أهمية مؤسسات علاج التوحد ومراكزه

إن طفل التوحد الذي يعاني اضطرابات وأعراضاً شديدة يتم وضعه في مراكز خاصة للإقامة الدائمة، ومن أجل إلحاق الطفل بأقسام خاصة مثل قسم التربية الخاصة، وبحيث يحصل الطفل على الخدمات الطبية والنفسية والتأهيلية والتربوية المناسبة له، ويبقى الطفل معزولاً عن المجتمع، وعن الأطفال الأسوياء الآخرين، وعن وسط الحياة الطبيعية ريثما تتحسن أعراضه ويصبح بالإمكان دمجه في المجتمع ومع الأطفال العاديين.

وهناك مراكز خاصة نهارية فقط، وتفيد هذه المراكز في علاج حالات التوحد المتوسطة والبسيطة، وبحيث يذهب الطفل إلى المركز بشكل يومي، ويتلقى الخدمات المعدة له، ثم يعود الطفل إلى أسرته، وإلى مجتمعه، حيث يصبح بإمكانه الاحتكاك بالأطفال العاديين وتقليد سلوكياتهم، وفي الوقت نفسه يتلقى الخدمات الطبية والنفسية والتربوية المختلفة، ودون أن ينعزل الطفل عن بيئته، وفي هذه المراكز النهارية لابد من تعاون الأسرة مع المركز؛ وذلك لتلبية مطالب الطفل ومتابعة تدريباته.

وفي بعض حالات التوحد التي يصحبها اضطراب في السلوك وأعراض وسواسية، أو اكتئاب، أو أعراض ذهانية،

يتم وضع الطفل في قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين داخل مشافي الطب النفسي، حيث يتلقى الطفل الدواء والعناية الطبية اللازمة، مع القيام ببعض الأنشطة مثل سماع الموسيقا، وممارسة الرياضة، واستخدام الحاسوب، وتقوم بذلك ممرضات متدربات، بالإضافة إلى الطبيب النفسي للأطفال، والاختصاصي النفسي والاجتماعي، واختصاصي التأهيل والعلاج بالعمل… وعندما تتحسن أعراض الطفل يتم نقله إلى المشفى النهاري (Day Hospital)، حيث يتم متابعة علاجه وتدريبه نهاراً ثم يعود في المساء إلى منزله، وهكذا يمكن بعدها وضعه في فصل خاص داخل المدرسة العادية. يضاف إلى ذلك وضع بعض أطفال التوحد ممن يعانون أعراض توحد بسيطة، مع عدم وجود عنف أو عدوان أو انفعالات حادة، وعدم وجود إعاقات أخرى، في فصل خاص داخل المدرسة العادية (فصول التقوية، أو الفصول المميزة)، حيث يتم تقديم الخدمات والبرامج المناسبة لهؤلاء الأطفال وكل حسب حاجته، ويحتاج هذا الوضع إلى دعم مستمر من قبل إدارة التربية الخاصة، والتعاون بينها وبين المدرسة التي تطبق هذه الطريقة في دمج أطفال التوحد. ولا بد من دورات تأهيلية للمعلمين والمعلمات، وعادة يحتوي الفصل الخاص بأطفال التوحد من (4 – 6) حالات، ومعظم المراكز تقبل الأطفال بين عمر (5 – 8) سنوات، على أن لا يكون لديهم إعاقات متعددة أو إعاقات أخرى، ويبقى الطفل لفترة ملاحظة وتقييم تستمر بين (6 – 8) أسابيع ومن قبل اختصاصيين مهرة في هذا المجال. ويتم في كل فترة (كل شهر) تقييم حالة الطفل وأعراضه، ولا بد من التقارير الطبية والنفسية والاجتماعية التي تثبت أن الطفل يعاني اضطراب التوحد، وتستمر عملية العلاج نحو (4 – 6) شهور أو أكثر، وطريقة الفصل الخاص داخل المدرسة العادية تفيد الطفل في دمجه بالأطفال الآخرين من العمر نفسه، وعدم عزله عن المجتمع، وعن ملاحظة سلوك الآخرين وفي الوقت نفسه يتعرف الأطفال العاديون (وأسرهم) على أطفال التوحد؛ مما يجعلهم يعدلون الكثير من أفكارهم واتجاهاتهم الخاطئة حول طفل التوحد، ويقلل من حدة نفور المجتمع أو كراهيته أو تجنبه لهؤلاء الأطفال.

وهناك أيضاً برامج خاصة لعملية الدمج (Integration) لأطفال التوحد في البيئة الطبيعية والوضع الطبيعي؛ أي في المدارس العادية وفي الفصل العادي، جنباً إلى جنب مع الأطفال العاديين، وقد تكون عملية الدمج جزئية؛ أي إن طفل التوحد يلتحق ببعض الحصص، أو الموضوعات الدراسية في الصف العادي، وقد تكون عملية الدمج كلية في الصف العادي والمدرسة العادية، وبحيث تراعى حاجاته الخاصة وفي الوقت نفسه يجب مراعاة حاجات الأطفال الآخرين في الصف. وهذا البرنامج له عدة سلبيات وهو أقل البرامج تطبيقاً. كما أن وضع الطفل المتوحد في الفصل العادي يسبب الكثير من المشاكل والتحديات، وخاصة لدى العاملين من المعلمين، والإداريين، ولكثير من العاملين في المدارس العادية غير المدربين على التعامل مع طفل التوحد.

وبشكل عام إن كل برنامج علاجي لطفل التوحد يجب أن يهدف إلى جعل الطفل يعتمد على نفسه، مع درجة من الاستقلالية، والقيام بمتطلبات الحياة اليومية بشكل صحيح، ومن أجل ذلك يكون لكل طفل خطة تعليم فردية (Individual Educational Plan)، تعتمد على مبادئ التعزيز، وتعديل السلوك وغير ذلك من الأساليب التربوية وذلك في ضوء الاختبارات، والملاحظة، والمقابلة، وعملية التقييم التي تتم، وبالتعاون مع أسرة الطفل حيث يقوم المعلم التربوي بوضع خطة للتعليم الفردي؛ تتضمن وصف الخدمات التي تتطلبها حالة الطفل، والتي تمكنه من النمو ومن التعلم خلال سنوات الدراسة، ويتم في ضوء ذلك تحديد الأهداف القريبة الفصلية، والأهداف السنوية، وتحديد اجتماع دوري للجنة التعليم الفردي لمراجعة الخطة وموافقة أولياء الأمر على محتواها. وتحتوي الخطة عادة شرح وضع الطفل الحالي وقدراته على العمل، أو الأداء… وما يجب أن يحققه من أهداف خلال السنة، وتحديد المعايير التي تساعد المعلم والآباء (والطبيب) على معرفة مدى تقدم الطفل واستفادته من خطة التعليم الفردية المخصصة له، وتحقيق الأهداف اللازمة، وكذلك تحديد وسائل الدعم والجوانب العملية التي سيشارك فيها الطفل. وعادة يتم توفير خدمات النقل من المدرسة إلى مكان الأنشطة والتأهيل التي تأتي بعد المدرسة.

ويذكر في الخطة الفردية تحديد احتياجات الطفل من معالج نطق، إلى علاج وظيفي، أو إلى معالج في السمع، وخطة التعليم الفردية لطفل التوحد هي خطة واضحة ومرنة وسهلة التطبيق والتعديل في ضوء احتياجات الطفل، وفي ضوء نتائج التقييم المستمرة، وعملية المتابعة. مع التركيز في الخطة التعليمية على اختيار العناصر المدربة والمؤهلة للتعامل مع هؤلاء الأطفال، وتحديد أساليب تعديل السلوك، والمعززات، مع مراعاة قدرات الطفل، والتركيز على مهارات الحياة الأساسية والعناية بالذات، ونقل ما يتعلمه الطفل إلى أسرته وحياته العادية (نقل أثر التعلم والتدريب).

وهناك أنشطة يقوم بها الطفل وهي مساندة للخطة التعليمية الفردية مثل: الأنشطة الموسيقية، وترديد المقاطع الغنائية (العلاج بالموسيقا)، باعتبارها معززاً لسلوك طفل التوحد، والأنشطة الفنية عن طريق الرسومات والألوان لتقوية لغة التعبير عن أحاسيسه وأفكاره، والأنشطة الرياضية التي تنمي الجانب الحركي لدى الطفل، واستخدام الحاسوب بما فيه من صوت ولون وحركة، هذا بالإضافة إلى الزيارات، والرحلات، والاحتفالات، وغير ذلك.

أما الخطة التعليمية الفردية فغالباً ما تشمل تعديل سلوك الطفل، وتعليم المهارات اللغوية، والمهارات الاجتماعية، والمهارات الحركية والرياضية، والمهارات الفنية، والمهارات التعليمية الأساسية، وأساليب العناية بالذات، والحفاظ على السلامة والأمن، بالإضافة إلى أعمال ترفيهية، أو تأهيلية مهنية. ولا بد من إعداد الفصل الدراسي المناسب لأداء هذه المهارات. والشكل رقم (19) يوضح المخطط الأساسي (Blueprint) الذي يستمد منه المعلم وينفذ نشاطه التعليمي اليومي، أو الأسبوعي، أو الشهري في الفصل، ويلاحظ في المخطط وحدات تعليمية تشبع احتياجات الأطفال، وتحدد أهداف البرنامج، وترسم أسلوب التقييم المرحلي والمستمر لنتائج التنفيذ، وتوفر الانسجام الداخلي (Internal Congruence) مع الانسجام الخارجي (External – Cong) للطفل واحتياجاته. وعادة يتم في البرنامج الفردي تحديد الموضوعات التعليمية والوسائل الخاصة للتعامل مع تصورات الطفل وإمكانياته.

ويوضع الطفل في حالة الدمج مع مجموعة تناسب قدراته، مع ملاحظة الإعاقات الثانوية المصاحبة لإعاقة التوحد. كما يتم رصد الاضطرابات السلوكية التي يتم التفاعل معها، على أن يكون التعامل معها من خلال تقديم برنامج تعليمي للطفل بطريقة طبيعية. ويشترط في البرنامج تتبع الأهداف والمستويات من خلال الصفحة النفسية للطفل التوحدي، وإعداد مادة تعليمية ووسائل وأنشطة، مع التقويم المستمر لأنشطة الطفل في البرنامج.

وأهداف البرنامج يحددها ما الذي نتوقع أن يحققه الطفل، وإكساب مهارات أو عادات أو تعديل سلوك، ويجب أن تكون الأهداف واقعية مع احتمال تحققها، ولها قيمة وظيفية في تحسين حالة الطفل جزئياً أو كلياً. أما عناصر البرنامج فهي البيانات الشخصية، والتاريخ التعليمي، والتاريخ المَرَضي. وملخص عن عمليات التقييم والقياس والأهداف بعيدة المدى، والأهداف التعليمية للبرنامج. أما محاور البرنامج فتشمل:

1 – المهارات اللغوية الاستقبالية والتعبيرية والتواصل اللفظي والحصيلة اللغوية.

2 – المهارات الاجتماعية المناسبة لعمر الطفل.

3 – تنمية الإدراك الحسي والاستجابة الحسية للمثيرات البيئية مع مراعاة العمر العقلي.

4 – المصادر والاستراتيجيات التي تستخدم في التنفيذ.

5 – توزيع الأدوار على أعضاء الفريق.

6 – برنامج التقييم المرحلي ثم النهائي لبرنامج التعليم الفردي.