معايير تشخيص التوحد

إن إدراك الفروق الفردية (Individuals differences) بين الأطفال أمر ضروري وهام أسرياً، وتربوياً، وصحياً، واجتماعياً.

وهذه الضرورة تساعد الآباء والمعلمين، وأطباء الأطفال وغيرهم من متخصصي الأطفال على تشخيص عيوب الأطفال، والكشف عن النواحي الإيجابية والنواحي السلبية لديهم، مما يساعد على الاستفادة من قدراتهم المتاحة، وعلاج جوانب القصور لديهم، وبشكل مبكر وقبل فوات الأوان.. وخاصة الأطفال الذين يحرمون من حق النمو الطبيعي، أو يحرمون من حق التربية والرعاية الخاصة (special education). ومما لا شك فيه أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الوالدين والأسرة، كما تقع المسؤولية على المدرسة والمعلمين، والمربين، والنظم التعليمية والتربوية، وكذلك على المجتمع بما فيه من نظم وثقافة، وعادات، وقيم، ووعي، وأخلاقيات وغيرها.

معايير منظمة الصحة العالمية لتشخيص التوحد: (ICD – 10) لعام (1992م):

1 – وجود قصور أو عجز في نمو واحدة أو أكثر مما يلي، وذلك قبل عمر ثلاث سنوات :

أ‌ – اللغة التعبيرية المستخدمة في التواصل.
ب – نمو التفاعل الاجتماعي أو التفاعل المشترك.
ج – اللعب الرمزي أو الوظيفي.

2 – القصور في التفاعل الاجتماعي المشترك :

– الفشل في استخدام النظر بالعين مع الآخرين، والتعبير بالوجه والتعبير بالجسم، والإشارة، تنظيم التفاعل الاجتماعي.
– الفشل في تنمية العلاقات أو تطويرها، والتي تتضمن مشاركة الاهتمامات والأنشطة والمشاعر.
– قصور في البحث عن أشخاص آخرين يتجه إليهم للراحة أو الود، أو في أوقات الضغط النفسي.
– نقص في المتعة والسعادة المشتركة مع الآخرين.
– قصور في المشاركة الاجتماعية والعاطفية وعجز في الاستجابة لعواطف الآخرين.

3 – القصور في التواصل :

– تأخرٌ ونقص كامل في اللغة المنطوقة.
– فشل في بدء حوار مع شخص آخر أو تكملته (أي تكملة الحوار).
– عدم ملاءمة درجة الصوت والنبرة للحديث.

4 – الأنشطة والاهتمامات :

– الانشغال بأنواع محددة من الاهتمامات.
– النطق بأشياء غير عادية.
– الالتصاق بأشياء غريبة في الأصل.
– سلوك نمطي متكرر.
– الانشغال بأجزاء من الأشياء.
– الاهتمام بتفاصيل صغيرة غير مهمة في البيئة المحيطة.

معايير تشخيص التوحد حسب الجمعية الأمريكية للطب النفسي

ترى الجمعية الأميركية للطب النفسي أنه في تشخيص حالات التوحّد يجب توافر المعايير التالية كما وردت في كتاب (DSM-IV-TR – Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders):

1 – ضعف واضح في التفاعلات الاجتماعية (social interaction):
ويلاحظ ذلك من خلال:

أ – ضعف واضح (Marked impairment) في استخدام العديد من السلوكيات غير اللفظية المتعددة (Nonverbal behavior) مثل:
– التحديق أو النظر العين بالعين (Eye to eye gaze).
– ضعف تعبيرات الوجه.
– أوضاع وحركات جسمية غير عادية.
– إيماءات غير عادية من أجل تنظيم التفاعل الاجتماعي.

ب – الإخفاق في تكوين علاقات اجتماعية، أو صداقات مناسبة لعمر الطفل، ومتوافقة مع مرحلة التطور.

ج – عدم وجود نزوع تلقائي للبحث عن مجال للمسرَّة أو التمتع أو مشاركة الآخرين في الاهتمامات، أو الإنجازات، أو التعاون معهم.

د – فقدان التبادل العاطفي أو الاجتماعي.
ويجب توافر بندين أو أكثر من البنود السابقة لتشخيص أعراض التوحد.

2 – ضعف واضح ونوعي في مظاهر التواصل الاجتماعي واللغوي. مثل:

أ – التأخر أو الفقدان الكامل في النمو الكلامي – اللغوي، (ودون أن يصاحب ذلك، وللتعويض، أنماط بديلة من الاتصال البدني مثل الإيماءات أو التعبيرات الجسدية).
ب – عند الأفراد ذوي النطق المقبول نجد إعاقة واضحة في القدرة على المبادرة أو البدء بالمحادثة مع الآخرين، أو الاستمرار فيها (أي الاستمرار بالمحادثة).
ج – استعمال اللغة استعمالاً نمطياً وتكرارياً (لغة خاصة متكررة).
د – فقدان اللعب التلقائي، أو اللعب المقلّد (التقليد)، المناسب لمرحلة النمو ومستواه.
ويجب أن يتوافر بند واحد أو أكثر من البنود السابقة.

3 – تكرار محدد ونمطي للسلوك والنشاطات والاهتمامات. والانشغال بتكرار شيء يثير الغرابة من حيث شدته وتكراره:
مثل:

أ – الانشغال بتكرار شيء بشكل نمطي آلي غريب في شدته وتركيزه.

ب – التمسك غير المرن أو الجامد ببعض الأعمال الروتينية غير وظيفية (ليس لها وظيفة أو هدف) وغير طقسية.

ج – سلوكيات آلية حركية متكررة على نمط واحد مثل (ثني أصابع اليد، أو القيام بحركات جسمية معقدة…).

د – الانشغال الملحّ والزائد بأجزاء الأشياء أو الموضوعات مع الإصرار على ذلك.
ولا بد من توافر بند واحد أو أكثر من البنود السابقة.

4 – وجود تأخر أو وظيفة شاذة غير سوية قبل عمر ثلاث سنوات في واحد على الأقل من المجالات التالية:

أ – التفاعل الاجتماعي.
ب – اللغة المستخدمة في التواصل الاجتماعي.
ج – اللعب التخيلي أو الترميزي.
ملاحظة: اللعب نشاط تلقائي يمارسه الطفل كغاية في حد ذاته يختلف عن الألعاب الموجهة، والطفل بعد عامه الأول يقبل على اللعب الخيالي؛ مثل تظاهر الطفل بأنه يطعم دميته، وفي العام الثاني يقوم الطفل بتقليد أدوار الآخرين ومحاكاة حركاتهم؛ دور الشرطي، دور الطبيب والمريض، دور المعلم أو المعلمة. وهذا اللعب الخيالي له عدة فوائد، من بينها تدريب الطفل على المشاركة والتعاون مع فرصة نمو الشخصية والتعبير عنها .
د – لا يدخل تصنيف مرض (رت) (Rett) أو اضطراب الطفولة الانحلالي (disintegrative)، المشار إلى أعراضهما فيما يلي:

اضطراب أندريوس رت (1966م) (Rett’s disorder)

تظهر عادة في اضطراب (رت) الأعراض التالية التي تميز هذا الاضطراب عن التوحد، وهذا يفيد فيما بعد في عمليات التشخيص الفارقي لاضطراب التوحد.

1 – يبدو الطفل سوياً عند الحمل والولادة وخلال الأشهر الخمسة الأولى من حيث النمو.
2 – يبدو محيط رأسه سوياً عند الولادة؛ (31 – 34) سم، وفي عمر السنة (46) سم…
3 – بطء نمو الرأس ما بين عمر (5 – 48) شهراً (أربع سنوات).
4 – فقدان تدريجي للمهارات اليدوية المكتسبة سابقاً بين عمر (5 – 30) شهراً مع ظهور حركات يدوية نمطية مثل غسل اليد.
5 – فقدان الانخراط الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين باكراً.
6 – ظهور اختلال في نمو الرأس وعدم التناسق في المشي أو في حركات الجذع، مع اضطراب في تآزر العضلات وخاصة عند الكتابة.
7 – اضطراب شديد في نمو اللغة التعبيرية والاستقبالية مع تأخر نفسي – حركي.
8 – يصيب الإناث بين 3 – 5 سنوات.

اضطراب الطفولة الانحلالي (Childhood disintegrative disorder)

1 – يلاحظ في هذا الاضطراب نمو سوي ظاهرياً لمدة لا تقل عن سنتين بعد الولادة، مع اتصال غير لفظي أو لفظي مناسب لعمر الطفل، وكذلك العلاقات الاجتماعية، واللعب، والسلوك التكيفي العام أيضاً.

2 – فقدان تدريجي وهام للمهارات المكتسبة قبل بلوغ سن العاشرة، وكما تظهر هذه المهارات سريرياً، مثل:

أ – اللغة التعبيرية أو الاستقبالية.
ب – المهارات الاجتماعية أو السلوك التكيفي.
ج – ضبط عملية التبول والتبرز.
د – المهارات الحركية.

3 – يلاحظ شذوذات وظيفية في وظيفتين على الأقل من الوظائف التالية:
أ – ضعف نوعي في التفاعل الاجتماعي، وفشل في تنمية العلاقات مع الأصدقاء، وفقدان التبادل العاطفي أو الاجتماعي.
ب – تأخر أو ضعف في اللغة المنطوقة، والعجز عن بدء الكلام، أو الاستمرار فيه، استخدام تكراري ونمطي للغة، وفقدان اللعب المتنوع.
ج – أنماط محددة من السلوك النمطي أو التكراري، وفي النشاطات والاهتمامات ومن بينها الحركات النمطية.
د – هذا الاضطراب لا يعتبر ضمن اضطراب نمو معمم آخر نوعي أو ضمن الاضطراب الفصامي.

اضطراب هانز أسبرجر Asperger’s disorder

نسبة إلى الطبيب النفسي هانز أسبرجر من النمسا، الذي اكتشف هذا الاضطراب (1944م) وهو اضطراب يصيب الذكور أكثر من الإناث، والطفل يكون نموه عادياً من حيث الذكاء واللغة حتى الأشهر الخمسة الأولى بعد الولادة .

أ – يلاحظ في هذا الاضطراب إعاقة نوعية في التفاعل الاجتماعي تبدو في مجالين من المجالات التالية:

1 – عدم القدرة على استخدام سلوكيات غير لفظية متعددة مثل النظر (عين إلى عين)، وتعبيرات الوجه، وحركات الجسم، والوضعيات المنظمة للتفاعل الاجتماعي.
2 – الإخفاق في بناء علاقات اجتماعية مناسبة لدرجة النمو، وخاصة مع من هم في نفس العمر.
3 – فقدان البحث التلقائي عن مشاركة المسرَّة، والاهتمامات، والإنجازات مع الآخرين.
4 – فقدان القدرة على التبادل العاطفي أو الاجتماعي.

ب – كما تلاحظ أنماط متكررة محددة من السلوكيات والاهتمامات والأنشطة تظهر في واحدة على الأقل من المظاهر التالية:

1 – الانخراط بانشغالات، بشكل نمطي وعلى نفس الشاكلة من الاهتمام الذي يكون شاذاً إما في الشدَّة أو في التركيز (Focus).
2 – الالتزام غير المرن كما يبدو ظاهرياً بأعمال روتينية غير هادفة، ونوعية، أو في طقوسيات متكررة.
3 – الانشغال بسلوكيات تكلُّفية حركية متكررة وعلى نمط واحد، مثل: (ثني الذراع، والقذف الشديد لليد أو للإصبع (Flapping)، أو القيام بحركات جسمية معقدة لكامل الجسم.
4 – الانشغال الملحّ بأجزاء بعض الأشياء أو الموضوعات.

ج – ويسبب الاضطراب إعاقة هامة سريرية في المجالات المهنية والاجتماعية، أو في الميادين الأخرى الهامة من الوظيفة (في الدراسة مثلاً…).

د – لا يوجد في اضطراب أسبرجر تأخر عام أو هام وسريري في اللغة (الكلمات المفردة المستخدمة من قبل طفل في السنتين من عمره، والجمل التواصلية المستخدمة من قبل طفل عمره ثلاث سنوات).

هـ – لا يوجد سريرياً تأخر عام وهام في النمو المعرفي (cognitive development)، أو في نمو مهارات العون الذاتي، والمتوافقة مع مستوى العمر، وفي السلوك التكيُّفي (عدا التفاعل الاجتماعي)، وفي سلوك الفضول وتعرف المحيط في الطفولة.

و – هذه المعايير السابقة لا تتطابق مع اضطراب النمو المعمم النوعي الآخر، ولا تتطابق مع الفصام.

اضطراب النمو المعمم غير النوعي ولا المحدد (اضطراب التوحد النموذجي) (Atypical autism)

يتعين استخدام هذا التصنيف حينما توجد إعاقة معممة حادة في نمو التفاعل الاجتماعي التبادلي أو المهارات التواصلية اللفظية وغير اللفظية، أو عندما يوجد السلوك أو الاهتمام والنشاطات النمطية، ولكن في الوقت نفسه لا تتطابق المعايير مع اضطراب نمو معمم نوعي، ولا مع معايير الفصام، أو معايير اضطراب الشخصية التجنبي (Avoidant)؛ فمثلاً إن هذا التصنيف يتضمن الاضطراب التوحدي غير النموذجي، فالأعراض في هذا التصنيف لا تتوافق مع معايير اضطراب التوحد؛ ذلك لأنها ظهرت في سن متأخرة، كما أنها غير نموذجية من حيث المظاهر، أو أن الأعراض دون العتبة من حيث الشدة (Sub – threshold)، أو أنها تجمع جميع هذه الأمور.
واضطرابات النمو غير المحددة تكون عندما يُظهر الفرد أعراضاً أقل في عددها عن الموجودة في التوحد مع أن الأعراض الموجودة مطابقة لأعراض التوحد.

اضطراب الشخصية التجنبي (Avoidant personality disorder):

من أعراض هذه الشخصية، الكف الاجتماعي وضعف التواصل، مع مشاعر النقص، وفرط الحساسية نحو التقييم السلبي والنقد، مع تجنب الأنشطة المهنية التي تتضمن علاقات بين شخصية (Interpersonal) مثل النقد، والرفض وعدم القبول، وعدم الرغبة في الانخراط مع الناس، والفرد يبدي تحفظاً نحو العلاقات الودية، بسبب الخوف من الاستهزاء، والخجل، وهو ينشغل كثيراً بالنقد الذي يوجّه إليه، وليس لديه أي مبادرة اجتماعية، ينظر إلى ذاته باعتباره شخصاً غير كفء وغير محبوب من الآخرين، وهو ينفر من الأنشطة الجديدة، ومن المجازفات الشخصية، ويتجنب الأفراد والمواقف الاجتماعية التي تتطلب منه تعاوناً، وغالباً ما تبدأ هذه الأعراض بالظهور في مرحلة البلوغ.

ملاحظة: ملاحظة: إن المعايير الواردة في (DSM-IV-TR) لا تخضع كلها للقياس الموضوعي الدقيق، بل تعتمد على التقدير الذاتي والاجتهاد في الحكم وهذه كلها غير موضوعية، مثل معيار (القدرة على تكوين علاقات اجتماعية)، حيث إن هذا المعيار يتراوح بين العزوف الكلي عن التفاعل مع الآخرين، وتقبل المبادرة من جانب الآخرين، ثم مبادرات جافة وفجّة من قبل طفل التوحد، ثم إن أحد المعايير ينص على ظهور أعراض التوحد قبل عمر الثلاثين شهراً، فمن الممكن أن يسير النمو طبيعياً حتى هذا العمر ثم يصاب الطفل بالحمى الشوكية مثلاً أو غيرها من الأمراض الفيروسية التي تسبب تلفاً في أنسجة المخ، فلا تظهر الأعراض إلا بعد ذلك وتبقى الأعراض خفية لا تظهر للوالدين .

انتشار اضطراب التوحد (Distribution):

يعتبر اضطراب التوحد من الاضطرابات النمائية لدى الأطفال، والقليلة الحدوث نسبياً بالمقارنة باضطرابات الطفولة الأخرى، ويقدر عادة نسبة انتشار التوحد في كل عشرة آلاف ولادة لأطفال عاديين يوجد بينهم نحو (4 – 10) حالات توحد، وتختلف النسبة لأسباب تشخيصية ومنهجية بين الباحثين في مجال التوحد أمثال لوفاس (لوفاس I. Lovaas) (1987م) الذي أشار في كتاباته إلى أن نسبة انتشار هذا الاضطراب هي نحو (2 – 5) حالات في كل عشرة آلاف ولادة، والذكور نحو (4) أمثال الإناث، والأعراض لدى الإناث أشد، وأكد ذلك جلبرج (Gillberg)، وستفنبرج (Steffenburg)، في حين بيّنت دراسات أخرى أن هذه النسبة تبلغ نحو (16) حالة في كل عشرة آلاف ولادة. كما أنه أجريت دراسات على عدد من الأطفال دون عمر (36) شهراً تمَّ متابعتهم حتى عمر الست سنوات، وتبين أن نسبة حدوث حالات التوحد هي نحو (16) حالة في كل عشرة آلاف مولود. ومن الطبيعي أن هذه النسبة أقل انتشاراً من حالات التخلف العقلي، مثل المنغولية التي نسبتها نحو (1/700)، وأقل من حالات اضطراب التمثيل الغذائي (PKU) حيث تبلغ نسبتها (1/500)، وتبين أن نسبة اضطراب التوحد لدى الأطفال الذكور أعلى من الأطفال الإناث بنسبة (3/1) أو (4/1)، كما تبين أن إصابة أكثر من طفل واحد في الأسرة الواحدة أمر نادر جداً، وذكرت بعض الدراسات أن نسبة (55 – 65%) من حالات التوحد تعاني
ضعفاً عقلياً (Kraijer , D. W.) (1971م) ونسبة (30 – 50%) من الحالات لها أصول وراثية.

وهذه الحالات من التوحد تظهر في كل الطبقات الاجتماعية والثقافية والعرقية المختلفة، أما نسبة انتشار حالات (أسبرجر) فهي نحو (14 – 20/10000 ولادة).
وتشير الدراسات إلى أن نسبة (10%) من حالات التوحد يعانون متلازمة (رت) أو حالات (Fragile – X) وهي حالات ترجع إلى الوراثة.