخدم الباحثون اثنين من الاختبارات النفسية، صورة الحالة المزاجية ومقياس توتر الاكتئاب والقلق. الأول يقيس مستويات الاكتئاب والغضب والعدائية والتعب والارتباك. أما الاختبار الثاني فيقيس الحالات المزاجية السلبية الأخرى مثل: قلة الحيلة, وفقدان الاهتمام، وانعدام التلذذ، والهياج، والعصبية، ونفاد الصبر تجاه الآخرين، فأولئك الذين كانوا يتبعون أنظمة غذائية نباتية وجدوا أقل معاناة من المشاعر السلبية مقارنة بمن يأكلون اللحوم. وأولئك الذين يأكلون طعامًا أفضل كانوا أكثر “حيوية” بحسب ما تقرر عنهم.

وقد قدم الباحثون لهذا تفسيرين اثنين: الأول أن من يتبعون أنظمة تغذية أفضل هم أكثر سعادة؛ لأنهم أفضل صحة. ومن يتبعون أنظمة غذائية نباتية كانوا أقل في معدلات الإصابة بالأمراض القاتلة الكبرى، لكنهم كذلك كانوا أقل إصابة بأمراض مزعجة مثل النزيف والدوالي والقرحات وأقل تعرضًا للعمليات الجراحية وأقل دخولًا للمشافي؛ بل أقل بمقدار النصف في الاستخدام المنتظم للعقاقير، بما في ذلك المهدئات والإسبرين والأنسولين وأدوية ضغط الدم وأدوية الألم ومضادات الحموضة أو أدوية الإسهال أو المنومات. (فتفادي زيارات الأطباء ومقار التأمين الصحي كفيل بجعل المرء أقل عصبية وتوترًا واكتئابًا!).

ورأى الباحثون كذلك تفسيرًا مباشرًا أكثر لنتائجهم: أن حمض الأراكيدونيك المحفز على الالتهاب والذي يوجد في المنتجات الحيوانية يمكنه “التأثير سلبًا على الصحة العقلية من خلال إحداثه سلسلة متلاحقة من الالتهابات العصبية”. يقوم الجسم بامتصاص ذلك الحمض كمجموعة من المواد الكيميائية الالتهابية, وهكذا تعمل الأدوية المضادة للالتهابات كالإسبرين والإيبروفين في تخفيف الألم والتورم – بمنع تحول حمض الأراكيدونيك إلى مشتقاته الالتهابية النهاية. ولعل الصحة النفسية لأكلة اللحوم متراجعة بسبب هذه الالتهابات في المخ.

والالتهاب لا يكون سيئًا دائمًا بكل تأكيد، فحين تتحول المنطقة حول شظية ما إلى اللون الأحمر وتسخن وتتورم، فتلك علامة على أن الجسم يستخدم حمض الأراكيدونيك لخلق استجابة التهابية تساعد على محاربة العدوى القادمة. لكن جسدك يصنع بالفعل كل ما يحتاج إليه من ذلك الحمض، ولا تحتاج لأي قدر إضافي يأتيك من غذائك. بهذه الطريقة، يشبه حمض الأراكيدونيك الكوليسترول، وهو مكون رئيسي آخر يصنعه الجسم بنفسه: حين تضيف أنت إليه كميات زائدة عبر غذائك، فإن ذلك قد يضر بالتوازن الداخلي لجسدك. وفي هذه الحالة تحديدًا، شك الباحثون بأن أخذ إضافة من هذا الحمض قد يتلف الحالة العاطفية في الجسم. وهناك بيانات تشير إلى أن ارتفاع مستوى حمض الأراكيدونيك لدى الناس يزيد فرص إقدامهم على النوبات الاكتئابية والانتحارية الشديدة.

إن المصادر الخمسة الأساسية لهذا الحمض في الغذاء الأمريكي هي الدجاج والبيض واللحم البقري والأسماك، إلا أن الدجاج والبيض يسهمان وحدهما بنصف معدل هذه المصادر الخمسة مجتمعة. إن بيضة واحدة يوميًّا بها من حمض الأراكيدونيك ما هو كفيل بزيادة معدلاته في الدم. بشكل عام، أكلة اللحوم يستهلكون من هذا الحمض ما يزيد على استهلاك النباتيين تسع مرات.

الدراسة التي تظهر تحسن الحالة المزاجية والعاطفية لأولئك الذين يأكلون أطعمة نباتية كانت دراسة مقطعية، بمعنى أنها استهدفت حيزًا زمنيًّا محددًا، فماذا لو كان الأصل الصحة الذهنية والتي تمتد لتلحق بها نمطًا غذائيًّا صحيًّا، وليس العكس؟ لبيان السبب من النتيجة في هذه المسألة، يجب على الباحثين إجراء تجربة تدخلية، وهي المعيار الذهبي في الدراسات الغذائية: نجمع المشاركين، ونغير أنماط تغذيتهم، ثم نرى ما يجري. وقد فعل فريق البحث ذلك بالضبط. حيث اختاروا رجالًا ونساء ودفعوهم لتناول اللحوم مرة واحدة على الأقل يوميًّا دون بيض أو دجاج، مع غير ذلك من اللحوم الأخرى وذلك لبيان ما يحدث مع الحالة المزاجية. وخلال أسبوعين فقط من بدء الدراسة، وجد المشاركون تحسنًا ملحوظًا في مقاييس حالاتهم النفسية. فانتهى الباحثون إلى القول: “لعل الإقلال من اللحوم أفضل لحماية الحالة المزاجية، ويكون هذا الاتجاه في الإقلال أشد أهمية لأولئك الأشد عرضة لاضطرابات خطرة ( مثل الاكتئاب)”.

مع الأخذ في الاعتبار نتائج هذه الدراسة، قام فريق آخر من الباحثين بوضع نظام غذائي صحي لاختباره في بيئة عمل، حيث يمكن للأجساد والعقول السليمة أن تترجم ذلك إلى إنتاجية عالية – وتحسين مزاج أصحاب الأسهم أيضًا، فتم تشجيع مجموعة من الموظفين ذوي الأوزان الزائدة والمصابين بالسكري في شركة تأمين كبرى باتباع نظام غذائي نباتي كامل العناصر، والانقطاع عن تناول اللحوم والبيض والألبان والزيت والوجبات السريعة. ولم يتم فيه تحجيم كميات البروتين ولا حساب للسعرات، ولا تعقب للنشويات، ولا تغيير مطلقًا في أنماط ممارسة الرياضة لدى المشاركين. ولم يتم تزويدهم بالوجبات، بل وفرت كافتيريا الشركة خيارات يومية مثل: بوريتو الفاصوليا والعدس وشوربة المينستروني, وفي المقابل لم تتلق مجموعة مقارنة أخرى من الموظفين أية نصائح غذائية محددة.

ورغم هذه القيود، اكتسبت مجموعة الطعام النباتي، وعلى مدى خمسة شهور، رضا عن نمطهم الغذائي لم يتوافر لمجموعة المقارنة، فكيف كان أداؤهم؟ شهدت مجموعة الطعام النباتي تحسنًا في الهضم، وزيادة في الطاقة، وتحسنًا في النوم، كما شهدت زيادة لافتة في الأداء البدني، والصحة العامة، والحيوية، والصحة النفسية، فلا عجب إذن من إبرازهم تحسنًا لافتًا في حجم إنتاجيتهم بالعمل. وبناء على هذا النجاح، أجريت دراسة أكبر على التغذية النباتية في عشر شركات كبرى عبر البلاد من سان دييجو، كاليفورنيا، إلى ماكون في جورجيا. وتكرر النجاح اللافت نفسه، فأظهرت تحسنًا ليس في وزن الموظفين ومستوى سكر دمهم, وقدرتهم على السيطرة على مستوى الكوليسترول فقط لكن التحسن شمل أيضًا حالتهم العاطفية، بما في ذلك التخلص من الاكتئاب والقلق والتعب بالإضافة إلى الإحساس بالعافية والإنجاز اليومي.

محاربة الكآبة بالخضراوات

ثمة إحصائية ربما لم تسمع بها: كلما كثر استهلاك الخضراوات، قلت فرص الإصابة بالاكتئاب بمقدار ٦٢٪. وفي مقالة بمجلة نيوتريشنال نيوروساينس خلصت إلى أن تناول الكثير من الفاكهة والخضراوات، بشكل عام، يعد وسيلة علاجية رخيصة وغير تدخلية للمساعدة على الحفاظ على الصحة العقلية”.

لكن كيف، تحديدًا؟

إن التفسير التقليدي لكيفية حدوث الاكتئاب هو عبر ما يعرف بنظرية أحاديات الأمين، والتي تقول إن هذه الحالة تنشأ عن خلل في التوازن الكيميائي في المخ. إن بلايين الخلايا العصبية الموجودة في مخك تتصل ببعضها بواسطة ما يعرف بالناقلات العصبية، فخلاياك العصبية ليست متصلة ببعضها بشكل عضوي ولا تلامس بعضها. بل إنها تصنع وتستخدم ناقلات عصبية لترتق الفجوات فيما بينها. ومعدلات فئة مهمة جدًّا من هذه الناقلات وتسمى أحاديات الأمين، وتشمل السيرتونين والدوبامين، يتحكم فيها إنزيم يسمى أوكسيداس أحاديات الأمين والذي يفكك أية زيادة في أحاديات الأمين. أولئك المصابون بالاكتئاب يبدو أن لديهم مستويات مرتفعة من هذا الإنزيم في أدمغتهم. وعليه، وبحسب النظرية، فإن الاكتئاب يحدث نتيجة لنقص مستويات ناقلات أحاديات الأمين العصبية بسبب الزيادة في مستويات الإنزيم المهلك لهذه الإنزيمات.

وقد طورت الأدوية المضادة للاكتئاب بحيث تعزز من مستويات الناقلات العصبية لمواجهة إهلاكهما المتزايد. لكن إذا كانت الزيادة في إنزيم أوكسيداس أحاديات الأمين مسئولة عن الاكتئاب، فلِمَ لا يطور عقار يحجب هذا الإنزيم؟ هناك عقارات كهذه بالفعل، لكن لها مخاطر كبيرة – ليس أقلها ما يعرف “بتأثير الجبن،” الخطير والذي يتسبب فيه تناول أطعمة معينة (مثل أنواع معينة من الجبن، واللحوم المعالجة، والأطعمة المخمرة) في فترة تناول هذه الأدوية قد يتسبب في نزيف دماغي قاتل.

فهل من الممكن إيجاد طريقة للسيطرة على أوكسيداس أحاديات الأمين بشكل آمن؟ حسنًا، هذا ممكن عبر الكثير من الأطعمة النباتية، بما في ذلك التفاح والتوت والعنب والبصل والشاي الأخضر، حيث تحتوي على مغذيات تكبح بشكل طبيعي هذا الإنزيم، كما تفعل التأثير ذاته توابل مثل القرنفل والمردقوش والقرفة وجوزة الطيب. ويفسر هذا السر في انخفاض نسب الاكتئاب بين المكثرين من تناول الأغذية النباتية.

حتى على صعيد يومي، تظهر الدراسات أنه كلما زاد مقدار ما تتناوله من الفاكهة والخضراوات، كنت أكثر سعادة وهدوءًا وأكثر شعورًا بالطاقة خلال يومك – وقد تمتد هذه الإيجابية إلى اليوم التالي. لكن لأن لغذائك أثرًا ذا بال على نفسيتك، فليس أقل من تناول الفاكهة والخضر سبع مرات كل يوم.

البذور والسيرتونين Serotonin

رغم أن بعض الأطعمة النباتية تحتوي على مقادير معينة من السيرتونين، أو ما يعرف بهرمون السعادة، فإن السيرتونين لا يمكنه تجاوز حائل دم المخ. وهذا يعني أن بعض المصادر الغذائية لا يمكنها الوصول إلى الدماغ، لكن مادة بناء السيرتونين، وهي حامض أميني يسمى تريفتوفان، يمكنه الوصول من الفم إلى الدم ومنه إلى المخ. وقد أظهرت تجارب استنفاد حامض التريبتوفان في السبعينيات من القرن العشرين أن الناس الذين ينقص في غذائهم التريبتوفان يعانون الهيجان والغضب والاكتئاب. ولذا إن زاد ما يحصله المرء من ترفتوفان، فهل سيشعر بتحسن؟

هذا صحيح بحسب النظرية. لكن في الثمانينيات، أحدث أحد المكملات الغذائية المحتوية على التريبتوفان كارثة، حيث تسبب في العديد من الوفيات. لكن إذا كان التريبتوفان حامضًا أمينيًّا، وإذا كانت البروتينات مكونة من أحماض أمينية، فلم لا نعطي الناس وجبات غنية بالبروتينات لرفع مستويات السيرتونين بتوصيل المزيد من التريبتوفان إلى المخ؟ لقد جُرِّب ذلك بالفعل، وفشل؛ وذلك على الأرجح لأن الأحماض الأمينية الأخرى في الأغذية الغنية بالبروتين تزاحم التريبتوفان في الدخول إلى المخ. لكن تناول الكربوهيدرات يقوم بالعكس: فهي تطرد العديد من الأحماض الأمينية من غير التريبتوفان من تيار الدم إلى العضلات، ما يسمح للتريبتوفان بقدرة أفضل على الولوج إلى الدماغ، فمثلًا تناول إفطار غني بالكربوهيدرات مثل كعكة بالفواكه مع عصير البرتقال يترتب عليه مستويات أعلى من التريبتوفان مقارنة بتناول طعام غني بالبروتينات كلحم الرومي والبيض والجبن.

هذا المبدأ يفسر سر ميل النساء اللاتي يعانين متلازمة ما قبل الحيض في بعض الأحيان إلى طعام غني بالكربوهيدرات. إن تناول وجبة واحدة غنية بالكربوهيدرات وقليلة البروتين يحسن من حالة الاكتئاب، والتوتر، والغضب، والارتباك، والحزن، والإرهاق، والأرق والسكون بين النساء من ذوي متلازمة ما قبل الطمث. في دراسة لمدة عام، تم تكليف ما يقرب من مائة رجل وامرأة بشكل عشوائي لتناول إما طعام غني بالكربوهيدرات وإما طعام ليس غنيًّا بها. بنهاية العام، عاين أولئك الذين تناولوا الطعام الغني بالكربوهيدرات تراجعًا في مستويات الاكتئاب والعدائية واضطراب المزاج مقارنة بمن تناولوا الطعام غير الغني بالكربوهيدرات. وهذه النتيجة متسقة مع نتائج لدراسات أخرى حول تحسن المزاج وتراجع القلق والضيق بين من يكثرون في تناول الكربوهيدرات ويقلون من تناول الدهون والبروتين.

قد تسهل الكربوهيدرات وصول التريبتوفان إلى المخ، لكن لا تزال بحاجة إلى مصدر غذائي. وفي أفضل الأحوال، يجب أن يكون المصدر بمعدل عال من التريبتوفان مقارنة بالبروتين لتسهيل الدخول إلى المخ. وبذور مثل السمسم أو دوار الشمس أو اليقطين قد تقوم بهذا الدور. وفي تجربة مزدوجة التعمية بمجموعة مقارنة ودواء وهمي على بذور القرع العسلي واضطراب القلق الاجتماعي انتهت إلى تحسن واضح في مقياس موضوعي للقلق خلال ساعة واحدة من تناول بذور القرع العسلي جميع هذه العناصر تسهم في تحسن شامل في المزاج يتحقق للشخص بعد عدة أسابيع من الالتزام بنمط غذائي نباتي.

الزعفران

أول استخدام طبي مسجل لأحد التوابل يرجع إلى ٣٦٠٠ عام خلت، حين استخدم الزعفران للمرة الأولى في العلاج. وبعد آلاف السنوات، قرر العلماء أخيرًا وضع الزعفران تحت الاختبار في تجربة مقارنة مع عقار بروزاك المضاد للاكتئاب في علاج حالات الاكتئاب المرضية. وقد قدم التابل والعقار كلاهما أداء جيدًا في السيطرة على أعراض الاكتئاب. وكما ترى في المربع الوارد بصفحتي ٢١٣-٢١٤، قد لا يعني هذا الكثير، لكن على الأقل، الزعفران أكثر أمانًا بكثير فيما يتعلق بالآثار الجانبية، فمثلًا، عانى ٢٠٪ من المجموعة التي تناولت البروزاك اختلالات بالقدرة الجنسية، وهو أثر جانبي شائع مرافق لمعظم الأدوية المضادة للاكتئاب، في حين لم يعان من تناولوا الزعفران شيئًا.

إلا أن الزعفران ربما يكون من الحالات النادرة التي يكون فيها العلاج الطبيعي أكثر كلفة بكثير من العلاج بالعقاقير، فالزعفران هو أحد أغلى التوابل في العالم، فهو يجنى من زهور الزعفران، وخاصة المياسم المجففة (تلك الأطراف الخيطية في جوف الزهرة)، والتي تجمع لتكون التابل. وأنت بحاجة إلى ما يزيد على خمسين ألف زهرة زعفران – ما يكفي لتغطية ملعب كرة – لإنتاج نصف كيلوجرام من تابل الزعفران.

ما يكافئ جرعة بروزاك من الزعفران أغلى مرتين من سعر العقار، لكن في دراسة متابعة وجد أن مجرد شم رائحة الزعفران له فوائد نفسية. ورغم أن الباحثين قاموا بتخفيف التابل إلى الحد الذي لم يتمكن المشاركون في الدراسة من تمييز الرائحة، فإنهم وجدوا انخفاضًا في هرمونات التوتر عند النساء اللاتي شممن الزعفران لعشرين دقيقة مقارنة بنساء أخريات قمن لعشرين دقيقة بشم رائحة وهمية، مع انخفاض مصاحب لأعراض القلق عند هؤلاء النسوة.

وعليه فإن شعرت بالقلق، فقم وشم رائحة الزعفران.

القهوة والأسبارتام Aspartame

بالحديث عن الصحو على رائحة العطور الزكية، فإن كوبًا من القهوة قادر على فعل ما هو أكثر وأكثر فائدة من مجرد الإفاقة في الصباح. قام باحثون من جامعة هارفارد بالبحث في بيانات ثلاث دراسات كبرى متعاضدة شملت أكثر مائتي ألف أمريكي بين رجل وامرأة. ووجدوا أن الناس الذين يشربون كوبين أو أكثر من القهوة كل يوم أبعد عن مخاطر الاكتئاب الانتحاري بمقدار النصف مقارنة بمن لا يشربون القهوة. فماذا عن شرب أكثر من أربعة أكواب يوميًّا؟ هناك دراسة قيصر برمنانتي التي شملت أكثر مائة ألف شخص والتي انتهت إلى أن مخاطر الاكتئاب الانتحاري تستمر في التراجع كلما زاد ما يتناوله المرء من القهوة يوميًّا. أما من يشربون أكثر من ستة أكواب من القهوة يوميًّا أبعد من غيرهم عن الاكتئاب الانتحاري بنسبة تصل إلى ٨٠٪، إلا أن شرب ثمانية أكواب أو يزيد يعيد نسب الانتحار إلى الارتفاع.

ما تضعه في قهوتك قد يحدث الفارق أيضًا، ففي دراسة NIH – AARP ، والتي تعقبت مئات الألوف من الأمريكيين طيلة عقد كامل، انتهت إلى أن التناول المتكرر للمشروبات المحلاة يزيد من مخاطر الإصابة بالاكتئاب بين البالغين المتقدمين بالعمر. بالطبع ينزع السكر المضاف للقهوة العديد من التأثيرات الإيجابية على المزاج، وإضافة الأسبارتام المسكر الصناعي (الذي يوجد في إيكوال وناتراسويت) أو الساكرين (الذي يوجد في سويت إن لو) يرتبط بزيادة احتمالات الاكتئاب.

لقد بدأ الجدل حول التأثير العصبي للأسبارتام في الثمانينيات. في البداية، كان الاهتمام محصورًا على أولئك الذين لهم تاريخ سابق مع المرض؛ لذا تم إيقاف دراسة بجامعة كيس ويسترن ريزيرف قبل تمامها لدواعي الأمان لأن المشاركين في الدراسة الذين كان لهم ماض مع الاكتئاب عانوا آثارًا بليغة لاستخدام المسكر. وانتهى الباحثون إلى أن “الأشخاص الذين يعانون اضطرابات مزاجية هم على الأخص الأكثر حساسية لمواد التسكير الصناعية ويجب التحذير من استخدام هذه المواد بينهم”.

لكن مؤخرًا تم بحث الآثار العصبية لاستخدام الأسبارتام بين أولئك الذين لم يعانوا سابقًا أمراضًا عقلية, كما أنه تم تقسيم أشخاص أصحاء إلى مجموعتين – أعطيت إحدى المجموعتين جرعة عالية من الأسبارتام (ما يعادل الكمية المناسبة لثلاثة لترات من الكولا الخالية من السكر). وأعطيت الأخرى جرعة أقل (تعادل لترًا واحدًا من الكولا الخالية من السكر)، ثم تم تبادل بين المجموعتين. خذ باعتبارك أن الجرعة العالية من الأسبارتام تحوي فقط نصف المسموح بتناوله من تلك المادة يوميًّا، بحسب ما توصي به إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. وبعد ثمانية أيام فقط، بدا على المشاركين قدر أكبر من الكآبة والتوتر وقدموا أداء سيئًا في اختبارات وظائف المخ. إن الأسبارتام لا يؤثر إذن على ذوي الحساسية المسبقة فحسب بل تمتد آثاره السلبية إلى الجمهور العادي إذا ما أخذه بكميات كافية.

يسهل علينا تلافي المشروبات الغازية ذات المسكرات الصناعية، لكن هذه المحليات الصناعية توجد كذلك في أكثر من ستة آلاف منتج، من ذلك منعشات الفم، حبوب الإفطار، اللبان، المربيات والجيلي، والعصائر المعلبة، والبودينج، وحتى في مأكولات الطاقة والزبادي. هذا الانتشار الواسع قاد الباحثين إلى التأكيد على أنه “من المستحيل تحاشي الأسبارتام كليًّا من التعاملات اليومية”. لكن بالطبع، هذا يصح فقط على أولئك الذين يأكلون أطعمة معالجة. وذاك سبب آخر لإنفاق معظم وقتك في مراكز التسوق، فالمتسوقون المدققون يحرصون كل الحرص على قراءة قوائم عناصر المنتج، لكن الأطعمة الصحية لن توجد أصلًا داخل هذه المتاجر.

مضادات الأكسدة وحمض الفوليك Folic acid

ثمة أدلة متواترة على أن الجذور السائبة – تلك الجزئيات غير المستقرة التي تتسبب في تلف الأنسجة وتسهم في الهرم – تلعب دورًا مهمًّا في تطور العديد من الاضطرابات النفسية، بما في ذلك الاكتئاب. وتعزز تقنيات التصوير الحديثة ما انتهت إليه الدراسات التشريحية بإظهار انكماش في بعض مراكز العواطف في أدمغة مرضى الاكتئاب نتيجة لموت الخلايا العصبية في هذه المناطق بفعل الجذور السائبة.

وهذه الظاهرة تفسر الوقاية من الاكتئاب التي تتوافر لمن يتناولون الخضراوات والفاكهة الغنية بمضادات الأكسدة والتي تقضي على الجذور السائبة، في دراسة شملت ما يقرب من ثلاثمائة ألف كندي، وجد أن الإكثار من تناول الفاكهة والخضر يرتبط بنسب أقل من الاكتئاب، والتوتر النفسي، واضطرابات القلق والمزاج، والصحة الذهنية الضعيفة. وانتهى الباحثون إلى أن تناول الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة “يوقف الآثار التخريبية للإجهاد التأكسدي على الصحة الذهنية”.

لقد اعتمدت الدراسة الكندية على استبيان طلب فيه من الناس تقديم تقرير ذاتي حول ما يتناولون من خضر وفاكهة، وهي طريقة قد لا تكون دقيقة دائمًا. وقد قامت دراسة أمريكية كبيرة بخطوة إضافية فقاست مستوى الكاروتينات في دم المشاركين. وهذه المغذيات النباتية تشمل الأصباغ الصفراء والبرتقالية والحمراء التي توجد بشكل طبيعي في بعض أكثر الأطعمة صحية، ومنها البطاطا والخضراوات ذات الأوراق الخضراء. إن المستوى العالي لهذه المغذيات في الدم لا يقلل فقط احتمالات ظهور أعراض الاكتئاب بل هناك علاقة بين الجرعة والاستجابة، بمعنى أنه كلما زاد مستوى هذه المغذيات زاد شعور الناس بالتحسن.

من بين الكاروتينات، الليكوبين (الصبغة الحمراء في الطماطم) ويتمتع بأكبر نشاط مضاد للأكسدة. وقد انتهت دراسة شملت ما يقارب من ألف شخص كبير في السن بين رجل وامرأة إلى أن من يأكلون الطماطم أو منتجاتها بشكل يومي تقل فرص إصابتهم بالاكتئاب إلى النصف مقارنة بمن يأكلونها مرة في الأسبوع أو أقل.

فإذا كانت مضادات الأكسدة على هذا القدر من الفائدة، فلِمَ لا نتناول ببساطة حبوبًا تحوي مضادات الأكسدة؟ حسنًا، إن المصادر الغذائية فقط من مضادات الأكسدة هي القادرة على توفير الحماية من الاكتئاب. لكن الشيء ذاته لا ينطبق على المكملات الغذائية التي تحوي مضادات الأكسدة. ويشير هذا إلى الأهمية التي تشكلها طريقة تناولنا مضادات الأكسدة لضمان أفضل النتائج. وقد تكون مضادات الأكسدة بهذه الطريقة إشارة دالة على مدى غنى نمطنا الغذائي بعناصر غذائية نباتية أخرى مثل حمض الفوليك.

إن الفوليك هو فيتامين بي يتركز في الفول والخضراوات. (وتأتي تسميته من كلمة folium اللاتينية ومعناها الورقة؛ لأن أول ما جرى فصله كان من ورقة السبانخ). الدراسات الأولى التي ربطت بين الاكتئاب وانخفاض مستويات الفوليك كانت دراسات مرحلية، أي أنها تبحث المسألة في نقاط زمنية محددة. ولهذا السبب، نحن لم نعلم بالضبط إذا ما كان انخفاض الفوليك هو سبب الاكتئاب أم أن الاكتئاب ذاته هو الذي ينخفض بمستوى تناول الفوليك. هناك دراسات حديثة تتبعت الناس لفترات زمنية ووجدت أن المستوى المنخفض من الفوليك يؤدي إلى زيادة مخاطر الإصابة باكتئاب شديد ثلاث مرات. لكن، مرة أخرى، لا يبدو أن المكملات الغذائية التي تحوي الفوليك تحقق الفائدة المرجوة.

أما الخضراوات – بما في ذلك الطماطم الغنية بمضادات الأكسدة والخضراوات الغنية بالفوليك – فهي مفيدة للجسم والعقل.

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي