تحاليل القلب المخبرية

محتويات الموضوع

آمل أنّه بعد تشجيعي لك على إجراء التحاليل وتوضيح معناها، أن أمكّنك من السيطرة على صحّة قلبك، قبل أن يفوت الأوان. وسأبدأ بتحاليل الكولسترول لأنّها مألوفة لديك أكثر من غيرها.

واختبار الكولسترول العادي معروف أيضاً بجدول الشحوم المعياري، الذي تحصل عليه عندما تخضع لفحص فيزيائي يقيس إجمالي الكولسترول، بما في ذلك كولسترول البروتين الشحمي القليل الكثافة، كولسترول البروتين الشحمي المرتفع الكثافة، والشحوم الثلاثيّة. وبالرغم من أنّه قد سبق لك إجراء هذه التحاليل من دون شكّ، ربّما كنت غير واثق ممّا تقيسه بالضبط وتجهل كيف ترتبط النتائج بخطر اعتلال القلب التاجي. لنتعرّف عليها معاً.

إجمالي الكولسترول Total Cholesterol – TC

النتيجة غير الطبيعيّة: 200 مليغرام في الديسيليتر وما فوق

يضمّ جدول الشحوم المعياري، في ما يضمّ، معدّل الكولسترول في الدم. وهذا ما يعرف بإجمالي الكولسترول.

وبالرغم من السمعة السيّئة التي يملكها الكولسترول، إلاّ أنّه ليس مؤذياً بالأساس. فالجسم يحتاج إليها لإنتاج أغشية الخلايا والهرمونات وأحماض الصفراء، فضلاً عن المادّة التي تحافظ على رطوبة الجلد. ويأتي الكولسترول من مصدرين، إذ ينتج الكبد 60 إلى 80 بالمئة من حاجتنا ونحصل على بعض منه من الطعام الذي نأكله.

ويُحمَل الكولسترول على متن أنواع متعدّدة من كرات البروتين الشحمي التي تعلّب الكولسترول الدهني ليتمكّن من التنقّل عبر مجرى الدم، المكوّن من الماء بشكل أساسيّ. وإلاّ لطاف الكولسترول على السطح، على غرار الدهون في حساء الدجاج.

وفي خمسينيّات القرن العشرين، اكتشف جون ويليام غوفمان، الحائز على دكتوراه في الفلسفة ودكتوراه في الطبّ، هو وزملاؤه في جامعة كاليفورنيا في بيركلي أنّهم حين وضعوا دماً في طاردة من المركز، حلّقت البروتينات الشحميّة الموجودة فيه على مستويات مختلفة وفقاً لكثافتها. وشكّل بحث غوفمان بالتالي واحداً من أهمّ التطوّرات في السنوات الخمسين الأخيرة. فقد صرنا نعلم أنّ هذه البروتينات الشحميّة المتفاوتة الكثافة تتصرّف على نحو مختلف في مجرى الدم، وأنّ حجمها يرتبط بشكل مباشر بخطر اعتلال الشريان التاجي.

الدقائق الكيلوسيّة (Chylomicrons)، وهي أيضاً من البروتينات الشحميّة، عبارة عن كريات ضخمة تحمل شحوماً ثلاثيّة وقليلاً من الكولسترول نسبيّاً. ويتمّ إنتاج هذه الكريات في الأمعاء، ومعدّلها يرتفع إلى حدّ كبير بعد تناول وجبة دسمة. البروتين الشحمي الشديد انخفاض الكثافة (Very low-density lipoprotein, VLDL) هو أيضاً كبير الحجم وغنيّ بالشحوم الثلاثيّة، ولكنّ إنتاجَه يتمّ في الكبد. البروتين الشحمي القليل الكثافة (low-density lipoprotein, LDL)، غالباً ما يُعرف بالكولسترول “الضارّ”، وهو غنيّ بالكولسترول مع نسبة قليلة من الشحوم الثلاثيّة. البروتين الشحمي المتوسّط الكثافة (Intermediate-density lipoprotein, IDL)، ويتراوح حجمه بين البروتين الشحمي الشديد انخفاض الكثافة (VLDL) والبروتين الشحمي القليل الكثافة (LDL). البروتين الشحمي المرتفع الكثافة (High-density lipoprotein, HDL)، والمعروف بالكولسترول “الجيّد”، هو أيضاً في الأساس حامل للكولسترول (بالرغم من أنّه يحمل الكولسترول بالاتّجاه المعاكس للبروتين الشحمي القليل الكثافة).

وأنا أفضّل أن يكون إجمالي الكولسترول أدنى من هذا المعدّل، أي حوالى 140 ملغ/ديسيلتر.

كولسترول البروتين الشحمي القليل الكثافة (LDL-C)

النتيجة غير الطبيعيّة: 130 ملغ/ديسيلتر وما فوق

يحمل كولسترول LDL أو الكولسترول “الضارّ”، الكولسترول من الكبد إلى خلايا الجسم. وارتفاع معدّله يساهم في رفع خطر اعتلال الشريان التاجي، وهو واحد من المؤشّرات الأوّليّة المستعملة لاستباق اعتلال الشريان التاجي.

فمع مرور البروتين الشحمي القليل الكثافة (LDL) عبر الشرايين، من شأنه أن يُحتَجَز في مواضع تلف موجودة سابقاً. فيتعرّض فيها للأكسدة، ممّا يزيد الشرايين تلفاً. وكما هو الحال بالنسبة إلى كثير من مؤشّرات اعتلال الشريان التاجي، فإنّ الاستعداد لارتفاع الـ LDL من شأنه أن يكون وراثيّاً. وتدعى هذه الحالة فرط كولسترول الدم العائلي (familial hypercholesterolemia, FH)، وهي موجودة غالباً لدى الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع شديد في إجمالي الكولسترول. والمصابون بهذه الحالة قد ورثوا واحدة أو أكثر من الجينات المريضة، وهم عاجزون بالتالي عن إخراج كولسترول LDL من مجرى الدم كما يفعل الناس الذين يملكون مورّثتين طبيعيّتين. وهذا ما يؤدّي إلى ارتفاع كولسترول LDL في الدم. ويرتبط فرط كولسترول الدم العائلي بارتفاع شديد في معدّل التصلّب العصيدي المبكر (ثلاث إلى أربع مرّات أعلى من العادة). بالتالي، إن كنت تعاني من ارتفاع كولسترول LDL، من شأن التغييرات الحياتيّة والأدوية أن تقلّص إلى حدّ كبير خطر الإصابة باعتلال الشريان التاجي.

وبمقدورك خفض كولسترول LDL بأربع طرق: تقليص كميّة الدهون المشبعة في طعامك، منع امتصاص الكولسترول الموجود في الأطعمة، كبح قدرة الجسد على إنتاج الكولسترول، ومضاعفة قدرة الجسد على أيضه، بحيث يخرج من مجرى الدم بكميّات أكبر.

الطريقة الأولى واضحة ليست بحاجة إلى تفسير. قلّص كمّية الدهون في غذائك وستلاحظ عندها انخفاضاً في معدّل كولسترول الدم.

وفي حال كنت تعاني من ارتفاع حادّ في كولسترول LDL، فإنّ الأدوية هي الحلّ الأمثل. وثمّة أنواع أخرى من الأدوية، بما في ذلك الراتينات التي ترتبط بحمض الصفراء، من شأنها أن تساعد على منع امتصاص الكولسترول. كما تثبط أدوية الستاتين (statin) إنتاج الجسد للكولسترول، وذلك بأن توقف قدرة الجسم على إنتاجه.

أمّا زيادة قدرة الجسم على أيض الكولسترول فهي أكثر تعقيداً بعض الشيء. إذ يحتوي الكبد على مواضع تُعرف بمستقبِلات الـ LDL. وحين ينخفض معدّل الكولسترول ويصبح الكبد بحاجة إلى كميّة أكبر منه لإتمام وظائفه الأساسيّة، فإنّه يضاعف من عدد هذه المستقبِلات لكي تتمكّن من إزالة نسبة أكبر من كولسترول LDL من الدم. وثمّة أدوية تؤدّي هذه الوظيفة أيضاً.

في الواقع إن الأطعمة الغنيّة بالدهون المشبعة (اللحوم، مشتقّات الألبان الكاملة الدسم، وزيوت جوز الهند والنخيل) هي أطعمة مضرّة ليس لاحتوائها على نسبة مرتفعة من الكولسترول والدهون المشبعة فحسب، بل لأنّها تشجّع أيضاً على كبت مستقبِلات كولسترول LDL، ما يعني بأنّ الكبد يزيل الكولسترول بفاعليّة أقلّ من مجرى الدم. وبعض الاضطرابات الأيضيّة تساهم في تفاقم هذه الحالة، ممّا يجعل منها مشكلة حقيقيّة.

إن تجاوز معدّل كولسترول LDL 130 ملغ/ديسيلتر فهو يعتبر غير طبيعي ويشكّل إنذاراً. وترى المعاهد الوطنيّة لبرنامج الكولسترول التربوي الصحّي، والتي تحرّر دوريّاً توصيات بشأن معدّلات الكولسترول، أنّ معدل كولسترول LDL ينبغي أن لا يتجاوز 100 ملغ/ديسيلتر، وأنا أوافق على أنّك يجب أن تهدف إلى تحقيق هذا الرقم.

تحذير: يميل الناس إلى التركيز على معدّل كولسترول LDL عندما يحصلون على نتائج التحاليل. وهذا رقم مهمّ، خاصّة إن كنت تعاني من اضطراب شحمي كلاسيكي، غير أنّه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّ معدّل LDL لا يضمن سلامة القلب إن كان طبيعيّاً. ذلك أنّ عدداً كبيراً من الأشخاص الذين ينخفض لديهم معدّل LDL إلى ما دون 100 ملغ/ديسيلتر ينتهون في وحدات العناية بالقلب.

كولسترول البروتين الشحمي المرتفع الكثافة (HDL-C)

النتيجة غير الطبيعيّة: 40 ملغ/ديسيلتر وما دون لدى الرجال والنساء ما بعد انقطاع الطمث و50 ملغ/ديسيلتر وما دون لدى النساء ما قبل انقطاع الطمث والنساء اللواتي يتّبعن علاجاً هرمونيّاً

يطلق على كولسترول HDL لقب الكولسترول “الجيّد” لأنّ ارتفاع معدّلاته يرتبط بانخفاض خطر اعتلال الشريان التاجي. فكولسترول HDL يزيل الكولسترول من جدران الشرايين (بما في ذلك اللويحات) وينقله إلى الكبد لإعادة معالجته، بحيث تتمّ فيه إعادة تصنيعه أو طرحه خارج الجسم. وتدعى هذه العمليّة نقل الكولسترول العكسي (Reverse cholesterol transport, RCT). ويشتمل كولسترول HDL أيضاً على أنزيم مهمّ يؤدّي دور مضادّ طبيعي للأكسدة، بحيث يمنع تأكسد كولسترول LDL المتلف للشرايين.

وأنا أفضّل أن يتجاوز معدّل كولسترول HDL 60 لدى النساء ما قبل انقطاع الحيض و50 لدى الرجال والنساء ما بعد انقطاع الحيض، لا بل وأعلى من ذلك إن اكتشفتُ بأنّه لديك مؤشّر آخر من تلك المؤشّرات الأيضيّة. ويمكن رفع معدّل كولسترول HDL بعدّة طرق (سنناقشها جميعها لاحقاً)، أهمّها فقدان الدهون الزائدة في الجسم، هذا فضلاً عن الرياضة النشيطة التي تساهم في رفع هذه المعدّلات. ومن شأن الأدوية المختلفة أن تساعد على ذلك أيضاً.

الدهون الثلاثية (Triglycerides, TG)

النتيجة غير الطبيعيّة: 140 ملغ/ديسيلتر وما فوق

التحليل الآخر الذي يتمّ إجراؤه كجزء من جدول الشحوم المعياري هو قياس الشحوم الثلاثيّة. فحين نأكل، يقوم جسدنا بتحويل فائض الطاقة إلى شكل من الطاقة يمكن تخزينه لاستعماله لاحقاً. وهكذا تتحوّل السعرات الحراريّة إلى دهون، وحين تلتصق ثلاثة من هذه الشحوم ببعضها نطلق عليها اسم الشحوم الثلاثيّة.

وحين يرتفع معدّل الشحوم الثلاثيّة في مجرى الدم، يطلق على هذه الحالة اسم فرط الشحوم الثلاثيّة في الدم. وقد ارتبطت الشحوم الثلاثيّة بكلّ من اعتلال الشريان التاجي والشريان المحيطي، بغض النظر عن معدّل البروتين الشحمي القليل الكثافة، كما أنّ ارتفاع معدّلها يشكّل مؤشّراً قويّاً إلى خطر النوبة القلبيّة. وتعتبر الشحوم الثلاثيّة مثيرة للقلق خاصّة إن اقترنت بارتفاع كولسترول البروتين الشحمي القليل الكثافة (LDL).

وأنا أفضّل أن يكون معدّل الشحوم الثلاثيّة لدى مرضاي حوالى 70 ملغ/ديسيلتر، وبما أنّ للغذاء أهميّة بالغة في السيطرة على هذه الشحوم، بمقدور معظم الناس بلوغ هذا المعدّل إن اتّبعوا حمية مناسبة. وبما أنّ الشحوم الثلاثيّة قد تنتج عن زيادة السكّر في الدم، فإنّ الإكثار من الكربوهيدرات والسكّر البسيط من شأنه أن يؤدّي إلى ارتفاع معدّلها في الدم. ومن شأن الأطعمة الغنيّة بالدهون المشبعة أن تساهم في ذلك أيضاً. ويساعد فقدان الوزن الزائد كثيراً في السيطرة عليها.

 

البروتين الشحمي القليل الكثافة الصغير SMALL LDL

النتيجة غير الطبيعيّة: 257 أنغستروم وما دون

LDL IIIa + IIIb يبلغ 20 بالمئة وما فوق

إنّ أحد أهمّ التحسينات التي أنجزناها على تحليل الكولسترول العادي هي على البروتين الشحمي القليل الكثافة LDL. فتحليل الكولسترول العادي يقيس الكميّة العامّة من كولسترول LDL في الجسم، وهذا أمر مفيد. ولكن حين ننتقل إلى المستوى التالي، نكتشف وجود أنواع متعدّدة من كولسترول LDL.

فللحجم دور أساسي في حالة كولسترول LDL. فوجود عدد كبير من أحد أنواع هذا الكولسترول، شديد الدقّة والكثافة، يقلّ حجم جزيئته عن 257 أنغستروم، هو واحد من أكثر المؤشّرات إلى اعتلال القلب التاجي خطورة التي يمكننا قياسها. فإن كنت تملك عدداً كبيراً من تلك البروتينات الشحميّة الصغيرة والكثيفة، يُطلق على حالتك اسم LDL نموذج ب. (أما إن كان كولسترول LDL كبيراً بمعظمه فتدعى الحالة LDL نموذج أ). وتلك واحدة من أقوى المعلومات التي تحدّد بصمة قلبك. فكما سيتبيّن لك، إن كنت تعاني من حالة LDL نموذج ب، يتعاظم خطر إصابتك باعتلال القلب التاجي بدرجة كبيرة.

 

أبوليبوبروتين ب Apolipoprotein B (apoB): قياس أكثر دقّة لكولسترول LDL

النتيجة غير الطبيعيّة: 80 ملغ/ديسيلتر وما فوق

إنّ إدراكنا الحديث لأهميّة كولسترول LDL الصغير هو واحد من الأسباب التي تدفعنا إلى تحليل الأبوليبوبروتين ب.

وهذا البروتين هو عبارة عن “قبّعة” بروتينيّة سطحيّة تحتلّ أعلى جزيئة LDL، وهو يستقلّ سطح كلّ من جزيئات VLDL، IDL، وLDL. فتبدو جزيئة LDL على شكل كرة داخلها محشوّ بالكولسترول والأبوليبوبروتين ب منسوج على السطح. وثمةّ أبوليبوبروتين ب واحد على كلّ جزيئة LDL يفرزها الكبد. وبما أنّ لكلّ LDL أبوليبوبروتين واحد، يشكّل هذا الأخير وسيلة مباشرة وأكثر دقّة لقياس العدد الإجمالي لجزيئات LDL، تتفوّق على تحليل كولسترول LDL العادي.

فقياس كولسترول LDL التقليدي يتمّ بشكل غير مباشر. ذلك أنّه يقيس إجمالي كميّة كولسترول الدم الموجودة في جزيئة LDL عوضاً عن قياس العدد الفعلي لجزيئات LDL في الدم. ولكي نعلم ما إذا كان المريض ينتمي إلى النموذج ب، علينا أنّ نعرف عدد جزيئات LDL في دمه وليس كميّة الكولسترول وحسب. وكما ذكرنا، فإنّ عدد هذه الجزيئات الصغيرة يرفع معدّل الخطر من ثلاث مرّات إلى ستّ مرّات.

فلنفرض بأنّ جاكي وسو يملكان معدّل كولسترول LDL نفسه، أي أنّ أرقام تحليل كولسترول LDL متشابهة لديهما. في الحقيقة إنّ هذه الأرقام مضلّلة لأنّها تخفي حقيقة أعظم. فجاكي تخزّن حمولتها من الكولسترول في 50 جزيئة LDL كبيرة، وهذا ما يجعلها LDL نموذج أ. أمّا سو فهي تملك بالمقابل 100 أبوليبوبروتين ب، أي أنّها تخزّن حمولتها من الكولسترول المساوية لحمولة جاكي في 100 جزيئة LDL صغيرة. وهذا ما يُدرجها تحت فئة LDL نموذج ب الأكثر خطورة. ولو اكتفينا بالنظر إلى تحليل الكولسترول العادي، ستبدو فيه النتائج متشابهة، ولا ندرك بأنّ سو تواجه خطراً أعظم بنسبة 300 بالمئة إلاّ حين نأخذ في الحسبان عدد الأبوليبوبروتين ب.

والواقع أنّ مزيج النتائج “الطبيعيّة” لتحليل الكولسترول العادي وارتفاع عدد الأبوليبوبروتين ب من شأنه أن يشير إلى أنّك تعاني من فرط الأبوبيتا ليبوبروتين في الدم (Hyperapobetalipoproteinemia). واستناداً إلى دراسة كيبك، فإنّ هذا المزيج من كولسترول LDL الصغير وارتفاع عدد الأبوليبوبروتين ب قد ضاعف خطر اعتلال الشريان التاجي ستّ مرّات.

تهديد بحدّ ذاته

ثمّة أسباب أخرى لتحليل الأبوليبوبروتين ب. أوّلها وأهمّها هو كون هذا البروتين بحدّ ذاته عامل خطر لاعتلال الشريان التاجي.

ويعتبر هذا البروتين خطِراً على نحو خاصّ لأنّه يتغيّر حين يتعرّض البروتين الشحمي القليل الكثافة LDL للتأكسد. والشكل الذي يتحوّل إليه الأبوليبوبروتين ب المتأكسد هو أكثر جاذبيّة – شأنه شأن حلوى الشوكولاته – للمُستقبلات المسؤولة عن جمع القمامة والموجودة على كريات الدم البيضاء. إذ تلتهم كريات الدم البيضاء أطناناً من هذه البروتينات الشحميّة المتأكسدة قبل أن تنفجر ليساهم محتواها في عدم استقرار اللويحات المسؤول عن كثير جدّاً من الحوادث القلبيّة.

بالتالي فإنّ ارتفاع عدد الأبوليبوبروتين ب في مجرى الدم يرفع خطر اعتلال القلب، خاصّة إن كنت تنتمي إلى النموذج ب. لذا فإنّني أفضّل أن يتراوح معدّل الأبوليبوبروتين ب بين 40 و60 ملغ/ديسيلتر لدى مرضاي.

البروتين الشحمي العالي الكثافة 2 ب (HDL2b): تحليل أعمق لكولسترول (HDL)

النتيجة غير الطبيعيّة: 35 بالمئة من إجمالي البروتين الشحمي العالي الكثافة (HDL) وما دون (للنساء ما قبل انقطاع الحيض والنساء اللواتي يعتمدن علاجاً هرمونيّاً)

عكف الأطبّاء على قياس معدّل البروتين الشحمي العالي الكثافة لسنوات، وارتفاع هذا المعدّل يشير إلى درجة من الحماية من اعتلال القلب التاجي. أمّا اليوم، وعلى غرار البروتين الشحمي القليل الكثافة، صرنا نعلم بأنّه ثمّة أنواع مختلفة من البروتين الشحمي العالي الكثافة HDL وهي ليست متشابهة من حيث التأثير. فبعض الأنواع أو الفروع الثانويّة منه تحمي فعلاً من اعتلال القلب التاجي، بينما يعتبر بعضها أقلّ فائدة. وهكذا قد تأتي نتائج تحليل الكولسترول ممتازة بالنسبة إلى معدّل كولسترول HDL، ولكن من دون أن تبلغ المستوى الثاني من التحليل لا تستطيع أن تتأكّد ما إذا كنت تتمتّع بالوقاية اللازمة فعلاً.

ويدعى الفرع الثانوي الذي نحرص على النظر إليه عن كثب HDL2b لاقترانه بشدّة بتعاظم خطر اعتلال الشريان التاجي. وهذا ما يكشف جزءاً آخر من الغموض المحيط بالنوبة القلبيّة “المتسلّلة”. فمن شأن معدّل كولسترول HDL أن يكون مرتفعاً في التقرير المخبري ولكنّه لا يؤمّن للقلب الحماية اللازمة. فيعتقد المريض بأنّه على خير ما يرام عوضاً عن اتّخاذ بعض التدابير البسيطة لمضاعفة هذه الحماية القلبيّة.

بماذا يتميّز HDL2b؟

كولسترول HDL2b هو تدبير حيوي يعرف باسم نقل الكولسترول العكسي، وهي عمليّة تتمّ بواسطتها إزالة الكولسترول من الشرايين. وحين ينخفض معدّل HDL2b، لا يمكن إعادة امتصاصه بفاعليّة – وهذا ليس بالأمر الجيّد كما نعلم.

ولهذا الكولسترول سلاح دفاعي آخر في ترسانته. ذلك أنّه يأوي مضادّ أكسدة طبيعي بالغ الأهميّة يدعى بارا أوزاناس (Paraoxanase)، يحمي خلايا جدران الشرايين.

ونظراً لمساهمة كولسترول HDL2b القويّة في نقل الكولسترول العكسي ونظراً لاحتوائه على هذا المضادّ الحيوي، فإنّه يملك تأثيراً وقائيّاً قويّاً على القلب، يتضاعف عند ارتفاع معدّل البروتين.

وحين يتعلّق الأمر بهذا المؤشّر، كلّما ارتفع معدّله كان أفضل.

من هو المعرّض لانخفاض HDL2b؟

ما من قاعدة ثابتة وسريعة بالنسبة إلى نوع الأشخاص المعرّضين لانخفاض معدّل HDL2b. غالباً ما نجد هذه الحالة لدى الأشخاص المنتمين إلى النموذج ب، ولكن ليس دائماً، فمن الممكن أن ينخفض معدّل HDL2b لدى من يملكون نسبة عالية من البروتين الشحمي القليل الكثافة LDL. وغالباً ما يشيع انخفاض HDL2b لدى المرضى المنتمين إلى هنود آسيا ومرضى النوع الثاني من داء السكر، وعلى هؤلاء بالتالي أن يكونوا أكثر حرصاً من غيرهم على كشف الحالة. أضف إلى أنّ التدخين يقلّص معدّل HDL2b إلى حدّ كبير. كما ينخفض المعدّل لدى قليلي الحركة أو أصحاب الوزن الزائد جدّاً.

كيف ترفع معدّل HDL2b؟

من الممكن رفع معدّل HDL2b بقليل من الجهد، وأنا أشجّع مرضاي بشدّة على ذلك. وسأفصّل لك التدابير الواجب عليك اتّخاذها في القسم الثاني.

ومن الممكن عموماً تحسين هذا الفرع الثانوي من البروتين الشحمي العالي الكثافة من خلال التغييرات الغذائيّة والحياتيّة، كالتوقّف عن تناول السكّر البسيط، تخفيف الوزن الزائد، اتّباع نظام غذائيّ سليم، وممارسة الرياضة بانتظام. وبمقدور الأشخاص الذين لا تنجح معهم هذه التدابير أن يرفعوا معدّل HDL2b بالأدوية كالنياسين والفيبرات. وقد ترغب النساء اللواتي دخلن مرحلة انقطاع الحيض ويعانين من اعتلال القلب التاجي باستشارة الطبيب النسائي حول استعمال العلاج الهرموني إن كنّ يواجهن صعوبات مع الأدوية.

ونظراً لخصائص HDL2b الوقائيّة الفائقة القوّة، أحاول رفع معدّله قدر الإمكان لدى مرضاي، خاصّة إن كانوا يعانون من عدد من المشاكل الأيضيّة التي سبق ذكرها. وأنا أوصي عادةً بأن يكون معدّل HDL2b أعلى من 45 بالمئة لدى مريضاتي ما قبل انقطاع الحيض وأولئك اللواتي يتّبعن علاجاً هرمونيّاً وأعلى من 35 بالمئة لدى الرجال والنساء ما بعد انقطاع الحيض. أشير مجدّداً إلى أنّ هذا المؤشّر يضاعف من دفاعاتك، ولكنّنا لا نستطيع استعماله للوقاية من اعتلال القلب التاجي ما لم نحلّل معدّله في الدم.

البروتين العالي الحساسية المتفاعل مع الكولسترول HIGH-SENSITIVITY C-REACTIVE PROTEIN (HS-CRP):مؤشّر أفضل من الكولسترول

النتيجة غير الطبيعيّة: 0.4 ملغ/ديسيلتر وما فوق

إنّ تحليل البروتين المتفاعل مع الكولسترول (CRP) هو مؤشّر آخر بالغ الأهميّة. (لكشف الكميّات القليلة، المهمّة طبيّاً، من CRP، يتمّ استعمال طريقة مخبريّة عالية الحساسية، لهذا السبب يوصف البروتين بأنّه عالي الحساسية أو hs-CRP).

hs-CRP هو بروتين يحرّره الجسم في مجرى الدم كلّما أصيب بالتهاب خطير. ونحن نستعمل تعبير مفاعِل مرحلي حادّ لوصف أيّ بروتين يحرّره الجسم بسرعة بعد تلقّيه إشارة التهابيّة. وهذه المفاعلات المرحليّة الحادّة مصمّمة لمساعدة الجسم على الدفاع عن نفسه. وكما نعلم فإنّ التصلّب العصيدي هو بحدّ ذاته حالة التهابيّة بدرجة منخفضة، بالتالي فإنّ الالتهاب ينبّهنا إلى وجود تلف شرياني خطير ومواصل. فترتفع معدّلات hs-CRP لتلفت انتباهنا إلى ذلك التلف.

والواقع أنّ ارتفاع hs-CRP هو واحد من أفضل المؤشّرات المتوافرة لدينا إلى ازدياد خطر اعتلال القلب التاجي. ويعتبر الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع hs-CRP أكثر عرضة للخطر بمعدّل أربع إلى سبع مرات من ذوي المعدّلات الطبيعيّة، ويعود ذلك جزئيّاً إلى الالتهاب.

وتبيّن الإحصاءات أنّ hs-CRP هو مؤشّر هامّ للنوبة القلبيّة، الجلطة الدماغيّة، والحوادث القلبيّة المتكرّرة. واستناداً إلى بعض الدراسات، فإنّه أفضل من تحاليل الكولسترول العاديّة التي كنّا نستعملها. وفي دراسة أجريت على 28.000 امرأة، تبيّن أنّ ارتفاع معدّل hs-CRP ينبئ بالنوبة القلبيّة مرّتين أفضل من ارتفاع معدّل كولسترول LDL. وإليك هذه الإحصاءات المخيفة: 20 إلى 30 مليون أميركيّ يعانون ربّما من ارتفاع معدّل hs-CRP، علماً أنّ نتائج تحليل الكولسترول هي ضمن المعدّل الطبيعي. مع ذلك فإنّ هذا التحليل، وبالرغم من قدرته المذهلة على التوقع بالحوادث القلبيّة، لم يدخل في جدول عمليّات التشخيص الروتينيّة.

والواقع أنّ قدرات هذا التحليل العجيب لا تتوقّف على استباق النوبة القلبيّة الأولى، بل يكشف الأشخاص الذين لا يستعيدون عافيتهم بعد الجراحة أولئك المعرّضين إلى خطر شديد لنوبة قلبيّة ثانية. ومع أنّ الجراثيم قد ارتبطت بخطر الإصابة بنوبة قلبيّة، إلاّ أنّ مزيج هذه التحاليل التي تخبرنا بأنّ المريض قد سبقت له الإصابة بإنتان مؤخّراً وارتفاع معدّل hs-CRP هو الذي يساعد فعلاً على تحديد الأشخاص الذين يواجهون خطراً مرتفعاً للإصابة باعتلال إضافي في الشريان التاجي.

بروتين hs-CRP أداة مضلّلة ولكنّها قيّمة

هكذا نرى بأنّ hs-CRP هو مؤشّر مهم للخطر. ولكن لسوء الحظّ يصعب استعماله سريريّاً. وأحد الأسباب التي تجعله مضلّلاً هو وجود تنوّع هائل في معدّلات hs-CRP بين شخص وآخر. لا بل ثمّة تنوّع هائل في معدّلات hs-CRP لدى الشخص الواحد بين يوم وآخر. ذلك أنّ hs-CRP يرصد بكلّ بساطة أيّ التهاب في الجسم، وليس التهاب الشرايين التاجيّة وحسب. فمن شأن ارتفاع معدّل hs-CRP أن يشير إلى اعتلال القلب التاجي، ولكنّه قد يعني أيضاً بأنّك تتعافى من الزكام أو أنّك خطوت على نحو خاطئ وضغطت على ركبتك في طريقك إلى عيادة الطبيب.

وبما أنّه يصعب استعمال hs-CRP بمعزل عن التأثيرات الأخرى، فإنّنا نفضّل أن نفحصه بالاقتران مع عوامل خطر أخرى. فكما يعدّل الطبّاخ الماهر وصفته آليّاً للتعويض عن مختلف التغييرات في الارتفاع والمكوّنات، كذلك الطبيب الماهر يمكنه أن يستعمل hs-CRP ليعرف معدّله عند الراحة.

بالتالي إن كنت من النموذج ب ومعدّل hs-CRP لديك غير مثير للقلق، قد نفضّل الانتظار ورؤية مدى تجاوبك مع برنامج غذائي ورياضي ملائم. أمّا إن كنت من النموذج ب وأظهرت التحاليل ارتفاع معدّل hs-CRP لديك عدّة مرّات، سنتّخذ عندها تدابير علاجيّة أكثر فاعليّة، كالأدوية. في الحالات المثاليّة، يجب أن تأتي نتيجة التحليل سلبيّة تماماً، غير أنّني أرضى عادةً برؤية المعدّل أدنى من 0.2 ملغ/ديسيلتر لدى مرضاي.

ومع انتقالنا من طبّ “النموذج الواحد المناسب للجميع” إلى الطبّ الذي يأخذ بالاعتبار عدداً أكبر من العوامل المتغيّرة، يعتبر hs-CRP أداة ثمينة للغاية. فهو يعطينا مزيداً من المعلومات التي نحتاجها لعلاج كلّ مريض على النحو الذي يلائمه وحده.

هل علاج hs-CRP ممكن؟

نحن نعمل حاليّاً على علاجات لخفض معدّل بروتين hs-CRP. بعض هذه العلاجات قد يشتمل على أدوية الستاتين، الفيبرات (وهو دواء شحمي آخر)، والنياسين المفيد دوماً. ولا يخفض الأسبيرين معدّل hs-CRP، غير أنّه يملك مفعولاً مضادّاً للالتهاب خاصّاً به.

ما وراء hs-CRP

أجريت دراسة طموحة على اعتلال القلب التاجي دعيت دراسة الوقاية التاجيّة لغرب سكوتلاندا، فتّش فيها الباحثون عن مؤشّر التهابي آخر يدعى الفوسفوليباز أ2 (phospholipase A2) (PLA2) في عيّنات الدم التي أخذوها. وهو مؤشّر أفضل وأقل هوائيّة من hs-CRP، ولكنّنا لم نستعمله بعد. ويعود السبب إلى توفّر آلة تجارية تقيس معدّل hs-CRP ولكن ما من وسيلة متوفّر بعد لقياس PLA2 ما عدا في مختبرات الأبحاث. وإلى ذلك الحين، سنستمرّ بفحص hs-CRP.

الفِبرينوجين Fibrinogen: عامل التخثّر

النتيجة غير الطبيعيّة: 400 ملغ/ديسيلتر وما فوق

الفبرينوجين هو مفاعل مرحلي حادّ آخر، وهو عبارة عن بروتين يهرع للإنقاذ حين يتعرّض الجسم للجروح. وهو يؤدّي دوراً في عمليّة تخثّر الدم الطبيعيّة. فحين تجرح نفسك، يمدّد هذا البروتين نفسه في خيوط ليشكّل في النهاية شبكة تسدّ الفتحة. ونحن نعلم أنّ التجلّط أو تخثّر الدم، عند اللويحات الممزّقة هو واحد من أسباب النوبة القلبيّة. ويشير ارتفاع الفبرينوجين إلى أنّ دمك هو أكثر عرضة للتخثّر.

والفبرينوجين هو عامل خطر مستقلّ ومفاعل مرحلي حادّ، ولكنّنا لسنا متأكدين من مدى ارتباط اعتلال القلب التاجي به مباشرة. وفي دراسات استَعملت بعض أدوية القلب وتقلّص فيها اعتلال القلب لدى المرضى، فإنّ معدّل الفبرينوجين انخفض هو أيضاً. ولكنّنا لا نستطيع اعتبار النتائج حاسمة، لأنّ تغييرات أخرى طرأت أيضاً على أولئك المرضى. فهل تقلّص اعتلال القلب التاجي نتيجة لانخفاض معدّل الفبرينوجين أم عنصر آخر – كبروتين hs-CRP بالأحرى؟

وعلى غرار hs-CRP، يعتبر فحص الفبرينوجين مفيداً أكثر لو نظرنا إليه كجزء من بصمة القلب الإجمالية، واستعنّا به لتحديد كيفيّة علاج المشاكل الأيضيّة الأخرى التي نجدها. فعلى سبيل المثال، إن كان معدّل الفبرينوجين مرتفعاً وكنت LDL نموذج ب، سنتصدّى بشراسة أكبر لمسألة البروتين الشحمي القليل الكثافة الصغير.

علاج فرط الفبرينوجين

من شأن فرط الفبرينوجين في الدم أن يكون وراثيّاً، وشأنه شأن كثير من المؤشّرات الموروثة، فإنّ علاجه ممكن. ونمط الحياة هو مفتاح ذلك، فالتدخين والبدانة يرفعان معدّل الفبرينوجين، والسيطرة على هذين العاملين عبر الإقلاع عن التدخين وتخفيف الوزن الزائد من شأنه أن يخفض هذا المعدّل بشكل ملحوظ. وثمّة تقارير عن أنّ أحد عقاقير الستاتين من شأنه أن يرفع معدّل الفبرينوجين أيضاً، بالرغم من كونها حالة غير شائعة. ونحن نعلم بأنّ الفيبرات والنياسين يخفضان الفبرينوجين، لذا من شأن طبيبك أن يقرّر استعمال هذين العقارين (أو استعمالهما مع دواء ستاتين) لعلاج مشاكلك الأيضيّة الأخرى، كانخفاض معدّل البروتين الشحمي العالي الكثافة HDL. أخيراً فإنّ العلاج الهرموني لدى النساء في مرحلة انقطاع الحيض يخفض نسبة الفبرينوجين، ولكنّ مخاطر هذا العلاج تفوق فوائده.

ذات الرئة المتدثّرة Chlamydophila pneumoniae: هل هذا السعال هو المسؤول عن اعتلال القلب التاجي؟

النتيجة غير الطبيعيّة: جزء في 32 جزء وما فوق

من المؤشّرات الأخرى التي نحلّلها إصابة تدعى ذات الرئة المتدثّرة، وهي بكتيريا شائعة جدّاً تسبّب إنتانات كذات الرئة.

ولكن ما الذي يربط بين بكتيريا مسبّبة لالتهاب الشعب الهوائيّة والنوبة القلبيّة؟ في الواقع نحن غير متأكّدين فعلاً. فما من دراسة حاسمة أجريت حتّى الآن لإثبات وجود علاقة مباشرة بين الحالتين. غير أنّه ثمّة دراسة أجريت في لندن على مرضى خضعوا لجراحة استئصال التصلّب (وهي عمليّة يُدخل فيها الجرّاح قسطراً قاطعاً لبرد اللويحات المتوضّعة ثمّ يشفط البقايا الناتجة عن ذلك). أثبتت هذه الدراسة حقيقة أنّ هذه الجرثومة كانت موجودة في اللويحات في وقت ما في الماضي القريب. كما أنّ دراسة أخرى تمّت في لندن على مرضى يعانون من اعتلال القلب التاجي أظهرت تحاليلُ دمهم ارتفاعاً في معدّل البكتيريا المتدثّرة في مناسبتين منفصلتين بيّنت تراجعاً ملحوظاً في النوبات القلبيّة المستقبليّة بين المرضى الذين عولجوا من الإصابة بالمضادّات الحيويّة. كما أجريت دراسات أخرى على أشخاص يعانون من إصابة أقلّ خطورة بالبكتيريا ولكنّها لم تكن مثمرة كسابقتها، ممّا يعني بأنّ السبب يعود جزئيّاً إلى مدى خطورة الإصابة أو مدى كونها مزمنة.

ويشيع وجود البكتيريا المتدثّرة في المستشفيات، لهذا السبب غالباً ما نراها لدى عمّال المستشفى ومرضاه المنتظمين. كما أنّها شائعة بين المدخّنين وغيرهم من الأشخاص المعرّضين للإصابات الشُعبيّة المزمنة.  بيّنت الدراسات التي أجريت مؤخّراً بأنّ الأشخاص الذين تعرّضوا لكثير من الإصابات المزمنة معرّضون لخطر اعتلال القلب التاجي بنسبة أكبر.

وإليك ما يحدث بحسب اعتقادنا: إن كنت تعاني من إنتان في جدار الشريان، فإنّ جسدك يحاول على نحو مزمن القضاء على هذا الإنتان وإصلاح التلف. فتنتقل إليه كريات الدم البيضاء لتمتلئ وتنفجر، مساهمة بذلك في التلف الحاصل. والبروتين الشحمي القليل الكثافة LDL الصغير الذي يمرّ عبر الشريان بوتيرته المعتادة يجد فجأة أنّه من الأسهل له بكثير أن يدخل عبر الجدران الشريانيّة التالفة. وعوضاً عن أن يتمّ امتصاصه بالمعدّل المعقول الذي يبلغ 10 جزيئات في الدقيقة، يرتفع عدد جزيئات LDL الصغير التي يمتصّها جدار الشريان فجأة إلى 100 جزيئة في الدقيقة. وهكذا فإنّ إصابة مزمنة غير مؤذية نسبيّاً تساهم على نحو خطير في رفع احتمالات الإصابة باعتلال القلب التاجي.

وبما أنّ علاج المتدثّرة يقوم على سلسلة بسيطة من المضادّات الحيويّة – وهو علاج غير مكلف وقصير الأمد نسبيّاً، يشتمل على تأثيرات جانبيّة قليلة – فإنّنا نعالج هذه الإصابة فور اكتشافها، ما لم يحكم وضع المريض بعكس ذلك.

الأنسولين: ما علاقة سكّر الدم بذلك؟

النتيجة غير الطبيعيّة: 130 مل وحدة/ملليتر وما فوق

ربّما كنت تعلم بأنّ الأنسولين هو هرمون تنظيمي يفرزه البنكرياس. فهو يحافظ على معدّل السكّر في الدم ثابتاً عوضاً عن أن يرتفع وينخفض إلى حدّ كبير وفقاً لمأخوذك من الطعام.

وعلى الأرجح أنك تعرف الرابط بين الأنسولين وداء السكر. فقصور تحرير الأنسولين هو السبب الكلاسيكي لداء السكر، وعلى مرضاه أن يراقبوا على الدوام معدّلات سكّر الدم والأنسولين في دمهم وأن يسيطروا عليها لأنّ أجسادهم عاجزة عن القيام بذلك بنفسها.

مقاومة الأنسولين

هي حالة أخرى سابقة لداء السكر، وهي ما نسعى إلى تحليله في معظم الحالات. فالتحليل المستعمل لارتفاع الأنسولين، والذي يدعى تحليل احتمال الغلوكوز، هو أشبه بتحليل روتيني للبنكرياس. إذ نقيس الأنسولين لديك عند الصيام ثمّ نعطيك شراباً حلواً ونجري لك تحليلاً آخر بعد ساعتين. وإن بقي معدّل الأنسولين لديك شديد الارتفاع، فتلك إشارة إلى وجود مقاومة للأنسولين.

وإليك كيفيّة عمل هذه الحالة: تتناول طعاماً ما فيحرّر البنكرياس الأنسولين. وفي حال كانت خلاياك مقاوِمة للأنسولين، يظلّ سكّر الدم مرتفعاً نسبيّاً. وهذا ما يدفع البنكرياس إلى إفراز مزيد من الأنسولين وعلى نحو متواصل لأنّ التخلّص من السكّر الموجود يحتاج إلى كميّة أكبر بكثير. ومع مرور الوقت، يصبح الجسد عاجزاً عن تلبية الطلب على الأنسولين، وهذا ما يؤدّي إلى داء السكر.

الأنسولين واعتلال القلب التاجي

إنّ مقاومة الأنسولين لا تكشف لك ما إذا كنت معرّضاً لداء السكر فحسب، بل وما إذا كنت معرّضاً للإصابة باعتلال القلب التاجي.

فقد ارتبط ارتفاع معدّلات الأنسولين بتعاظم خطر اعتلال الشريان التاجي، كما أنّ جميع مرضى داء السكر تقريباً يموتون نتيجة لاعتلال القلب. ولا شكّ بأنّ مقاومة الأنسولين وداء السكر غالباً ما اقترنا بالوزن الزائد، وهو أمر مضرّ بالقلب دوماً. كما أنّ هرمون الأنسولين نفسه هو عنصر مولّد للتصلّب العصيدي. إذ إنّه يحفز نموّ العضل الليّن ويهيّج قلب الشرايين. وفي السنتين الماضيتين، أجريت سلسلة من الدراسات التي ربطت بين ارتفاع معدّلات الأنسولين ومعاودة التضيّق (أو الانسداد ثانية) بعد جراحة الرأب الوعائي أو جراحة وضع قالب في الشريان التاجي.

وغالباً ما يرتبط ارتفاع الأنسولين أيضاً بمشاكل بروتينيّة شحميّة أخرى، كالبروتين الشحمي القليل الكثافة الصغير LDL، وهي مشكلة خطيرة كما نعلم إن هي اقترنت بمؤشرات أخرى: ارتفاع الأنسولين المقترن بارتفاع الأبوليبوبروتين ب وLDL الصغير يضاعف خطر الإصابة باعتلال الشريان التاجي 20 مرّة.

كيف تساعد جسدك على تنظيم نفسه

أنا أحثّ مرضاي على خفض معدّل الأنسولين لديهم إلى ما دون 8 مل وحدة/ملليتر. والواقع أنّه ثمّة طريقتان أساسيّتان للسيطرة على مقاومة الأنسولين. لدى الأشخاص الأصحاء الذين لا يعانون من اعتلال القلب التاجي، أوصي بتجنّب السكّر، تخفيف الدهون من الجسم عند الضرورة، وممارسة الرياضة يوميّاً. فالأنسولين يعمل على نحو أفضل حين يخسر صاحبه الوزن الزائد، بالتالي فإنّ 90 بالمئة من الأشخاص الأصحاء يمكنهم السيطرة على حالة مقاومة الأنسولين التي يعانون منها من خلال السيطرة على الوزن. أمّا إن كنت نحيف الجسم، فيمكنك عادة أن تؤمّن ما يكفي من الأنسولين للسيطرة على الغلوكوز.

والحقيقة أنّ بعض الأشخاص المقاوِمين للأنسولين لا يتجاوبون جيّداً مع التغييرات الحياتيّة ممّا يجعلهم معرّضين للنوع الثاني من داء السكر. فهم قد سبق وخفّفوا وزنهم على نحو ممتاز ولا يفرطون في استهلاك السكّر، ولكنّ أجسادهم ما زالت عاجزة عن السيطرة على معدّل الغلوكوز، ممّا يشير إلى وجود مشكلة خفيّة. مع هؤلاء الأشخاص، نحن بحاجة إلى اللجوء إلى الأدوية بسرعة، خاصّة في حال وجود دلائل على الإصابة باعتلال القلب التاجي.

الهوموسيستيين homocysteine

النتيجة غير الطبيعيّة: 14 ميكرومول/ليتر وما فوق

عام 1962، لاحظ طبيب في ايرلندا يجري دراسة على مجموعة من الأطفال الذين يعانون من تخلّف خطير بأنّهم يملكون جميعاً معدّلات مرتفعة جدّاً من حمض أميني يتواجد بشكل طبيعي هو الهوموسيستيين (Homocysteine). كما كان لهؤلاء الأطفال قاسم مشترك آخر ألا وهو ارتفاع شديد في معدّل اعتلال القلب التاجي المبكر، وتوفّي أغلبهم بنوبات قلبيّة داهمتهم في سن لم يتجاوز العاشرة من العمر.

والهوموسيستيين هي مادّة تتواجد بشكل طبيعي، وتشكّل ناتجاً ثانويّاً لحمض الميثيونين الأميني. وهي تولد عادة بعد وجبة غنيّة بالبروتينات الحيوانيّة، ما يلبث الجسم أن يزيلها من مجرى الدم بطبيعة الحال. ولكن لسوء الحظّ، يرث بعض الأشخاص خللاً في القدرة على التخلّص من هذه المادّة بأنفسهم. ويأتي هذا العجز عادة من أحد الأبوين، وفي هذه الحالة يتمكّن الجسم من التعويض عن النقص. ولكن إن أتى الخلل من كلا الأبوين، من شأن معدّلات الهوموسيستيين أن ترتفع إلى حدّ كبير، مسبّبة نوبات قلبيّة لدى الأطفال.

ومن الواضح أنّ هؤلاء الأطفال قد ورثوا عجزاً عن التخلّص من الهوموسيستيين بأنفسهم، وكان هنالك رابط بين المعدّلات الشديدة الارتفاع من هذا الحمض الأميني في مجرى دمهم وبين اعتلال القلب المبكر الذي عانوا منه. ومن حسن الحظّ، من النادر الحصول على مورّثة مريضة من كلا الأبوين، ولكنّ وراثة مورّثة واحدة جيّدة وأخرى مريضة ليس بالأمر المستبعد.

لهذا السبب، أجري عدد كبير من الأبحاث ربطت بين الهوموسيستيين واعتلال القلب التاجي، معظمها من قبل م. رينيه مالينو، دكتوراه في الطب، من أوريغون، وكانت نتائجها مهمّة للسلامة القلبيّة. إذ بيّنت بأنّ معدّلات الهوموسيستيين مرتبطة على ما يبدو بارتفاع خطر اعتلال القلب التاجي. وأظهرت إحدى الدراسات بأنّ ارتفاع معدّل الهوموسيستيين أدّى إلى ارتفاع بمعدّل ثلاثة أضعاف في احتمال الإصابة بجلطة دماغيّة بين النساء الشابّات – وهي نسبة تعادل خطر تدخين علبة من السجائر يوميّاً.

وهو أكثر من مجرّد مؤشّر على ما يبدو. فالهوموسيستيين هو مادّة كاشطة تهيّج قلب الشرايين وتجعلها أكثر عرضة لاختراق البروتين الشحمي القليل الكثافة. كما يبدو بأنّها تحفز إنتاج العضل الليّن، الذي يساهم في نموّ اللويحات. وهي تسهّل على بروتين LDL دخول الجدران الشريانيّة ومن شأنها أن تؤدّي دوراً في لصوقيّة الصفائح وتخثّر الدم.

هل يجب علاجه؟

ما لا نعرفه هو ما إذا كان خفض معدّل الهوموسيستيين يقلّص بالضرورة خطر اعتلال القلب التاجي. فثمّة عدد كبير من الدراسات التي تربط بين ارتفاع معدّل الهوموسيستيين واعتلال الشريان التاجي.

وقد أثبتت الدراسات بأنّ خفض معدّل الهوموسيستيين في الدم يحسّن الصحّة العامّة عبر المساعدة على استرخاء جدران الشرايين، ممّا يجعلها أقلّ عرضة للتشنّج. كما يمنع معاودة التضيّق، أي أنّه يقلّص خطر انسداد الشريان ثانية بعدما رمّم جراحيّاً بواسطة قالب أو عبر الرأب الوعائي. وأثبتت دراسة أجريت في بلجيكا أنّه حين استعمل المرضى حمض الفوليك والفيتامينات B، التي تقلّص معدّل الهوموسيستيين، بعد خضوعهم للرأب الوعائي، تراجع احتمال معاودة الانسداد في الشهور الستّة التالية عمّا هو لدى المرضى الذين لم يستعملوها.

كما تعاونت مع د. مالينو ود. سبينسر كينغ من أتلانتا لدراسة معدّلات متفاوتة من الهوموسيستيين في الدم وارتباطها بالوفاة بين مرضى القلب. وفي تلك الدراسة، اقترنت معدّلات الهوموسيستيين التي تقلّ عن 10 ميكرومول/ليتر بمعدّل وفاة يبلغ 9 بالمئة مقارنة مع معدّل يبلغ 26 إلى 35 بالمئة لدى أولئك الذين يفوق معدّل الهوموسيستيين لديهم 10 ميكرومول/ليتر.

وبرأيي، ثمّة كثير من الأسباب التي تدفعنا لتوخي الحذر وعلاج ارتفاع الهوموسيستيين عند كشفه لدى مرضى القلب. وباعتقادي فإنّ خفض معدّل الهوموسيستيين يقلّص خطر اعتلال القلب التاجي. وبما أنّ للعلاج قليل من الآثار الجانبية عدا عن كونه غير مكلف، أختار دوماً علاج مرضاي المعرّضين لخطر شديد باعتلال القلب ويرتفع لديهم معدّل الهوموسيستيين.

باباي كان على حقّ!

إليك كيف يمكن للسبانخ، الغنيّة بالفيتامينات B، أن تنقذ حياتك: فإنّ علاج ارتفاع الهوموسيستيين يكمن في أخذ الفيتامينات B، بما في ذلك B6، 12B وحمض الفوليك. الأنزيم هو بروتين يأخذ كيميائيّتين، يضعهما معاً، ويسهّل حدوث تفاعل بينهما؛ والعامل المساعد هو مادّة كيميائيّة تسرّع تلك العمليّة. الفيتامينات B هي العوامل المساعِدة للأنزيمات التي تتخلّص من الهوموسيستيين. وفي حال كانت تعاني من قصور في الأنزيم المسؤول عن طرد الهوموسيستيين من مجرى الدم، من شأن الفيتامينات B أن تعيد العملية إلى طبيعتها.

يجدر التحذير هنا بأنّه عليك أن تستشير الطبيب قبل استعمال أيّ نوع من المتمّمات، خاصّة المتمّمات B. ذلك أنّ أخذ حمض الفوليك بجرعات مرتفعة يحتاج إلى وصفة طبيّة ومن شأنه أن يعيق تشخيص حالة دمويّة تدعى فقر الدم المؤذي، كما أنّ الجرعات المرتفعة من الفيتامين 6B من شأنها أن تسبّب تلفاً عصبيّاً دائماً. بالتالي، يجب أن يخضع استعمال المتمّمات لمراقبة صارمة من قبل طبيب مختص.

إن كنت تعاني من ارتفاع في الهوموسيستيين وما من موانع للاستعمال، قد يصف لك الطبيب على الأرجح فيتامينات B على شكل متمّمات، ولكنّ الغذاء الغنيّ بالبقول الخضراء الغنيّة بالفيتامينات B كالسبانخ يمنع حدوث المشاكل من الأساس. وإليك مثال جيّد على ذلك. إذ تميل معدّلات الهوموسيستيين إلى الارتفاع لدى العجائز، واعتقدنا في البداية، كما هو الحال بالنسبة إلى كثير من الأمور، بأنّ الأنزيم المسؤول عن طرد الهوموسيستيين من الدم يعمل على نحو أبطأ وأقلّ فاعليّة لدى المتقدمين في السن. وقد يكون هذا صحيحاً، ولكن المسؤول الفعلي هو غذاء هؤلاء العجائز الذي يميل لأن يكون محدوداً ولا يشتمل على البقول الخضراء الغنيّة بحمض الفوليك والفيتامينات B. وحين كمّلوا غذاءهم بالأطعمة الغنيّة بالفيتامينات B، بدأت الحالة بالتحسّن.

وبما أنّنا لا نأكل الهوموسيستيين، لا يمكننا تجنّبه. غير أنّه بمقدورنا تفادي سابقه، وهو حمض أميني يدعى الميثيونين. وأكثر ما يتواجد هذا الحمض الأميني في البروتينات الحيوانيّة، كالدجاج ولحم البقر. ويستحسن بالتالي الابتعاد عن هذه الأطعمة، واختيار البروتينات النباتيّة عوضاً عنها، كمشتقّات الصويا. كما يمكن زيادة نسبة الفيتامينات ب في الغذاء عبر تناول كميّة أكبر من الفواكه والبقول الورقيّة – وهو أمر مفيد في جميع الأحوال.

ومسألة الهوموسيستيين هي مثال جيّد عن الطريقة التي يقوم فيها الأطبّاء بالموازنة بين الفوائد والمخاطر المحتملة لعلاج ما. فلو اكتشفنا بعد خمس سنوات بأنّ خفض معدّل الهوموسيستيين لم يكن له أيّ تأثير في الوقاية من خطر اعتلال القلب التاجي، فإنّ الثمن الذي دفعه المريض – على الصعيدين المادّي والجسدي – ليس بشيء يذكر؛ فهو لم يأخذ سوى كميّة إضافيّة من الفيتامينات B. أمّا إن كان العلاج سامّاً أو خطيراً ولو بدرجة طفيفة، لن نلجأ إليه أساساً. ولكن ثمّة أسباب علميّة قويّة تدعم قرار علاج الحالة، ونظراً للفائدة العظيمة المحتملة وقلّة الآثار الجانبيّة السلبيّة، فإنّني أعمد دوماً إلى علاج الهوموسيستيين حين أكتشفه.

الليبوبروتين أ Lipoprotein A: رادار يكشف النوبة القلبيّة المتسلّلة

النتيجة غير الطبيعيّة: 20 ملغ/ديسيلتر وما فوق

إنّ ارتفاع معدّل الليبوبروتين أ lipoprotein (a)، المعروف أيضاً باسم Lp (a)، هو مؤشّر مستقلّ خطير آخر لاعتلال القلب التاجي. والواقع أنّ ارتفاع معدّل Lp (a) موجود لدى ثلث مرضى الشريان التاجي، و15 إلى 30 بالمئة ممّن يعانون من نوبات قلبيّة مبكرة.

وهذا مؤشّر مستقلّ آخر: فارتفاع معدّل Lp (a) يضاعف خطر اعتلال الشريان التاجي بنسبة 300 بالمئة، حتّى وإن بدت جميع الأرقام الأخرى طبيعيّة. وهذه حالة وراثيّة لا يبدو بأنّها تتأثّر بنمط الحياة الذي يتجاوب معه كثير من المؤشّرات الأخرى. كما أُطلق على المورّثة المسؤولة عنها لقب “المورّثة المتشرّدة” لأّنها تبدو ثائرة باستمرار ولا تتأثّر فعلاً بالبيئة المحيطة.

بتعبير آخر، فإنّ وجود Lp (a) قد يكون واحداً من الأسباب لحالة “لا أصدّق بأنّه أصيب بنوبة قلبيّة! فمعدّلات الكولسترول/ضغط الدم/عاداته الغذائيّة/الرياضيّة كانت ممتازة!” والواقع أنّ Lp (a) يضاعف أيضاً معدّل الخطر إلى حدّ كبير، ممّا يصبح شديد الخطورة إن اقترن بعامل خطر آخر، كارتفاع معدّل كولسترول LDL. وخطره متساوٍ بالنسبة إلى الرجال والنساء على السواء، بالرغم من أنّ الإستروجين يثبطه على مستوى الحمض النووي.

وتجدر الإشارة إلى أنّ Lp (a) معروف على نطاق واسع ويسهل التعرّف عليه، ولكن لا يمكن كشفه ما لم نبحث عنه. وبما أنّ تحليله لا يدخل ضمن تحاليل الدم الروتينيّة، فإنّ معظم الأشخاص يجهلون وجوده.

حين يؤلم الشفاء

Lp (a) هي عبارة عن جزيئة LDL مُصنّعة في الكبد، يرتبط بها بروتين غير طبيعي يدعى بروتين أ protein (a). والواقع أنّ هذه الجزئية ليست سيّئة تماماً، إذ تقوم إحدى وظائفها على المساعدة على لأم الجروح التي تصيب الشرايين. وكما ذكرنا سابقاً، فإنّ الالتهاب هو جزء طبيعي من مرحلة الشفاء، ولكنّ المشاكل تبدأ حين تكون الإصابة في الشريان وتصبح مزمنة. كما يشجّع Lp (a) على نمو العضل الليّن، وهي مرحلة أخرى من مراحل الشفاء. وكلّ هذه الظواهر طبيعيّة ومقبولة إلى أن يتسبّب المريض بتلف مزمن لشرايينه بعادات ضارّة، كالغذاء الغنيّ بالدهون أو تدخين السجائر. فتتضاعف سرعة عمليّة الشفاء ممّا يشجّع على نموّ اللويحات التي تسدّ الشريان بكامله في نهاية المطاف. ويعتبر Lp (a) أيضاً عرضة للتلف التأكسدي، وفور تأكسده، تبدأ الكريات البيضاء المسؤولة عن تنظيف الشرايين بالتهامه 60 مرة أسرع من الحالات الطبيعية، ممّا يجعل تأكسد Lp (a) موضوعاً حامياً في الأبحاث الطبيّة اليوم.

ومع أنّه من المفيد جدّاً أن تعرف معدّل Lp (a) لديك، إلاّ أنّه ما من أرقام معياريّة بعد يقارن بها الأطبّاء أرقام مرضاهم، وبالتالي فإنّ معدّلات Lp (a) التجارية قد تكون غير دقيقة. وإحدى الأبحاث التي قمنا بها في مختبر بركلي Berkely HeartLab أظهرت فرقاً كبيراً بين معدّلات Lp (a) صدرت عن ثلاثة مختبرات تجاريّة وبين نتائجنا نحن. فإن أردت الحصول على نتائج دقيقة لهذا التحليل، يستحسن أن تقصد مختبر أبحاث. بهذه الطريقة، يمكنك أن تقارن معدّل Lp (a) لديك بالمعدّلات المنشورة في المجلاّت الطبيّة.

علامَ يترتّب علاج Lp (a)؟

كما سبق وأشرنا، لا يبدو بأنّ التغييرات الحياتيّة – الغذاء والرياضة – تؤثّر على معدّل Lp (a). كما أنّ عقاقير الستاتين الشعبية المستعملة لخفض الكولسترول لم تُجدِ نفعاً هي أيضاً. وأنا أبدأ بالقلق حين يتجاوز معدّل Lp (a) 20 ملغ/ديسيلتر، وأفضّل رؤيته دون ذلك، أي حوالى 15 ملغ/ديسيلتر.

وثمّة في الواقع عقارين عمليّين لخفض معدّل Lp (a). فقد صار معروفاً منذ سنوات عديدة بأنّ الإستروجين قادر على تقليص نسبة Lp (a)، وفي إحدى الدراسات الفدراليّة التي أجريت مؤخّراً، على العلاج الهرموني واعتلال القلب، تراجعت الحوادث القلبيّة بشكل ملحوظ لدى 25 بالمئة من النساء في سنّ انقطاع الحيض واللواتي قلّصن معدّل Lp (a) المرتفع لديهنّ بواسطة العلاج الهرموني. ولا شكّ بأنّ هذا الحلّ يقتصر استعماله على النساء، وهو مجال أخذ وردّ. كما أنّ حمض النيكوتينيك أو النياسين، يخفض معدّل Lp (a)، وهو العقار الذي نستخدمه في أغلب الأحيان لذلك. وثمّة طرق جديدة أخرى للتعامل مع هذه المشكلة، ولكنّ حداثتها تحدّ من استعمالها.

وفي حال اكتشفنا بأنّك تعاني من ارتفاع في معدّل Lp (a)، هذا يدفعنا إلى التصدّي بقوّة أكبر للمشاكل الأيضيّة الأخرى، التي تبدي تجاوباً أكبر للخيارات العلاجيّة المتوفّرة لدينا.

أبوليبوبروتين هـ Apolipoprotein E: يتجاوب مع الغذاء

النتيجة غير الطبيعيّة: مورّثة من نوع E2 أو E4

على غرار أبوليبوبروتين ب، فإنّ أبوليبوبروتين هـ (apo E) هو بروتين مرتبط ببعض جزيئات ليبوبروتين. ونوع الأبوليبوبروتين هـ الذي تحمله يشتمل على كثير من المعلومات عن معدّل الخطر الذي يواجهك ومدى تجاوبك مع بعض أنواع العلاج.

أعلم بأنّ الأمر يبدو معقّداً بعض الشيء، ولكنه يحتاج إلى بعض التركيز: فمورّثة apo E هي على ثلاثة أنماط أساسيّة – E2، E3، وE4 – وبما أنّك تحصل على مورّثة واحدة من كلّ من أبويك، لكلّ منّا مزيج من نوعين. وثمّة بالتالي ستة أشكال محتملة: E2/2، E3/2، E3/3، E4/2، E4/3، E4/4. وكلّ ما له علاقة بـ 2 و4 يشتمل على تحوّل أو شذوذ وراثي. وأكثر المورّثات شيوعاً هي E3، بالتالي، إن كانت كلتا المورّثتان في apo E لديك هي E3، فهذا يعني بأّنها E3/3. أمّا إن كنت تملك واحدة E3 وأخرى E4، تكون على شكل E4/3. وإن كان لديك واحدة E3 وأخرى E2، تكون على شكل E3/2.

ومن الأهميّة بمكان أن تعرف إلى أيّ نوع من المورّثات تنتمي. ذلك أنّ أصحاب E4 (أي من يملكون أيّ مزيج يدخل في الرقم 4) يرتفع لديهم خطر الإصابة باعتلال القلب على نحو ملحوظ.

إن كنت Apo E، نتائجك تعتمد على ما تأكله

إنّ أفضل ما يمتاز به apo E هو أنّه يخبرنا من يمكنه أن يتجاوب جيّداً مع برنامج غذائيّ لخفض معدّل كولسترول LDL. فإن كنت E2/2، لديك احتمال بأن تصاب بالنوع الثالث من فرط الشحوم في الدم (type 3 hyperlipidemia)، وهي مشكلة شحميّة كلاسيكيّة تتميّز بترسّبات تدعى الورم الأصفر الطفحي الحدبي (tuberoeruptive xanthoma)، وهو عبارة عن درن من الدهون تتكوّن تحت الجلد وغالباً ما تظهر حول المرفقين والعينين وعلى الظهر. ولسوء الحظّ، تتكوّن هذه الدرن أيضاً في الشرايين التاجيّة، وهذا جزء من السبب الذي يجعل مرضى النوع الثالث من فرط الشحوم في الدم عرضة ثلاث مرات أكثر لاعتلال الشريان التاجي. ويجدر بمرضى النوع الثالث من فرط الشحوم في الدم اعتماد غذاء قليل السعرات الحرارية والسكّر. ذلك أنّ استهلاك السكّر يساهم في تفاقم المشكلة على نحو خطير.

وفي ما يلي حقيقة مثيرة للاهتمام: 5 بالمئة فقط ممّن يملكون مزيج E2/2 يعانون من هذا النوع من فرط الشحوم في الدم. أمّا البقيّة فلديهم استعداد وراثي له، ولكنّهم سيطروا على مشكلتهم من خلال الحفاظ على وزن صحّي. وهذا مثال ممتاز عن التفاعل بين المورّثات والبيئة، أي إمكانيّة السيطرة تماماً على الحالة الموروثة من خلال الخيارات الحياتيّة الصحيّة. وهذا ما يؤكّد بأنّ مورّثاتنا لا تحدّد مصيرنا، شأن كثير من الحالات، وأنّه بالسيطرة على الوزن واتّباع برنامج رياضي مناسب، يمكن قمع المشكلة في مهدها. وفي حال تطوّرت هذه المشكلة، يمكننا السيطرة عليها بالنياسين والفيبرات، وبغذاء قليل الدهون والسكّر.

والواقع أنّ E2 نادر جداً، ولكنّ E4 (أكانت E4/3 أو E4/4) توجد لدى 20 و25 بالمئة من الأميركيّين الأصحاء. وهم أكثر عرضة لاعتلال القلب، ولكن كما هو الحال بالنسبة إلى ذوي النموذج ب، حالتهم تتجاوب كثيراً مع العلاج. فأصحاب E4 يتجاوبون فعلاً مع الغذاء، شأنهم في ذلك شأن أصحاب E2. فلو تناولوا غذاءً غنيّاً بالدهون والكولسترول، يرتفع لديهم معدّل LDL على نحو مفاجئ. أمّا إن تناولوا طعاماً قليل الدهون والكولسترول، فإنّه يهبط. وهذا ما يسهّل علينا علاجهم، إذا إنّنا نادراً ما نضطرّ إلى استعمال الأدوية لخفض معدّل كولسترول LDL لديهم، ونحصل مع ذلك على نتائج عظيمة. ولكنّهم لو تهاونوا في حميتهم في أيّ وقت من الأوقات، سيتسببّون بمشكلة فعليّة، وسيرتفع معدّل LDL لديهم أكثر ممّا توقّعوا.

وقد بيّنت إحدى الدراسات مدى إمكانيّة تجاوب حالات E4 مع الغذاء. إذ فُرض على مجموعة من الأشخاص المعروف بأنّ مورثاتهم هي من نوع E اتباع حمية للسيطرة على كولسترول LDL. فانخفض المعدّل لدى أصحاب E3 بنسبة ملحوظة بلغت 14 بالمئة. كذلك انخفض المعدّل لدى ذوي المورّثة E2 بنسبة 16 بالمئة. أمّا ذوي E4، فهبط المعدّل لديهم بنسبة هامّة بلغت 23 بالمئة. وهذا ما يبيّن لنا مدى الفرق الذي يحدثه الغذاء.

مواضيع قد تهمك

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي