الوقاية من الارتباط بالسكر لحماية أعضاء الجسم من الشيخوخة

عند الحديث عن القوت المثالي المضاد للشيخوخة، فإن الخطوة الأولى تقوم على إنقاص مقدار السكر والكربوهيدرات المنقاة (المكررة) في نظامك الغذائي؛ فالقوت الغني بالسكر (مثل القوت الأميركي النموذجي) يمكن أن يعجل الشيخوخة كثيرا، ويعود ذلك بنسبة كبيرة إلى أنه يغذي عملية حيوية كيميائية تسمى الارتباط بالسكر (الارتباط بالغلوكوز) Glycation.

الارتباط بالسكر Glycation تفاعل كيميائي تتشابك فيه جزيئات من السكر والبروتين، مما يؤدي إلى إنتاج جزيئات مشوهة وغير وظيفية. ثم تميل البروتينات السكرية Glycated proteins إلى الالتحام مع بعضها البعض، وتدعى هذه العملية الأواصر المتصالبة Cross-linking. ومع تزايد هذه الأواصر، تصبح نسج الجسم قاسية وصلبة شيئا فشيئا. وتصبح بعض الأعضاء التي ينبغي أن تكون مرنة لتعمل بشكل جيد، مثل القلب والعينين والجلد، عرضة بشكل خاص للضرر الناجم عن الارتباط بالسكر مع تقدمك بالعمر.

يعد الضرر أو التلف الناجم عن الارتباط بالسكر غير عكوس، تماما مثل البيضة التي تتقسى بالغلي ولا تعود أبدا إلى حالتها الأصلية أبدا؛ وعندما ترتبط البروتينات في جسمك بالسكر، لا توجد طريقة لإصلاحها، بل تبدأ البروتينات السكرية بإنتاج سموم خلوية تدعى النواتج النهائية للارتباط المتقدم بالسكر Advanced glycation end products – AGEs؛ وترتبط هذه المركبات السامة بمستقبلات على سطح الخلايا، حيث تولد أعدادا هائلة من الجذور الحرة وتحرض الالتهاب.

ويعرف اليوم أن الارتباط بالسكر عامل رئيسي في ظهور العديد من الأمراض المرتبطة بالعمر، بما في ذلك التصلب العصيدي Atherosclerosis وقصور القلب وداء آلزهايمر ومضاعفات الداء السكري (داء السكر) وتشكل الساد (في العين) والشيخوخة المبكرة للجلد. ولذلك، تمثل الوقاية من الارتباط بالسكر جزءا رئيسيا من برامج الوقاية من الأمراض.

الضرر المرتبط بالداء السكري (بداء السكر) ينجم بشكل كبير عن الارتباط بالسكر

لا يزال وقوع الداء السكري في ازدياد، وتشكل السمنة أو البدانة جزءا كبيرا من أسبابه؛ ففي الولايات المتحدة الأميركية يوجد الملايين من زائدي الوزن في المراحل الأولى من ظهور الداء السكري لديهم من دون أن يعلموا به؛ وفي عشر سنوات، قد يتفشى وباء السمنة الحالي، ويشكل وباء جديدا وأكثر خطورة أيضا بشكل مرضى داء السكر المشخصين حديثا.

هل أنت في خطر من الداء السكري؟

إذا كنت زائد الوزن فأنت في خطر من الإصابة بالداء السكري عند البالغين (من النمط الثاني) Adult-onset (type 2) diabetes؛ لكن حتى إذا كان وزنك مثاليا، تبقى في خطر أو قد تكون في المراحل الباكرة من الداء السكري من دون أن تدرك ذلك. ولذلك، أجري لمرضاي بشكل روتيني اختبار مستويات سكر الدم على الريق (الصيامي) Fasting blood sugar levels لاستقصاء خطر الداء السكري؛ فإذا كان مستوى سكر الدم على الريق أعلى من 100 مغ/دسيلتر، يوحي ذلك باستعداد للمرض، ويحتاج إلى مراقبة دقيقة من الطبيب؛ أما المستويات التي تزيد على 125 مغ/دسيلتر، فتدل على الداء السكري.

يمثل الداء السكري في أبسط شرح له عجز الجسم عن التحكم الكافي بمستويات سكر الدم فيه. ولذلك، يجب أن يراقب السكريون سكر الدم لديهم ويتعاملون معه بدقة من خلال السيطرة الصارمة على النظام الغذائي واستعمال الأدوية أحيانا. وقد يكون من المزعج وغير المناسب أن تعيش مع الداء السكري. وتتجلى المأساة الحقيقية للداء السكري في مضاعفاته الخطيرة على المدى البعيد، وهي تتضمن عادة مرض القلب والأوعية والفشل الكلوي والساد (في العين). ويؤدي الداء السكري، حتى عند الذين يسيطرون بدقة على مستويات سكر الدم لديهم، إلى نقص متوسط العمر المتوقع بسبب كثرة وقوع مرض القلب والمضاعفات الأخرى.

يعد تقدم الداء السكري بكل الوسائل صورة فعلية لتسارع الشيخوخة؛ ففي كل من الداء السكري والشيخوخة، يكون الارتباط بالسكر مسؤولا عن كثير من الضرر الواقع على الأعضاء. ولنتذكر أن الارتباط بالسكر يتغذى على حساب السكر في الدم؛ وبما أن السكريين يبدون ارتفاعا في مستويات سكر الدم غالبا، لذلك تعاني الأعضاء لديهم من المزيد من الضرر المتعلق بالارتباط بالسكر في عمر مبكر.

ينبغي أن تسمح المعالجات التي تقي أو تبطئ الارتباط بالسكر للسكريين بأن يعيشوا حياة أكثر صحة. وفي الواقع، تعيش الفئران السكرية التي تعطى معالجات مضادة للارتباط بالسكر حياة أطول. أما في الناس السكريين، فقد حسنت المعالجات المضادة للارتباط بالسكر شواكل الكولستيرول، وأنقصت تشكل اللويحات المصلبة للشرايين؛ لكن الارتباط بالسكر يمثل مشكلة لجميع الأشخاص، وليس السكريين وحسب. ولذلك، يساعدنا إيجاد الطرق لإبطاء الارتباط بالسكر على إبطاء الشيخوخة في غير السكريين أيضا.

التقليل من استهلاك السكر قد يبطئ الارتباط بالسكر

يعد القوت الغربي النموذجي غنيا جدا بالسكر والكربوهيدرات المنقاة الأخرى، ويؤدي هذا الاستهلاك المفرط للسكر إلى تشجيع الارتباط بالسكر، مثل سكب البنزين على النار، حيث يساهم مباشرة في الأوبئة المعاصرة للسمنة ومرض القلب والداء السكري البادئ في البالغين (من النمط الثاني).

قد لا يكون من الممكن أبدا الوقاية تماما من الارتباط بالسكر. لكن الحد من مدخولك من الأطعمة السكرية (بما في ذلك عصير الفواكه وجميع الأشربة المحلاة) والكربوهيدرات المنقاة (بما في ذلك الدقيق الأبيض والرز الأبيض والباستا) يمكن أن يبطئ الارتباط بالسكر وتشكل النواتج النهائية للارتباط المتقدم بالسكر. كما أن هناك بعض المركبات الطبيعية والصيدلانية التي تستطيع أن تمارس دورا هاما في إبطاء الارتباط بالسكر وتشكل النواتج النهائية للارتباط المتقدم بالسكر.

المعالجة المضادة للارتباط بالسكر من الطبيعة

يمثل الكارنوزين Carnosine مغذيا طبيعيا يبدو أنه يقي بروتينات الجسم من الارتباط بالسكر Glycation بطريقة مشابهة كثيرا لوقاية مضادات التأكسد للخلايا من الجذور الحرة. ولذلك، يعد الكارنوزين هدفا، فهو شديد الشبه في بنيته بالبروتينات التي يستهدفها الغلوكوز عند الارتباط بالسكر؛ وعندما يرتبط الغلوكوز بالكارنوزين، تبقى البروتينات في منأى من ذلك ويحافظ عليها.

كما يرتبط الكارنوزين بالبروتينات السكرية السابقة والتي تراكمت في النسج، وبذلك يسهل تحطيمها وتخلص الجسم منها، مما ينقذ الجسم من المزيد من الضرر والروابط أو الأواصر المتصالبة. وهذا ما يساعد على حفظ نسج الجسم وأعضائه مرنة وشابة. وبما أن الكارنوزين قادر على الوقاية من الارتباط بالسكر وتشكيل النواتج النهائية للارتباط المتقدم بالسكر، فقد يكون واحدا من أقوى المركبات المضادة للشيخوخة المتوفرة اليوم.

نحن نحصل على الكارنوزين بشكل طبيعي من قوتنا، بشرط أن نستهلك بعض بروتين اللحم على الأقل (اشتق اسم الكارنوزين من الكلمة اللاتينية carne أي “لحم”). وتخزن أجسامنا الكارنوزين في مواضع تتعرض فيها البروتينات للارتباط بالسكر، ويوجد بشكل خاص وبمستويات مرتفعة في النسج العضلية وفي الدماغ. لكن مستويات الكارنوزين تنقص تدريجيا مع تقدم العمر؛ ففي عمر 70 سنة، قد يكون مقدار الكارنوزين في النسيج العضلي أقل من 40٪ من مستوياته عند الشباب، وهذا ما يترك أجسامنا عرضة أكثر فأكثر للضرر النسيجي والعضوي بسبب الارتباط بالسكر وتشكيل النواتج النهائية للارتباط المتقدم بالسكر.

البينات على التأثيرات المضادة للشيخوخة

وجدت الأبحاث المختبرية خلال السنوات الماضية ما يلي:

•  يحمي الكارنوزين البروتينات في العين من الارتباط بالسكر، ولقد نجح في معالجة الساد Cataract والوقاية منه في الكلاب والأرانب. وقد كانت القطرات العينية المحتوية على الكارنوزين فعالة جدا في معالجة الساد ونقص الرؤية والوقاية منهما عند الأشخاص المسنين.

•  تبين أن الكارنوزين يحمي الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ من الضرر الذي قد يؤدي إلى داء آلزهايمر، ويساعد على حماية الدماغ من التأثيرات السامة لبعض المعادن، لاسيما النحاس والزنك.

•  يرخي الكارنوزين ويوسع الأوعية الدموية المؤدية إلى القلب، فيزيد الجريان الدموي إليه؛ كما يعزز قدرة القلب على التقلص وضخ الدم، موفرا الحماية من سبب شائع لسكتة قلبية مميتة.

•  يساعد الكارنوزين على الوقاية من شيخوخة الجلد وتجعده من خلال تثبيط الارتباط المتصالب للكولاجين Collagen في الجلد، فيحافظ على مرونته؛ كما تبين أنه يسرع شفاء الجروح بتعزيز الانقسام الخلوي الأكثر شبابا.

•  وبالإضافة إلى أن الكارنوزين أصبح حصنا ضد الارتباط بالسكر، فهو مضاد تأكسد قوي أيضا، وهو على الأخص فعال ضد واحد من أكثر أنماط الجذور الحرة تخريبا وهو جذر الهيدروكسيل (المعتمد على الهيدروجين) Hydroxyl (hydrogen-based) radical. وتكون خواص الكارنوزين المضادة للتأكسد قيمة بشكل خاص في حماية النسج الدماغية الدقيقة من الضرر الناجم عن الأكسدة.

وتدعم جميع هذه البينات النظرية القائلة بأن الوقاية من الارتباط بالسكر يمكن أن تؤخر من عملية التشيخ (حصول الشيخوخة) ومن تقدم الكثير من الأمراض المرتبطة بالعمر. وفي حين يبدو أن هناك العديد من المواد الطبيعية التي يمكن أن تقي من التأكسد وتمنع الالتهاب، يشكل الكارنوزين واحدا من مواد قليلة معروفة بحمايتها من الارتباط بالسكر.

تجديد الخلايا الشائخة

علاوة على تأثيرات الكارنوزين المفيدة في بعض الأجهزة النوعية في الجسم وفي عدد من الأمراض، فإنه أظهر قدرة وإمكانية مثيرة وملحوظة على تجديد الخلايا الشائخة.

فالكثير من الخلايا في جسمنا تستبدل نفسها بالانقسام بشكل دوري، مولدة خلايا “بنات” جديدة؛ لكن كل واحدة من هذه الخلايا تكون ذات حد مبرمج جينيا أو وراثيا لا تستطيع أن تنقسم بعده. وتبين الدراسات على المستنبتات النسيجية Tissue culture studies أن الخلايا الطبيعية تتوقف عن التكاثر بعد توليد عدد معين من الأجيال.

وعندما تقترب الخلية من نهاية حياتها التوالدية، يقال إنها دخلت مرحلة الشيوخة Senescence أو تقدمت في العمر. وتتغير وظيفة الخلية حسب ما وصلت إليه من عمرها، فالخلايا المسنة تميل إلى أن تكون أقل نشاطا، فقد تكون أقل تيقظا في استجابتها الدفاعية نحو الأجسام الغازية، أو تتلكأ في إنتاجها للهرمونات أو الإنزيمات. وتترجم هذه التغيرات الخلوية إلى بعض التغيرات التي نربطها بالشيخوخة. ومع زيادة دخول خلايا المنقسمة في الشيخوخة شيئا فشيئا، يمكن أن نعاني أيضا من أعراض تقدم العمر.

لقد وجد العلماء أن الكارنوزين يستطيع تجديد الخلايا الشائخة في المزارع النسيجية Tissue cultures، واستعادة مظهرها ووظيفتها بشكل شبيه بالخلايا الفتية أكثر. وعاشت الخلايا المسنة التي جددت بالكارنوزين أكثر من الخلايا التي لم تتأثر به بثلاث مرات؛ كما أن بعض الخلايا مرت بقدرة معزة على التوالد.

ومن اللافت للنظر أنه حين نزع الخلايا المجددة من الوسط الغني بالكارنوزين، عادت بسرعة إلى مظهر الخلايا الشائخة وسلوكها؛ وعندما أعطيت الكارنوزين من جديد، استعادت حيويتها ثانية؛ إذا، فتأثير الكارنوزين في الصحة وطول العمر واضح لا لبس فيه؛ فعندما تتجدد الخلايا كل على حدة في وظيفتها وسلوكها، ينعكس ذلك تأثيرا مجددا على الجسم بأكمله.

استعمال الكارنوزين بكفاءة

الكارنوزين هو ببتيد طبيعي من الحموض الأمينية Amino acid peptide يوجد في اللحم؛ فإذا لم تكن نباتيا بشدة، فأنت تستهلك بعض الكارنوزين في قوتك. وينتج جسمك إنزيما خاصا يدعى الكارنوزيناز Carnosinase، وهو مخصص لتحطيم الكارنوزين. ولذلك، يهضم الكارنوزين الفائض الذي تتناوله في قوتك بالكارنوزيناز، ويحطم إلى حموض أمينية يعاد استعمالها بعدئذ كلبنات بناء لبروتينات أخرى حسب الحاجة.

ولوقاية نسجك وأعضائك من الارتباط بالسكر، ينبغي أن ترفع مستويات الكارنوزين الحر الجائل في مجرى الدم لديك. وأنت تحتاج حتى تحقق ذلك إلى استهلاك ما يكفي من الكارنوزين بحيث لا يتحطم كله بإنزيم الكارنوزيناز المتوفر، وهذا ما يسمح لبعض الكارنوزين بدخول مجرى الدم سالما.

تبلغ الجرعة الفعالة من الكارنوزين 1000 مغ يوميا. وللمقارنة، يمثل ذلك تقريبا المقدار الذي تحصل عليه من تناول نحو 90 غ من اللحم البقري الصرف المطبوخ، وهو متوفر كثيرا. ولكن القوت الذي يحتوي على هذا البروتين الكبير من اللحم يوميا، فضلا عن أنه غير عملي، يمثل خللا خطيرا في التوازن؛ فاللحم يعطي مقادير كبيرة من الحمض الأميني الذي يدعى “المثيونين Methionine”، وهو ما قد يرفع مستويات الهوموسيستئين Homocysteine. كما أن القوت الصحي المضاد للشيخوخة يجب أن يحتوي على مجال واسع من الأطعمة لتعزيز فوائد المغذيات المضادة للشيخوخة والمعتمدة على الطعام.

ويضمن تناول الكارنوزين كمكمل مغذ مقدارا ثابتا وكافيا من الكارنوزين من دون الأخطار التي تصاحب الاستهلاك المفرط للحم. ولم تلاحظ أية سمية للكارنوزين، حتى بالجرعات المكافئة لثلاثين ضعفا من الجرعة الموصى بها؛ فالكارنوزين يتصف بعمر نصفي Half-life قصير نسبيا في الجسم، حيث يتبدد بعد عدة ساعات. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن يؤخذ الكارنوزين على جرعات مجزأة، 500 مغ في الصباح و500 مغ في المساء، لتأمين المزيد من الحماية.

مواضيع قد تعجبك

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي