كيفية الوقاية من مرض ألزهايمر

الوقاية من ألزهايمر | دراسات

مرض الألزهايمر من أكثر أمراض المخ فتكا ويقتل 85 الف أمريكي كل عام. والألزهايمر هو أقرب إلى نوبة عقلية.

الألزهايمر هو أحد أكثر الأمراض إرهاقًا على الصعيدين البدني والعاطفي، سواء لمن يعانونه أو من يرعونهم. وبخلاف السكتة، والتي قد تقتل في الحال دون إنذار، يشمل الألزهايمر تداعيًا أكثر بطئًا وخفاءً على مدار شهور أو سنوات، فبدلًا من التصلبات المليئة بالكوليسترول في الأوردة، تتكون التصلبات من مادة تسمى الإيميلويد تنمو في نسيج المخ ذاته، وترتبط بفقدان الذاكرة، وفقدان الحياة في النهاية.

في عملي الطبي، كان ألزهايمر هو التشخيص الذي أخشى إقراره أكثر من خوفي من السرطان ذاته. ليس فقط بسبب العبء النفسي الذي يقع على المريض, لكن كذلك بسبب العبء العاطفي الهائل الذي يقع على محبيه. إن مؤسسة الألزهايمر تقدر أن خمسة عشر مليون شخص بين صديق وفرد عائلة ينفقون أكثر من خمسة عشر بليون ساعة مجانية من أوقاتهم سنويًّا لرعاية أحباب لهم لا يقدرون حتى على تمييزهم.

ورغم المليارات التي تنفق سنويًّا على الأبحاث، فلم يظهر لهذا المرض علاج أو دواء فعال، وهو المرض الذي يتطور حتمًا ليصل إلى الوفاة. باختصار، مريض الألزهايمر يصل إلى حالة أزمة – عاطفية، واقتصادية، وربما علمية. فعلى مدى العقدين الماضيين، نشر أكثر من ثلاثة وسبعين ألف مقال بحثي حول هذا المرض, وهذا يعني صدور مئات الأوراق كل يوم. إلا أن التقدم العلاجي المسجل في علاج المرض أو حتى فهمه لا يزال ضئيلًا جدًّا. والشفاء الكامل يعتبر مستحيلًا تقريبًا، نظرًا إلى أن الوظيفة المعرفية المفقودة في مرضى الألزهايمر لا يمكن استعادتها نظرًا للتلف القاتل في الشبكات العصبية بالمخ، فالخلايا العصبية الميتة لا يمكن إعادتها للحياة. حتى إن استطاعت شركات الأدوية تقديم عقاقير تبطئ من تقدم المرض، فإنه بالنسبة لكثير من المرضى، يكون الضرر قد تم فعليًّا، وفقد الشخص هويته للأبد.

لكن الخبر الجيد في هذا السياق، كما يعرضه عالم كبير في مركز أبحاث الألزهايمر في مقال بعنوان: “الألزهايمر لا يمكن علاجه، لكن بالإمكان الوقاية منه”. إن الحمية الغذائية والتغير في أسلوب الحياة من الممكن أن يمنعا ملايين الحالات من الإصابة بهذا المرض كل عام فكيف ذاك؟ هناك إجماع تكون حديثًا يقول: “إن ما ينفع القلب ينفع المخ؛” لأن الانسداد في الشرايين داخل المخ بحصول التصلب الشرياني يعتقد أنه يلعب دورًا محوريًّا في تطور مرض الألزهايمر. ليس مستغربًا إذن أن يأتي الجوهر الغذائي لنشرة ٢٠١٤ “إرشادات الغذاء ونمط الحياة للوقاية من الألزهايمر،” والتي نشرت في مجلة Neurobiology of aging ، كان: “الخضراوات، والبقوليات (الفاصوليا، والبازلاء، والعدس)، والفاكهة، والقمح الكامل يجب أن تصبح بديلًا للحوم ومنتجات الألبان كقوام رئيسي لنظامنا الغذائي”.

هل الألزهايمر مرض وريدي؟

في عام ١٩٠١، اصطحبت امرأة اسمها أوجيست إلى مشفى عقلي في فرانكفورت، بألمانيا، من قِبَل زوجها. وقد وصفت حالتها هناك بأنها امرأة متوهمة كثيرة النسيان ومشوشة لا يمكن لها “القيام بواجبات منزلها”. كان الطبيب الذي فحصها هو الدكتور ألزهايمر وكانت تلك هي الحالة التي منحت المرض اسمه.

في تشريح الجثة، حدد ألزهايمر التصلبات والكتل في أوعيتها المخية وهي التي منحت المرض بعد ذلك توصيفه؛ لكن في ذروة الحماس بالاكتشاف الجديد، تم تجاهل مسألة ما. لقد كتب في تقريره: “ظهر في أكبر الأوعية الدموية المخية بعض التصلب”. وكان يصف تيبسًا في الأوردة داخل مخ المريضة”.

نحن عادة ما نعتبر التصلب الشرياني أحد أمراض القلب، لكنه وصف بأنه مرض عام جدًّا يشمل فعليًّا جميع أجزاء الجسد”. فلديك أوعية دموية في جميع أعضاء جسدك، بما في ذلك المخ. ومفهوم “العته الوعائي،” الذي عرف أول ما عرف في السبعينيات، يقول إنه نظرًا لحساسية المخ الهرم لقلة الدم، فإن أي نقص للتدفق المنتظم للدم قد يقود إلى تدهور إدراكي. واليوم لدينا العديد من الأدلة التي تربط بين تصلب الشرايين ومرض الألزهايمر.

إن عمليات التشريح أظهرت أن مرضى الألزهايمر يعانون أكثر من غيرهم تصلبات شريانية متراكمة وضيقًا في شرايين المخ. التدفق الطبيعي للدم بالمخ – كمية الدم التي تدور داخل المخ – هي ربع جالون في الدقيقة. وبداية من سن البلوغ، يفقد الناس ما مقداره نصف بالمائة من هذا المعدل كل عام. بوصول الإنسان إلى سن الخامسة والستين، قد تنخفض قدرة الدورة الدموية بالمخ بمقدار ٢٠٪. ورغم أن هذا الانخفاض لا يؤدي وحده لإعطاب عمل المخ، فإنه يقربه من حد العطب. إن انسداد الشرايين المؤدية إلى المخ والتي بداخله بالكتل الدهنية يمكن أن يقلل كمية الدم الواردة للمخ بشكل كبير – ومن ثم الأكسجين. وفي تأكيد لهذه النظرية، أظهرت عينات التشريح أن مرضى الألزهايمر يعانون انسدادًا شريانيًّا شديدًا في الشرايين المؤدية إلى مراكز الذاكرة في المخ. وفي ضوء هذا، يرى بعض الباحثين أن الألزهايمر يمكن إعادة تصنيفه باعتباره مرض أوعية دموية.

إلا أن هناك حدودًا لمدى ما يمكننا استقاؤه من الدراسات التشريحية، فربما، مثلًا، يقود العته لدى شخص ما إلى نظام غذائي سيئ وليس العكس. ولمزيد من التأكيد على دور الشرايين المخية المسدودة في تطور مرض الألزهايمر، قام الباحثون بتتبع ما يقترب من أربعمائة شخص في بدايات فقدانهم لقدراتهم الذهنية، والتي تسمى بتلف القدرة المعرفية الخفيف, وتم استخدام صور أشعة خاصة بشرايين المخ لتقدير حجم الانسداد الشرياني في مخ كل مريض. وقد وجد الباحثون أن القدرة المعرفية والوظيفية لدى أولئك الذين يعانون أقل قدر من ضيق الشرايين ظلت ثابتة على مدار أربع سنوات هي مدة الدراسة. بينما أولئك الذين كانوا يعانون قدرًا أكبر من الانسداد الشرياني فقدوا قدرًا أكبر من قدرة مخهم، أما أولئك الذين عانوا أسوأ حالات التصلب الشرياني فقد تدهورت حالتهم سريعًا، وتضاعفت فرص تطور كامل لمرض الألزهايمر. وانتهى الباحثون إلى القول: “إن ضعف مصدر إمداد المخ بالدم له عواقب كارثية على وظيفته”.

وقد وجدت دراسة أجريت على ثلاثمائة مريض بالألزهايمر أن معالجة عوامل الخطورة المتعلقة بالأوعية الدموية الدماغية، مثل ارتفاع مستوى الكوليسترول وضغط الدم، قد يقلل من تطور المرض لكنه لا يوقفه؛ ولذا فإن الوقاية منه هي الأصل. إن الكوليسترول لا يساعد فقط على تكون الانسدادات بشرايين المخ؛ بل يساعد كذلك على تكون الكتل النشوية التي تخرق النسيج المخي لمريض الألزهايمر. الكوليسترول هو مكون أساسي لخلاياك؛ ولذا يصنع الجسد كل حاجتك منه. واستهلاك المزيد من الكوليسترول، وخاصة الدهون المتحولة والمشبعة، قد يزيد من مستويات الكوليسترول في الدم. الزيادة المفرطة للكوليسترول في دمك لا تعتبر عامل الخطورة الأول في أمراض القلب فحسب، بل إنها تعتبر بالإجماع عامل خطورة في الإصابة بمرض الألزهايمر.

لقد كشفت عينات التشريح عن أن أدمغة المصابين بالألزهايمر تحوي ترسبات من الكوليسترول أكبر كثيرًا مما يكون في المخ الطبيعي. لقد اعتدنا الاعتقاد أن تجمع الكوليسترول في المخ منفصل عن الكوليسترول الدائر مع تيار الدم، لكن الأدلة تتعاظم في الاتجاه العكسي. فزيادة الكوليسترول في الدم تقود إلى زيادة في كوليسترول المخ، والتي تساعد بدورها على تكون الكتل النشوية التي نراها في مخ المصاب بالألزهايمر. ويمكننا بالميكروسكوب الإلكتروني رؤية عناقيد من الألياف النشوية حول وعلى بلورات الكوليسترول الصغيرة. وبتقنيات التصوير المتقدم للمخ، مثل التصوير المقطعي البوزيتروني، أمكن الربط المباشر بين كمية الكوليسترول منخفض الكثافة (السيئ) في الدم والكتلة النشوية في المخ. وتأمل شركات الأدوية على استغلال هذه العلاقة لبيع عقارات الستاتين الخافض للكوليسترول لمنع مرض السرطان، لكن عقاقير الستاتين ذاتها يمكن أن تسبب ضررًا بالقدرة المعرفية للمخ، ومنها فقدان الذاكرتين القصيرة والطويلة المدى. وبالنسبة لغير المستعدين لتغيير أنماط غذائهم، فوائد الستاتين تفوق عوامل الخطورة فيه، لكن الأفضل خفض مستويات الكوليسترول بشكل طبيعي من خلال تناول طعام أكثر صحية للحفاظ على القلب، والمخ، والعقل.

جينات أم نظام غذائي؟

هذه النظرية الغذائية قد تكون مدهشة؛ لأن غالبية الصحافة تعتبر الألزهايمر مرضًا جينيًّا. إنهم يقولون إن الجينات، وليس نمط الحياة الذي تختاره، هي التي تحدد إذا ما كنت ستقع فريسة له أم لا؛ لكن حين تطالع توزيع مرض الألزهايمر في العالم، ستجد ما يناقض هذا الطرح.

إن معدلات الإصابة بالألزهايمر تتفاوت بين أرجاء العالم بمقدار عشر مرات، حتى مع الأخذ بالاعتبار تلك الشعوب التي تعمر أطول من غيرها. فمثلًا، في بنسلفانيا الريفية، إذا كنت تعرف مائة شخص متقدم في العمر، فهناك احتمال بأن تسعة عشر منهم سيصابون بالألزهايمر في السنوات العشر التالية. لكن هذا الرقم قد يكون أقرب إلى ثلاثة من بين مائة شخص في مدينة بولابجارا في الهند. فكيف نعرف أنه ما من شعوب هي أكثر عرضة من الأخرى للإصابة بالألزهايمر لأسباب جينية وراثية؟ السبب هو دراسات الهجرة، والتي تقارن فيها معدلات المرض في مجتمع المهاجر الحالي وبين موطنه الأصلي، فمثلًا معدلات الألزهايمر بين اليابانيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة أعلى بكثير من معدلاته لدى اليابانيين الذين يعيشون في اليابان. ومعدلات الألزهايمر بين الأفارقة في نيجيريا هي أقل أربع مرات من نظيرتها بين الأفارقة الأمريكيين الذين يعيشون في إنديانابوليس.

فلماذا يرفع العيش في الولايات المتحدة نسبة احتمالات الإصابة بهذا المرض؟

إن الأدلة تشير إلى أن ذلك عائد إلى النمط الغذائي الأمريكي. أنت بالطبع في هذا العالم المفتوح لست بحاجة للانتقال إلى الغرب حتى تأكل طعام الغرب، ففي اليابان زاد انتشار المرض كثيرًا في العقود القليلة الماضية، وذلك في أغلب الظن عائد إلى التحول عن النمط الغذائي التقليدي المكون من الأرز والخضراوات إلى نمط غذائي جديد ضاعف استهلاك الألبان ثلاث مرات واللحم ست مرات. وأقرب صلة وجدها الباحثون بين النمط الغذائي والعته كانت في استهلاك الدهون الحيوانية؛ لقد زاد استهلاك الدهون الحيوانية إلى نسبة وصلت إلى ٦٠٠٪ ما بين عامي ١٩٦١ و٢٠٠٨. وهناك اتجاه آخر مشابه يربط بين النظام الغذائي والعته تم رصده في الصين. فمع التحول إلى الأنماط الغذائية الغربية، يتوقع أن تستمر معدلات الإصابة بالألزهايمر في الازدياد، يقول أحد الباحثين في دورية جورنال أوف ألزهايمر ديزيس: “إذا لم تتغير الأنماط الغذائية لتصبح أقل اعتمادًا على المنتجات الحيوانية..”.

إن أقل معدلات معتمدة للألزهايمر رصدت في الريف الهندي، حيث يتبع الناس نظامًا غذائيًّا نباتيًّا يقوم بالأساس على الخضراوات والحبوب. وفي الولايات المتحدة، نجد أن أولئك الذين لا يأكلون اللحم (بما في ذلك الأسماك والدواجن) تنخفض نسب إصابتهم إلى النصف. ومقارنة بمن يأكلون اللحم أكثر من أربع مرات أسبوعيًّا، فإن أولئك الذين يتبعون نظامًا غذائيًّا نباتيًّا لثلاثين عامًا أو أكثر أقل في نسب إصابتهم بالعته ثلاث مرات.

لكن هل للعامل الجيني دور؟ نعم له دور، ففي التسعينيات من القرن العشرين، اكتشف العلماء جينًا أسموه أبوليبوبروتين إي٤، أو Apo E 4 ، والذي يجعلك أكثر عرضة للإصابة بالألزهايمر, وأي شخص لديه شكل ما من هذا الجين، لكن واحدًا من كل سبعة لديه نسخة منه يربط بينه وبين الألزهايمر. لقد ظهر أنك إذا ورثت هذا الجين من الأم أو الأب، فإن فرص الإصابة تزيد ثلاث مرات، فإن حصلت عليه من كلا الأبوين – وهو ما يحدث لواحد من كل خمسين – فقد تزيد فرص الإصابة تسع مرات.

فما الذي يفعله جين أبوليبوبروتين إي٤؟ إنه يصنع البروتين الحامل الرئيسي للكوليسترول إلى المخ. إن أبوليبوبروتين إي٤ قد يؤدي إلى تراكم غير طبيعي للكوليسترول داخل خلايا المخ، والذي يقود بدوره إلى الألزهايمر. وهذه الآلية تفسر ما يعرف بالمفارقة النيجيرية، فأعلى وجود لنسخة أبوليبوبروتين إي٤ يكون بين النيجيريين، وهو، وياللعجب، أقل الناس إصابة بالألزهايمر. انتظر لحظة. أصحاب أعلى معدل لوجود “جين الألزهايمر” هم أقل الناس إصابة به؟ هذه المفارقة قد يفسرها مستوى الكوليسترول المنخفض جدًّا في دمهم، وذلك بفضل نمطهم الغذائي المقل في الدهن الحيواني وقيامه بشكل أساسي على الحبوب والخضراوات. وهكذا يتضح أن النمط الغذائي الصحي يجبر الميل الوراثي.

تصور أنه في دراسة واحدة أجريت على ألف شخص على مدى عقدين، وجد أن نسبة وجود هذا الجين كانت ضعف فرص الإصابة بالألزهايمر. لكن مع نفس الأشخاص وجد أن ارتفاع الكوليسترول في الدم يزيد فرص حدوث الإصابة بالمرض ثلاثة أضعاف. ورأى الباحثون أن السيطرة على عوامل الخطورة مثل ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول تقلل على نحو كبير من احتمالات الإصابة بالألزهايمر، فتنخفض هذه الاحتمالات من تسع مرات مع وجود ذلك الجين لتصبح اثنتين فقط.

في أحيان كثيرة يتبع الأطباء والمرضى منهجًا قاتلًا في التعامل مع الأمراض الانتكاسية المزمنة، والألزهايمر ليس استثناء. فيقولون: “كل شيء متعلق بجيناتك، وما سيحدث لا بد أنه حادث”. تظهر الأبحاث أنه برغم وجود عيوب جينية، فإن بإمكانك التعويض بالتغذية الجيدة.

الوقاية من الألزهايمر بالأطعمة النباتية

إن الألزهايمر كمرض يظهر في سن متقدمة، لكنه كأمراض القلب ومعظم أنواع السرطان، قد يأخذ في تطوره عقودًا كاملة قبل ظهوره. وحتى لا تصبح فتجد نفسك كجهاز تسجيل خرب (أو لنقل إم بي ثري معطوب)، لم يَفُتْكَ الوقت لكي تبدأ تناول طعام صحي. إن القرارات الغذائية التي تتخذها الآن تؤثر مباشرة على صحتك في مراحل لاحقة من حياتك، بما في ذلك صحة عقلك.

معظم مصابي الألزهايمر لا تشخص حالتهم به إلا وهم في السبعينات من أعمارهم، لكننا نعرف الآن أن أدمغتهم تبدأ في التدهور قبل ذلك بكثير. ووفق مئات العينات التشريحية، حدد علماء الأمراض المراحل الأولى الصامتة للألزهايمر – والتي تظهر كتشابكات داخل المخ – لدى نصف المصابين بحلولهم سن الخمسين وتبدو في ١٠٪ منهم وهم لا يزالون في العشرينيات. الخبر الجيد أن الظهور المرضي للألزهايمر – مثل أمراض القلب، والرئة، والسكتة القلبية – يمكن الوقاية منه.

لذا فإن النظام الغذائي القائم على النباتات موصى به في إرشادات الوقاية من الألزهايمر وذلك من خلال ما أكدت عليه من أطعمة وما مالت لخفضه من أطعمة. فمثلًا، النمط الغذائي لمنطقة البحر المتوسط، والذي يكثر فيه تناول الخضراوات والفاصوليا والفاكهة والجوز، والإقلال من اللحم ومنتجات الألبان، جاء مرتبطًا بنسبة تدهور أقل في القدرات العقلية واحتمالات إصابة أقل بالألزهايمر. حين أراد الباحثون وضع قائمة بالمكونات الغذائية الواقية، جاء في المقدمة الأغذية ذات المحتوى الخضري العالي والأقل من حيث الدهون المشبعة وغير المشبعة. هذه الخلاصة تتفق مع ما خلصت إليه دراسة جامعة هارفارد لصحة المرأة والتي وجدت أن زيادة المتناول من الدهون المشبعة (ومصدرها الرئيسي الألبان، واللحوم، والأطعمة المعالجة) جاءت مرتبطة بتراجع واضح في الإدراك والذاكرة. فالنسوة اللاتي يرتفع ما يحمله طعامهن من الأغذية المشبعة، تزيد فرص تدهورهن الإدراكي بنسبة ما بين ٦٠ إلى ٧٠٪، بالمتوسط، على فرص من يصغرهن بست سنوات.

كما أن فوائد الأغذية النباتية ربما تعود كذلك إلى النبات بحد ذاته، فأغذية النباتات الكاملة تحتوي على آلاف العناصر المضادة للأكسدة، فيمكن لبعضها تجاوز عقبة الدم – المخ وإحداث تأثيرات وقائية للأعصاب وذلك بالدفاع عنها ضد الجذور الكيمائية السائبة – بمعنى، أنها تقي ضد “صدأ” المخ. إن مخك لا يمثل أكثر من ٢٪ من وزن جسمك الإجمالي لكنه يستهلك ما يزيد على ٥٠٪ من الأكسجين الذي تتنفسه، ومطلقًا ما يشبه عاصفة نارية من الجذور الكيميائية السائبة. مضادة الأكسدة الخاصة في أصباغ التوت والخضراوات الداكنة قد تجعل الغذاء الأول للمخ من مملكة الخضراوات والفاكهة.

إن الدراسة البشرية الأولى للتحقق من قدرة التوت على تحسين الذاكرة لدى كبار السن الذين ظهر لديهم التدهور الإدراكي في سن مبكرة نشرت في عام ٢٠١٠. بعدها, وفي عام ٢٠١٢، قام باحثو جامعة هارفارد بوضع نتائج تلك الدراسة في إطار كمي باستخدام بيانات دراسة صحة الممرضات، والتي تم فيها تتبع الأنظمة الغذائية لأكثر من ستة عشر ألف امرأة بداية من عام ١٩٨٠. وقد وجدوا أن النساء اللواتي يتناولن التوت مرة واحدة والفراولة مرتين على الأقل في الأسبوع تنخفض لديهن مستويات التدهور الذهني – بما يعادل عامين ونصف العام – مقارنة بأولئك اللاتي لا يتناولن التوت مطلقًا. وهو ما يعني أن تناول حفنة من التوت كل يوم، ذلك الغذاء السهل اللذيذ، قد يبطئ من سرعة تدهور مخك بمقدار عامين أو أكثر.

حتى شرب عصائر هذه الفاكهة والخضراوات قد يكون نافعًا؛ فقد تتبعت إحدى الدراسات ألفي شخص لثماني سنوات تقريبًا وانتهت إلى أن شرب عصائر الفاكهة والخضراوات بانتظام يقلل نسب الإصابة بالألزهايمر بمعدل ٧٦٪. وانتهى الباحثون للقول: “إن تناول عصائر الفاكهة والخضراوات يلعب دورًا مهمًّا في تأخير بداية مرض الألزهايمر، خاصة بالنسبة لأصحاب الفرص الكبيرة في الإصابة به”.

يرى الباحثون أن العنصر الفعال قد يكون فئة من مضادات الأكسدة القادرة على الولوج إلى المخ وتسمى البولي فينولز. وإن كانت تلك هي الحال، فإن عصير العنب الأحمر سيكون خيارك الأفضل، رغم أن الفاكهة الكاملة تفضل بشكل عام على عصائرها. وحين لا يكون العنب الأحمر متوافرًا، ابحث عن التوت البري، والغني هو الآخر بالبولي فينولز ويمكن الحصول عليه مجمدًا طيلة العام.

بخلاف كونها مضادة للأكسدة، وجد أن للبوليفينول القدرة على حماية الخلايا العصبية بمنع تكون التصلبات والتشابكات وهو ما يميز مرض الألزهايمر. نظريًّا، قد يؤدي ذلك إلى “استخراج” المعادن التي تتراكم في مناطق معينة من المخ وتلعب دورًا في تطور الألزهايمر وغيره من الأمراض العصبية الأخرى. والبولي فينول كان من الأسباب التي دفعتني إلى وضع توصيات خاصة بالتوت والشاي الأخضر.

معالجة الألزهايمر بالزعفران

على الرغم من البلايين التي تنفق في أبحاث الألزهايمر، فلا يوجد علاج ناجع واحد قادر على إبعاد أو إيقاف تقدم هذا المرض. هناك ادوية تساعد على السيطرة على الأعراض.

ورغم أن الفوائد الملحوطة التي ترد نظريا من دراسات الحالة الخاصة بالكركم، فإن أفضل نتائج وردت عن علاجات مفيدة بالتوابل كانت تلك الخاصة بالزعفران، وهو تابل مشتق من زهرة Crocus sativus، وقد وجدت للزعفران القدرة على إزالة أعراض الألزهايمر في تجارب عمياء مزدوجة، في دراسة امتدت لستة عشر أسبوعا، تناول مرضى الألزهايمر من أصحاب مستويات الخرف الخفيف والمتوسط كبسولات الزعفران فحققوا تحسنا ملحوظا في الوظيفة الإدراكية على خلاف أولئك الذين تناولوا كبسولات وهمية.

فماذا لو وضعنا الزعفران في مواجهة مباشرة مع أشهر أدوية الألزهايمر المعروضة في الأسواق: دونيبيزل (عادة ما يعرض في الأسواق باسم آريسيبت)؟ في دراسة عمياء مزدوجة امتدت لاثنين وعشرين أسبوعا (وفيها لا الباحثون ولا المشاركون في الدراسة يعرفون العقار من التابل حتى نهاية الدراسة) وجد أن الزعفران يماثل الدواء الشهير في قدرته على علاج أعراض الألزهايمر. للأسف تساوي قدرته العلاجية مع الدواء لا تعني الكثير، لكن على الأقل فإن تناول التابل لا يحيط به أي من آثار العقار الجانبية مثل الغثيان والقيء والإسهال.

وفي حين لا وجود لعلاج مؤكد يوقف تقدم الألزهايمر، فإنك إن طهوت بانتظام طبقا من البايلا المتبل بالزعفران لشخص تعرفه يعاني الألزهايمر فقد يساعده ذلك.

سموم الهرم

كل منا لديه عشرات مليارات الأميال من شرائط المادة الوراثية – تكفي لمئات آلاف الرحلات حول القمر إذا حللت كل شريط منها وقمت بوصلها ببعضها. فكيف تتمكن أجسادنا من الحفاظ عليها دون اختلاط؟ إنها إنزيمات تعرف بالسيروتين وهي التي تحافظ على شرئط المادة الوراثية مرتبة حول بعضها في لفات من البروتين.

ورغم حداثة اكتشافه، فإن السيروتين يعد من أكثر مجالات الطب الواعدة؛ لأنه على ما يبدو مسئول عن عمر صحي وطويل. إن الدراسات التشريحية تظهر أن فقدان نشاط السيروتين يرتبط كثيرًا بكل علامات الألزهايمر – بالتحديد، تراكم التصلبات والتشابكات داخل المخ. وقمع هذا العنصر الدفاعي المهم يعد أحد أعراض الألزهايمر الأساسية. وتحاول صناعة الدواء أن تخرج بعقاقير تزيد من نشاط السيروتين، لكن لم لا نمنع تدهور نشاطه من الأساس؟ يمكنك فعل هذا بالتقليل في نظامك الغذائي من المنتجات النهائية عالية التسكير.

وتعتبر هذه المنتجات هي ” سموم الهرم،” أو gerontotoxins ، (وهي مشتقة من الكلمة اليونانية geros ، بمعنى تقدم العمر. ويعتقد أن المنتجات النهائية عالية التسكير مسئولة عن تسريع عملية الهرم عبر إحداث التشابك بين البروتينات، وهو ما يسبب تيبسًا في الأنسجة، وإجهادًا تأكسديًّا، والتهابًا. وقد تتسبب هذه العملية في تكون المياه الزرقاء والانحلال العضلي في العين، كما تسبب تلفًا في العظام والقلب والكلى والكبد. وقد تؤثر كذلك على المخ، ويبدو أنها تسرع كذلك من حركة الانكماش البطيئة للمخ والتي تحدث بتقدم العمر وتقمع دفاعات السيروتين.

البالغون كبار السن ممن يعانون مستويات عالية من المنتجات عالية التسكر في الدم والبول يعانون على ما يبدو فقدانًا سريعًا للوظائف الإدراكية بمرور الوقت. وقد وجدت مستويات مرتفعة من البروتينات عالية التسكر في أدمغة ضحايا الألزهايمر. فمن أين تأتي هذه المنتجات؟ بعضها ينتج بشكل طبيعي في جسدك وتنزع منه سميته، لكن بخلاف دخان السجائر، المصادر الرئيسية له هي “اللحوم ومشتقاتها” التي تتم تسويتها بشكل جاف. وتتكون هذه المنتجات أساسًا حين تتعرض الأغذية الغنية بالدهون والبروتينات إلى درجات حرارة عالية.

لقد تم اختبار أكثر من خمسمائة نوع من الطعام لقياس درجة المنتجات عالية التسكر، من ساندويتشات ماكدونالدز والهوت بوكيتس وحتى القهوة وحلوى جيل-أوه. وبشكل عام، تحتوي اللحوم والجبن، والأغذية المحفوظة على مستويات من هذه المنتجات، وتحتوي الحبوب والفاصوليا والخبز والخضراوات والفاكهة والحليب على أقل المستويات.

المنتجات الأعلى إصابة بمنتجات التسكر هي على النحو التالي:

الدجاج المشوي
اللحم المقدد
الهوت دوج المشوي
الهوت دوج المغلي
أوراك الدجاج المحمرة
سيقان الدجاج المحمرة
شرائح اللحم المقلیه / قطع اللحم المقلية
صدور الدجاج خفيفة القلي
صدور الدجاج المقلية بالغمر وشرائح اللحم المقلي
شرائح الصدور بدجاج ماكدونالدز
دجاج ماكدونالدز ماك ناجتس
برجر الرومي المقلي
الدجاج المشوي على الشبك
السمك المقلي
الدجاج المشوي

وصلتك الفكرة

نعم، طرق الطهو تصنع الفارق، فالتفاحة المسلوقة بها من البروتين المسكر ما يزيد على ما في التفاحة النيئة ثلاث مرات، والهوت دوج المقلي به من البروتين أكثر مما في الهوت دوج المسلوق, لكن المصدر هو الأكثر أهمية: فالتفاحة المسلوقة بها ٤٥ وحدة من منتجات عالية التسكر والتفاحة الطبيعية بها ١٣ وحدة، بينما الهوت دوج المقلي به ١٠١٤٣ وحدة والمسلوق به ٦٧٣٦ وحدة. يوصي الباحثون بطهي اللحم باستخدام الماء والحرارة، مثل الطهو بالبخار أو اليخنة، لكن حتى السمك المسلوق به ما يزيد بعشر مرات من وحدات المنتجات عالية التسكر عن تلك التي في حبة بطاطا شويت لمدة ساعة. ويحوي اللحم ما يزيد بعشرين مرة من الوحدات على تلك التي في أطعمة معالجة مثل حبوب الإفطار وما يزيد ب مرة على تلك التي في الفاكهة والخضراوات. أما الدواجن فحالها أسوأ، فتحوي من هذه الوحدات ما يزيد ب ٢٠٪ على ما يوجد في اللحم البقري. لقد انتهى الباحثون إلى أن الخفض المعقول في تناول اللحوم يمكن أن يقلل من مدخولك اليومي من المنتجات عالية التسكر إلى النصف.

ولأن كبح السيروتين يمكن منعه والتحول عنه بتقليل تناول المنتجات عالية التسكر، فإن تحاشي تناول الأطعمة الغنية بها يمكن اعتباره طريقة جديدة لمكافحة الألزهايمر.

لنواجه الأمر على حقيقته: الحياة من دون ذكريات لا تعني الكثير, وسواء فقدت تلك الذكريات جراء سكتة دماغية كبيرة، أو تفسخت بفعل سكتات صغيرة تركت آثارًا صغيرة متتالية في المخ، أو تحطمت بفعل أمراض انتكاسية مثل الألزهايمر، فإن تناول طعام صحي يساعد على التخلص من أسوأ عوامل المساعدة في الإصابة بتلك الأمراض الفتاكة.

لكن السر يكمن في البداية المبكرة. إن ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول ربما بدآ فعليًّا في إيذاء مخك منذ العشرينات من عمرك. وبحلول الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وحين يكون التلف أشد وضوحًا، حينها يكون أوان الإصلاح قد فات.

ومثل العديد من الأعضاء الأخرى، يمتلك المخ قدرة مذهلة على علاج نفسه، وتخليق وصلات عصبية أخرى، ليتعلم ويعيد التعلم. هذا إن لم تعكف على تدميره ثلاث مرات كل يوم. إن الغذاء المتكامل والرياضة يقدمان لك أملًا كبيرًا في البقاء يقظًا وعفيًّا في سنوات هرمك.

وأستطيع أن أختم هذا الموضوع بملحوظة أكثر إشراقًا من تلك التي بدأت بها، فإنه على الرغم من تاريخ عائلتنا، يحافظ كل من أمي وأخي – جين – على تناول طعام صحي نباتي، ولم تظهر أمي أية علامات استسلام لأمراض المخ التي حصدت حياة والديها. ورغم أني وجين ندرك أننا سوف نفقدها بالنهاية يوما ما، فإنه بغذائها الصحي الجديد يتجدد لدينا الأمل بأننا لن نفقدها قبل موتها.

إيقاف التدهور الذهني بالرياضة

ثمة أخبار مثيرة لأولئك الذين هم على شفا فقدان قدراتهم العقلية، في دراسة نشرت في عام ۲۰۱۰ في مجلة أرشيفز أوف نیورولوجي، اختار الباحثون مجموعة ممن يعانون تراجعا خفيفا في القدرات الذهنية – أولئك الذين بدأوا نسيان الأشياء، مثلا، أو من یکررون أنفسهم بشكل منتظم – وأدمجوهم في برنامج أيروبكس لمدة خمس وأربعين دقيقة كل يوم، أربعة أيام في الأسبوع، وعلى امتداد ستة أشهر. أما مجموعة التحكم فقد طلب منها تمارين إطالة بسيطة للفترات نفسها.

عقدت اختبارات الذاكرة قبل وبعد الدراسة، فوجد الباحثون أن قدرات مجموعة التحكم (تمارين الإطالة) قد واصلت تدهورها، لكن مجموعة الرياضة لم يتوقف تدهورها فحسب، بل تحسنت، وأجاب ممارسو الرياضة بمزيد من الإجابات الصحيحة بعد فترة الأشهر الستة، بما يشير إلى تحسن ذاكرتهم.

وفي دراسات لاحقة استخدمت فيها أشعة الرنين المغناطيسي وجد أن ممارسة الرياضة أوقفت فعلا التقلص في مراكز الذاكرة والمرتبط بتقدم العمر. ولم يلحظ هذا التأثير في مجموعات التحكم أو المجموعات التي لا تمارس الرياضة.

إن تمارین الأيروبكس تساعد على تدفق الدم بالدماغ، وتحسن أداء الذاكرة، وتساعد على الحفاظ على أنسجة المخ.

نُشرت بواسطة

الطاقم الطبي

مجموعة من الأفراد المتخصصين في القطاع الصحي والطبي