إيقاف الشيخوخة

ربما تبدو الشيخوخة والتقدم في العمر كأفضل مثال على أسلوب تفاعل جيناتنا ومحدداتنا الوراثية مع بيئاتنا المحيطة في سعيها للتكيف بأكثر الصور صحية ومثالية. فالشيخوخة ببساطة ما هي إلا عملية متدرجة من فقد القدرة على التعامل مع هذه البيئة. وتبعاً لما يقول د.دنهام هارمان الأستاذ بكلية الطب بجامعة نبراسكا: “إن احتمالية كون الشوارد الحرة هي المسئولة عن عملية الشيخوخة تبلغ 99%” فهذه المواد المؤكسدة، والناتجة من التفاعلات الجسدية المستمرة ليل نهار في تحويل الجلوكوز إلى طاقة، هي بالضبط ما يقتلنا. وعندما نعرض أنفسنا للمزيد من المؤكسدات بالتدخين أو الحياة في مدن ملوثة الهواء على سبيل المثال، ولا نتناول إلا كميات بسيطة من مضادات الأكسدة الموجودة بالفاكهة والخضراوات، فنحن نشيخ عندئذ بصورة أسرع وأشد.

فنحن نحتاج الجلوكوز والأكسجين للحصول على الطاقة. ويمكننا تقدير ما تتعامل معه كل خلية مفردة بنحو تريليون جزيء أكسجين يومياً. وبالتالي، فإن الشوارد الحرة الناتجة عن مثل هذه التفاعلات تتسبب فيما يقارب المائة ألف موضع اختلال وتلف في سلسلة الأحماض النووية بهذه الخلايا، والتي تحتوي على جيناتها ومحدداتها الوراثية. وبينما تقوم مضادات الأكسدة والجهاز المناعي بإصلاح ما يقرب من 99% من هذا التلف، فإن الواحد بالمائة الباقي يتراكم عبر سنوات العمر. وكما يقول د.بروس إيمس العالم الوراثي بجامعة كاليفورنيا في بركلي “في الوقت الذي سيتقدم بك العمر، سنجد بضعة ملايين من تلفيات الأكسجين بكل خلية”. وبمجرد مرور كل من الرجال والنساء على سنواتهم الخصبة تقل قدراتهم على إصلاح تلفيات الحمض النووي. والواقع أن ثمة علاقة طردية قوية بين قدرة كل جنس على إصلاح تلفيات حامضه النووي ومتوسط عمر أفراده. ومن وجهة نظر مختلفة، فإن انعدام القدرة على إصلاح تلفيات هذا الحامض النووي ما هو إلا انعدام القدرة على التكيف مع البيئة المحيطة.

ولهذا، فعند بلوغ الخمسين، ما لم تتخذ من الإجراءات ما يمنع ذلك، فسيشيخ جسدك مسرعاً، وهذا هو الجانب السيئ؛ أما مقابله الحسن، فهو أن تقريباً كافة العلماء المتخصصين بالشيخوخة (أطباء المسنين) يوافقون على أن بخطوات بسيطة فعالة وممكنة يمكنك إضافة 10 سنوات على الأقل، إن لم تصل إلى 20 لمتوسط عمرك بصحة تامة.

بعض العلماء مازالوا يفكرون بالمنهج القائل: “لننتظر ونر” وما يتبعه من سلوك. هكذا يفسر لنا د.روي ولفورد مضيفاً: “بالطبع، فإذا انتظروا طويلاً، فلن يستطيعوا الرؤية”. وهذا ينطبق عليك أيضاً، فهل تريد أن تطبق ما توصل إليه علم إطالة الأعمار وتجني ثماره في حياتك المديدة، أم تنتظر على الحياد، وتخرج من الحلبة مبكراً؟

إبطاء كافة العمليات التي تؤدي للشيخوخة والتقادم في العمر

بينما يبلغ متوسط عمر الفرد في العالم الغربي اليوم 74 عاماً، يتوقع أطباء المسنين أنه سيبلغ 120 عاماً إذا تم التخطيط لهذا وتطبيق الاستراتيجيات المضادة للشيخوخة كالتي سنوضحها هنا. وللوصول لعمر المائة (الأعمار بيد الله)، وهو يماثل إضافة بضعة وعشرين عاماً فقط على المتوسط العام، ينبغي النظر إليه كهدف واقعي محتمل وممكن. ونحن هنا لا نتحدث عن إضافة سنوات من الشيخوخة بل عن إبطاء كافة العمليات التي تؤدي للشيخوخة والتقادم في العمر وبالتالي تمتد سنوات حياتك الصحية. وتكلفة تطبيق مثل هذه الاستراتيجيات لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تكلفة التعامل مع المشاكل الصحية بالعقد الأخير من العمر، ولهذا نذكر لك الآن كيف يمكنك ذلك.

أربع خطوات للإبطاء من أثر عمليات الشيخوخة

يمكننا الإبطاء من أثر عمليات الشيخوخة عن طريق خطوات أربع رئيسية، والتي تشكل مرادفاً فعالاً للإقلال من مخاطر التعرض لأمراض أخرى مثل السرطانات، أمراض القلب، ألزهايمر، المياه البيضاء، السكر، التهابات المفاصل، الأمراض المعدية.

1.    الحد من التعرض للشوارد الحرة

وهذا يعني:

•    الإقلاع عن التدخين، أو التعرض لدخان السجائر، أو بيئة ملوثة به
•    الإقلال من التعرض للملوثات المختلفة، فيمكنك خفض الوقت الذي تمكثه بالاختناقات المرورية، عدم السكنى في المناطق المركزية بالمدن
•    الاعتماد على الأغذية المدخنة والمشوية بدلاً من المقلية
•    الإقلال من الدهون المشبعة الموجودة في اللحوم الحمراء، البيض، منتجات الألبان
•    استخدام زيوت البذور النباتية المعصورة دون طهي (في السلطات، وعند تقديم الطعام) أو تسخين
•    تجنب الأطعمة المحترقة، أو الداكنة لاسيما الجبن المقرمش على واجهة صحون المقبلات
•    تجنب التعرض المفرط لأشعة الشمس الساطعة واستخدام الواقيات الشمسية (مثل الكريمات وخلافه)

بالطبع، قد لا تريد أن تبدأ كل هذا من اليوم أو لا تستطيع ذلك في هذه الليلة، ولكنها ليست من الصعوبة كما تتخيل، فأنا أسكن في المدينة ولكن في منزل مجاور لحديقة ونهر، وليس لطريق عام شديد الازدحام، يبعد مسيرة دقيقة واحدة عن المعهد الذي أقوم فيه بالتدريس. بخلاف ذلك يمكنني العمل من منزلي وبهذا أقلل من تعرضي للتلوث. اعتدت على تناول شطائر الجبن الساخن وأحببتها ولكني عودت نفسي على الاستغناء عنها. أما الخبز فآكله ساخناً ولا داعي لتحميصه. مذاقه لذيذ أيضاً. وبدلاً من القلي والتحمير اعتدت على شوي الطعام أو طهيه بالبخار مضيفاً بعض المياه والتوابل والصوص لإناء طهي ساخن يحتوي على الطعام وطهيها جميعاً بالتوابل والأعشاب الصالحة لمذاق كل صنف. كما كنت أحب لون البشرة الأسمر بعد التعرض لحمامات الشمس، أما الآن فأستمتع بالشمس وأقي نفسي منها في ذات الوقت. وهذه التضحيات ليست إلا ثمناً قليلاً تدفعه لعشرين عاماً من الحياة الصحيحة تضيفها لعمرك.

2.    اختيار الطعام الغني بمضادات الأكسدة

وهذا يعني قبل أي شيء ما يلي:

الإكثار من تناول الفواكه والخضراوات، وتفضل طازجة دون طهي.

النظام الغذائي المتبع هنا ينبغي ألا يقل عن 5 أصناف من كليهما يومياً. فعلى سبيل المثال، 3 قطع من الفاكهة، طبق من السلطة في وقت الغداء، عشاء نباتي في أغلبه، يمكنها أن تفي بالغرض. وهناك بعض الأطعمة التي تتميز بوفرة المغذيات المضادة لعملية الشيخوخة بها، يمكنك مطالعتها أدنى هذه الفقرة، مع التركيز على الأطعمة التي تتعدى درجتها 12 أو أكثر فهي الأفضل على الإطلاق. وإذا كان ثلاثة أرباع ما تتناوله يومياً يتكون من هذه الأطعمة، فتأكد أنك على الطريق السليم للاستمتاع بحياة صحية ومديدة.

3.    احصل على مضادات الأكسدة من خلال المكملات الغذائية

أدلة متعددة، تؤكد أنه، إذا تناولت مضادات الأكسدة كمكملات غذائية بجانب الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة، فلسوف تتمتع بحياة أكثر صحة. العناصر الغذائية الرئيسية نوجزها فيما يلي، إلى جانب الكميات المثلى اللازمة يومياً. وعند بناء برنامجك للمكملات الغذائية، عليك أن تبدأ بالفيتامينات والمعادن المتعددة عالية القوة والجودة ثم أضف المزيد حسب حاجتك. أنا على سبيل المثال، أتناول يومياً مكملين غذائيين من مضادات الأكسدة عالية القوة و 2 جم من فيتامين “جـ”. يؤدي ذلك إلى تحقيق حاجتنا من العناصر الغذائية التالية:

•    فيتامين “أ” 7500 و.د يومياً (2250 مكجم). وهو مضاد أكسدة قوي وقابل للذوبان في الدهون ويحمي من سرطان الرئة ويحافظ على جدران الخلايا أمام هجمات الشوارد الحرة. كمية معينة من البيتا كاروتين يجرى تحويلها إلى فيتامين “أ”، رغم ذلك فمن المفضل أن تحصل على فيتامين “أ” مباشرة، ومصادره اللحوم والأسماك.
•    البيتا كاروتين 7-15 مجم يومياً. وهو ما يعادل 12500-50000 و.د. قد لا تحتاج لتلك المستويات إذا كان طعامك يحتوي على كميات لا بأس بها منه. وعلى سبيل المثال، يحتوي كوب عصير الجزر على 25 مجم. مرة أخرى، يعد البيتا كاروتين مضاداً للسرطان، ويمنع الأزمات القلبية، ويدعم الجهاز المناعي، ويحارب الشيخوخة.
•    فيتامين “جـ” 2-5 جم يومياً. فلتبدأ بجرامين (2000 مجم) ثم أضف جراماً واحداً لكل عشر سنوات بعد سن الأربعين. هناك مدرستان بشأنه: إحداهما تقول بكفاية 500-1000 مجم يومياً، وأخرى، كما يقول لينوس بولينج، وترى الحيوانات تنتج ذاتياً ما يعادل 1-16 جم يومياً، توصي بكميات أكبر. ولكن حتى 300 مجم يومياً قد تضيف إلى عمر الفرد 6 سنوات حسب بحث قام به جيمس إنستروم من جامعة UCLA. مستويات أعلى ثبت قدرتها على شحذ المناعة والحماية من السرطان.
•    فيتامين “هـ” 400 و.د يومياً. وهو أهم مضاد أكسدة يقوم بحماية دهون الجسم. دراسات عديدة أثبتت قدرة مكملاته الغذائية على تقليص خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين إلى النصف. كما يدعم المناعة.
•    مساعد الإنزيم Q10 30-90 مجم يومياً. وهو مضاد أكسدة بداخل الميتوكوندريا، مصانع الطاقة الخلوية. ورغم عدم تصنيفه كعنصر غذائي رئيسي، إلا أن العديد من علماء الشيخوخة يوصون بمكملاته الغذائية. الهيئات القابلة للذوبان في الماء هي الأفضل امتصاصاً.
•    الزنك 15-30 مجم يومياً. وهو أكثر المعادن التي يعاني أغلب الأشخاص من نقصها حيث يتناولون أقل من 8 مجم يومياً. وهو مضاد أكسدة وشاحذ رئيسي للجهاز المناعي ويحتاج للحصول على كميات أكبر منه مع التقدم في العمر.
•    الكروم 200 مكجم يومياً. أهم أدواره الوقاية من ارتفاع مستويات سكر الدم والمتلازمة س. وبمجرد فقد الاتزان السكري، يصبح السكر من أكبر المؤكسدات فيتلف البروتينات.
•    الكالسيوم والمغنسيوم 500 مجم، 300 مجم على الترتيب. ولإشباع الاحتياجات بالشكل الأمثل نحتاج 1000 مجم، 500 مجم على الترتيب. ولكن طالما تؤكل الحبوب والمكسرات وما يكفي من الخضراوات، فإن المستويات الأولى تكفي تماماً وتؤخر الشيخوخة.
•    الجلوتاثيون والسيستين والجلوتامين 500 مجم يومياً. الجلوتاثيون مضاد أكسدة رئيسي يوجد داخل الخلايا ويساعد الجسم في التخلص من السموم. وهو جزء من الإنزيم المضاد للأكسدة الجلوتاثيون بيروكسيديز، الذي يحتاج إلى السيلينيوم للقيام بوظائفه. يمكن للجسم أن يقوم بتصنيع الجلوتاثيون وهي عملية يقوم فيتامين “جـ” وتناولك للخضراوات مثل البركولي والقرنبيط ورءوس الكرنب وتناول مكملات الجوتامين بتحفيزها. من خلال السيستين، وهو أسهل في الامتصاص والوصول إلى الخلايا يمكن للجسم أن يقوم بصناعة الجلوتاثيون. أفضل المكملات الغذائية التي يمكنك استخدامها إما الجلوتاثيون المختزل، وإما إن-أسيتيل سيستين، وإما الجلوتامين. كمية مقدارها 500 مجم يومياً تعد مناسبة للخلية.
•    السيلينيوم 100-200 مكجم يومياً. مرة أخرى يقي السيلينيوم كمضاد أكسدة من الإصابة بالسرطان وأمراض القلب ويدعم المناعة. نادراً ما تتجاوز الكمية التي يحصل عليها الفرد من خلال طعامه الاعتيادي 50 مكجم. ومن هنا تأتي الحاجة لاستخدام مكملاته الغذائية.
•    الجينستين والديادزين 100-200 مكجم يومياً. لن تجدهما في كثير من المكملات الغذائية، حيث إنهما شديدا الحداثة. تجدهما في منتجات الصويا، ويعملان على تنظيم المستويات الهرمونية، ويقيان من الإصابة بالسرطان. 300 مل من لبن الصويا تمدك بـ 100 مجم من كل منهما تماماً كتناولك حصة مقدارها 100 مجم من التوفو.

4.    قلل السعرات الحرارية

لا يمكن اعتبار خفض السعرات الحرارية كسوء تغذية؛ فهو عبارة عن إمداد الجسم تماماً بما يحتاجه لا أكثر ولا أقل. كثير من الأطعمة المعاصرة تمدنا بسعرات حرارية فقط، أي سكر ودهن، ولكن دون العناصر الغذائية ذات الأحجام الجزيئية الصغيرة Micronutrients التي يحتاجها الجسم لمعالجة هذا السكر وتلك الدهون. وهي خالية مما تحتاجه لأجل إطالة عمرك الطبي. إن الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية مثل الجزر، التفاح، المكسرات، والحبوب تمدك بالسعرات الحرارية المناسبة إلى جانب العناصر الغذائية، وفي الفواكه الطازجة والخضروات، كميات وافرة من العناصر الصغيرة الجزئية المهمة. كلما كنت أنحف جسداً.

أحد الطرق الأكيدة لإطالة عمرك هو أن تأكل أقل. ومنذ أول تجربة تم إجراؤها على الحيوانات عام 1935م، أثبتت الدراسات على فصائل حيوانية مختلفة أن الحيوانات التي تأكل سعرات حرارية أقل بنسبة 30-40% ازدادت أعمارها بمقدار الثلث إلى النصف. بَيْد أن الأمر ليس مجرد تقليل السعرات الحرارية. فإن هذه الحيوانات كانت تحصل على تغذية مثلى مع سعرات حرارية أقل وتتناول كميات جيدة من مضادات الأكسدة. وهناك أسباب كثيرة تدعونا إلى التيقن من أن الأمر نفسه ينطبق على الإنسان. خذ مثلاً جزيرة أوكيناوا باليابان، فأهلها يتناولون سعرات حرارية أقل بنسبة 17-40% عن باقي اليابانيين، ويعد متوسط أعمارهم الأعلى على مستوى العالم. وحسب د.روي والفورد من كلية طب جامعة UCLA: “يمكنك إطالة عمرك بالإقلال من الطعام، حتى لو بدأت في مرحلة البلوغ أو وسط العمر”.

طعام عالي الجودة مع سعرات حرارية أقل يعني جهداً أقل يبذله الجسم. فأنت تمد جسمك تماماً بما يحتاجه لا أكثر. ولكن ما مدى الكمية التي تحتاج أن تقلصها من طعامك؟ يقول والفورد بأن بإمكانك إطالة عمرك بتقليص السعرات الحرارية بمقدار 10-25%، وهو شخصياً يتناول 1500-2000 سعر حراري يومياً مقارنة بمتوسط السعرات الحرارية للنساء البالغ 2500 وللرجال 3000.

إحدى الطرق لخفض السعرات الحرارية هي أن تأكل أقل، وطريقة أخرى أن تصوم يوماً أسبوعياً أو أن تقوم بما يشبه الصيام كأن تأكل فاكهة فقط على سبيل المثال. وأنا شخصياً أحتفظ بسعرات حرارية أقل من خلال تناول إفطار وعشاء متكامل وغذاء بسيط للغاية وربما لا أتناول وجبة الغداء في الأساس حيث أعتمد على حصص من الفاكهة فقط، أثناء فترة النهار. ولتعلم أن شركات التأمين على الحياة تعي جيداً العلاقة بين وزن الجسم والعمر. مقاييس الوزن القياسية تمنح مدى للوزن حسب طولك. وبشكل عام، فإن الحد الأدنى للوزن في هذا المدى هو المناسب لإطالة العمر. وما يهم في الحقيقة هو أن تقلص نسبة الدهون بجسمك وهو ما يساعد على تحقيقه مزاولتك للرياضة. نسبة الدهن بجسمك مستوياتها المناسبة 15-25% للسيدات، 12-20% للرجال.

مواضيع قد تعجبك

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي