الرئيسية / طب وصحة / صحة ورعاية الطفل / الحوادث المنزلية عند الأطفال والأولاد

الحوادث المنزلية عند الأطفال والأولاد

أولادنا أكبادنا يمشون على الأرض، قالها المفكر اللبناني جبران خليل جبران، معبراً عن حكمة غنية، ومعرفة إنسانية عميقة وبعد رؤى.

نستشف من هذا الكلام، البليغ والمعبر في آن، الهداية إلى الوقاية والحماية المتوجب علينا تأمينها لأطفالنا، لنكون درعاً واقية لهم من الأخطار التي تحدق بهم، في كل زمان ومكان، وطوال فترة رعايتهم؛ كيف لا وهم في سن لم يكتسبوا فيها بعد من الوعي والإدراك، وتحميهم من الوقوع أو الانزلاق في حوادث طارئة، صغيرة كانت أم كبيرة، أو تشكل أذى لأجسادهم الطرية أو خطراً على حياتهم أو وجودهم؛ والطفل ما برح في طور بداية الحركة بكل اتجاه، يدفعه حبه الطبيعي للمعرفة والاستطلاع لاكتشاف كل ما يقع بين يديه الدافئتين وتطأه قدماه الناعمتان.

وعندما نتابع ونراقب تطور نمو الحركة لدى الطفل الرضيع، نرى أنه يكتسب القدرة على الجلوس بين شهره السابع والثامن، وأول ما يسترعي انتباهه ويشده، حركة يده، يرفعها مقابل وجهه، يتأملها ثم يبرمها يمنة ويسرى، يحاكيها «يكاغيها»؛ ثم يكتشف قدميه، يتفقدهما، يمسك بإحداهما ومع التدريب والتكرار وإعادة المحاولة، يتوصل إلى وضع مقدمة أصابع قدمه في فمه…! إنها بداية التعرف على جسده أولاً؛ ليختبر بعدها ويحاول وضع كل جسم غريب يقع بين يديه في فمه… وهنا تكمن الخطورة في هذه المرحلة من حركة الطفل، لا سيما في فترة الحبو، ليلتقط كل ما يقع بين يديه محاولاً وضعه في فمه، أنفه أو مجرى أذنه فيما بعد.

.. ها هو يشتد عوداً، لكنه ما أنفك طرياً… بدأ خطواته الأولى وامتلك القدرة على المشي وحيداً، يختال فرحاً فخوراً.. إنه في رحلة اكتشاف عالمه الجديد، الواسع وبلا حدود… يمشي خبط عشواء… لكن رويداً! حذار من هذا «المغامر» الصغير، سوف يجتاح كل ما يقع تحت يديه، يتفحصه، يحاول فتح الأدراج، التسلق حيث يحلو له، ملامسة أي شيء يلفت إنتباهه، غير عابئ بالمخاطر الُمحدقة به والمطبات خلفه وأمامه، تشده الألوان الزاهية والأشكال البهية… الأنوار والأزهار إلى اللعب وأدوات الكبار…

تمر الأسابيع والأشهر.. يكتسب، يتطور، يزداد غنى، يتوقد ذكاء… يبدأ بالترويض عل لفظ العبارات والقيام بالإشارات وتقليد الحركات.. يلعب الأدوار، «يناور».. يحاول الاستفادة من الظروف والمناسبات.. يتدلل.. يتدلع زيادة وخصوصاً إذا كان في مرتبة البكر.. يستأثر.. يحاول الاستغلال!

ها قد بلغ الفطام وأكمل الحولين.. تجربته وافرة وغنية… بدأ يعبر عن نفسه، متطلباً.. «آمراً» في بعض الأوقات.. رافضاً.. عصياً في حالات؛ إنه سن الانطلاق لإثبات الشخصية… نعم.. يتلفظ بكلمة «أنا».. بكل فخر واعتزاز..!! ثقة بالنفس وعناد،… ليصبح ابن أربع سنوات «اجتماعياً» يحاول إسداء النصح وتقديم الخدمات… استقبال الضيوف والقيام بمراسم التشريفات..!

…. هي نفحة بإيجاز عن هذا الطفل… يكبر وينمو ولداً، صبياً كان أو فتاة، وفي كل مرحلة منها هو عرضة لحوادث تتفاوت أهميتها وتداعياتها، حسب نوعية الحادث، معطياته وظروفه، مع الأخذ في الاعتبار المستوى العلمي، الثقافي والاجتماعي للأهل، يضاف إلى ذلك استعدادهم وإمكانياتهم المادية للرعاية والوقاية وتجربتهم في فهم مراحل النمو والتطور التي يمر بها الأطفال والأولاد وتفهم تصرفاتهم مع محاولة الشرح والتفسير وطول البال في التعاطي معهم بهدوء وروية؛ كل ذلك في سبيل خلق جو عائلي، هادئ يسوده الأمان والاطمئنان والسلامة قدر المستطاع طبعاً. إلى جانب ذلك، المحاولة الباكرة لمعرفة شخصية الطفل، في مختلف مراحل نموه وتفهم التصرفات السلوكية، التي ربما تكون سبباً من جملة الأسباب التي تؤدي إلى الحوادث المنزلية وما أكثرها في عصرنا الحاضر، إذ هي تتغير وتتنوع، وتكون أشد خطورة أحيانا من ذي قبل، نظراً للتطور في مجالات التكنولوجيا وانتشار الأدوات الكهربائية والالكترونيات، وتحول الزمن من عصر قنديل الزيت للإنارة، مكوى الفحم للكي واستعمال نار الحطب للطهي إلى زمان الكهرباء والغاز… إلى ما هنالك من أدوات كهربائية والكترونية موجودة في المنزل، تلعب دورها لأن تكون سبباً في تكاثر الحوادث المنزلية عند الأطفال والأولاد.

من دون الدخول في تبويب هذه الحوادث المنزلية حسب مراحل العمر التي يمر فيها الأطفال أو الأولاد؛ نكتفي بذكر أهمها مع التركيز على سبل الوقاية منها مع إسداء الإرشادات والنصائح التي يفضل اعتمادها لحماية أولادنا، قدر الإمكان والمستطاع، في منزل هادئ تسوده الرعاية والعناية وتحت مظلة واسعة من الوقاية والحماية؛ ينشأ في ظلها هؤلاء أطفال وأولاد اليوم… آباء وأمهات الغد، ليصبح لديهم خبرة يستفيدون منها في حماية أولادهم مستقبلياً… وعلى أجيال متتابعة.

إرشادات ونصائح للوقاية والحماية

1. الانتباه الدائم لمصادر التيار الكهربائي والأدوات الكهربائية داخل المنزل: يتوجب السهر الدائم لتجنب الصعق بالتيار الكهربائي من خلال سد جميع مداخل الكهرباء، غير المستعملة خصوصاً، وإحكام إغلاقها بطريقة يصعب استعمالها، من قبل الطفل الذي يدفعه فضوله لوضع أية أداة موصلة للكهرباء داخلها (مسمار، دبوس، شريط معدني…)، إذ يتوافر سدادات بلاستيكية صنعت خصيصاً لذلك. كما يجب إبعاد، عن متناول الطفل، كل الأدوات الكهربائية صغيرة الحجم والمعدة للاستعمال المنزلي وتحوي على أجزاء حادة (شفرات، منشف الشعر..).وكل الكماليات والإكسسوارات المعدنية الحادة ولو صغيرة الحجم (دبابيس، أبر، شكلات الشعر، المبرد، أدوات الماكياج…).

2. إبعاد كل أنواع الأدوية عن متناول الطفل (حتى أسبرين الأطفال الذي يمكن أن يلتهمه بكمية كبيرة نظراً لنكهته الطيبة فتشكل خطراً داهماً على صحته، وهي شكلت أكثر الأدوية شيوعاً في التسمم فيما مضى، حيث كان الدواء الوحيد المستعمل لتخفيض الحرارة ومعالجة الوجع عند الأطفال) مع الانتباه الدائم بوضع الأدوية التي يستعملها الأهل، وأياً يكن الدواء، في مكان آمن وبعيد من متناول الطفل، حتى لو اعتلى الكرسي أو السلم للوصول إليها، والتأكد من الزوار الذين يستضافون، أو الأقارب الذين يقيمون مع العائلة، في البيت (لا سيما الجد والجدة) من الأدوية التي يستعملونها لكي تكون بعيدة عن متناول الطفل (حوادث التسمم الخطيرة بأدوية معالجة ارتفاع ضغط الدم، داء السكري، أمراض الغدد الصماء)؛ لذا من المفيد ومن قواعد الوقاية الاحتفاظ بجميع الأدوية الموجودة في المنزل في مكان آمن، وبعيد عن متناول الطفل، مقفل بالمفتاح؛ ويزداد الحذر عندما يكون الطفل «شقياً»، ورشاً وكثير الحركة.

3. الوقاية من كسور العظم والرضات الجسدية والمسببات للتزحلق والجروح: من الحماية بمكان أن تكون أرض المنزل خالية من أي عائق يؤذي حركة الأطفال وهم يمشون ويتنقلون بين غرف البيت، لا سيما بعد شطف البلاط بالماء والصابون أو بالمواد التي تسبب الانزلاق والوقوع المفاجئ أرضاً، ما يشكل سبباً لإمكانية حدوث كسور في العظام (الساق، الكاحل، الرسغ…..) أو رضات مؤلمة وتورم في أربطة المفاصل (الركبة، الكاحل، القدم…)، أو حتى الانكباب فجأة على الوجه مع التعرض لإصابة الأسنان الأمامية بالكسور، أو التسبب بالجروح في منطقة الوجه (الشفتان، اللسان، نزيف الأنف، جرح الحاجب، شج في فروة الرأس…). هذا إلى السهر الدائم على عدم ترك السكاكين والمدىً والمقصات وكل الأدوات الحادة (في المطبخ خاصة) المسببة للجروح تحت متناول الأطفال.

كما ينصح بألا تحوي غرف الأطفال (النوم، الجلوس) أو أية غرف أخرى، أدوات أثاث (طاولات، مقاعد، أسرة…) ذات زوايا حادة من حديد، زجاج أو ألمنيوم وتكون سبباً للجروح أو الصدمات لدى الأطفال؛ لذا يفضل أن تكون الزوايا ذات شكل دائري فهي أكثر أماناً وسلامة.

ومن وسائل الحماية والوقاية من السقوط من الطوابق العليا، عدم وضع أسرة الأطفال بمحاذاة الشبابيك التي لا تحوي حديداً للحماية.

وكذا الأمر بالنسبة إلى الشرفات إذ يتوجب تدعيمها بدرابزين عال ومتين يمنع تسلق الأطفال على جدارها والتعرض للجروح الخطيرة أو الحوادث الأكثر خطورة، حتى الموت.

4. الوقاية من أخطار مواد التنظيف المنزلية، التي تستعمل للجلي والغسيل والتعقيم والشطف والتلميع وإزالة البقع، أكانت من السوائل أو المساحيق؛ كلها تشكل مواد سامة ويجب وضعها في أماكن بعيدة عن متناول الأطفال.

5. المواد المبيدة للحشرات، الطائرة منها أو الزاحفة، المبيدات للنمل والحشرات السامة، المبيدات للحشرات التي تفتك بالمزروعات، وخصوصاً في المناطق الجبلية والزراعية (هنا لن ننسى الديمول، السم القاتل وقد أمكن لنا وخلال سنوات الحرب العجاف إنقاذ العديد من الأطفال الذين تسمموا بهذا السم الزعاف)، ومبيدات القمل والصيبان، إلى الكاز والتنر وغيرها من المشتقات النفطية والتي يجب إبعادها إلى أمكنة خارج المنزل نظراً لشدة خطورتها على صحة الأطفال. نقول ذلك ونشدد عليه لأن ما شاهدناه خلال الحروب يدمي القلب، إذ كان الأهل يعبئون هذه المواد السامة (طبعاً عن جهل ودون قصد؟!) في القناني الزجاجية للمشروبات الغازية أو في عبوات المياه المعدنية الفارغة، وهناك الطامة الكبرى عندما كانت تقع تحت يدي الطفل، الذي كان يتلقفها بسرور.. ظناً منه أنها من هذا أو ذاك المشروب الغازي أو العصير اللذيذ الطعم؟!

6. الوقاية من الحروق، وما أكثر مسبباتها، نذكر منها المصدر الأول وهو المطبخ، إما عن طريق المياه الساخنة وهي تغلي وإما الشاي خصوصاً القهوة، حيث تكون يد القدر أو الركوة أو الإبريق.. نافرة وظاهرة خارج حافة الطباخ، لتنقلب على الطفل الذي يمر أمامها مسرعاً وبدون انتباه (هو يلهو ويلعب أو يلاحق أحد إخوته في المنزل). أما المصدر الثاني للحروق بالماء الساخن هو خلال إعطاء الطفل حمامه في المغطس حيث تفتح حنفية (الصنبور) الماء الساخن أولاً لتلذع جلده أو تحرقه حسب درجة الغليان، لذا يستحسن البدء بالماء البارد أولاً ومن ثم خلطه بالماء الساخن وليس العكس كي نتفادى حصول الحرق في جلد الطفل بدرجات متفاوتة، حسب درجة غليان الماء، سرعة تدفق المياه الساخنة وكميتها.

أما عن الحروق بالزيت المغلي فهي أكثر الحروق بلوغاً، وتتفاوت خطورتها مع مناطق الإصابة، نظراً لدرجة الزيت العالية خلال الغلي؛ يحصل ذلك غالباً في المطبخ عند تحضير أطباق الطعام المقلية، وتكون يد المقلاة كما ركوة القهوة ! خارج نطاق جهاز الطبخ. من هنا واجب الانتباه إلى هذه الأمور البديهية حين تحضير الطعام الساخن في المطبخ.

لن ننسى الحروق بالنار خاصة في منازل المناطق الجبلية، حيث استعملت أدوات قديمة ولا تزال، نظراً لعدم انتظام التيار الكهربائي (مكواة الفحم، موقدة النار للطهي أو التدفئة، كانون النار ذو الجمر الحار، صوبا الحطب ومدفئة المازوت….) كلها وسائل تشكل خطراً داهماً على الأطفال الذين يقتربون منها خصوصاً عندما لا يكون هنالك رقيب أو حسيب أو عدم انتباه…. أو إهمال.

هذا لا يمنع أن ُنذكر بمصادر الحروق بالنار في المدن، بواسطة مدفئة الغاز أو الكهرباء…. دون أن ننسى المصادر الأخرى للحروق، الحريق، الانفجار أو الاختناق.. وهي متوافرة في أي مكان، عنينا قارورة الغاز، إذ لا يكفي إقفالها بإحكام بعد الاستعمال ولكن بالمراقبة الدائمة والدورية للساعة والنربيش (اللي) للتأكد من سلامتها وعدم انسياب الغاز خارج نطاق أنابيب الطباخ. هذا مع التنبه لاستعمال أصابع الشمع للإنارة في الليالي العصيبة (تذكر ولا تعاد……!)، وتسببها بالحروق والمآسي الإنسانية وصولاً حتى الموت بالاختناق… وعيدان الثقاب والولاعات التي تتواجد في أي مكان والتي يجب إبعادها كلياً عن متناول الأطفال.

7. أخذ الحيطة والحذر مع التنبه الدائم والمتواصل للوقاية من الأجسام الغريبة التي يمكن أن يلتقطها الطفل فيبتلعها أو يضعها في مجاري الأنف أو الأذن، نورد في هذا المجال ثلاثة أحداث لا تزال قيد الحصول:

• ابتلاع أجسام غريبة طرية ونباتيه، وأكثرها حدوثاً في أيامنا الحاضرة (حبة الفستق) (مخلوطة المكسرات) حيث تستقر في أحد مجاري القصبة الأساسية، مشكلة حادث تشردك وضيق نفس في البدء، ليمر الحادث بسلام وغالباً في غياب الأهل لتظهر بعد أيام النتائج الصحية للحادث على شكل التهاب حاد في الرئة مع ارتفاع في الحرارة وقصور في التنفس مع لهاث حاد، ما يستدعي التدخل الجراحي بواسطة المنظار وتكون النتيجة…. إخراج أكثر من حبة فستق وقد ازداد حجمها أضعافاً كونها جسماً نباتياً تبلل بإفرازات القصبة والاحتقان بسببها.

• ابتلاع قطعة نقدية معدنية (نادرة الحدوث حالياً.. ربع ليرة أو نصف ليرة كانت ذات قيمة..! أيام زمان، يسبب الحادث حالة اختناق حاد إذا استقرت القطعة في الحنجرة (مدخل القصبة الهوائية) ما يستوجب نقل الطفل فوراً إلى أقرب مستشفى لاستخراج القطعة النقدية بصورة طارئة. أما السبيل الآخر للقطعة هو المريء.. لتسلك بعده المجرى الطبيعي، ودون أية مشاكل صحية. وفي الحالتين تساعد الصورة الشعاعية العادية في تحديد مسلك القطعة.

• إدخال جسم غريب، صغير الحجم معدني، ورقي، كاوتشوك على شكل قطعة ممحاة أو نباتي كحبة القمح أو كتلة صغيرة من ورق المحارم (المناديل) في أحد مجاري الأنف أو الأذن… هذه الأجسام لا تشكل خطراً داهماً على صحة الطفل، لكنها تؤدي إلى مضاعفات والتهابات في هذه المناطق الحساسة من الجسم إذا ما أُهملت، وخصوصاً في حال لم يعاين الطفل من قبل الطبيب لفترة طويلة ما يؤثر على حاستي الشم والسمع.

بواسطة الطاقم الطبي

نحن مجموعة من الأطباء والمتخصصين في القطاع الصحي، نقوم بتقديم الاستشارات الطبية مجاناً والمعلومات والنصائح الطبية الموثوقة منذ عام 2005، ونستهدف الجمهور العام، المثقفون والمهتمون بشؤون صحة الإنسان. للتفاصيل، اضغط هنا