الحفاظ على الصحة العقلية

حسب دراسات قامت بها منظمة الصحة العالمية، ستصبح الأمراض العقلية الهاجس الصحي الأكبر في القرن الحادي والعشرين. في المملكة المتحدة وحدها يوجد 6 مليون مريض، أي واحد في كل 10 مواطنين تقريباً والمعدل في ازدياد. المشاكل العقلية نوعان، نوع نفسي psychological، ويعالج بنصائح طبية، والثاني كيميائي أو عضوي ويعالج باستخدام عقاقير طبية.

عادة ما تكون المشاكل العقلية حاصل عوامل اجتماعية ونفسية إضافة إلى خلل في النظم الكيميائية الحيوية التي ترتبط جزئياً بالجينات في بعض الأحيان. تتداخل تلك العوامل، كما تشير قصة ديفيد، والذي عانى من أعراض بدنية واضحة تتعلق بالشعور بإرهاق مزمن مدة 5 سنوات. وقد شخص الأطباء حالته بالاكتئاب وبأن ما يعانيه من أعراض هو نتيجة لهذا الاكتئاب. وقد علق قائلاً: “بالطبع أنا مكتئب، ألن يحدث لك ذلك إذا أخذت تعاني من الإرهاق مدة 5 سنوات دون أن تجد لذلك حلاً”. في حالته، لم تُجْدِ الأدوية ولا العلاج النفسي نفعاً. ما ساعده كان تحولاً جذرياً فيما يأكل، مدعماً بكميات كبيرة من فيتامينات ومعادن معينة لعلاج ما يعانيه من اعتلال كيميائي حيوي.

العقل أم الجسم؟

هناك أمراض عضوية كثيرة تؤثر على الصحة العقلية تشمل ارتفاع نسبة سكر الدم، واضطرابات الغدة الدرقية، وضعف الغدة فوق الكظرية، ومتلازمة الإرهاق المزمن، والعدوى الفيروسية. لا يجب وصف المهدئات ومضادات الاكتئاب إلا بعد استبعاد ما سبق من المشاكل العضوية.

كما يوجد بالطبع مشاكل عقلية تسببها مشاكل نفسية بشكل رئيسي. وتلك تستجيب بشكل جيد للعلاج النفسي، والذي حقق نتائج طيبة خاصة في حالات الاكتئاب والقلق.

إلا أن العلاج النفسي لم يحقق النجاح المرجو في علاج حالات تتعلق بخلل في الإدراك والتفكير كتخيل سماع أو رؤية أشياء، أو فقد الإحساس الجسدي، أو حدوث خلل في التذوق والشم، أو خلل في إدراك هيئة الجسد، أو خلل في الشهية، أو خلل في عملية التفكير، أو تشوش الذهن وفقد القدرة على التركيز. عادة ما تجتمع تلك الأعراض في حالات الفصام schizophrenia، رغم أن بعضها يحدث في حالات أخرى، كعلة اضطراب التركيز وفقد الشهية والاكتئاب الذهاني.

نسبة كبيرة من المرضى العقليين تشملهم المجموعة السابقة، وكثيرون منهم لا يبدون استجابة للعلاج الدوائي ولا العلاج النفسي. ربما لأن السبب الرئيسي لمشكلتهم لا يكمن في نقص دواء ما أو جانب نفسي، بل هو حاصل خلل في الاتزان الكيميائي يؤثر في تفكيرهم ومشاعرهم. قد يحدث ذلك نتيجة لسنوات من سوء التغذية والتعرض للملوثات والعقاقير باختلاف أنواعها والسموم البيئية. قد تبدو تلك الفكرة غريبة لدى بعض الناس، وربما شديدة السطحية، غير أن أي شخص عاقل يعلم أن طعامنا قد تغير بشكل جذري في المائة عام الأخيرة، كما تغير الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه والبيئة التي نحيا فيها. وعندما نضع في الاعتبار أن الجسم والمخ يتشكلان كلية مما نأكله من طعام وما نتنفسه من هواء وما نشربه من ماء وأن جزيئات بسيطة كجزيء الكحول تفعل بالمخ الكثير، فمن المنطقي أن تغيراً في الطعام والبيئة يمكن أن يؤثر على صحة العقل.

التغذية – العامل المنسي في شأن الصحة العقلية

إنها حقيقة تدعو للعجب، أن يؤدي تغيير غذائي، شاملاً تحسين نوعية الطعام وتناول كميات كبيرة من مواد غذائية معينة إلى نتائج إيجابية للغاية في علاج حالات الفصام الحادة، ومرض اضطراب التركيز وفقد الشهية، والسلوك العدواني والإجرامي والاكتئاب والأرق.

وفي إحدى الدراسات، أشار طبيب نفسي كندي يدعى د.إبرام هوفر إلى حدوث تحسن لدى 80% من الحالات المصابة بالفصام الحاد محل الدراسة باستخدام فيتامين “ب3” (النياسين). كما أثبت أيضاً د.بريمنجهام بمستشفى القديس بولس حدوث زيادة في الوزن بمقدار الضعف لدى مرضى فقد الشهية الذين تم إعطاؤهم 50 مجم من الزنك في مقابل مرضى آخرين تم إعطاؤهم حبوب وهمية. وأظهر أ.د.ستيفن شوينسيلر بجامعة كاليفورنيا أن حالات العنف داخل السجون تتحسن وينخفض معدلها إلى النصف عند إجراء تعديلات غذائية إيجابية. وأشار د.إدوارد رينولدس بمستشفى جامعة كينج إلى حدوث تحسن في حالات الاكتئاب والفصام مع تناول حامض الفوليك. أما د.فيليب كوين من قسم الطب النفسي بجامعة اكسفورد، فقد سجل شفاءً من الاكتئاب لمرضى تناولوا الحامض الأميني التربتوفان والمعروف بفاعليته أيضاً في علاج الأرق.

ورغم مرور 40 عاماً على تلك الأبحاث السريرية، لا يزال أغلب الأطباء النفسيين يتجاهلون تلك الوسائل الآمنة والفعالة، لماذا؟ أنا مقتنع أن جزءاً من السبب يعود إلى الطريقة التي ندرك بها العقل والجسد ككيانين مستقلين. تعودنا على أن نتخيل العقل وكأنه كيان نفسي -الأفكار والمشاعر- والجسد ككيان مادي. لذا، عادة ما يقول الطبيب النفسي: “الأمر نفساني، لذا فأنا أوصي بجلسات علاج نفسي؛ أو الأمر يتعلق باضطراب في كيمياء المخ، لذا سأصف لك عقاراً طبياً”. بَيْد أنه لو أتيحت لك الفرصة لتسأل عالماً في الكيمياء الحيوية أو عالماً نفسياً كي يعرّف لك من أين يبدأ العقل وإلى أين ينتهي الجسد، فلسوف يجيبونك بأن الاثنين شديدا الارتباط.

إن الوظائف المدمجة للشبكة العصبية الهرمونية المناعية تؤثر على كامل صحتنا، وليس على الحالة العقلية فقط. أي عدم اتزان ولو كان بسيطاً في النظم العصبية والمناعية والهرمونية؛ قد يظهر في صورة أي علة بدءاً من شعور بسيط بالكآبة وحتى الاكتئاب. من ثم، يظهر أن حالتنا العقلية مرتبطة تماماً بالأنظمة الجسدية الثلاثة سالفة الذكر والتي تعتمد وظائفها على عوامل تغذية. وكلنا يعلم أثر جرعة بسيطة من الكحول على مزاج الفرد، وذلك مجرد مثال بسيط للتوضيح. الاتزان العام للشبكة العصبية الهرمونية المناعية يعتمد على العديد من العوامل المتداخلة -الفيتامينات، المعادن، الأحماض الأمينية، الدهون- وهي ما تحصل عليه من الطعام.

إعادة تعريف العقل

من السياق السابق، يتضح أن العقل ليس هو المخ. إن اتصالات شديدة التعقيد تحدث كل لحظة خلال تلك الشبكة المنتشرة في كل الجسم. هذا يوضح سبب شعورنا بألم في الأمعاء أو منطقة فم المعدة أو تثبيط الجهاز المناعي عند الشعور بالحزن أو الغم. إن الوظائف العقلية سواء كانت مدركة كالتفكير أو غير مدركة كشعور داخلي بالخوف، هي تماماً كالموجة داخل الشبكة سالفة الذكر، تُغَيِّر الاتزان الهرموني والنشاط العصبي والمناعي.

لذا، فالعقل ليس له مكان معين؛ فهو نمط من الأنشطة التي تحدث خلال هذه الشبكة. إنه أكثر شبهاً ببرنامج كمبيوتر يجرى تشغيله، ومعدات الكمبيوتر hardware هي الجسد، شاملاً مكونات الشبكة العصبية، الهرمونية، المناعية، كالخلايا العصبية والنواقل العصبية والخلايا المناعية والأجسام المضادة والهرمونات. كل ذلك يتم تصنيعه من الطعام. لذا، دون الطعام الصحيح، فلا عجب إن لم تتم الوظائف العقلية بالشكل السليم. وهذا يفسر سبب، على سبيل المثال، استجابة مرضى السلوك العدواني لجلسات العلاج النفسي عند تحسين نظامهم الغذائي.

التحليل العصبي

بوضعنا ما سبق في الاعتبار، فإن الهاجس الأول في علم الطب النفسي الحديث يجب أن يكون التأكد من سلامة الشبكة العصبية الهرمونية المناعية. يمكن أداء ذلك من الخارج للداخل أو من الداخل للخارج. من الخارج يعني فحص ما يتم تناوله من مواد غذائية والتأكد من أن الشخص يتناول الدهون الأساسية والفيتامينات والمعادن والأحماض الأمينية ولا يتناول مواد ضارة كعقاقير طبية وملوثات ومنشطات ولا يفرط في تناول السكريات. من الداخل يعني التأكد إن كان الشخص يعاني حقاً من اضطراب هرموني أو مناعي أو في النواقل العصبية.

يعتمد الطب النفسي المعاصر، المرتبط باستخدام العقار الطبي كخيار رئيسي على مفهوم أن خللاً ما يسببه عدم اتزان في النواقل العصبية. فمثلاً فرط الدوبامين أو الأدرينالين يسبب الذهان والفصام. ونقصهما مع السيروتونين وهو ناقل عصبي آخر، قد يسبب الاكتئاب. ومن ثم، تعمل العقاقير المضادة للاكتئاب والذهان على مداعبة تلك الكيميائيات الموجودة بالمخ. على سبيل المثال، يهدف البروزاك الشهير الذي “يثبط إعادة امتصاص السيروتونين” إلى علاج الاكتئاب من خلال زيادة مستويات السيروتونين. يقوم بذلك من خلال تعارضه مع عملية التخلص من السيروتونين التي تتم بشكل طبيعي داخل الجسم.

ولكن وقبل وصف الدواء، قلما يتم اختبار المريض، إن كان يعاني بالفعل نقصاً أو زيادة في تلك النواقل العصبية. مثل ذلك التحليل العصبي يجعل بالإمكان وعلى وجه الدقة التأكد من وجود خلل كيميائي حيوي أدى إلى إصابة الشخص بالاكتئاب أو العصاب.

المواد الغذائية تعمل بشكل أفضل من العقاقير الطبية

ليست العقاقير الطبية، بالطبع، هي الوسيلة الوحيدة لضبط النواقل العصبية. خذ السيروتونين على سبيل المثال، الذي يسبب نقصه الأرق والاكتئاب. بدلاً من تعاطي دواء يوقف عملية التخلص منه داخل الجسم، لمَ لا تقوم بتغيير نمط غذائك بحيث تحث الجسم على تصنيع المزيد منه؟ هذا هو السؤال الذي طرحه د.فيليب كوين من جامعة أوكسفورد وقام بتحريه. وحيث إن السيروتونين يتم تصنيعه من حامض أميني يسمى التربتوفان، قام بوضع 15 سيدة تم علاجهن من الاكتئاب على نظام غذائي يحتوي القليل من التربتوفان. خلال ساعات، عانى 5 منهن من عودة أعراض الاكتئاب بشكل كامل وعانى 5 من عودتها بشكل جزئي وارتفعت معدلات قياس الاكتئاب لديهن جميعاً بشكل عام. وعلى النقيض، ثبت أن إعطاء التربتوفان يؤدي إلى التخلص من الاكتئاب.

يحتاج الجسم إلى فيتاميني “ب3″، “ب6″، والزنك لكي يتمكن من تحويل التربتوفان إلى سيروتونين. وقد تساعد تشكيلة من تلك المواد الغذائية أولئك الأكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والأرق نتيجة نقص السيروتونين. أثبتت الأحماض الأمينية الأخرى مع الفيتامينات والمعادن فاعلية تجاه مجموعة كبيرة من المشاكل العقلية.

ما العناصر المفيدة؟

•    الاكتئاب: فيتامين “ب” المركب، خاصةً “ب3″، “ب12″، حمض الفوليك؛ المغنسيوم، التربتوفان
•    الأرق: فيتامينات “ب6″، “ب3″، “جـ”، والكالسيوم، والمغنسيوم، والزنك، والكروميوم
•    التوتر: فيتامين “ب” المركب، خاصةً حمض الفوليك؛ فيتامين “جـ”، الكالسيوم، المغنسيوم
•    الفصام: فيتامين “ب” المركب، خاصةً “ب3″، “ب12″، حمض الفوليك؛ فيتامين “جـ”، الزنك، الكالسيوم، المغنسيوم، الميثيونين
•    فقدان الشهية: فيتامين “ب” المركب، الزنك، المغنسيوم، حمض أميني مركب
•    ضعف التركيز: فيتامينات “ب3″، “ب6″، “جـ”، والمغنسيوم، والكالسيوم، والزنك، والدهون الأساسية

الميزة الأخرى في استخدام العناصر الغذائية لضبط الشبكة العصبية-الهرمونية-المناعية بدلاً من استخدام العقار الطبي هي قلة الأعراض الجانبية. فمضادات الاكتئاب والهياج مواد غريبة عن الجسم والمخ البشري وعادة ما تسبب أعراضاً جانبية أثناء عملها على الشبكة العصبية الهرمونية المناعية. أما العناصر الغذائية فليست بغريبة، ومن ثم فهي أكثر أمناً بكثير. يقول د.كارل فيفر، خبير الصحة العقلية، والذي أمضى أكثر من 50 عاماً يبحث شأن الكيمياء الحيوية للأمراض العقلية: “إذا كان هناك عقار ما يستطيع تغيير كيمياء المخ لصالح المريض، فهناك عنصر غذائي ما يستطيع أداء ذلك دون أعراض جانبية”. وحاله كحال غيره من الأطباء النفسيين الذين خبروا علاج الأمراض العقلية من خلال تحسينات غذائية، إنه نادراً ما يلجأ لاستخدام العقاقير الطبية، إذ يحقق نتائج أفضل باستخدام برامج غذائية خاصة.

إليك بعض الإرشادات للحفاظ على صحتك العقلية:

•    ابتعد عن السكر والأطعمة المعالجة (غير الطبيعية)
•    تناول مزيداً من الفاكهة الطازجة والخضراوات والحبوب والجوز والفول والعدس
•    تجنب أو قلل من استهلاك المنبهات (الشاي، القهوة، الشيكولاتة، الكولا، السجائر)
•    لا تشرب الكحوليات (شربها يؤدي أيضاً إلى زيادة خطر الإصابة بالحساسية بأنواعها)
•    تناول ملء ملعقة صغيرة من بذور السمسم أو عباد الشمس أو اليقطين أو الكتان أو ملء ملعقة كبيرة من زيوتها بصورة يومية

أغلب العادات تستغرق شهوراً للتخلص منها. ولنضرب مثلاً شرب القهوة. جرب الإقلاع عن شربها لمدة شهر، وانظر كيف تشعر. كلما كان طعامك أكثر جودة، قلت لديك أعراض الإقلاع عن تلك المنبهات، وكلما زادت لديك تلك الأعراض، كانت المادة المنبهة أسوأ أثراً. خذ خطوة واحدة كل مرة وتأكد أن كل خطوة تخطوها تصنع فارقاً.

مكملات غذائية للصحة العقلية

يحصل المخ على حوالي ثلث ما نتناوله من عناصر غذائية بالطعام. النصائح التالية لكل من يريد الحفاظ على صحته العقلية ودعمها:

•    كمِّل طعامك بفيتامينات متعددة عالية القوة تشمل فيتامينات “أ”, “ب”، “جـ”، “د”، “هـ”. تأكد من أن المكمِّل الغذائي يحتوي على 75 مجم على الأقل من النياسين، وعلى فيتامين “ب6” Pantothenic Acid، والبيرودوكسين Pyridoxine، و 100 مكجم على الأقل من حامض الفوليك (ما لم تكن تعاني أصلاً من مشكلة عقلية)، و 10 مكجم من فيتامين “ب12”.
•    تناول ما بين 1000 مجم و 3000 مجم من فيتامين “جـ” يومياً كمكمل غذائي (متوافر بالصيدليات).
•    تناول معادن متعددة عالية القوة، على الأقل 400 مجم من الكالسيوم، 200 مجم من المغنسيوم، 15 مجم من الزنك، 5 مجم من المنجنيز، 100 مكجم من الكروم، 100 مكجم من السيلينيوم.
•    ما لم تكن تَطْعَم الحبوب أو زيوتها أغلب الأيام، فحاول الحصول على حصتك منها بتناول مكملات زيوت أوميجا 6 التي توجد في زيوت عشب الأخدرية وعشب لسان الثور، ومكملات زيوت أوميجا 3 وتوجد في زيوت بذرة الكتان وزيت السمك.

لو كنت تشكو أصلاً من علة عقلية، فالأفضل لك استشارة إخصائي تغذية، أو طبيب نفسي يهتم بشأن التغذية. وكلاهما يستطيع تقييم حالتك الغذائية ومستوى النواقل العصبية قبل تحديد برنامج غذائي يناسب احتياجاتك.

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي