القمح وعملية التقدم في السن | إعتام عدسة العين والتجاعيد والتحدب

سر البقاء شابا هو أن تعيش بصدق، وتتناول الطعام ببطء، وألا تخبر أحدا بعمرك الحقيقي.

قد يصبح الجبن أفضل مذاقا بمرور السنوات. أما البشر فكل سنة تمر عليهم لها أثرها السيئ، بدءا من قول الأكاذيب البيضاء وحتى الرغبة في إجراء جراحة تجميلية لتغيير مظهرهم تماما.

فماذا نعني بالتقدم في السن؟

رغم أن العديد من الناس يجدون صعوبة في وصف السمات المحددة للتقدم في السن، فإننا على الأرجح نتفق جميعا على مبدأ أننا ندرك قدومه عندما تتجلى مظاهره.

معدل الشيخوخة يختلف من فرد إلى آخر. وقد عرفنا جميعا شخصا في الخامسة والستين من العمر على سبيل المثال، وحسبناه في الخامسة والأربعين – كونه محافظا على مرونة الشباب والمهارة العقلية، بتجاعيد أقل، وعمود فقري أكثر استقامة، وشعر أكثر كثافة. كما أن معظمنا يعرف أشخاصًا يظهر عليهم العكس، حيث يبدون أكبر سنًّا من عمرهم الحقيقي. فالعمر البيولوجي لا يتطابق دوما مع العمر الزمني.

ومع ذلك، فإن الشيخوخة قدر لا مفر منه. فجميعنا نتقدم في السن. ولا يستطيع أحدنا تفادي ذلك -على الرغم من أن كل واحد منا يشيخ بمعدل مختلف نوعا ما. وفي حين أن قياس العمر الزمني يعتبر مسألة بسيطة لا تحتاج سوى الاطلاع على شهادة ميلادك، فإن تحديد السن البيولوجي هو أمر مختلف تماما. كيف يمكنك تقييم مدى نجاح الجسد في الحفاظ على شبابه، أو في المقابل، خضوعه إلى التدهور المصاحب للشيخوخة ؟

على سبيل المثال تقابل امرأة للمرة الأولى. وعندما تسألها عن عمرها، تجيبك: “خمسة وعشرون عاما”. فتنتابك الدهشة؛ لأنك ترى التجاعيد غائرة حول عينيها، والنقط الكبدية متناثرة على ظهر يديها اللتين ترتعشان بوضوح، وكاهلها محني للأمام (والذي يطلق عليه “سنام الأرملة”؛ وهو اسم غير جذاب بالطبع)، وشعرها رمادي وخفيف. إنها تبدو مستعدة لدخول دار المسنين، لا امرأة في ريعان الشباب. إلا أنها مصرة على ما تقوله. إنها لا تحمل شهادة ميلاد أو أية وثيقة قانونية أخرى تثبت عمرها الحقيقي، لكنها تصر على أنها في الخامسة والعشرين – حتى إن لديها وشما على معصمها يحمل الأحرف الأولى من اسم خطيبها.

هل بإمكانك تكذيبها؟

الأمر ليس سهلا. فلو كانت وعلا، لاستطعت قياس المسافة الواقعة بين قرنيه. لو كانت شجرة، كنت تستطيع قطعها وإحصاء عدد الحلقات بداخلها.

وبطبيعة الحال البشر لا يتمتعون بحلقات أو قرون، لتوفير دليل بيولوجي موضوعي دقيق على السن من شأنه أن يثبت أن هذه المرأة في السبعين من عمرها لا العشرين، سواء كانت تحمل وشما أم لا.

وحتى ذلك الحين، لم يتم التعرف بعد على علامة واضحة على السن من شأنها السماح لك باستشفاف عمر صديقك الجديد. وذلك لا يعدّ تقصيرا من الباحثين في المحاولة. فقد بحثوا طويلًا حول هذه العلامات البيولوجية، والمقاييس التي يمكن تتبع أثرها مع كل سنة تمر من العمر الزمني. وقد تم تحديد مقاييس بدائية للسن مثل قياس أقصى حدّ لاستيعاب الأكسجين، وكمية الأكسجين المستهلكة في أثناء ممارسة الرياضة حتى الوصول لمستوى شبه الإجهاد، والحد الأقصى لمعدّل ضربات القلب في أثناء ممارسة التمارين تحت السيطرة؛ وسرعة الموجة النبضية الشريانية، ومقدار الوقت اللازم لانتقال نبض الضغط عبر الشريان، وهي ظاهرة تعكس مرونة الشرايين. وهذه المقاييس جميعها تضعف بمرور الوقت، ولكن ليس هناك واحد منها مرتبط بالسن تمام الارتباط.

ألن يكون أمرا شائقًا لو حدد الباحثون في مجال التقدم في العمر مقياس “افعل ذلك بنفسك” لتحديد العمر البيولوجي؟ فعلى سبيل المثال، يمكنك في الخامسة والخمسين، بحكم ممارستك الرياضة وتناولك الطعام الصحي، أن تبدو كأنك، بيولوجيًّا، في الخامسة والأربعين. أو قد تجعلك عشرون عاما من التدخين وتناول البطاطس المقلية بيولوجيًّا في السابعة والستين؛ ولذا حان الوقت للبدء في ممارسة العادات الصحية. وفي حين أن هناك برامج اختبار مدروسة ترمي إلى توفير مؤشرات كهذه على الشيخوخة، إلا أنه ليس هناك اختبار واحد بسيط يمكنك القيام به بنفسك كي يخبرك بكل ثقة بمدى قرب عمرك البيولوجي من عمرك الزمني.

وقد سعى الباحثون في مجال التقدم في العمر إلى التوصل إلى مؤشر واضح على العمر، فمن أجل خداع عملية الشيخوخة، فإن ذلك يتطلب مؤشرا قابلا للقياس لتتبعه. ولا يمكن الاعتماد على مجرد النظر عند إجراء أبحاث على كيفية تأخير عملية الشيخوخة، بل يجب أن تكون هناك علامة بيولوجية موضوعية يمكن تتبعها عبر مرور الزمن.

ومن المؤكد أن هناك عددا من النظريات والاعتقادات المختلفة حول الشيخوخة، والتي يراها البعض تكميلية، وعلى أساسها يمكن أن تكون العلامات البيولوجية أفضل مقياس للشيخوخة البيولوجية. ويعتقد بعض هؤلاء الباحثون أن الإصابة التأكسدية هي العملية الرئيسية التي ترتكز عليها الشيخوخة وأن علامات السن يجب أن تتضمن قدرا من الإصابة التأكسدية التراكمية. واقترح آخرون أن الحطام الخلوي يتراكم بسبب القراءة الوراثية الخطأ، كما أنه يؤدي إلى الشيخوخة؛ ولذلك فإن هناك حاجة إلى مقياس للحطام الخلوي لمعرفة العمر البيولوجي. ويعتقد آخرون أن الشيخوخة مبرمجة وراثيًّا ولا مفر منها، حيث تحددها سلسلة مبرمجة من تضاؤل الهرمونات والظواهر الفسيولوجية الأخرى.

ويعتقد معظم هؤلاء الباحثين أنه ليست هناك نظرية واحدة يمكنها تفسير جميع خبرات الشيخوخة المتنوعة، بدءا بما يرتبط بسنوات المراهقة من مرونة، وطاقة عالية، وقدرة على تمييز جميع الأشياء، وصولا إلى الشعور بالخدر وتيبس العضلات، والتعب، ونسيان معظم الأحداث في العقد الثامن. ولا يمكن تحديد العمر البيولوجي بشكل دقيق عن طريق أي من هذه المقاييس. إنهم يقترحون عدم إمكانية تفسير مظاهر الشيخوخة لدى الإنسان سوى عن طريق استخدام أكثر من عملية، لا من خلال عملية واحدة.

ونحن قد نكتسب فهمًا أفضل لعملية الشيخوخة إذا كنا قادرين على رصد آثارها المتسارعة. ولسنا بحاجة لاستخدام أية تجارب أجريت على الفئران كنموذج كي نستطيع مراقبة مثل هذه الشيخوخة المتسارعة. نحن فقط بحاجة إلى ملاحظة مرضى السكري؛ فالسكري يعتبر إثباتا عمليًّا على افتراضية تسارع الشيخوخة، حيث يسرّع من ظواهر الشيخوخة فتحدث في وقت مبكر من حياة المريض – كأمراض القلب، والسكتة الدماغية، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض الكلى، وهشاشة العظام، والتهاب المفاصل، والسرطان. وعلى وجه التحديد، ربطت الأبحاث التي أجريت حول مرض السكري بين ارتفاع مستوى السكر في الدم من النوع الذي يحدث بعد تناول الكربوهيدرات، وبين تسارع عملية الشيخوخة وانتقالك إلى دار للمسنين على كرسي متحرك.

العالم ليس مكانا لمتناولي الخبز القديم

مؤخرا تدفقت موجة عارمة من المصطلحات الجديدة المعقدة على الأمريكيين، بدءا من التزام الديْن المكفول، ووصولا إلى عقود المشتقات المتداولة في البورصة، وهي الأشياء التي يُفضل أن يتولى الخبراء أمرها، كصديق يعمل في بنك استثماري. وإليك مصطلحًا معقّدًا آخر نحن على وشك أن نسمع به كثيرا خلال السنوات القادمة، وهو: الارتباط بالجليكوزيل الخالي من الإنزيم في مراحله المتقدمة، أو (AGEs).

وعملية الارتباط بالجليكوزيل الخالي من الإنزيم في مراحله المتقدمة، واختصارها (AGEs)، تطلق على كل ما يؤدي إلى تيبس الشرايين (تصلّب الشرايين)، وإغشاء عدسات العيون (إعتام عدسة العين)، وتدمير الوصلات العصبية في المخ (الخرف)، وكلها عوارض واضحة لدى كبار السن. فكلما تقدمنا في العمر، أثرت هذه العملية على الكلى، والعينين، والكبد، والجلد، وغيرها من الأجهزة. وعلى الرغم من قدرتنا على رؤية بعض آثار التقدم في العمر، مثل التجاعيد التي نحاول إخفاءها بناء على نصائح “لوسيل بول”، متظاهرين أننا في الخامسة والعشرين من العمر، فإنه ليس هناك مقياس دقيق للسن من شأنه أن يكذب هذا الادعاء حتى الآن. على الرغم من أننا يمكننا رؤية أدلة على بعض آثار التقدم في العمر – كترهل الجلد، والتجاعيد، والمياه البيضاء الناتجة عن إعتام عدسة العين، واليدين المشوهتين بسبب التهاب المفاصل – إلا أننا لا يمكننا الاعتماد على أي منها حقًّا. وعلى الرغم من ذلك فهذه العملية التي يمكن التعرف عليها، على الأقل بطريقة نوعية، عن طريق أخذ خزعة، فضلا عن بعض الجوانب التي تكون واضحة بسهولة للعيان، تعتبر مؤشرا على حدوث اضمحلال بيولوجي.

وتشبه هذه العملية التحول إلى حطام عديم الفائدة يؤدي إلى انحلال الأنسجة كلما تراكم. فهي لا تقدم أية وظيفة مفيدة: فلا يمكن حرق هذا الحطام للحصول على الطاقة، وليست له وظيفة زيتية أو تواصلية، كما أنه لا يقدم أية مساعدة للإنزيمات أو الهرمونات المجاورة، ولا يمكنك الاستدفاء به في ليل الشتاء البارد. وبصرف النظر عن التأثيرات التي يمكنك رؤيتها، فإن هذه العملية التراكمية تسفر كذلك عن فقدان قدرة الكلى على تصفية الدم لإزالة النفايات والاحتفاظ بالبروتين، وتشنج اللويحات العصيدية وتراكمها في الشرايين، وتصلب وتدهور غضاريف المفاصل كالركبة والورك، وخسارة خلايا المخ الوظيفية حيث يقوم حطام هذه العملية باحتلال مكانها. ومثل وجود رمل في سلطة السبانخ، أو فلين في الشراب، يمكن لهذه العملية تخريب كل شيء.

بعض حطام هذه العملية يدخل الجسم مباشرة كونه يوجد في الأطعمة المختلفة، كما أنه ناتج ثانوي لارتفاع نسبة السكر في الدم (الجلوكوز)، وهي الظاهرة التي تؤدي إلى السكري.

ويكون تسلسل الأحداث التي تؤدي إلى حدوث هذه العملية كالتالي: يتناول الفرد الأطعمة التي تزيد من استيعاب الجلوكوز في الدم. إن توافر الجلوكوز بمعدل أكبر داخل أنسجة الجسم يسمح لجزيء الجلوكوز بالتفاعل مع أي بروتين، ما يسفر عن جزيء مركب من الجلوكوز والبروتين. يذكر الكيميائيون المنتجات التفاعلية المعقدة مثل منتجات “آمادوري” ومواد “شيف” الوسيطة، وكلها تنتج مجموعة من مركبات الجلوكوز والبروتين يطلق عليها اسم “الارتباط بالجليكوزيل الخالي من الإنزيم في مراحله المتقدمة”. وبمجرد حدوث هذه العملية، تصبح دائمة ولا يمكن التراجع عنها. وتتجمع هذه المركبات كذلك في سلاسل من الجزيئات، مشكّلة بوليمرات AGEs تكون هدامة على نحو استثنائي. وهذه المركبات مشهورة بأنها تتراكم حيث تستقر، مشكّلة كتلًا من الحطام عديم الفائدة والمقاوم لعمليتي الهضم والتطهير في الجسم.

وهكذا، تنتج هذه العملية من تغييرات تسلسلية تحدث في كل مرة يرتفع فيها السكر في الدم. وتتبع مركبات AGEs الجلوكوز إلى أي مكان يذهب إليه (أي في كل مكان في الجسم تقريبا). وكلما ارتفع مستوى السكر في الدم، تراكم المزيد من مركبات AGEs وأصبح التدهور الناتج عن الشيخوخة أكثر سرعة.

ويعتبر مرض السكري مثالا واقعيًّا يوضّح لنا ما يحدث عندما يبقى مستوى السكر في الدم مرتفعا، وذلك بسبب أن قيمة الجلوكوز لدى مرضى السكري عادة ما تتراوح بين ١٠٠: ٣٠٠ ملج / دل طوال اليوم؛ لأنها تطارد السكريات باستخدام الأنسولين أو الأدوية التي تؤخذ عن طريق الفم (يكون الجلوكوز الطبيعي في أثناء الصوم ٩٠ ملج / دل أو أقل). كما يمكن أن يرتفع الجلوكوز في الدم لأعلى من ذلك بكثير في بعض الأحيان. فبعد تناول طبق من دقيق الشوفان المطهو ببطء، على سبيل المثال، يمكن أن يصل الجلوكوز بسهولة إلى ٢٠٠: ٤٠٠ ملج / دل.

إذا كان هذه الارتفاع المتكرر للسكري في الدم يسفر عن مشكلات صحية، فستكون هذه المشكلات أكثر سوءا لدى مرضى السكري… وبالفعل هذا ما يحدث. فمرضى السكري، على سبيل المثال، هم أكثر عرضة بنسبة تتراوح بين المرتين والخمس مرات للإصابة بمرض الشريان التاجي والنوبات القلبية، ويصاب ٤٤٪ منهم بتصلب الشرايين السباتية أو غيرها من الشرايين الواقعة خارج القلب، بينما تصاب نسبة تتراوح بين ٢٠٪: ٢٥٪ باختلال وظائف الكلى أو الفشل الكلوي بعد مرور عشر سنوات على تشخيص المرض في المتوسط. في الواقع، فإن استمرار ارتفاع مستوى السكر في الدم خلال عدّة سنوات يؤكد فعليًّا حدوث تطور للمضاعفات.

ومع تكرار ارتفاع مستويات السكر في الدم لدى مرضى السكري، يكون من المتوقع كذلك أن تكون مستوياته في الدم أعلى من مركبات AGEs، وبالفعل هذا ما يحدث. فمستوى مركبات AGEs في الدم لدى مرضى السكري يكون أعلى بنسبة ٦٠٪ مقارنة بغير المصابين بالسكري.

ومركبات AGEs التي تنتج بسبب ارتفاع السكر في الدم هي المسئولة عن معظم مضاعفات مرض السكري، بدءا من الاعتلال العصبي (تلف الأعصاب الذي يؤدي إلى فقدان الإحساس في القدمين)، مرورا باعتلال الشبكية (خلل في البصر والإصابة بالعمى)، وحتى اعتلال الكلية (أمراض الكلى والفشل الكلوي). وكلما ارتفعت نسبة السكر في الدم واستمرت في البقاء لمدة أطول، تراكمت منتجات AGEs، مسببة مزيدًا من الضرر لأعضاء الجسم.

إن مرضى السكري الذين لا يخضعون لرقابة محكمة لمستويات السكر في الدم المرتفعة لفترات طويلة جدًّا يكونون عرضة بوجه خاص إلى مضاعفات السكري، وذلك يرجع إلى تشكل عدد هائل من مركبات AGEs، حتى إن كان المريض في سن مبكرة. (قبل أن يتم تقدير أهمية الرقابة “المُحكمة” لمستويات السكر في الدم في سكري النوع الأول، أو سكري الأطفال، كان أمرا مألوفا أن نرى مرضاه مصابين بالفشل الكلوي أو العمى قبل بلوغهم الثلاثين من العمر. ومع تحسن السيطرة على مستويات الجلوكوز، أصبحت هذه المضاعفات أقل شيوعا بكثير). وقد أظهرت دراسات مهمة، مثل التحكم في داء السكري ومضاعفاته الابتدائية (DCCT)، أن التخفيضات الصارمة في مستوى السكر في الدم تؤدي إلى تقليص خطر التعرض لمضاعفات السكري؛ لأن معدل تكوين مركبات AGEs يعتمد على مستوى السكر في الدم: فارتفاع نسبة السكر في الدم، يؤدي إلى تكوين المزيد من مركبات AGEs.

وتتكون مركبات AGEs حتى عندما يكون السكر في الدم في مستواه الطبيعي، ولو بوتيرة أقل بكثير، مقارنة بارتفاع مستوى السكر في الدم. وبالتالي فإن تكوين مركبات AGEs يعتبر دلالة على الشيخوخة الطبيعية، تلك التي تجعل الشخص البالغ من العمر ستين عاما يبدو في الستين. ولكن مركبات AGEs التي تتراكم لدى مرضى السكري، ممن لا يخضعون لمراقبة محكمة على مستوى السكر في الدم، تتسبب في حدوث الشيخوخة المتسارعة. ولذلك يعتبر السكري هو النموذج الحي أمام الباحثين في مجال تقدم العمر لمراقبة تأثير ارتفاع مستوى السكر في الدم على حدوث الشيخوخة المتسارعة. وهكذا، فإن مضاعفات مرض السكري، مثل تصلب الشرايين، وأمراض الكلى، والاعتلال العصبي، هي أيضا أمراض مرتبطة بالشيخوخة، حيث تكون شائعة لدى كبار السن في عقودهم السادس والسابع والثامن، وغير شائعة لدى الشباب في عقديهم الثاني والثالث. لذا فإن السكري يعلمنا ما يحدث للأشخاص الذين يحدث لديهم التسكّر بمعدل أسرع ويسمح لمركبات AGEs بالتراكم؛ وهو أمر سيئ جدًّا.

والأمر لا يقتصر على ارتفاع مستوى مركبات AGEs. فارتفاع مستوى مركبات AGEs في الدم يثير أعراض الإجهاد التأكسدي ومؤشرات الالتهابات. إن مستقبلات الارتباط بالجليكوزيل الخالي من الإنزيم في مراحله المتقدمة أو

RAGE))، تعتبر بمثابة حارس البوابة الذي يحمي مجموعة متنوعة من ردود الفعل التأكسدية والالتهابية، مثل السيتوكينات الالتهابية، وعامل النمو البطاني الوعائي، وعامل نخر الورم. وتقوم مركبات AGEs بإطلاق جيش من ردود الفعل التأكسدية والالتهابية، والتي تؤدي جميعها إلى أمراض القلب، والسرطان، والسكري، وأمراض أخرى كثيرة.

وبالتالي يعتبر تكوين مركبات AGEs عملية متواصلة. ولكن في حين أن مركبات AGEs تتكون حتى عندما تكون مستويات السكر في الدم طبيعية (بحيث يكون معدل الجلوكوز في أثناء الصوم ٩٠ ملج / دل أو أقل)، فإنها تتكون بصورة أسرع عند ارتفاع مستويات السكر في الدم. وكلما ارتفع مستوى السكر في الدم، ازداد تكون مركبات AGEs. في الحقيقة ليس هناك مستوى معين للسكر في الدم يمكن أن يؤدي إلى توقف تشكيل مركبات AGEs بشكل نهائي.

إن لم تكن مريضا بالسكري فهذا لا يعني أنك ستكون بمنأى عن هذا المصير. تتراكم مركبات AGEs لدى غير المصابين بالسكري مولدة آثار الشيخوخة المحطِّمة. وكل ما يتطلبه الأمر هو قليل من السكر الإضافي في الدم، بضعة ملليجرامات فوق المعدل الطبيعي، و- هكذا- تكون قد حصلت على مركبات AGEs لتقوم بعملها الشرير وتخرّب أعضاء جسدك. ومع مرور الوقت، يمكن أن تصاب كذلك بجميع الأمراض الناجمة عنها إذا كان لديك ما يكفي من تراكمات مركبات AGEs.

في الوقت الراهن، هناك ٢٥.٨ مليون مريض بالسكري، و ٧٩ مليون مريض بمقدمات السكري في الولايات المتحدة. وذلك بالإضافة إلى العديد من الأمريكيين ممن لا تنطبق عليهم معايير مقدمات السكري الخاصة بالجمعية الأمريكية لمرض السكري، ولكنهم لا يزالون يعانون العديد من حالات ارتفاع مستوى السكر في الدم بعد تناول بعض الكربوهيدرات التي تزيد من نسبة السكر في الدم -أي وجود سكر مرتفع في الدم بما يكفي لتكوين مركبات AGEs بدرجة أكبر من المعتاد (إذا كنت تشك في مدى ارتفاع مستوى السكر في الدم بعد تناول الطعام، كتفاحة مثلا أو قطعة من البيتزا، فقم ببساطة بشراء مقياس للجلوكوز من الصيدلية. واختبر نسبة السكر في الدم بعد ساعة من تناولك الطعام الذي تريده. وفي كثير من الأحيان، سيصدمك مدى ارتفاع نسبة الجلوكوز في الدم. أتذكر “تجربتي” حين تناولت شريحتين من خبر القمح الكامل؟ كان مستوى الجلوكوز في الدم ١٦٧ ملج / دل، وهو ما يعتبر أمرا مألوفا).

وفي حين أن أطعمة كالبيض، أو المكسرات النيئة، أو زيت الزيتون، أو شرائح اللحم، أو سمك السلمون لا تزيد نسبة السكر في الدم، فإن الكربوهيدرات تفعل -جميع أنواع الكربوهيدرات، بدءا من التفاح، والبرتقال ووصولا إلى حلوى الجيلي بين، وحبوب الإفطار السبعة. وكما ناقشنا في وقت سابق، تعتبر منتجات القمح هي الأسوأ تقريبا بين الأطعمة في التأثير على نسبة السكر في الدم، حيث تؤدي إلى ارتفاعها ارتفاعا شديدا إلى مستويات تقترب من مستوى السكر في الدم لدى مرضى السكري – حتى إن لم تكن مصابا به.

تذكّر ما يلي: إن مكونات الكربوهيدرات “المعقدة” الموجودة في القمح هي تنوع فريد من الأميلوبكتين، وأميلوبكتين إيه، وهو نوع مختلف من الأميلوبكتين يوجد في أنواع أخرى من الكربوهيدرات كالفاصوليا السوداء والموز. يعتبر أميلوبكتين القمح هو الشكل الأكثر سهولة في الهضم عن طريق إنزيم الأميليز، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة السكر في الدم بعد تناول منتجات القمح. إن هضم أميلوبكتين القمح الأسرع والأكثر كفاءة يعني ارتفاع نسبة السكر في الدم لمدة ساعتين بعد استهلاك منتجات القمح، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تحفيز تشكيل مركبات AGEs. إذا اعتبرنا تشكيل مركبات AGEs مسابقة، سوف يفوز القمح معظم الوقت، متفوقا على مصادر الكربوهيدرات الأخرى مثل التفاح والبرتقال، والبطاطا الحلوة، والمثلّجات، والشيكولاتة.

وهكذا، تقوم منتجات القمح، مثل كعك بذور الخشخاش أو كعك الخضراوات المقلية، بتحفيز الإنتاج المكثف لمركبات AGEs. لذا اربط الأمور ببعضها: يجعلك القمح تشيخ بصورة أسرع بسبب تأثيره الفريد على زيادة نسبة السكر في الدم. وآثار القمح على مستوى السكر في الدم / وإنتاج مركبات AGEs، تسرع من وتيرة إصابتك المبكرة بشيخوخة البشرة، واختلال وظائف الكلي، والخرف، وتصلب الشرايين، والتهاب المفاصل.

سباق التسكّر العظيم

هناك اختبار متاح على نطاق أوسع يستخدم في قياس معدل الشيخوخة البيولوجية بسبب التسكّر، حتى وإن لم يكن بإمكانه توفير مؤشر على العمر البيولوجي. إن معرفتك بمدى سرعة أو بطء عملية تسكّر البروتينات داخل جسدك تساعدك على معرفة إذا ما كانت الشيخوخة البيولوجية تمضي بدرجة أسرع أو أبطأ من العمر الزمني. في حين يمكن تقييم مركبات AGEs عن طريق أخذ عينة من الجلد أو الأعضاء الداخلية، فإن معظم الناس غير متحمسين لفكرة وجود كلابات الجراحة في تجويف جسدهم تقص قطعة من النسيج. ولحسن الحظ، فهناك اختبار دم بسيط يمكن أن يستخدم في قياس المعدل المستمر لتشكيل مركبات AGEs: اختبار الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي، وهو اختبار الدم الشائع الذي برغم أنه يستخدم عادة بغرض السيطرة على مرض السكري، يمكن أن يكون بمثابة مؤشر بسيط على التسكّر.

إن الهيموجلوبين هو عبارة عن بروتين معقد يوجد داخل خلايا الدم الحمراء المسئولة عن قدرة الهيموجلوبين على نقل الأكسجين. مثله مثل جميع البروتينات الأخرى في الجسم، يخضع الهيموجلوبين للتسكّر، أي إجراء تعديل على جزيئاته بواسطة الجلوكوز. وتكون الاستجابة سريعة، ولا رجعة فيها بالضبط مثل استجابة مركبات AGEs الأخرى. وكلما ارتفع مستوى السكر في الدم، ازدادت نسبة الهيموجلوبين المتسكّر.

إن العمر المتوقع لخلايا الدم الحمراء يتراوح بين٦٠: ٩٠ يوما. ويعتبر قياس نسبة جزيئات الهيموجلوبين السكري في الدم بمثابة مؤشر على مدى ارتفاع الجلوكوز في الدم على مدى الأيام السابقة التي تراوحت بين٦٠: ٩٠ يوما، وهي أداة مفيدة في تقييم مدى كفاءة السيطرة على سكر الدم لدى مرضى السكري، أو في تشخيص مرض السكري في الأساس.

لدى الشخص النحيل ذي الاستجابة العادية للأنسولين، والذي يستهلك كمية محدودة من الكربوهيدرات، ما يقرب من ٤.٠ ٪: ٤.٨ ٪ من النسبة الكلية للهيموجلوبين السكري (أي درجة اختبار الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي تتراوح بين ٤.٠٪: ٤.٨ ٪)، والتي تعكس انخفاضًا حتميًّا في المعدل الطبيعي للتسكّر. أما مرضى السكري، فعادة ما يكون لديهم ٨ ٪، أو ٩ ٪، أو حتى ١٢ ٪، أو أكثر من الهيموجلوبين السكري -أي أعلى بمرتين أو أكثر من المعدل العادي. أما غالبية الأمريكيين غير المصابين بالسكري فتكون نسبته لديهم متراوحة بين ٥.٠ ٪: ٦.٤ ٪، أي أعلى من المعدل المثالي ولكنها لا تزال أقل من نسبة السكري “الرسمية” وهي ٦.٥٪. في الواقع، فإن ٧٠٪ من البالغين في الولايات المتحدة تتراوح لديهم نسبة الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي بين ٥.٠٪ و ٦.٩٪.

ليس بالضرورة أن تصل نسبة الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي إلى ٦.٥٪، كي تكون لها عواقب صحية سلبية. وترتبط هذه النسبة في معدلها “الطبيعي” بزيادة خطر النوبات القلبية، والسرطان، وارتفاع معدل الوفيات بمقدار ٢٨٪ لكل درجة تزداد بها نسبة الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي. فذهابك إلى مطعم للباستا، وتناولك معها بضع شرائح من الخبز الإيطالي، ثم إنهاء وجبتك بطبق صغير من بودنج الخبز يرسل الجلوكوز في دمك إلى نسبة تتراوح بين ١٥٠: ٢٥٠ مليجرام / دل لمدة ثلاث أو أربع ساعات؛ ويؤدي ارتفاع الجلوكوز المستمر إلى تسكّر الهيموجلوبين، الذي ينعكس على ارتفاع نسبة الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي.

وبالتالي يعتبر الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي أي الهيموجلوبين السكري بمثابة مؤشر على السيطرة المتواصلة على الجلوكوز. كما يعكس مدى تسكّر بروتينات الجسم بعيدا عن الهيموجلوبين. وكلما ارتفعت نسبة الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي لديك، زادت نسبة تسكّر البروتينات الموجودة في نسيج عدسة العين، والكلى، والشرايين، والجلد، إلخ. في الواقع، يعتبر الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي بمثابة مؤشر مستمر على معدل الشيخوخة: ارتفعت نسبة الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي لديك، كلما تسارع معدل الشيخوخة.

لذلك فإن الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي هو أكثر بكثير من مجرد أداة لاسترجاع المعلومات من أجل السيطرة على مستوى السكر في الدم لدى مرضى السكري. كذلك تعكس المعدل الذي يتم به تسكير البروتينات الأخرى في الجسم، والمعدل الذي تشيخ به. فإن استقرت نسبته عند ٥٪ فأقل، كان معدل الشيخوخة في مساره الطبيعي. أما إن زادت على ٥٪، يكون أسرع مما ينبغي، بحيث يتعين عليك الذهاب إلى دار لرعاية المسنين قريبا جدًّا.

لذلك فإن الأطعمة التي ترفع مستوى السكر في الدم بدرجة أكبر، ويتم استهلاكها بكثافة يكون أثرها هو المعاناة من مستويات أعلى من الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي، والذي بدوره يسبب تسارع وتيرة الضرر والشيخوخة. لذلك إذا كنت تكره مديرك في العمل، وكنت ترغب في الإسراع به نحو غياهب الشيخوخة والعجز، فقدم له كعكة قهوة لذيذة.

خالٍ من ال قمح ومضاد للشيخوخة

عليك أن تتذكر أن منتجات القمح ترفع من نسبة السكر في الدم أكثر بكثير من الأطعمة الأخرى تقريبا، بما في ذلك سكر المائدة. إن مقارنة القمح بمعظم الأطعمة الأخرى تشبه مقارنة “مايك تايسون” في الحلبة ب “ترومان كابوت”: بما أنه ليس هناك تكافؤ في التنافس، سترتفع نسبة السكر في الدم بصورة فورية كالضربة القاضية. وباستثناء أن تكوني أنثى رشيقة في فترة ما قبل انقطاع الطمث، وعداءة مسافات طويلة تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما، ولديها حساسية قوية للأنسولين، وتتمتع بمزايا هرمون الإستروجين العديدة، ونسبة السكر في الدم لديها مرتفعة بدرجة طفيفة، حيث إن الدهون الحشوية تصل لديها إلى الحد الأدنى، فإن شريحتين من خبز القمح الكامل يمكنهما رفع نسبة السكر في الدم إلى ١٥٠ ملج / دل أو ما هو أعلى – وهي نسبة أكثر من كافية للبدء في تكوين سلسلة من مركبات AGEs.

إذا كان التسكّر يسرع من معدل الشيخوخة، فهل يمكن لعدم التسكّر أن يبطئه؟

تم إجراء هذه الدراسة على فئران التجارب. فقد أصيبت الفئران التي اتبعت نظاما غذائيًّا غنيًّا بمركبات AGEs بتصلب الشرايين، وإعتام عدسة العين، وأمراض الكلى، والسكري، وصار عمرها أقصر بالمقارنة بالفئران الأطول عمرا والأوفر صحة التي احتوى غذاؤها على نسبة قليلة من مركبات AGEs.

حتى الآن لم يتم إجراء التجربة الإكلينيكية اللازمة لتقديم دليل قاطع على هذه الفكرة على البشر، أي اتباع نظام غذائي غني بمركبات AGEs في مقابل نظام غذائي قليل في مركبات AGEs يليه القيام بفحص لأجهزة الجسم بحثا عن أعراض الشيخوخة. ويعد ذلك بمثابة حجر عثرة حقيقي في وجه كل الأبحاث الخاصة بمكافحة الشيخوخة بالفعل. تخيل هذا العرض: “سيدي، سنقوم بإلحاقك بإحدى مجموعتي الدراسة: إما ستتبع نظاما غذائيًّا غنيًّا بمركبات AGEs أو نظاما غذائيًّا قليلًا في مركبات AGEs. وبعد خمس سنوات، سنقوم بتقييم عمرك البيولوجي”. هل تقبل وجود إمكانية لالتحاقك بالمجموعة التي ستتبع نظاما غذائيًّا غنيًّا بمركبات AGEs ؟ وكيف يمكن تقييم العمر البيولوجي؟

يبدو من المعقول أنه إذا كان التسكّر وتكوين مركبات AGEs يكمنان وراء الكثير من ظواهر الشيخوخة، وإذا كانت بعض الأطعمة تؤدي إلى تكوين مركبات AGEs بدرجة أكبر من أطعمة أخرى، فإن اتباع نظام غذائي منخفض في نسب تلك الأطعمة لا بد أن يبطئ من عملية الشيخوخة، أو على الأقل جوانب الشيخوخة التي تتفاقم بسبب عملية التسكّر. فانخفاض نسبة الهيموجلوبين الجليكوزيلاتي يدل على الاستمرار في انخفاض معدل التسكّر داخلي المنشأ الذي يسرع من وتيرة التقدم في السن. سوف تكون أقل عرضة للإصابة بإعتام عدسة العين، وأمراض الكلى، والتجاعيد، والتهاب المفاصل، وتصلب الشرايين، وسائر أعراض التسكّر التي تصيب البشر، وخاصة مستهلكي القمح.

بل ربما ستسمح لك بأن تكون صادقا مع الآخرين بشأن عمرك الحقيقي

مواضيع قد تهمك