شعار التوحد

التوحد | العوامل المؤثرة في الجنين قبل الولادة

لابد لنا، ونحن في صدد الحديث عن الاضطرابات لدى الأطفال (وعن اضطراب التوحد حصرياً)، من الإشارة وبإيجاز إلى العوامل الهامة التي تؤثر في عملية الحمل ونمو الجنين، وفي عملية الولادة ومستقبل الطفل بشكل عام، وتؤدي دوراً مباشراً، أو غير مباشر في حدوث الاضطرابات لدى الطفل، مثل اضطراب التوحد وغيره من الاضطرابات.

وسنشير إلى هذه العوامل وبشيء من التفصيل. ومن هذه العوامل العامة ما يلي:

1 – سلامة الزوجين صحياً وشخصياً واجتماعياً:

لا بدَّ قبل الزواج والحمل من حسن اختيار كلٍّ من الزوجين للآخر صحياً، وثقافياً، واجتماعياً، ونفسياً… إلخ، وإجراء الفحوص الطبية والنفسية اللازمة قبل الزواج، ودراسة تاريخ حالة الزوجين للتأكد من سلامتهما، وخلوهما من الأمراض الوراثية والأمراض السارية، وخاصة مرض الإيدز (العوز المناعي المكتسب)، وبحيث لا يتم الزواج قبل إجراء هذه الفحوص وإجراء التحاليل الطبية المؤكدة والموثوقة، (خلافاً لما هو شائع أو معمول به في أوطاننا العربية والإسلامية، وهو إعطاء التقارير الطبية لمن يدفع ثمنها ودون فحص طبي أو مخبري)، وكذلك إجراء الفحوص النفسية لاستبعاد الأمراض النفسية والعقلية، والاضطرابات السلوكية مثل الشذوذ الجنسي والإجرام، ومحاولة الانتحار، وتعاطي الكحول أو المخدرات، والسيكوباتية وغيرها، ولا بدَّ أيضاً من توجيه الراغبين في الزواج وإرشادهم، وزيادة توعيتهم وثقافتهم بموضوع الزواج، ومعرفة فوائد الزواج، وأسسه الشرعية، وضرورة الرعاية الصحية، وفهم العلاقة الجنسية والعاطفية، والاهتمام بالحمل والولادة.

وإذا وجدت أمراض وراثية، كما في حالة زواج الأقارب، أو احتمال ولادة أطفال مشوَّهين، أو ظهور عيوب خفيّة، يجب الاستشارة الطبية، وأخذ الحيطة والحذر، لأن الزوجين هما المسؤولين عن ذلك، يضاف إلى ذلك التخطيط لعملية الحمل والولادة، وتنظيم النسل مع مراعاة عمر الأبوين، والظروف الصحية، والأمراض، والدخل المادي، ومستوى الثقافة لدى الزوجين، وعدد الأطفال، والفترة الزمنية بين كل مولود وآخر، ومعرفة فوائد وسائل منع الحمل ومضارها، بالإضافة إلى معرفة من سيشرف على المولود (إذا كانت الأم تعمل)، ودور الأم الأساسي في رعاية مولودها، وعدم التخلّي عن هذا الدور للخادمات مثلاً. كما يمكن حساب يوم الولادة بشكل تقريبي (266) يوماً من تاريخ آخر حيض، وهذا قد يساعد على الولادة في ظروف مناخية مقبولة (غير حارة وغير باردة)، وبالإضافة إلى ذلك قد يجد الطبيب النسائي ضرورة تحصين الزوجة قبل الحمل ببعض اللقاحات؛ مثل لقاح الحصبة الألمانية (الحميراء) (Rubella)، على ألاّ يحدث الحمل في الأشهر الثلاثة التالية، ولقاح الكزاز (Tetanus) الذي يمكن أن يعطى حتى الشهر السادس من الحمل.

هذا بالإضافة إلى فحص الأم بالأمواج فوق الصوتية، وفحص السائل الأمنيوني المحيط بالجنين، من أجل معرفة وجود تشوهات ولادية أو أمراض صبغية مثل حالات المنغولية (متلازمة داون) (Down’s syndrome)، وهي حالة يصاحبها زيادة في الجين رقم (21)، أو مثل مرض الأنيميا المنجلية (sickle cell anemia) وهو فقر دم حاد يصيب خضاب الدم، هذا بالإضافة إلى حالات التلاسيميا (Thalassemia) وهو انحلال دموي يرجع إلى صفة وراثية متنحية تتعلق بالجين رقم (11) أحد عشر… إلخ.

ويفضل قبل الحمل والولادة إرشاد الزوجين إلى بعض الحقائق العلمية، والتخلص من بعض الأفكار الخرافية السائدة في مجتمع الزوجين؛ مثل التمييز بين الذكر والأنثى، والاعتقاد الخاطئ بأن الأم هي المسؤولة عن جنس المولود أو تشوهاته، وأن حمل السفاح ينتج عنه طفل مشوَّه أو معاق بسبب معصية الله أو عقاباً منه… وهناك أيضاً اعتقاد خاطئ بأن الحمل والولادة (وكثرة الأولاد) من شأنه أن يدعّم مركز المرأة داخل الأسرة ويزيد من استقرارها، ويبعدها عن مخاوف الانفصال أو الطلاق… وما تزال بعض النساء في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يعتقدن بأن مشاكل الزواج وحالات العقم أو العقر ترجع إلى أسباب خرافية مثل الرباط، أو الحسد، أو السحر، ولا حلَّ لهذه المشاكل إلا بهذه الأساليب.

2 – عوامل الوراثة وعامل الاستعداد (Heredity and predisposition):

أشرنا في الفقرة السابقة إلى أهمية الفحوص الوراثية للزوجين. والوراثة هي انتقال الصفات الوراثية من الآباء أو الأجداد إلى الأبناء، ويتم ذلك عن طريق الجينات (Genes) التي تحمل الكروموزومات (أو الصبغيات)، حيث يضع كل من الزوجين (في حالة الحمل طبعاً) (23) جيناً، 23 × 2 = 46، بما فيها الجينات الجنسية (XX) و(XY)، وبعد عملية التلقيح وتكوين البويضة الملقحة (Zygote) تبدأ المورّثات بالتفاعل، وقد تؤدي هذه التفاعلات إلى تغيير في إحدى المورثات فتنشأ صفات وراثية جديدة، وقد يكون ذلك بسبب سمة وراثية متنحية (Recessive trait) من جيل سابق، أو يحدث ما يسمى بالطفرة (Mutation)، وهناك العديد من الإصابات الوراثية والتناذرات مثل حالات المنغولية (تناذر داون) الذي اكتشف عام (1959م)، وتناذر باتو (Patau syndrome) زيادة في الجين رقم (13)، وتناذر إدوارد، وفيه يوجد زيادة في الجين رقم (18)، وتناذر تيرنر (Turner) حيث ينقص جين (X) واحد لدى المرأة، وتناذر كلينفيلتر (Klinefelter syndrome) حيث يكون لدى الرجل (XXY) عوضاً عن (XY)، وتناذر ساندبرغ (Sandberg syndrome) حيث يوجد لدى الرجل جين زائد من (Y) أي (XYY) عوضاً عن (XY)، وهذه التناذرات تؤدي إلى اضطرابات عصبية، ونفسية، وعقلية.

وبعد تكوين البويضة الملقحة، يكون هناك العديد من العوامل المحيطة بعملية الحمل، والتي تؤثر في تفاعلات الجينات، وفي نمو البويضة الملقحة سلباً أو إيجاباً، ومحصلة تأثير هذه العوامل البيئية (بيئة الرحم) التي تحيط بالبويضة الملقَّحة هي تكوين جنين أو مولود يكون محصلة جميع هذه التفاعلات الداخلية الجينية (والخارجية) وحتى عملية الولادة، وهذا ما نسميه بعامل الاستعداد، حيث لا يرث الطفل من والديه المرض بل يرث الاستعداد للإصابة بالمرض أو الاضطراب، وعامل الاستعداد (أو التهيؤ) يؤدي إلى بعض الاضطرابات أو الأمراض لدى الطفل، مثل حساسية الجهاز العصبي، أو ضعف مناعة الجسم، وهذا الاستعداد (السلبي) يرجع إلى عدم توافر الشروط البيئية (الحيوية والفيزيقية، والعضوية) بشكل مقبول أثناء الحمل، مما يؤدي إلى تكوين كائن عضوي (مولود) يكون في تكوينه العضوي العام ضعيفاً، أو أن هذا الضعف يتركز في عضو معين، كجهاز الدوران مثلاً، أو جهاز التنفس، أو جهاز التبول.

فإذا تسلَّطت المشكلات الحياتية والصراعات النفسية على الطفل أو على هذا العضو الضعيف، أدى ذلك إلى اضطراب وظيفي أو بنيوي، أو وظيفي بنيوي معاً، والطفل يرث هذا الاستعداد من والديه على شكل استعدادات تهيئ لإصابة الطفل، وقد أطلق فرانز ألكسندر عام (1932م) على عامل الاستعداد العامل (س) أو العامل المجهول؛ لأنه لا يعرف موضعه في جسم الفرد، فإذا تركز العامل المجهول في القصبات الهوائية مثلاً وصادف الفرد بعض الصراعات أو الضغوط النفسية فقد يصاب بمرض الربو… وتشير الدراسات إلى أن العَرَض المرضي من الأسهل عليه أن يستخدم موضع المقاومة الأضعف في الجسم، ومثل هذا الموضع يحدده الضعف الوراثي، وعامل الاستعداد.

3 – العوامل البيئية المادية والاجتماعية والثقافية والحضارية والفيزيقية:

وهذه كلها تسهم في نمو الطفل وتشكيل شخصيته وسلوكياته في مواجهة ظروف الحياة (الشخصية هي دالة الوراثة X البيئة). وتؤثر في الأم الحامل مباشرة، وفي حملها بشكل غير مباشرة.

4 – التغذية لدى الأم الحامل:

إن الغذاء من المواد الهامة لبناء الجسم ونموه، وهو المصدر الرئيس للطاقة، وللسلوك جسمياً وعقلياً. والمادة الغذائية لها عدة وظائف؛ مثل بناء أنسجة الجسم عند نمو الطفل، وتوليد الطاقة، وإمداد الجسم بالمواد البروتينية والأملاح والمعادن اللازمة لحفظ الصحة ومساعدة النمو، والغذاء غير الكافي لدى الأم يؤثر في نمو الجنين، وخاصة في المراحل الأولى من الحياة، ونقص التغذية لدى الأم قد يؤدي إلى أمراض مثل لين العظام، وفقر الدم، ونقص فيتامين (C) (مرض الأسقربوط)، وضعف المناعة لدى الأم والجنين. وفي المراحل الأولى من الحمل لابدَّ من توافر فيتامينات (B) و(D) و(C) للأم، والأمهات اللاتي يعانين نقصاً في الغذاء قد ينجبن أطفالاً ضعافاً أو عرضة للاضطرابات وفقر الدم، والكساح، والدرن، والتأخر في المشي، أو في الكلام، وفي التحكم بعملية الإخراج، وكذلك في الأنشطة والعلاقات الاجتماعية… إلخ، وقد يؤدي ذلك بالجنين إلى الهزال. وتبين بأن نقص وزن الأم الشديد مع بداية الحمل يؤثر في نمو الجنين، وقد يحدث الإجهاض وتعب الأم، أو زيادة عدد ساعات المخاض، أو التعرض إلى مشاكل الولادة… وغير ذلك من اضطرابات.

5 – أمراض الأم:

إن بعض الأمراض التي قد تصيب الأم في فترة الحمل، تؤثر وبشدة في نمو الجنين، وخاصة الأمراض السارية التي تنتقل من الأم إلى الجنين عبر الدم والحبل السّري، مثل مرض الزهري، والإيدز، والحصبة، ومرض الدرن (السل)، وكذلك ارتفاع ضغط الدم (الجوهري أو الأساسي)، ومرض السكري، والأمراض المعدية الإنتانية الأخرى، مثل الجدري، والنكاف، والحمى القرمزية، والإنفلونزا، والملاريا… وهذه قد تصيب الطفل بالضعف العقلي، أو البكم، أو إصابات القلب، أو إصابات الجهاز العصبي، مثل التهاب السحايا، والحبل الشوكي، واستسقاء الدماغ، وصغر حجم الجمجمة، وغيرها. وتكون الإصابة أكبر لدى الطفل كلما حدثت بشكل مبكر وفي غضون الشهرين الأولين للحمل.

6 – العقاقير والأدوية التي تتناولها الأم في فترة الحمل:

يتأثر نمو الجنين بإفراط الأم الحامل في تعاطي العقاقير مثل عقاقير الباربتيورات (Barbiturates) المهدئة

والمنومة، وكذلك عقار التاليدوميد (Thalidomide) الذي تستعمله الأمهات مضاداً لإقياء الحمل، والغثيان، وقد لاحظ العلماء التأثير السام لهذا الدواء في الجنين، وكذلك عقار الأمينوبترين (Aminopterin) الذي يؤدي إلى إنهاء الحمل، وهناك العقاقير المضادة للصرع (Antiepilepsy)، والأدوية المهدئة، وأدوية الحمية المسببة لفقدان الشهية للطعام مثل دواء (Dextroamphetamine)، وكذلك عقار الكينين، وعقاقير الهلوسة مثل عقار (L. S. D)، وكذلك تعاطي الكحول والمخدرات (كما في حالات أطفال الكوكائين)، مثل الحشيش والأفيون والكوكائين والقات، والإفراط في التدخين مما يحدث تغييراً في كيمياء الدم ويؤخر نمو الجنين، ويؤثر في عملية الولادة ويزيد من ساعات المخاض وآلامه، كما قد يؤدي ذلك إلى ولادة قبل الأوان، أو ولادات مشوهة أو ميتة بسبب هذه التسممات.

7 – التعرض بإفراط لأشعة (X) في فترة الحمل:

إن الدراسات العلمية تشير إلى أن أكثر الأجهزة العضوية حساسية تجاه الأشعة هو الجهاز البولي والتناسلي، وأن تعرض الأم الحامل على حوض البطن لجرعات كبيرة من الأشعة السينية يؤثر في نمو الجنين وفي الجهاز العصبي، وقد يؤدي ذلك إلى تلف عضوي، أو إلى الإجهاض، أو إلى تشوهات جسمية وعقلية.. لذلك تُنْصح المرأة الحامل، ومن أجل سلامة جنينها، بعدم التعرض لجرعات كبيرة من أشعة (X – Ray) بغرض التشخيص أو العلاج، وأن تقي نفسها من ذلك قدر المستطاع.

8 – تأثير الهرمونات واضطراب إفراز الغدد:

إن لإفرازات الغدد، وخاصة الغدة النخامية (pituitary gland)، والغدة الدرقية (Thyroid gland) من الهرمونات، تأثيراً كبيراً في عملية نمو الجنين والطفل، وترتبط وظيفة الغدد بوظائف أجهزة الجسم المختلفة كافة، وخاصة الجهاز العصبي المركزي، والجهاز العصبي الذاتي (اللاإرادي)، وتؤثر إفرازات الغدد في النشاط العام للطفل، وفي مستوى نضجه (Maturation). ويؤدي اضطراب الغدد ووظائفها إلى المرض النفسي، أو إلى الضعف العقلي، وردود الأفعال السلوكية المَرَضية، وإلى حدّة الانفعالات والسمات النفسية لدى الطفل، كما أن نقص إفراز الغدة الدرقية (Hypothyroidism) يؤدي إلى تأخر نمو الطفل، وتأخر عقلي، وحالة القزامة (cretinism)،… إلخ.

ويؤدي النقص في إفراز هرمون النخامية إلى تأخر نمو الطفل، وذلك بسبب نقص إفراز الهرمون المنظم لنمو الجسم (Somatotrophic hormone) (S. T. H). ومن الهرمونات التي تؤثر في الجهاز العصبي وفي النمو العضوي، الأنسولين، والهرمونات الجنسية مثل الأستروجين والأندروجين، والبروجستيرون (التي تفرزها قشرة الغدة الكظرية)، بالإضافة إلى هرمون التستستيرون (Testosterone) لدى الرجل والذي تفرزه الخصيتان، وهرمون الأدرينالين، والنور أدرينالين، والنواقل العصبية (Neurotransmitters) مثل الأستيل كولين، والدوبامين، والسيروتونين، وحمض جاما أمينو بوتريك، والجليسين. إن الزيادة أو النقصان في هذه الهرمونات (أو النواقل العصبية) له مضاعفات على الجنين ونموه، كما يؤثر في وظائف الأعضاء ويؤدي إلى اضطراب هذه الوظائف. يضاف إلى ذلك مضاعفات الهرمونات الجنسية الصناعية التي تعطى لعلاج تثبيت الحمل، والبرود الجنسي وما شابه ذلك.

9 – العامل الدموي (RH)، أو العامل الريزيسي (Rhesus Factor):

وهو أحد مكونات الدم، ويتحدد بشكل وراثي، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى القرد الذي استخدم عام (1940م) في التجارب، وهذا العامل يوجد لدى (85%) من الناس بشكل موجب (+) (RH+) وهو الشكل السائد، مقابل (15%) سالب أي عدم وجود هذا العامل في الدم، وينتج عنه (RH – ). وإذا كان هذا العامل عند الأم والأب كليهما معاً سالباً أو موجباً فلا توجد مشكلة، أما إذا كان هذا العامل لدى الأم سالباً وعند الجنين موجباً بوراثة هذا العامل عن طريق الأب مثلاً، فإن ذلك يؤدي إلى تكوين أجسام مضادة (راصّة)، وإلى اضطراب في توزيع الأكسجين وعدم نضج خلايا الدم، وتدمير كريات الدم الحمراء لدى الجنين، ويعالج ذلك خلال الأسابيع الستة الأولى من حياة الطفل شريطة نقل الدم المخالف للعامل الريزيسي، وهذا العامل يؤثر في تكوين المخ والوظائف العقلية، وربما الإجهاض، أو موت الجنين، وحالياً تعالج هذه الحالات وتشخص بشكل مبكر.

10 – أعمار الوالدين وخاصة الأم:

أشار الباحثون إلى أن الأطفال الذين يولدون من أبوين شابين يختلفون عن الأطفال الذين يولدون من أبوين كبيرين أو مسنَّين، فوق عمر (50 – 65) سنة، لقد تبين بأن أطفال الأبوين الشابين يكونون أكثر حيوية ونشاطاً ومناعة، وأقل تشوهات للجنين، لكن الأمهات فوق عمر (35 – 45) سنة غالباً ما ينجبن أطفالاً يعانون الضعفَ العضوي، والتأخر في النمو، كما في حالة المنغولية (Mongolism) الذي تبين أن من أحد أسبابه كبر عمر الأم عند الحمل، وهذا أمر طبيعي ولأن التقدم بالعمر لدى الرجل والمرأة من شأنه أن يضعف من حيوية الحيوان المنوي، وكذلك البويضة مما يؤثر في عملية الحمل ونمو الجنين. ولا يعني ذلك التبكير في عملية الزواج وقبل الإعداد لذلك، مما قد يتسبب عنه مشاكل زواجية وأسرية خطيرة. وعادة العمر المناسب للزواج هو (20) سنة بالنسبة للأنثى، و(25) سنة بالنسبة للذكر، مع مراعاة خصوصية وظروف الحالات والمجتمعات.

11 – الحالة النفسية والانفعالية للأم الحامل والاتجاه نحو الحمل:

على الرغم من عدم وجود اتصال مباشر بين الجهاز العصبي للأم الحامل والجهاز العصبي للجنين، إلا أن حالة الأم الانفعالية، وخاصة الحالات الحادة، والمزمنة، والمفاجئة تؤثر في الهرمونات وفي تركيب دم الأم مما يؤثر بدوره في استجابات الجنين، وفي نموه، وسلامته؛ فالغضب، والانفعالات، والبكاء، والقلق والتوترات، والمخاوف، تنعكس كلها على الوظائف الفسيولوجية، مما يؤدي إلى اضطراب وظائف الغدد، وتغيير التركيب الكيميائي للدم، مما يؤثر في الجنين، تماماً مثل الأم الحامل والمدمنة على المخدرات (الكوكائين مثلاً) حيث يتأثر الجنين ويولد مدمناً على الكوكائين… ويضاف إلى ذلك الاضطرابات العقلية، وحالات الاكتئاب والحزن، وكذلك مدى رضا الأم الحامل عن حملها واتجاهها العقلي والنفسي نحو الحمل، فالمرأة الحامل التي ترضى عن حملها نجدها تهتم بنفسها وبجنينها، والعكس كذلك؛ فالمرأة التي لا ترغب في حملها يؤثر ذلك سلبياً في رعايتها لجنينها، فهي تهمل الجنين، وتهمل نفسها وقد تتخذ كل الإجراءات للخلاص من حملها، كما في حالة أطفال السفاح مثلاً، ويكون ذلك دون الإحساس بالإثم أو الذنب.

ويلاحظ على الأم غير الراغبة في حملها أعراض نفسية مثل التوتر والقلق والخوف… وأعراض جسمية مثل التقيؤ، والغثيان، والدوار، والصداع، وفقدان الشهية للطعام… وهذه كلها لغة أو اعتراض لا شعوري على عملية الحمل وعدم الرغبة في ذلك، أو هي دليل على كراهية الزوج (عملية تحويل نفسي)، أو كراهية ظروف الحمل الصعبة، وعدم رضا الأم عن دورها الأنثوي، وخوفها من تشوه شكلها وجسمها بسبب الحمل والولادة والرضاعة (Image body). وقد يشبع الحمل لدى بعض الأمهات العديد من الحاجات النفسية ويحقق لديهن مكاسب ثانوية، ويكون اتجاههن نحو الحمل إيجابياً.

يضاف إلى ذلك الخوف المرضي من الحمل والولادة، وتوقع ولادات مشوهة.

12 – تعرض الأم الحامل إلى الحوادث والإصابات في فترة حملها:

مثل السقوط، والكسر، والتسمم، والأنزفة الدموية، والتعرض إلى التخدير والجراحة، وإلى الغيبوبة، والألم… مما قد يضر بالأم وبالجنين الذي يتأثر بالحادث، وبسبب آلام الأم والضغوط الميكانيكية التي تطرأ عليه. لذلك ينصح دائماً بتوفير عامل الأمن والسلامة للمرأة الحامل من أجل التسلق، والانتقال، والحركة، وحمل الأمتعة، وما شابه ذلك. والابتعاد عن كل ما قد يسبب هذه الحوادث، حتى البسيطة منها مثل الانزلاق على الأرض… وينصح البعض بإجراء تمارين رياضية للمرأة الحامل، وتوفير النوم الهادئ، والملابس المريحة، وتجنب السفر وخاصة بعد الشهر السابع من الحمل، (ويجب ألاّ تزيد مسافة السفر في البر على (500) كم، وفي الطائرة على (800 – 1000) كم، علماً بأن قانون الطيران العالمي لا يسمح للحامل بالسفر بعد الشهر السابع).

13 – حدوث اضطرابات أثناء الحمل والولادة (Pre – and post delivery):

وهذه الاضطرابات مثل الإصابة، والنزيف، وتسمم الدم، واضطراب في الضغط، وضعف التغذية، والحالات الصرعية والعصبية، والتشنجات المهبلية، بالإضافة إلى الولادات المبتسرة (قبل الأوان)، وحالات الولادة التي تستخدم فيها الآلات، والحالات التي يتعرض فيها الطفل إلى الاختناق بسبب نقص الأكسجين، وحالات نزيف الدماغ، ونقص وزن الجنين، مما قد يؤدي إلى ضعف عقلي، وحالات صرع وتشنجات، وقد يلاحظ لدى الأطفال الخدَّج صعوبة في النطق والكلام، ونقص في التآزر الحركي، وصعوبة التحكم بالإخراج، كما أن حالات الإجهاض المتكررة تؤثر في نمو الجنين. يضاف إلى ذلك أخطاء التوليد، وأحياناً ولادة توائم (Twins)، وعادة يكون التوائم غير كاملي النضج، ونسبة الوفيات تكون أعلى كلما زاد العدد (Miller etal) (1966م)4.

14 – إهمال الرعاية الصحية والفحوص الطبية ، ومراقبة حركة الجنين، وتوفير الاسترخاء، والرياضة، والنظافة الشخصية، والملابس المريحة، والتكيف مع ظروف الحمل… وغيرها.

مطالب النمو والإعاقات لدى الطفل (Developmental tasks)

إن كل إنسان يمر بعدة مراحل في نموه من لحظة تكوين البويضة الملقحة، حتى مرحلة الجنين، ثم الولادة، ثم الرضاعة والمهد، ثم الطفولة الأولى والثانية والثالثة، ومرحلة المراهقة، والشباب، والرجولة، والشيخوخة (المسن)، والهرم ثم الموت.
وفي كل مرحلة من هذه المراحل ثمة مطالب أو حاجات يتطلبها النمو السوي للفرد أو تتطلبها طبيعة المرحلة التي يمر بها الفرد، وذلك حسب مستوى نضجه ومرحلة نموه، وهذه المطالب هي محصلة تفاعل عمليات النمو الطبيعي مع آثار البيئة المحيطة بالفرد. مثلاً إن مطالب النمو لدى الجنين وهو في بطن أمه تأتيه عن طريق الأم، وهي:

1 – توفير الرعاية الصحية والنفسية اللازمة والمحافظة على حياة الجنين.
2 – تجنب الأخطار والإزعاجات والحوادث.
3 – توفير الغذاء المتوازن.
4 – الاستعداد للولادة (التخطيط للولادة).

أما عن مطالب النمو لدى الطفل بعد الولادة فهي كالآتي:

مرحلة الرضاعة والمهد:

1 – توفير الرعاية الصحية والنفسية للطفل وإعطاء اللقاحات اللازمة (الشلل، الكبد الوبائي، الكزاز، الدفتريا، السعال الديكي، الحصبة، النكاف، التهاب السحايا والسل…).
2 – توفير الرضاعة والغذاء المناسب للطفل (والأم).
3 – توفير عوامل الأمان والسلامة.
4 – تعلم الأكل.
5 – تعلم المشي.
6 – تعلم الكلام والنطق.
7 – تعلُّم ضبط الإخراج.
8 – الحياة مع الأم (وليس مع الخادمات).
9 – تحقيق الأم لعلاقة والدية مع طفلها.
10 – تكيّف الأسرة مع الطفل الجديد.

مرحلة الطفولة:

1 – توفير الرعاية الصحية والنفسية للطفل.
2 – توفير الغذاء والحماية اللازمة.
3 – تعلم بعض المهارات الحركية.
4 – تعلم المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب.
5 – تعلم المهارات العقلية اللازمة لشؤون الحياة (الوقت، المسافة، الحجم،…).
6 – تعلم قواعد الأمن والسلامة.
7 – تعلم التفاعل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين.
8 – تعلم التمييز بين الصواب والخطأ، والخير والشر، وتكوين الضمير ومعايير القيم والأخلاق والدين.
9 – إدراك الفروق بين الجنسين.
10 – تعلم الدور الجنسي في الحياة.
11 – ممارسة الاستقلال الشخصي جزئياً.
12 – تعلم ضبط الانفعالات واحترام الآخرين.
13 – نمو مفهوم الذات، والإحساس بالثقة.
14 – تعلم ممارسة الطقوس الدينية.

ومطالب النمو إذا تحققت بشكل طبيعي أو إيجابي فإن ذلك سينعكس إيجاباً على نمو الجنين أو الطفل في المرحلة الحالية والمرحلة التالية للنمو، والعكس صحيح؛ إذا لم تتحقق هذه المطالب كلياً أو جزئياً فإن ذلك سينعكس وبشكل سلبي على الجنين أو الطفل، كما سينعكس على مراحل النمو اللاحقة مما قد يؤدي بالجنين، أو بالطفل، إلى حرمانه من هذه المطالب، وتأخر نموه، وحدوث الاضطرابات أو الإعاقات التي يعانيها الطفل، وقد أكّد العالم هافجهرست (Havighurst) وبلوس (Bloss) أهميةَ النظر في مطالب النمو ودراسة تاريخ حالة الطفل في حالة وجود صعوبات نمائية، أو اضطراب في عملية النمو، كما هو الحال لدى أطفال الحروب وأمهاتهم اللاتي حُرِمْن وأطفالهن من جميع مطالب النمو.
إن هذه العوامل قبل الولادية، وعوامل الحرمان من مطالب النمو قد تترك أثرها السلبي في ولادة أطفال يعانون بعض الإعاقات، كما في حالات التوحد التي سنأتي على شرحها، أو حالات أخرى من اضطرابات الطفولة.