كيف يتوقف القلب

لطالما فوجئت قليلاً كلّما اكتشفت مدى قلّة المعلومات التي يملكها مرضاي، حتّى أولئك الذين يعانون من اعتلال قلبي وعائي خطير، عن طريقة عمل قلوبهم. بالتالي، فلنلقِ نظرة سريعة على كيفيّة عمل القلب وكيف تتأثّر وظيفته وتتعطّل بالمرض.

القلب

من المثير للعجب أن تكون هذه العضلة التي لا يتجاوز حجمها حجم قبضة اليد مصدر إيحاء لنا بهذا القدر. والحقيقة أنّ القلب هو عضو عجيب بالفعل، حتّى بالنسبة إلى شخص مثلي عكف على دراسته لمدّة طويلة. فقلب الإنسان البالغ ينبض حوالى 70 مرّة في الدقيقة الواحدة، أي ما يعادل 100000 مرّة في اليوم. والأنبوب الذي يتحوّل لاحقاً إلى قلب يبدأ بالخفقان بعد 23 يوماً من الحمل ويستمرّ بذلك إلى أن يتوقّف نهائيّاً.

وينقسم القلب إلى أربع غرف: الأُذَين الأيسر، الأُذَين الأيمن، البُطَين الأيسر، والبُطَين الأيمن. وثمّة صمّام على باب كلّ غرفة يسمح للدم بالمرور باتّجاه واحد. ولو أنصتّ إلى نبضة من نبضات القلب، ستكتشف بأنّها تنقسم إلى شقّين: لب-دب. فالجزء الأوّل من النبضة يدفع الدم من الأُذَينتين (الغرفتين الصغيرتين اللتين تحتلاّن أعلى القلب) إلى البُطَينتين (الغرفتين الأكبر حجماً في الأسفل)، بينما يعمل الجزء الثاني من النبضة على دفع الدم خارج القلب.

وتحتاج كلّ خليّة من خلايا جسدنا إلى الأكسيجين لتوليد الطاقة من الطعام. وهو يمثّل عنصراً أساسيّاً، ذلك أنّنا نعجز عن البقاء لمدّة طويلة من دونه. وهذا ما يجعل من القلب عضواً بالغ الأهميّة. إذ تقوم وظيفته الأساسيّة على ضخّ الدم الغنيّ بالأكسيجين عبر الجسد بكامله. ولتحقيق هذا الهدف، تتولّى كلّ من جهتي القلب وظيفةً مختلفة. فالجهة اليمنى تجمع الدم الخالي من الأكسيجين وترسله إلى الرئتين لإعادة ملئه بالأكسيجين وتفريغه من ثاني أكسيد الكربون. أمّا الجهة اليسرى فتستقبل الدم الغنيّ بالأكسيجين والآتي من الرئتين وتعيد إرساله ليجري في عضلات الجسم وأعضائه. وينتقل الدم المحمّل بالأكسيجين عبر الشرايين بعيداً عن القلب، فيما تتولّى الأوردة إعادة الدم الخالي من الأكسيجين إلى القلب.

كيف يتوقّف القلب

يعتبر اعتلال القلب التاجي المسؤول الأوّل عن الوفاة في الولايات المتّحدة. وهو ينجم عن عوامل مختلفة، بما فيها عيوب القلب الخَلقيّة، وإنتانات صمّام القلب، وعدم انتظام النبض. ويعد اعتلال القلب التاجي أكثر أمراض القلب شيوعاً، إذ يعاني منه 7 ملايين أميركيّ اليوم.

ما هو اعتلال القلب التاجي Coronary artery disease؟

تحتاج عضلة القلب إلى الأوكسجين، شأنها في ذلك شأن جميع خلايا الجسد وعضلاته. وعلى غرار بقية أعضاء الجسد، يُنقل الأكسيجين الحيوي إلى خلايا القلب بواسطة الشرايين التي يطلق عليها اسم الشرايين التاجيّة. وثمّة ثلاثة شرايين تاجيّة رئيسة: واحد إلى اليسار، ينقسم إلى الشريان الأمامي النازل الأيسر، والمقوّس، وواحد إلى اليمين، الشريان التاجي الأيمن. وفي حال انسدّت الشرايين وعجزت عن تأدية وظيفتها، فإنّ الأكسيجين ينقطع عن القلب الذي سيعجز بدوره عن تأدية وظيفته. والواقع أنّ حرمان القلب من الأكسيجين ولو لفترة قصيرة من الوقت سيؤدّي إلى موت جزء من عضلة القلب – أو ما يعرف بالنوبة القلبيّة.

ويحتاج القلب إلى كميّة أكبر من الأكسيجين حين يعمل بجهد، أي حين تعمل أنت بجهد. لهذا السبب يعاني كثير من مرضى اعتلال الشريان التاجي عادة من آلام في الصدر حين يجهدون أنفسهم – بالهرولة مثلاً أو بلعب التنس أو حتّى بمجرّد إخراج النفايات إلى مستوعب المهملات. فقد يكون القلب قادراً على أداء عمله أثناء الراحة، ولكنّه يحتاج إلى مزيد من الأكسيجين عند المجهود الجسدي. فالكميّة المحدودة من الدم المحمّل بالأكسيجين التي تصل إلى خلايا القلب والشرايين المسدودة جزئيّاً هي غير كافية ببساطة. وآلام الصدر الكلاسيكيّة المعروفة باسم الخُناق، ليست سوى إشارةً إلى أنّ الشرايين التاجيّة لا تسمح بمرور ما يكفي من الدم المحمّل بالأكسيجين لبلوغ عضلة القلب.

وحين تكون كميّة الدم الواصلة إلى عضلة من عضلات الجسد غير كافية، يطلق على حالة قصور الأكسيجين هذه اسم الإقفار. وغالباً ما يطلق على اعتلال الشريان التاجي أيضاً تعبير اعتلال القلب الإقفاري بالنتيجة. وتحدث النوبة القلبيّة حين تكون الشرايين التاجيّة مسدودة لدرجة حرمان العضلة القلبيّة من الأكسيجين لمدّة تكفي لموت جزء من النسيج القلبي (وهي حالة تدعى الاحتشاء). لهذا السبب يطلق على النوبة القلبيّة اسم احتشاء عضلة القلب. أمّا اعتلال الشريان المحيطي، فيحدث حين تنسدّ شرايين أخرى غير الشرايين التاجيّة. وهو ليس أقلّ خطورة، بل يسبّب جلطة دماغيّة حين ينقطع تدفّق الأكسيجين إلى الدماغ، وإن توقّف إمداد الأطراف بالأكسيجين فإنّها تصاب بالغرغرينا.

تصلّب الشرايين Arteriosclerosis: ما سببه؟

ما الذي يمنع الشرايين من نقل الدم الغنيّ بالأكسيجين إلى الأنسجة التي تحتاجه؟ إنّ تصلّب الشرايين هو المسؤول عن هذه الحالة. والواقع أنّ عدداً من الاضطرابات الشريانيّة يندرج تحت هذا العنوان، وينتج عن تضيّق الشرايين وتصلّبها مع مرور الوقت. ويعتبر توضّع الدهون على الجدران الداخليّة للشرايين واحداً من المراحل الأساسيّة لعمليّة التصلّب العصيدي. وتدعى هذه الرواسب الشمعيّة لويحات وهي تتكوّن من مزيج من الدهون والكولسترول وبقايا الخلايا والبروتين فضلاً عن أنسجة شبيهة بالأنسجة الندبيّة. ولا شكّ بأنّ اللويحات المتوضّعة تضيّق محيط داخل الشريان، مقلّصة (أو حتّى مانعة تماماً) مرور الدم. ولكنّ محيط الشريان لا يضيق في بداية عمليّة تصلّب الشرايين. عوضاً عن ذلك، يتمدّد جدار الشريان ليتمكّن من احتواء الرواسب الدهنيّة. وفي المراحل الأولى من المرض، يكون مرور الدم طبيعيّاً. ولا يتوقّف الشريان عن التمدّد إلاّ في مرحلة متأخّرة من المرض، فتبدأ الرواسب الدهنيّة بالامتداد إلى داخل الشريان، لتمنع بذلك مرور الدم من خلاله. وقد اعتقدنا في الماضي أنّ الانسداد التدريجي للشريان هو المسؤول عن النوبة القلبيّة، غير أنّ البحوث العلميّة كشفت لنا مزيداً من الحقائق حول ما يحدث خلال الجلطة الدماغيّة أو النوبة القلبيّة، وهي أكثر تعقيداً في الواقع من مجرّد أنبوب ينسدّ ببطء.

عدم استقرار اللويحات: المسؤول الفعلي

يبدأ ترسبّ اللويحات الأولى داخل جدار الشريان، مسبّباً تلفاً فيه. وغالباً ما ينتج ذلك عن شيء يهيّج جدار الوعاء الدموي على نحو مزمن، تتبعه محاولة من الشريان لعلاج نفسه، ممّا يؤدّي إلى تكوّن نسيج شبيه بالنسيج الندبي. وتنشقّ هذه الأنسجة أحياناً، مؤدّية إلى تخثّر الدم في المنطقة. وحيث تضاف هذه الخثرة الدمويّة المفاجِئة إلى انسداد بنسبة 50 بالمئة، فإنّها تضاعف الانسداد إلى 100 بالمئة مؤدّية إلى نوبة قلبيّة. ولم نكتشف سوى مؤخّراً بأنّ معظم النوبات القلبيّة ناتجة عن حالات انسداد بنسبة 50 بالمئة – وليس 90 بالمئة كما اعتقدنا سابقاً. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض أنواع اللويحات هي أكثر ميلاً للانشقاق من غيرها، لذا فإنّنا نسخّر اهتمامنا اليوم في تحديد أسباب وطرق علاج هذه الحالة المعروفة باسم عدم استقرار اللويحات.

ويعتبر التأكسد والالتهاب من الأسباب الشائعة لعدم استقرار اللويحات. فماذا عن التأكسد.

التأكسد: يسبّب البروتين الشحمي المنخفض الكثافة السامّ

إنّ الجسم البشريّ يعجز بكلّ بساطة عن العيش من دون الأكسيجين. ولكن من شأن هذا العنصر الحيوي أن يكون له أثر في تآكل خلايا الجسد. ويوفّر لنا علم المطبخ المثل الأوضح عن التأثير الضارّ للأكسيجين، فحين نقطع تفّاحةً ونتركها معرّضة للهواء، يحوّل الأكسيجين الموجود في الجوّ لون نسيج التفّاحة إلى البنّي. ويعلم الطبّاخون بأنّك لو رششت قلب التفّاحة بعصير الحامض فإنّه سيحافظ على لونه. فالفيتامين C الموجود في عصير الحامض يؤدّي دوراً مضاداً للأكسدة، ويحمي بالتالي خلايا التفّاحة من الأكسيجين الموجود في الهواء.

ولكن كيف تتمّ هذه العمليّة على مستوى الشرايين؟ لنفترض بأنّ بعض اللويحات بدأت بالتوضّع في أحد الشرايين. مع قيام البروتين الشحمي المنخفض الكثافة، والمعروف شعبيّاً بالكولسترول “السيء”، برحلته الطبيعيّة عبر الشريان، من شأنه أن يتعرّض للتلف التأكسدي إمّا بسبب تركيبته الكيميائيّة أو نظراً لانخفاض معدّل مضادّات الأكسدة بداخله.

وتهاجر البروتينات الشحميّة المنخفضة الكثافة عبر الجدار الشرياني، فتنزلق البروتينات الأصغر حجماً على نحو أسرع من البروتينات الكبيرة. ولسوء الحظّ، تعتبر البروتينات الصغيرة الحجم أكثر عرضة للتلف التأكسدي. وحين تتأكسد هذه البروتينات داخل جدار الشريان، تصبح شديدة الجذب لكريات الدم البيضاء المسؤولة عن تنظيف المكان. وفي حال تخلّصت هذه الكريات البيضاء من عدد كبير جدّاً من البروتينات الشحميّة المنخفضة الكثافة المتأكسدة فإنّها تموت محرّرة مادّة كيميائيّة تجعل اللويحات غير ثابتة. وتبدأ عندها دورة سلبيّة جدّاً: فبما أنّ الشريان المصاب يصبح أكثر عرضة للإيقاع بالبروتينات الشحميّة المنخفضة الكثافة، يصبح الشريان أكثر عرضة للتلف. ومع تعاظم التلف الذي يصيب الجدار، غالباً ما يكون انشقاق النسيج والنوبة القلبيّة التي ترافقه هي النتيجة المرتقبة.

الالتهاب: ورم في الشرايين

الالتهاب هو سبب آخر من الأسباب الشائعة لعدم استقرار اللويحات. والالتهاب هو عمليّة طبيعيّة تحدث في محاولة لشفاء بعض التلف أو التهيّج. إذ تهرع كريات الدم البيضاء، التي تمثّل جنود الجهاز المناعي، إلى ساحة الجريمة لمهاجمة الإنتان وإزالته. فحين يلتوي الكاحل ويتورّم أو تتورّم العين نتيجة لالتهاب الملتحمة – وحتّى عند إصابة أي عضو بالاحمرار والورم – فتلك إشارة إلى الالتهاب.

كما تُهرع الكريات البيضاء للإنقاذ عندما تتهيّج أوعية القلب الدمويّة نتيجة لوجبة غنيّة بالدهون أو لتعرّضها لدخان السجائر. وفي حال تعرّض الجسم للإصابة مرّة واحدة، يمكنه أن يشفي نفسه في غضون بضعة أسابيع. ولكن لسوء الحظّ، حين تكون الإصابة مزمنة (كأن يكون المصاب معتاداً على التدخين أو على تناول الوجبات الدسمة) تعجز كريات الدم البيضاء عن الاستمرار بالدفاع. فتصبح بدينة وتموت. وحين يتكرّر الأمر، يتكوّن نسيج شبيه بالندبة في اللويحات. كما أنّ الالتهاب يجعل اللويحات أكثر عرضة للتمزّق. بعبارة أخرى، فإنّ هذا الشكل من التصلّب العصيدي ليس سوى ناتج ثانوي عن محاولة الجسم علاج نفسه بنفسه – وحين تكون الإصابة مزمنة ومتكرّرة، تصبح عمليّة الشفاء الطبيعيّة مدمّرة لصاحبها.

وبالرغم من التلف الذي يسبّبه الالتهاب، إلاّ أنّ من شأنه أن يمثّل أداة تشخيص بغاية الإفادة. فحين نجد التهاباً، نعرف بأنّ الشرايين تعاني من مشكلة محتملة. وبما أنّنا نملك اليوم فحوصات تساعدنا على قياس مدى الالتهاب، يمكننا استعماله كإشارة تحذير مبكرة ذات فاعليّة في كشف اعتلال الشريان التاجي.

التكلّس Vascular Calcification: أنابيب الرصاص الشريانيّة

ومن الاضطرابات الشريانيّة الأخرى، التكلّس أو وجود كالسيوم في جدران الأوعية الدمويّة. فكما هو معروف، من شأن كلّ خليّة من خلايا الجسد تحتوي على الحمض النووي أن تنشّط مورّثات معيّنة وتحوّل نفسها إلى نوع آخر من الخلايا (وتلك هي النظريّة الكامنة وراء بحث الخليّة الجذعيّة). فحين يعاني المريض من التصلّب العصيدي لوقت طويل، يحاول الجسد إصلاح العطب بنفسه. ومن الطرق التي يتّبعها لذلك هي تحويل الخلايا المحيطة بجدار الشريان إلى نوع من الخلايا العظميّة. وحين تكون جدران الشرايين مصابة بأضرار تحتوي على الكالسيوم، فتلك إشارة واضحة إلى وجود الإصابة وعمليّة الإصلاح – إنّها العلامة المميّزة للتصلّب العصيدي. ومع مرور الوقت، تتصلّب الشرايين وتبدو شبيهة قليلاً بأنابيب الرصاص.

والحقيقة أنّ هذه الظاهرة ليست سيّئة بالضرورة. فمن شأن هذا التصلّب أن يساهم في حماية المريض. فاللويحات الليّنة التي لم تتصلّب بعد قد تتمزّق بسهولة مسبّبة نوبة قلبيّة، ولكنّ خطر التمزّق يتقلّص إن كانت عمليّة التكلّس قد بدأت منذ مدّة. ولكن بالرغم من الحسنات القليلة للتكلّس، يُعتبر الأشخاص الذين يملكون كميّات كبيرة من الكالسيوم في شرايينهم التاجيّة شديدي العرضة للنوبة القلبيّة لأنّ ارتفاع نسبة الكالسيوم يشير إلى كثرة اللويحات لديهم. فكلّما ارتفع عدد اللويحات، تضاعف احتمال تمزّق إحداها مسبّبة نوبة قلبيّة. ولا شكّ بأنّ غياب علامات التكلّس لا يمنع وجود نسبة مرتفعة من الدهون المتوضّعة، وهو لا يكفي بالتالي للاطمئنان. غير أنّ أيّة علامة للتكلّس لدى الأشخاص غير المتقدّمين في السنّ تشكّل مؤشّراً أكيداً إلى اعتلال مبكر في الشريان التاجي.

تجلّط الدم: الخثر الدمويّة

التجلّط Thrombosis هو قدرة الدم على التخثّر، وهذا ما يحميك من النزف حتّى الموت كلّما جرحت نفسك وأنت تحلق ذقنك.

والتجلّط هو طريقة أخرى يكون فيها لآليّات العلاج الطبيعيّة مفعول عكسيّ. فالدم يتعرّض باستمرار للتخثّر والتمييع في استجابة إلى محفّزات مختلفة. ولا بأس في ذلك ما دام التوازن قائماً بين العمليّتين. والمشكلة هي في الدم الميّال بوضوح إلى التخثّر أو غير القادر على تمييع التخثّر.

وإليك ما يجعل من التخثّر Clotting مشكلة. تخيّل بأنّ أحد شرايينك يحتوي على لويحات غير ثابتة تسبّب فيه انسداداً جزئيّاً. حين تنشقّ اللويحة منفجرة كالبركان، تحرّر كيميائيّات سامّة، ممّا يحفز تكوّن خثرة من الدم فوق الحاجز المتمزّق. وفي بعض الأحيان تكون الخثرة كبيرة بما يكفي لسدّ الشريان نفسه أو تبقى حرّة وتتبع مجرى الدم إلى أن تواجه انسداداً جزئيّاً آخر فتسدّ الشريان.

وقد يواجه المريض مشكلة تخثّر أخرى قبل أن تتقدّم حالة تصلّب الشرايين لديه. لنفرض بأنّك تعاني من تلف بسيط في أحد شرايينك وأنّك قمت بعمل مضرّ هيّج الإصابة – كتدخين سيجارة أو تناول وجبة دسمة فعلاً. يندفع الجسم عندها لعلاج الإصابة. فتتكوّن خثرة تتحوّل لاحقاً إلى ندبة. وتتناول بعدها وجبة دسمة ثانية أو تدخّن سيجارة أخرى أو تعرّض الإصابة لإنتان روتيني، فيحصل الأمر نفسه مراراً وتكراراً. وهكذا يتوضّع النسيج الندبي مؤدّياً إلى انسداد الشريان مع مرور الوقت.

ويقع جزء كبير من المسؤوليّة في هذا الميل إلى التخثّر على عاتق الصفيحات. وهي تتسبّب بذلك بطرق عديدة. فهي إمّا تصبح “لاصقة” وتتجمّع على بعضها ثمّ تعلق على جدار الشريان أو تحرّر كيميائيّات تجعل الدم أكثر عرضة للتخثّر. ولا شكّ بأنّك سمعت عن العلاقة بين استعمال الأسبيرين وصحّة القلب، وربّما كنت تأخذ الأسبيرين في صغرك يوميّاً وفقاً لتوصية الطبيب. والواقع أنّ الأسبيرين يسمّم الصفيحات بشكل طفيف ممّا يجعل الدم أقلّ عرضة للتخثّر.

وثمّة عدد من المشاكل الأيضيّة التي سنناقشها لاحقاً تزيد من قابليّة الدم للتخثّر. ونحن نطلق على كلّ ما يجعل الدم ميّالاً إلى التخثّر اسم مخثّرات، وكما ستلاحظ، سنعمد إلى توجيهك إلى كلّ ما يجعل دمك أقلّ لصوقيّة.

التفاعليّة الوعائيّة: التشنّج الشرياني vascular spasm

من المفاهيم الأخرى التي تجذب انتباه كثيرين هو مفهوم التفاعليّة الوعائيّة، وهو جديد نسبيّاً. ويوازي هذا المفهوم في الأساس التشنّج العضلي ولكنّه يصيب الشرايين. والواقع أنّ أطبّاء القلب يراقبون باهتمام هذا البحث الجديد، إذ تبدو التفاعليّة الوعائيّة مؤشّراً موثوقاً إلى الصحّة العامّة للشرايين.

وثمّة نوع من الرفّاص العضليّ حول كلّ شريان من الخارج يساعده على التمدّد والتقلّص خلال عمليّته الفيزيولوجيّة الطبيعيّة. الأمر أشبه بخرطوم المياه. فلو كانت جدران الخرطوم ليّنة جدّاً، ستصعب السيطرة على تدفّق المياه من خلالها. ولكن حين تكون الجدران أكثر صلابة، يمكن توجيه تدفّق المياه بسهولة أكبر. وهكذا يتقلّص الرفّاص العضليّ الممتدّ خارج الشريان لجعل الشرايين أكثر صلابة، ممّا يساعد على توجيه جريان الدم والسيطرة عليه بسهولة أكبر. وحين تقف بعد التمدّد الطويل، تتقلّص شرايينك بعض الشيء لكي يستمرّ الدم بالوصول إلى الدماغ. والدوخة الخفيفة التي تشعر بها أحياناً حين تقف بسرعة تعطيك فكرة عمّا كانت لتكون عليه حياتك لو لم تكن شرايينك تتمتّع بهذه التفاعليّة الطبيعيّة.

ولكن من شأن فرط التفاعليّة الوعائيّة أن تسبّب مشكلة، خاصّة لدى الأشخاص الذين يعانون من اعتلال الشريان التاجي. فمن غير المرغوب به أن تتقلّص الشرايين فجأة، خاصّة إن جاء ذلك بالإضافة إلى تلف يسبّب أساساً انسداداً بنسبة 50 بالمئة. ففي حال تقلّصت الشرايين تقلّصاً كبيراً، سيتوقّف جريان الدم تماماً عبر الوعاء الدموي، ممّا قد يؤدّي إلى نوبة قلبيّة. بالتالي فإنّ هذا المزيج من التقلّص غير الطبيعي والانسدادات الجزئيّة هو مصدر خطر كبير. ولو تمكّنّا من دفع الشرايين لأن تكون أكثر استرخاءً، سننجح في زيادة كميّة الدم الجارية إلى جميع أجزاء القلب وقد نتمكّن حتّى من المساعدة على منع الشرايين من التقلّص الزائد. وقد لا يتغيّر حجم الانسداد، ولكن عند منع التقلّص الوعائي، يمكننا أن نمنع الزيادة النسبيّة المفاجئة في نسبة انسداد الشريان. فكّر بالأمر بالطريقة التالية: لنفترض بأنّ أحدهم يعاني من انسداد بنسبة 50 بالمئة في شريان يبلغ قطره إنشاً واحداً، ما يعني بأنّ الانسداد يمتدّ إلى ½ إنش. حين يتقلّص الشريان، تضيق المنطقة المسدودة أكثر ممّا هي عليه أصلاً، لترتفع بذلك نسبة الانسداد من 50 إلى 100 بالمئة.

من شأن التفاعليّة الوعائيّة أن يسبّب ارتفاعاً زائداً في التقلّص الوعائي أو ميل الشرايين إلى التقلّص فجأة، بما في ذلك الأطعمة الغنيّة بالدهون المشبعة، التدخين، قلّة البروتين الشحمي المرتفع الكثافة، ارتفاع ثلاثي الغليسيريد وكولسترول البروتين الشحمي المنخفض الكثافة، والكوكايين. وكما سنناقش لاحقاً يمكن لبعض أشكال عدم التوازن الأيضي أن تسبّب هي أيضاً زيادةً في التقلّص الوعائي. أمّا العوامل التي تساعد على الاسترخاء الوعائي، والتي قد تفيد جدّاً في مقاومة هذا الميل الزائد إلى التقلّص فتشتمل على زيوت السمك، والأطعمة الغنيّة بالصويا، والرياضة.

وفي حال كنت تعاني من هذه المشكلة، ستتعلّم جميع الطرق التي تساعدك على مكافحة حالتك – بدءاً من علاج عدم التوازن الأيضي الذي يساهم في تفاقم الحالة ووصولاً إلى الغذاء المناسب والبرامج الرياضيّة التي تساعدك على التخلّص منها.

لطالما ساد الاعتقاد بأنّ اعتلال الشريان التاجي ناتج عن انسداد الشريان، ولكن يمكنك أن تطمئنّ اليوم إلى أنّ العمليّات التي تؤدّي إلى اعتلال الشريان التاجي هي أكثر ديناميكيّة وتعقيداً من مجرّد انسداد. وكلّما كنّا أكثر دقّة في تحديد وعزل الطرق المعيّنة التي تتفاعل فيها هذه العمليّات لتؤثّر سلبيّاً على صحّة قلبك، تسلّحنا على نحو أفضل لإطلاق هجوم معاكس أكثر فاعليّة.

مواضيع قد تهمك

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي