الإدمان: مقدمة – ج1

أستطيع أن أجهر بهذه العبارة إلى غالبية العوام من الناس – بالإضافة إلى عدد كبير إلى درجة تقلقهم من أخصائيي الصحة – من دون أن أخشى الانتقاد من أحد. لماذا؟ لأن معظم الناس يعرفون القليل فقط عن الإدمان، وما يعرفونه فعلاً (أو ما يعتقدون أنهم يعرفونه) يمكن تلخيصه بالآتي: يمكن للمدمنين أن يقلعوا حقاً عن عاداتهم إن هم كانوا ماضي العزيمة حقاً؛ كل ما عليهم فعله هو الالتزام بعلاجهم بإخلاص، والذي يتألف بشكل كبير من المعالجة بالمحادثة أو المعالجة النفسية الجماعية، أو برامج الخطوات الاثنتي عشرة كبرنامج المدمنين المجهولين.

تشكّل هذه المعطيات بمجموعها ما يملكه الناس من معرفة حول معالجة الإدمان. غير أنها مغرقة في الخطأ. وهي السبب الرئيس في أن نسبة النجاح في معالجة الإدمان لا تزال حالياً في حدود 20-30 بالمئة. وهذا يعني أن 70-80 بالمئة من المشاركين في أي من برامج معالجة الإدمان لن تتكلّل مساعيهم بالنجاح. فلا عجب بالتالي أن يعتقد الناس أن معالجة الإدمان من الكحول أو المخدرات غير مجدية!

لحس الحظ، لقد توصلت الأبحاث العلمية إلى اكتشاف سبلٍ جديدة للعلاج بأن أظهرت بشكل جازم أن الإدمان هو عبارة عن مرض فيزيولوجي مزمن يهاجم الدماغ ملحِقاً الأذى بأجزاء مفتاحية هامة في القشرة الدماغية والجهاز الحوفي. هذا الأذى الدماغي من غير الممكن إبطاله من خلال المعالجة بالمحادثة، وحدها الأدوية الحديثة المنتقاة والمقتصرة على هذا المجال يمكن أن تقوم بهذه المهمة. إنما عند استخدام الأدوية والمعالجة بالمحادثة معاً يمكن لهما حينها أن يحققا العجائب بكل ما للكلمة من معنى.

ستتطلع في هذا الفصل على الأبحاث العلمية الحديثة عن الإدمان وتأثيراته على الدماغ. (عبر صفحات هذا الكتاب، سأشير إلى كل من مدمني الكحول والمخدرات بكلمة مدمن، وسأستخدم كلمة إدمان للتعبير عن حالتي الإدمان على الكحول وكذلك الإدمان على المخدرات، في ما عدا ما قد يطرأ من حالات سأقوم بتحديدها). ستتعلم ما يحدث داخل دماغ الشخص المدمن، ولمَ لا يمكن للمعالجة بالمحادثة وحدها أن تكون حلاً، وكيف تساعد الأدوية الدماغ على ترميم نفسه ناهضةً بنسبة النجاح في المعالجة حتى تسعين بالمئة!

خرافات تقود إلى إخفاق معالجة الإدمان

إن الإدمان هو مرض دماغي خطير وصل انتشاره إلى نسبة يعد معها وباءً في الولايات المتحدة الأميركية. إذ تكشف الإحصائيات عن الحكاية كاملة:

– وفقاً للمسح الوطني حول استخدام المخدرات والصحة تبين أن 22.67 ملايين أميركي في الثانية عشرة من العمر أو أكثر قد أساؤوا استخدام إحدى المواد، أو أنهم كانوا معتمدين عليها خلال السنة الماضية (علماً أن 9.2 بالمئة من تعداد السكان يبلغون الثانية عشرة من العمر وما فوق).

– 15.6 ملايين من هؤلاء كانوا يسيئون استخدام الكحول أو يعتمدون عليه وليس على المخدرات.

– 3.8 ملايين أساؤوا استخدام المخدرات أو اعتمدوا عليها إنما ليس على الكحول.

– 3.2 مليون كانوا يسيئون استخدام الاثنين معاً أو معتمدين عليهما.

– نحو 9-10 بالمئة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً يتعاطون المخدرات، وقرابة النسبة ذاتها تم الإبلاغ عنهم في حالة من فقدان الوعي من الثمالة.

– في كل عام يقوم ما يزيد على مليون بالغ باستخدام مسكنات الألم لأسباب غير علاجية.

– ما ينوف على عشرة ملايين من العاملين بدوام كامل ما بين سنّي الثامنة عشرة والرابعة والستين يعتمدون على الكحول أو يسيئون استخدامه.

– سُجل تقريباً نحو المليون دخول إلى غرفة الطوارئ لأسباب تتعلق بتعاطي المخدرات بشكل سنوي في الولايات المتحدة الأميركية.

– ينفق الأميركيون ما يقارب 20 مليار دولار سنوياً على معالجة المشكلات المرتبطة بالكحول والمخدرات.

– 75 بالمئة من المدمنين على تناول المشروبات الكحولية لا يدخلون في أي برامج علاجية.

– من بين أولئك الذي يلجأون بالفعل إلى برامج المعالجة، 70-80 بالمئة يعانون انتكاساً سريعاً بعد استكمال برنامج علاجهم.

لكن، لعل أكثر ما يخيف من بين تلك الإحصائيات هي التي تعبر عن كمية الخسائر في الأرواح. إذ إن الإدمان على الكحول هو السبب الرئيس الثالث المؤدي إلى الموت في الولايات المتحدة، بعد مرضي القلب والسرطان مباشرة. وبالرغم من أن أحداً لا يعلم بدقةٍ عدد الأرواح الإضافية التي تُزهَق جراء تعاطي المخدرات، إلا أن الرقم بلا ريب نحو عشرات الألوف سنوياً.

يبلغ سايمون من العمر خمسة وأربعين عاماً، وهو يعمل صيدلياً في مصنع يقع في دالاس، وقد تمت إحالته إليّ بأمر من قاضِ في محكمة قضايا الإدمان حين وجهت إليه تهمة القيادة في حالة الثمالة للمرة الثانية، ويواجه عقوبة السجن لمدة عشر سنوات. لقد كانت حياته تشارف على الخراب. فإدمانه على الكحول قد وضع حياته المهنية في خطر، ولعب دوراً حاسماً في تقويض زواجه الذي دام خمسةً وعشرين عاماً قبل ثلاثة أعوام. ومنذ ذلك الحين تزايدت عادة الشرب لديه بشكل متنامٍ. ومن بين أولاده الثلاثة، ابن واحد فقط كان لا يزال يتحدث إليه، بينما حظرت عليه ابنتاه الاقتراب من منزليهما بعد أن ظهر ثَمِلاً بشكل متكرر هناك وأخاف أولادهما. كما أنه قد بدأ يدفع ضريبة إدمانه على الكحول من صحته، إذ وصل ضغط الدم لديه ومعدل الكوليسترول إلى مستويات خطيرة الارتفاع، وهما نوعان من الأعراض النموذجية لأمراض القلب. بالإضافة إلى أن بياض عينيه بات مشوباً بالاصفرار مما يشير إلى قصور في عمل الكبد. وقد أخبره طبيبه أن هذه الأعراض بمجملها ذات علاقة مباشرة بسوء تناوله للمشروبات الكحولية، وبالرغم من ذلك، فإنه لم يسعَ ولم يتلقَّ أي نوع من العلاج لمشكلة إدمانه على الكحول.

ليست مشكلة سايمون فريدة من نوعها. فنحو 75 بالمئة من مدمني الكحول لا يتلقون العلاج لمرض يتسبب بوفيات تقارب في تعدادها الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والسرطان. لمَ تفتقر أساليب علاجنا الحالية إلى الفعالية؟ ابتداءً، تعيق قدرتنا على منع الإدمان ومعالجته بفاعليّة أسطورتان:

– الأسطورة الأولى: إن الإدمان هو نوع من مرض الشخصية.

فكثيراً ما يُوصَم الأشخاص المدمنون على أنهم فاشلون، فهم ثلة آثمة ترفض أن تواجه ببسالة أعمالها الشريرة، أو أنهم ضعفاء خانعون غير قادرين على تحمل مشاقَّ علاجهم لفترة كافية للتخلص من عاداتهم السيئة. وتفعل وسائل الإعلام فعلها في الإسهام في هذا الاعتقاد، فقد شهدنا جميعاً مواكب لا تنتهي من القصص عن ليندسي لوهان، روبرت داوني، جي آر، ليزا مينيللي، وعدد لا يحصى من المشاهير الذين يداومون الوثب من وإلى البرامج العلاجية في أثناء إدمانهم. إنما بعد إنفاقهم 80.000-100.000 دولار شهرياً على العلاج، يبدو أنهم جميعاً يتسابقون إلى أحد المشارب أو يسعون للقاء موزعي المخدرات المعتمدين لديهم، ليغوصوا بلا أدنى تردد في سلوكياتهم المدمرة القديمة. بينما يظهرون للملأ أنهم يتلقون أفضل العلاجات المتاحة (أو على الأقل الأعلى تكلفة بينها) فالاعتقاد السائد أن الذنب وبلا ريب ذنبهم كونهم لا يستطيعون الحفاظ على حالة الصحو؛ لا بدّ من أنهم لا يبذلون جهداً كافياً.

– الأسطورة الثانية: المعالجة بالمحادثة هي سبيل العلاج المجدي الأوحد.

إن المعالجة بالمحادثة هي عبارة عن سلسلة من النقاشات يتعلم المدمن من خلالها مهارات التأقلم التي يحتاج إليها للتعامل بشكل فاعل مع الضغوط ومع المسائل الأخرى المتعلقة بالإدمان. يعتقد معظم أخصائيي الصحة – من أطباء وأخصائيين في علم النفس وأطباء معالجين نفسيين ومستشارين في شؤون الإدمان – أن الإمكانية الفضلى لمعالجة الإدمان على الكحول أو المخدرات تتمثل بنوع من جلسات المعالجة بالمحادثة، كالمعالجة الجماعية بالإضافة إلى الاستشارات الفردية، مقرونة بالمشاركة في برنامج مستمر من اثنتي عشرة خطوة. لسوء الحظ، لا يؤتي هذا النوع من المقاربة أكله سوى بنسبةٍ ضئيلة تتراوح بين 20 إلى 30 بالمئة فقط من المرضى، وهي حقيقة أفضت بمعظم القائمين على أمور الصحة إلى الاقتناع أن الإدمان علة غير قابلة للعلاج.

على مدى عقود من الزمن، أدت هاتان الفكرتان المغلوطتان إلى وضع أنشوطة حول رقبة أي تطوير لوسائل علاج فاعلة للإدمان. لقد سلبت الأشخاص المدمنين وأسرهم الأمل، وكلفت بلادنا مئات المليارات من الدولارات.

جيسون عامل لِحام يبلغ الخامسة والخمسين من العمر، حاول الحصول على المساعدة لمشكلة إدمانه على الكحول بعد أن مر بتجربة الطلاق الثالثة. في ذلك الوقت كان يحتسي ربع غالون من الفودكا يومياً، وكان يعلم أن ذلك يؤثر بشكل جدي في عمله وحياته الخاصة. وهكذا قام في أحد الأيام في أثناء استراحة الغداء بالظهور في اجتماع للمدمنين المجهولين يقع قريباً من مكان عمله. وفي غضون عشر دقائق، صنف جيسون الموجودين هناك على أنهم جماعة من السكيرين المخفقين اليائسين، وأنه لم يكن يشبههم بشيء البتة. وأكد لنفسه أن بإمكانه التخلي عن الكحول بنفسه؛ فهو ليس بحاجة إلى المساعدة. لكنه وبعد أمسية واحدة وحسب لم يحتسِ فيها الكحول، استيقظ جيسون ويداه وساقاه ترتعش ولديه حاجة ماسة إلى احتساء المشروب. فقرر أنه لا ضير من تناول كأس صغيرة واحدة للحفاظ على تماسك أعصابه. بطبيعة الحال، كانت تلك البداية وحسب، وسرعان ما استعاد عادته في تناول ربع غالون يومياً. بعد مضي ستة أشهر تقريباً، وبعد اتهامه بجنحة القيادة في حالة الثمالة، دخل جيسون مركزاً لإعادة التأهيل للمرضى المقيمين لإزالة السموم لمدة أسبوع. وعند مغادرته المركز، كان يفترض به أن يحضر دروساً تعليمية عن الكحول وجلسات للمدمنين المجهولين بشكل منتظم. غير أنه بعد مضي ستة أيام وحسب من عودته إلى المنزل، عاد جيسون إلى المشروب مجدداً.

أين هو مكمن الخطأ في أساليب معالجتنا للإدمان؟ لمَ كثيراً ما تبوء تلك المحاولات بالإخفاق بشكل بائس إلى حدٍّ بعيد؟ من الواضح أنه يتوجب علينا أن نتناول الأمر بمقاربة جديدة تماماً. إننا بحاجة إلى نقلة نوعية، إلى مقاربة تفعل في معالجة الكحول ما فعله الأنسولين بمرض السكري، وما فعله البروزاك بمرض الاكتئاب، وما فعله عقار الفياغرا بعدم القدرة على الانتصاب. لحسن الحظ فقد توصل العلم حديثاً إلى إلقاء ضوء جديد تماماً على الإدمان. فقد أضحى بإمكاننا الآن أن نجزم من دون شك أنه مرض مزمن، إنه مرض دماغي يمكن بل ويجب أن تتم معالجته كالأمراض المزمنة الأخرى – كمرض السكري، الربو، وفرط ضغط الدم الشرياني – التي تغير من آلية عمل الجسم.

مولد الإدمان:

يسألني مرضى كثيرون عن سبب حدوث ذلك لهم، قائلين: “كل من أعرفه يشرب الكحول، فلماذا يستطيعون هم شرب القليل ثم التوقف، بينما لا أستطيع أنا؟”. في حين يلاحظ آخرون أن بعض أصدقائهم يدخنون الماريجوانا، أو يشمون بعض المواد إنما تبقى الأمور لديهم تحت السيطرة، بينما يصبحون هم مدمنين كاملين.

ليس بإمكاننا أن نحدد على وجه الدقة سبب تحول المرء إلى مدمن على الكحول أو المخدرات، لكننا نعلم أن هناك عوامل خطر بعينها تجعل من الشخص عرضة للإدمان أكثر من غيره. وهي تتضمن:

– الوراثة: فهناك عوامل وراثية معينة قد تسهم في زيادة القابلية على الإدمان.

– الحالة العاطفية: فالمستويات العالية من الإجهاد، القلق، أو الآلام النفسية يمكن أن تقود بعض الأشخاص لاحتساء الكحول أو لتعاطي المخدرات في محاولة لحجب الاضطراب عنهم. إن مستويات محددة من هرمونات الإجهاد واستمرارية وجودها قد يكون مرتبطاً بسهولة الانزلاق نحو الإدمان.

– عوامل نفسية: فالمعاناة من الاكتئاب أو التقدير المنخفض للذات قد يجعلك أكثر عرضة لاحتساء المشروبات الكحولية ولتعاطي المخدرات على نحو مفرط. والبالغون المصابون باضطرابات نقص الانتباه وفرط النشاط يمكن أيضاً أن يكونوا أكثر قابلية للاعتماد على الكحول.

– عوامل اجتماعية وثقافية: أن يكون لديك أصدقاء أو أشخاص مقربون يحتسون الكحول أو يتعاطون المخدرات بشكل منتظم – حتى وإن لم يصل ذلك إلى مرحلة الإدمان – غير أنه سيعزز من إمكانية التناول المفرط من قبلك. إذ قد يكون من الصعب بالنسبة إليك أن تنحي نفسك عنهم أو على الأقل عن عاداتهم في الشرب والتعاطي. أضف إلى أن الصورة البراقة التي تصور بها المشروبات الكحولية في الإعلانات وفي وسائل الإعلام يمكن لها أن تبث رسالة أنه لا ضير من احتساء الشراب بشكل مفرط.

– العمر: الأشخاص الذين يبدأون باحتساء المشروبات الكحولية في عمر مبكر معرضون لخطر أكبر في الاعتماد عليها أو في سوء استخدامها، وذلك في السادسة عشرة أو حتى ما قبلها.

– الجنس: الرجال أكثر احتمالاً لأن يعتمدوا على الكحول وأن يدمنوا عليه من النساء.

– تاريخ العائلة: فمن كان أحد ذويه أو كلاهما مدمنين يصبح خطر الإدمان لديه أعلى.

تطرح هذه العوامل خطوطاً إرشادية تقريبية لمن هو على الأرجح أكثر استعداداً لأن يصبح مدمناً، أو تشرح الأسباب التي جعلت منك مدمناً.

كيف يسبب الكحول الضرر للدماغ:

منذ زمن ليس ببعيد، كان من الضروري الانتظار لأن يفارق المدمن الحياة قبل أن يتم فحص دماغه أو دماغها فيزيولوجياً، من عمليات وزن وقياس وبحث عن المناطق المتأذية. لقد كان ذلك ذا عون إنما لدرجة محدودة إذ إنه هناك محدودية لما يمكن تعلمه عندماغ ميت.

أما في يومنا هذا، فتتيح لنا التقنيات العالية الحديثة – بما فيها التصوير بالرنين المغناطيسي MRI، والتصوير الممتد الانتشار DTI، والأشعة المقطعية بالانبعاث البوزيتروني PET – أن نرى الدماغ بتفاصيل لم يسبق لها مثيل فيما لا يزال حياً ويؤدي وظائفه. لقد أضحى بإمكاننا أن نشاهد الدماغ وهو يعمل بما للكلمة من معنى، وأن نتتبع كلاً من الأذى والترميم عند وقوعهما.

لهذا السبب تعلَّمنا في غضون سنوات قليلة فحسب، الكثير عن الكيفية التي يؤدي بها استهلاك الكحول بإفراط إلى أذية الدماغ مع مرور الوقت. ولعل الأذى الأكثر وضوحاً يتمثل في التقلص الناجم عن تدمير خلايا الدماغ. فالاستهلاك المفرط للكحول على مدى شهور، سنوات أو عقود، يؤدي بالدماغ الصحي وطبيعي الحجم إلى الذبول. لذلك، فإن المدمنين على الكحول والذين يشربون بإفراط يملكون مادة دماغية أقل ليعملوا بها. وهي حقيقة تم توثيقها مرات عديدة.

إن الكثير من الانكماش الحاصل في الدماغ يحدث في قشرة المخ في الفص الجبهي. وقشرة المخ هي الطبقة الخارجية من الدماغ، تحوي الكثير من الثنيات ومملوءة بالأخاديد التي تشبه الأودية الضيقة، تلتف حول الدماغ. ويلعب الفص الجبهي الذي يتموضع تماماً خلف الجبهة، دوراً مهماً في الذاكرة، والمحاكمة، والتحكم بالدوافع، وحل المشكلات، وبمهارات فكرية أخرى. بالإضافة إلى أنه يتحكم بتنظيم السلوك الاجتماعي والجنسي. لذا، فإن أذية هذا الجزء من الدماغ يجعل الأمر على المدمن صعباً إن لم يكن مستحيلاً، أن يدرك السبب في أن الشرب حتى أقصى درجات الثمالة طيلة الوقت أمر خطير من جهة، وأنه من الضروري الانتباه إلى أمور أخرى كالعمل، والعائلة، والصحة من جهة أخرى. ومن غير المفاجئ أن الدماغ المتأذي يمكن أن يجد التركيز على الشفاء من الإدمان أمراً شبه مستحيل.

ليس الفص الجبهي هو الجزء الوحيد من الدماغ الذي تضرّه الكحول. بل إن المخيخ وكذلك أجزاء أخرى من القشرة الدماغية تنكمش حين تُغرق بالكحول. وبتناغم هذه الأجزاء مع بعضها بعضاً ينتظم التفكير، والاستنتاج، والتخطيط، والتنظيم، والتوازن، والتناسق، والمشي، والجري، والرقص، وجميع أنواع الحركات الأخرى.

تغيير نظام التواصل في الدماغ:

يؤدي الإدمان على الكحول كذلك إلى أذية الدماغ بطرائق أكثر مكراً، تعطل أنظمة التواصل في الدماغ.

الدماغ هو أداة للتواصل، والتخزين، وتفسير البيانات. إذ تستقبل خلايا الدماغ البيانات من داخل الجسم (على سبيل المثال: درجة حرارة جلد إبهام القدم، امتلاء أو خواء المعدة) ومن خارج الجسم (مثال: ما يقوله المدير، لون وحجم الغيوم في السماء). هذه المعلومات تقوم بتحليلها وتفسيرها خلايا محددة في الدماغ، وهي التي تقوم بعد ذلك بإرسال التعليمات الحركية إلى خلايا أخرى في الدماغ، والتي تمرر بدورها هذه الأوامر إلى الجسم. فجميع المعلومات الواردة والصادرة تتصل ببعضها بعضاً وتخزن داخل الخلايا الدماغية المناسبة.

وكي يتمكن هذا النظام المعقد من العمل، يتوجب على ملايين الخلايا الدماغية في رأسك أن تكون قادرة على التحدث مع بعضها بسهولة وبشكل مباشر. وهي تقوم بذلك عبر قضبان طويلة (تدعى المحاور والتغصّنات العصبية) تمتد من مركز الخلية العصبية. لا يمكن لهذه القضبان عملياً أن تلمس بعضها، بل عوضاً عن ذلك، فإن نهاية أحدها تصل تماماً إلى نهاية القضيب الثاني تاركة فجوةً صغيرةً بين الاثنين. وعندما تريد الخلية الأولى أن تقول شيئاً للخلية الثانية، فإنها تفرز مادة كيميائية تواصلية خاصة تدعى النواقل العصبية، وهي التي تسافر من قضيب إلى آخر. وأيّ من هذه النواقل العصبية سيُستخدم، هو أمر يعتمد على ما تريد الخلية الأولى أن توصله.

بانزلاقه عبر الفجوة بين القضبان، ينساب الناقل العصبي إلى داخل منطقة تدعى المستقبِل على قضيب الخلية الثانية، إنما ليس أي مستقبِل. فهي تصلح فقط لمستقبِل محدّد، تماماً كما يصلح المفتاح لقفل محدد. وما إن يستقر الناقل العصبي في المستقبِل حتى يحفز وميضاً من التمييز لدى الخلية الثانية. إن وجود تلك المادة الكيميائية التواصلية في ذلك المستقبِل تحديداً يخبر الخلية بالضبط نوعية الاستجابة التي يفترض أن تقوم بها. وبالاعتماد على عمل الخلية الثانية في الدماغ ستكون الاستجابة في الطلب من القلب أن يخفق بشكل أسرع، أو من الفم أن يقدم اعتذاراً، أو من اليد اليسرى أن تضرب بعوضة بعنف، وهكذا.

قد يبدو هذا الشرح مبسطاً، غير أن نظام الاتصال في الدماغ معقد للغاية. فلضمان أن يعمل بشكل سليم، يجب أن يتم إفراز الأنواع والمقادير الصحيحة من النواقل الكيميائية من قبل الخلايا المتحدثة تماماً في الأوقات المناسبة. كما يجب أن يتوفر أيضاً العدد المناسب والنوع المناسب تماماً من المستقبِلات العصبية على الخلايا المتلقية.

فكّر فقط في الأخطاء التي يمكن أن تقع، بصورة جدّ مبسطة:

– إن لم يتوفر لدى الخلية المتحدثة ما يكفي من النواقل العصبية الضرورية، فلن يكون بمقدورها عندها أكثر من أن تهمس برسالتها، أو لعلها تصبح صامتة كليّاً.

– إن كان لدى الخلية المتحدثة أكثر مما ينبغي من نوع محدد من النواقل، فقد يشجعها ذلك على قول أشياء لم تكن تعنيها.

– إن لم تتوفر لدى الخلية المستمعة المستقبلات الضرورية كافية، فلن يكون بمقدورها أن تسمع الرسالة، أو أنها ستسمعها على شكل ضعيف فقط.

– أو أن يكون لدى الخلية المستمعة أكثر مما ينبغي من نوع محدد من المستقبلات، فإنها ستستمع بإفراط إلى نوع واحد محدد من الرسائل، ربما متجاهلة البقية.

أفترض أنه في كل مرة يحاول فيها صديقك الحميم أن يقول: “دع المشروب واذهب إلى منزلك”، يصبح فيها صوته بالكاد مسموعاً. أو ماذا لو أن أذنيك كانتا فقط تستمعان إلى صياح الناس: لنحتفل! لنصخب! ولا شيء غيره؟ هذا ما يحدث في دماغك عندما لا يكون نظام النقل العصبي عاملاً بشكل سليم.

إن احتساء الكحول على نحو مزمن يمكن أن يعرقل الاتصالات الداخلية في الدماغ بتغييره لمقادير، أنواع، ونسب النواقل العصبية، وكذلك الحال بالنسبة إلى أعداد، أنواع، ونسب النواقل العصبية في المواقع المستقبلة. فعلى سبيل المثال، يسبب الاستهلاك المزمن للكحول إطلاق كميات وافرة من النواقل العصبية السيروتونين والدوبامين، ناقلَي المتعة اللذين يساهمان في تصعيد الشعور بالنشوة، وجعلك ترغب بالانتشاء مجدداً. ووجود نسب عالية من السيروتونين والدوبامين في دورتك الدموية يشبه وجود ملايين من الأشخاص الصغار في دماغك، جميعهم يشربون ويمضون وقتاً طيباً ويدعونك لاحتساء المشروب معهم.

يمكن كذلك للتناول المفرط للمشروبات الكحولية أن يعمل بطريقة معاكسة، مسبباً أن تغلق خلايا الدماغ عمل المستقبِلات لناقل يدعى غابا GABA، (حمض الغابا – أمينو بوتيريك). إن غابا يكبح الاندفاع لدى المرء، ويحافظ على هدوئه. بوجود كميات ضئيلة من غابا فحتى عندما تدخل فكرة من قبيل، لقد تناولت ما يكفي دماغك، فقد لا تسمع بشكل جيد لأنه لا يوجد عدد كافٍ من الآذان لتسمعها.

كما يؤدي الكحول إلى زيادة عدد مواقع استقبال الغلوتامين، والذي من إحدى وظائفه أنه يلعب دوراً في إحداث النوبات. فإن لم يتم الإبقاء عليها مملوءة من الناقل الكيميائي الذي يحركه الكحول، فيمكن لها أن تسبب هيجاناً في جهازك بأكمله، وحتى إنها تكثر من احتمال وقوع النوبات. إننا على علم بأربعين نظاماً ناقلاً عصبياً آخر على الأقل في الدماغ، جميعها يعطلها الاستخدام المزمن للكحول.

هذه التحولات وغيرها في الدماغ تجعل أمر استماع مدمن الكحول إلى الرسائل الجيدة وتجاهل تلك السيئة أمراً صعباً. هل بإمكانك أن تتخيل صعوبة الوصول إلى حالة الصحو ومن ثم المحافظة عليها بدماغ منكمش تنهكه طيلة اليوم طرقات رسائل، من مثل “يجب أن تحصل على شعور جيد، يجب أن تشرب!؟” أي عندما يعج الدماغ بإشارات منشطة ومحفزة، إن لم يتم إشباعها بالوجود الكافي من الكحول، فيمكن أن تسبب وقوع نوبة.

ماذا يحدث عندما تمتنع عن الشرب؟ فجأة، تختفي المادة التي كانت تتسبب بأذية دماغك وفي ذات الوقت إغراقه بالرسائل الضارة. غير أن الأمور ليست على ما يرام؛ بل أبعد ما تكون عن ذلك. فدماغك لا يصلح أموره بين عشية وضحاها. إذ لا يقوم بإقصاء نواقل التي ترسل: “اذهب واثمل!”، ولا يزيل مستقبلات “أحب الاحتفال!” المفرطة، ولا يقوم فورياً بإنتاج نواقل “أصغِ بانتباه أكبر إلى محاميك وأنت ترتشف الشاي”، أو يبني مستقبلات “من السار أن تكون في حالة هدوء” في ليلة واحدة. إن الدماغ لا يزال إلى آخر خلية فيه يستميت في طلب كحوله. إنه لا يريد التغيير، بل يفضل الأمور تماماً على ما هي عليه. لهذا السبب يعد الإدمان مرضاً. إنه ليس عيباً في الشخصية ولا نقصاً أخلاقياً، وليس نتيجة للكسل أو الأنانية. إنه مرض طويل الأمد أحدثته أذية فيزيولوجية في الدماغ قابلة للقياس.

لهذا السبب لا يمكن للمدمنين أن يتوقفوا ببساطة عمّا أدمنوا عليه، ويتابعوا بانتباه مناقشة عقلانية تشرح لِمَ من الأفضل أن يكون المرء صاحياً، كما لا يمكن أن يحجموا عن التفكير في الانتشاء، أو أن يتوقفوا عن تبذير أموال الأسرة سدى على المخدرات. إنهم غير قادرين على القيام بهذه الأشياء لأن المرض قد خرب عقولهم، تماماً كما يفعل مرض ارتفاع ضغط الدم بالشرايين، وداء السكر بالكليتين. فأنت لن تضع وجهك قبالة بطن المصاب بمرض السكر وتصرخ “أنتما أيتها الكليتان هناك في الداخل! توقفا عن التكاسل! وباشرا بمعالجة البول بشكل مناسب، الآن!” فالكليتان غير قادرتين على سماع أوامرك أو الاستجابة لها، وكذلك الدماغ المتضرر لدى المدمنين على الكحول أو المخدرات. لحسن الحظ فإن الرسائل من مثل: “يجب أن أحصل عليه!” تتلاشى مع الزمن، ويقوم الدماغ فعلاً بترميم نفسه (وهي حقيقة لم يكتشفها العلماء إلا مؤخراً). وهذا أمر حقيقي حتى لدى الأشخاص الأكبر سناً. غير أنه في الأعمار كافة تستلزم عودة الدماغ إلى حالته الأصلية، حالة الصحو، وقتاً طويلاً. وفي كثير من الأحيان، لا يسترجع كامل وضعه الأصلي الذي كان عليه قبل الإدمان.

نظرة بيانية على أذية الدماغ:

إنّ تتبَّع استخدام الغلوكوز، وقود الدماغ هو طريقة أخرى لفهم الكيفية التي يؤذي بها الكحول الدماغ. تستخدم خلايا الدماغ الغلوكوز بشكل حصري لتوليد الطاقة التي تحتاج إليها لتأدية وظائفها. وبقياس مقدار الغلوكوز المستخدم من قبل الخلايا في مناطق مختلفة من الدماغ، تمكن العلماء من تحديد الخلايا الصحيحة والخلايا التي أضعفها احتساء الكحول وتعاطي المخدرات.

إن هذا الضرر الذي يظهر في شكل تغيُّر في أنواع ومقادير النواقل والمستقبلات العصبية، وفي تحول استخدام الغلوكوز وفي اختلافات أخرى، يقع في مناطق عديدة من الدماغ من بينها:

– القشرة الدماغية (اللحاء): وهي المنطقة الخارجية من الدماغ التي تحوي الخلايا الأكثر تطوراً، حيث يحدث التفكير المجرد والعمليات الإدراكية، مما يتيح لنا القيام بالتفكير، والتعلم والإدراك.

– المنطقة الحوفية: وهي بنية داخل الدماغ تتحكم بالرغبات وحوافز الجسم الأساسية. كذلك تحتضن السلوكيات الفعالة كالأكل، والشرب، والسلوك الجنسي في هذه المنطقة التي تمتلئ بدارات عاطفية مُجَدوَلة تعطي تلك الحوافز قوى عاطفية لا تقاوم.

– الحُصين: منطقة متاخمة للمنطقة الحوفية، حيث تستقر العديد من خلايا الذاكرة طويلة المدى، والتي تتصل جميعها بالدارات العاطفية للمنطقة الحوفية كما تتصل المقابس بالكهرباء.

بالمحصلة، فإن الناتج هو دماغ مبرمج على القيام بالأمور غير الصحيحة مرة تلو الأخرى. وتظهر الصور التالية بعضاً من الأذى الفيزيولوجي الذي يصيب الدماغ نتيجة للاستهلاك الزائد للكحول. الصورة في الأعلى، والتي تم الحصول عليها من اختبار تخيلي يدعى SPECT، تظهر دماغاً في حالته الطبيعية. الصور الثلاث الباقية هي مناظر لدماغ شخص في الثامنة والثلاثين من العمر كان يحتسي الكحول على نحو مفرط في عطلة نهاية الأسبوع على مدى سبعة عشر عاماً. ويظهر الأذى المادي في صور الدماغ المتضرر جراء شرب الكحول، إضافة إلى تراجع واضح في النشاط العام. وبعيداً عن المصطلحات التقنية، فإن الدماغ المتضرر يبدو ككتلة كبيرة من الجليد القطبي قد ذاب نصفها وامتلأت بالتصدعات.

إن هذه الصور توضح الأمر برمته. إن الكحول والعقاقير المسببة للإدمان تسبب أذى مادياً للدماغ وتؤدي إلى تحوله، بنفس الطريقة التي تضر بها أمراض أخرى مزمنة بأجزاء أخرى من الجسم.

الإدمان مرض مزمن يتطلب معالجة طبية

إننا معتادون على تسكين أمراضنا المزمنة. فتعالج الالتهابات نمطياً بالمضادات الحيوية على مدى بضعة أيام، بينما يمكن معالجة الاكتئاب بعقار بروزاك في غضون أسابيع. حتى في حالة الكلى المصابة بالفشل الكلوي والمفاصل المتضررة يمكن استبدالها جميعاً، مستعيدين بذلك حركة خالية من الألم خلال أسابيع أو شهور.

يعود الفضل العظيم إلى أحدث الأدوية والعمليات الجراحية الممتازة التي نجريها؛ في حين أن الكثير من أمراضنا المزمنة الحالية قد باتت حادة. بمعنى أنها تطرأ سريعاً، وتصل إلى ذروة الخطر، ثم تتلاشى سريعاً. فأنت تلاحظ وجود ألم ينبض في جبهتك عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، فتتناول حبة أسبرين وقبل أن تجلس لتناول غدائك يكون ألمك قد زال. كما يمكن أن تجرح يدك، فتصاب بالتهاب يوم الاثنين، ويوم الأربعاء تكون في عيادة الطبيب تتلقى وصفة من المضادات الحيوية، وبحلول يوم الجمعة تكون المشكلة قد حُلّت.

لسوء الحظ، فإن الأذى الناجم عن الكحول والذي يصيب الدماغ ليس من النوع الذي ينطبق عليه القول: “ما يأتي سريعاً يذهب سريعاً”. فهو يستغرق وقتاً لا بأس به ليُشفى، ومشوار عذاب طويل حتى يتم ترميمه. وبدءاً من المراحل الأولى من تأذّي الدماغ وحتى الوصول إلى نهاية عملية الترميم والإصلاح الطويلة، فإن المدمن يكون واقعاً في براثن مرض شديد التأثير ويهدّد حياته. وحتى عندما يتم ترميم الدماغ بكامله – هذا إذا كان ممكناً إصلاحه بشكل كامل – يبقى المدمن تحت وطأة احتمال أكبر لخطر الانزلاق عائداً إلى الإدمان على الكحول أو المخدرات، وذلك بفضل العوامل التي شجعت إدمانه في الأصل.

آرثر شاب موسيقي في السابعة والعشرين من عمره، مدمن على الكحول، والهيروين والكوكايين. لقد أقام في أربعة مراكز مختلفة ذات برامج علاجية على مدى خمس سنوات. وبالرغم من ذلك، فإن أطول مدة أمضاها صاحياً كانت ثلاثين يوماً. ونتيجة لتعاطيه المخدرات وإدمانه على الكحول تعرض آرثر إلى عدة حوادث تسببت له بآلام كثيرةٍ ومبرحةٍ، آخرها كان حادث دراجة نارية آذى رقبته. لقد عالج الكثير من أوجاعه بالكحول والمخدرات الترفيهية، كما استخدم هذه المواد ليهدئ من اضطراب قصور انتباهه وفرط نشاط – ADHD)) لديه. لقد جرب آرثر في الماضي جلسات مدمني الكحول المجهولين (AA)، ومدمني المخدرات المجهولين (NA) إنما لم يكن قادراً على الالتزام بالبرامج. كما أنه أمضى مدة داخلاً إلى مراكز إعادة التأهيل وخارجاً منها من دون أن يستطيع البقاء صاحياً لأكثر من يومين. أضحى أحباؤه ساخطين على هذا الوضع، ولم يعد لديهم اهتمام بدفع المال لأجل عملية إعادة التأهيل. ففي النهاية، ما هي الغاية؟ إن الأمر ببساطة لا يؤتي بأي ثمار. شأنه شأن الأمراض المزمنة الأخرى كالسكري والربو وغيرها، فإن الإدمان مرض يستمر مدى الحياة. فأنت لا تشفى ببساطة من مرض السكري لأنك تتناول دواءك وتراقب حميتك. من الممكن وضعه تحت السيطرة، لكنه لا يزال موجوداً. والحال نفسه بالنسبة إلى مرض الإدمان؛ يمكن السيطرة عليه إنما لا يمكن التخلص منه تماماً على الإطلاق.

يعتمد طول المدة التي تستلزمها عملية الترميم على عوامل عدة، من بينها المواد التي كانت تستخدم، طول مدة التعاطي، والتكوين الجيني والكيماوي الحيوي للفرد. والقاعدة بشكل عام تفيد بأن الأمر يستغرق على الأقل ستة إلى عشرة أشهر من الصحو قبل أن يتم تحقيق أي ترميم ذي أهمية.

ما من حلول إصلاحية سريعة لمرض الإدمان، لهذا السبب يستحق المدمنون كل تعاطف ودعم حتى عندما يزلّون. إننا لا ندين مريضاً بالسكري لتناوله حلوى تحوي السكر، أو لنسيانه تناول دوائه، كما أننا لا نلعن شخصاً مصاباً بفرط ضغط الدم لاكتسابه مزيداً من الوزن عوضاً عن فقدانه. ما يجب أن نفعله بدلاً من ذلك، هو أن نتعاطف معهم ونقدر حاجاتهم الملحة الداخلية التي أفضت بهم إلى الزلل، بل ونشجعهم على تناول أدويتهم بانتظام والالتزام بخطة غذائية وبتمرينات رياضية تعزز صحتهم. يجب أن نعاملهم بتفهم بالرغم من أن المصابين بأمراض حرجة كالسكري والربو وضغط الدم المرتفع ينحون غالباً إلى أن يهملوا فعلاً توصيات أطبائهم. فخمسون بالمئة من المرضى المصابين بهذه الأمراض يتناولون أدويتهم كما وصفت لهم، وثلاثون بالمئة فقط يتقيدون بتغييرات في أنماط حياتهم تتناسب مع نصائح أطبائهم. إن معدل الانتكاسات في هذه الأمراض الثلاثة – والتي تم قياسها من خلال عدد الأشخاص الذين يضطرون إلى دخول غرف الإسعاف سواء أفي المشافي أو في عيادات أطبائهم في حالات طارئة – يبلغ 40 إلى 60 بالمئة سنوياً. وهذه الإحصائيات المخيفة هي عن أناس لا يعانون من مرض دماغي مزمن. فقط حاول أن تتخيل كم هو حتماً أمر صعب على أولئك الذي يحملون أدمغة شوشها الإدمان، أن يتبعوا تعليمات أطبائهم! فِلمَ علينا أن نعامل المدمنين بطريقة مختلفة، وأكثر خشونة بكثير، مما نعامل به المصابين بالأمراض المزمنة الأخرى؟

هل من مجيب؟

للأسف، إننا نعامل المدمنين بصورة مختلفة بالفعل. إننا نتوسل إليهم، نستعطفهم، نلح ونحاول حتى التنمر عليهم كي يحسّنوا الطريق التي ينتهجون، وهو أمر بالكاد ذو فائدة كما لو كنت تطلب إلى كليتي مريض السكر أن تعملا بشكل أفضل.

على مدى عقود عديدة، كانت المعالجة الأساسية للمدمنين من خلال أنواع متعددة من البرامج الموضوعة للمرضى المقيمين والخارجيين والتي كانت عبارة عن مزيج من إزالة للسموم من الجسم، والمعالجة بالمحادثة من قبيل العلاج السلوكي الإدراكي أو التحليل النفسي. إن المعالجة بالمحادثة مصممة للتأثير في الخلايا في المراكز الإدراكية العليا من قشرة الدماغ. وهي قادرة على العمل وإحداث أثر فقط في حال كان الدماغ راغباً وقادراً على إيلاء انتباهه إلى الأمر، والاستماع، والتذكر. غير أن دماغ المدمن غير قادر فيزيائياً على توليد التركيز والتعاون الضروري لنجاح هذا النوع من المعالجة. وإلى أن يتم إصلاح الأذى الذي لحق بالدماغ جزئياً، على الأقل، فإن الدماغ ليس في حالة تسمح باستيعاب وهضم هذه الأفكار الجديدة.

إن جزءاً عظيماً من أذى الدماغ الناجم عن الكحول و/أو المخدرات يصيب الواجهة الأمامية من القشرة الدماغية – حيث يقع التخطيط، والتفكير المجرد، وتنظيم السلوك الدافع، والغرائز والسلوك القهري المتكرر – وكذلك في المنطقة الحوفية، وهي التي تقع عميقاً داخل الدماغ وهي مسؤولة عن الغرائز القوية الأساسية كالجوع والعطش والحاجة إلى الترابط مع الآخرين، والحاجة إلى الاتصال الجنسي. يمكن للمعالجة بالمحادثة أن تكون ذات عون في تصحيح مشاكل القشرة الدماغية، إلا أنها لا يمكنها التأثير في الجهاز الحوفي أو في البنى الأخرى الموجودة في عمق الدماغ. إن هذا يعني أنه – حتى حديثاً – لم يكن هناك من سبيل للوصول إلى الجهاز الحوفي أو إلى بنى الدماغ الأخرى التي تتحكم بالعواطف وبذكريات محددة شديدة التأثير. غير أن هذه الأجزاء من الدماغ قد كونت روابط عاطفيةً عميقةً بين التعاطي وبين المتعة، والتي يقوم الدماغ بتذكرها بشكل جيد جداً. معنى ذلك أنه حتى وإن كان المدمن قادراً على الإصغاء إلى المعالجة وفهمها، فإن تلك الغرائز العاطفية التي تكاد تكون لا تقاوم، والتي تحث على الانتشاء، ستبقى سليمة لا تمس. فمهما حصل المدمن على حجج تفنّد ضرورة عدم تعاطيه، يبقى أمراً في غاية الصعوبة أن يقول ببساطة كلا لهذه الحاجات الملحة الأساسية والشديدة. إنها في الحقيقة في نفس درجة صعوبة مقاومة الحاجة إلى شرب ماء قذر ملوث بعد أن همت على وجهك في الصحراء عدة أيام من دون أي شراب، أو الحاجة التي تدفعك للتحوّل إلى واحد من أكلة لحوم البشر بعد أن تُرَكت على جزيرة مهجورة من دون أي طعام آخر.

لهذا السبب ينتكس الكثير من المدمنين في مراحل مبكرة من عملية الشفاء؛ فهم ببساطة لا تصلهم الأفكار التي يريد مستشاروهم الصحيون أن يفهموها. وحتى إن فعلوا، فإنهم تحت ضغط شديد ليضعوا جانباً تلك الحاجة العاطفية والجسدية القوية جداً كي يحصلوا على الانتشاء. لذا، فلا عجب أن يكون معدل نجاح المعالجة القياسية للإدمان المعترف به عموماً في مكان ما، ما بين 20 و30 بالمئة. وفي ضوء هذه الإحصائيات الكئيبة، لا يمكننا لوم اختصاصيّي الصحة وعامة الناس على حدٍّ سواء إن هم استنتجوا أن الإدمان ببساطة أمر غير قابل للعلاج. لعل هذا يفسر السبب في أن 2.2 مليون فقط من أصل 17.6 ملايين أميركي يعانون من الاعتماد على الكحول أو من سوء استخدامه، يلجأون فعلاً (سواء هم بأنفسهم أو أن هناك من دفعهم لذلك) إلى برامج المعالجة.

فهم جديد، أدوية جديدة، وأمل جديد

الخبر الجيد هو أن تسلحنا بهذا الفهم الجديد للإدمان على أنه مرض دماغي يتطلب معالجة طبية يجعلنا في موقع أفضل بكثير لنعالج المسألة بفعالية أكبر. إن المكون الأساسي للعلاج هو الأدوية الحديثة المضادة للإدمان المصممة لتعيد توازن كيميائية الدماغ الحيوية. إن هذه الأدوية تجعل مرور المدمنين بحالة الانتشاء أمراً مستحيلاً، أياً كانت كمية المادة المسببة للإدمان التي يتناولونها فموياً، أو عن طريق الحقن أو عن طريق الاستنشاق. إنها تساعد على تصحيح اختلالات التوازن في نسب الدوبامين وغيرها من النواقل العصبية المهمة، كما تسرِّع عملية شفاء الأجزاء المتضررة في المنطقة الحوفية وفي القشرة الدماغية. وما إن يتم ترميم تلك الأجزاء المتضررة حتى يجد المدمن أمور التعلم والتذكر والتركيز على التغييرات السلوكية والإدراكية التي تستخدم في المعالجة بالمحادثة أسهل بكثير بالنسبة إليه، وبالتالي، فإنه سيحقق فترة أطول من الصحو. لقد ثبت علمياً قدرة هذه الأدوية بشكل كبير على خفض استخدام المواد بصورة سيئة. فعلى سبيل المثال، إن استخدام الكحوليين للنالتريكسون المعروف باسم فيفيترول كان له القدرة على خفض متوسط عدد أيام الشرب شهرياً من 15.2 إلى 0.2.

النموذج الجديد: علم الشفاء

يعود الفضل إلى علم الطب الحديث أنه بات باستطاعتنا مقاربة المشكلة بصورة أكثر فعالية؛ إنها مقاربة علمية أدعوها أنا بعلم الشفاء.

تتضمن العناصر المفتاحية في علم الشفاء الوعي أن الإدمان هو مرض دماغي مزمن، يتسبب بتغيرات فيزيائية في الدماغ تعوق وبشدة عملية العلاج. في حين أن الأدوية الحديثة يمكن الاستفادة منها لزيادة تفعيل المعالجة. إنما دعوني أكون واضحاً حيال نقطة محددة: إنني لا أزعم أن الأدوية الحديثة بمثابة عصا سحرية، أو أننا من الممكن أن نضع خلف ظهورنا أساليب العلاج الأخرى. فالمعالجة بالمحادثة لا تزال جوهريةً في عملية الشفاء، كذلك الحال بالنسبة إلى إتقان مهارات جديدة في التأقلم وإرساء تعديلات حياتية تدوم طيلة العمر. فالأنسولين لوحده ليس حلاً لمريض السكري، الذي يتوجب عليه كذلك أن يتعلم كيف يتبع حمية غذائية صحية، وأن يمارس التمارين الرياضية بانتظام، أن يحافظ على نحافته، ويتفقد قدميه في حال وجود جروح وتشققات يمكن أن تتطور إلى التهابات، أي أن يلتزم ببرنامج صحي جيد مشابه. كذلك وبالقياس على هذا، فإن الأدوية الحديثة ليست حلاً سهلاً للإدمان. على المدمنين أن يتعلموا كيف يتولّون أمر رغباتهم الملحة، وأن يحضروا اجتماعات الخطوات الاثنتي عشرة بشكل منتظم، وعلى نحو مشابه عليهم أن يجددوا طريقة تفكيرهم، سلوكياتهم، ونمط حياتهم. من ناحية ثانية يجب ألا نغفل عن أن استعمال الأدوية الحديثة المضادة للإدمان بحكمة يمكن أن يعزز بشكل عظيم القدرة على التركيز والاستفادة من أساليب المعالجة الفردية والجماعية، وكذلك اتباع برنامج الخطوات الاثنتي عشرة. ما إن نبدأ بمعالجة الإدمان على اعتبار أنه مرض دماغي مزمن، فإننا سنشهد ارتفاعاً مذهلاً في معدل نجاح المعالجة. إن طريقتنا الجديدة لفهم الإدمان بشقيه، سواء أكان إدماناً على الكحول أو على المخدرات، ستخرجه من عتمة الخزانة وتجلي عنه وصمة العار وتعرّف به على أنه مرض طبي يحتاج إلى المعالجة. بإزالتنا لوصمة العار تلك سينمو الاستعداد لدى المزيد من الناس للاعتراف بأنهم بحاجة إلى معالجة، وتلك المعالجة التي يتلقونها فعلاً ستضحي على الأرجح أكثر قدرة على حل المشكلة.

نقاط مفتاحية أساسية للمراجعة

– الإدمان مرض مزمن يتطلب المعالجة الطبية، إذ يهاجم الدماغ ملحقاً الأذى بأجزاء رئيسة من القشرة الدماغية والجهاز الحوفي.

– من خلال أساليب العلاج القياسية، فإن فرصة الشفاء من الإدمان والمحافظة على ذلك الشفاء هي 20 إلى 30 بالمئة.

– مع المقاربة الجديدة لمسألة المعالجة، هناك فرصة لأن تصل نسبة الشفاء من الإدمان والمحافظة على ذلك الشفاء إلى 90 بالمئة.

– 75 بالمئة من مدمني الكحول لا يتبعون أي برنامج معالجة، بالرغم من أن الإدمان على الكحول يتهدد الحياة تقريباً بنفس نسبة أمراض القلب والسرطان.

– هناك أسطورتان قد أمسكتا بخناق تطوير وسائل فعالة جديدة في معالجة الإدمان وهما: الإدمان نوع من مرض الشخصية، والمعالجة بالمحادثة هي وسيلة العلاج الوحيدة ذات الأثر.

– الاستهلاك المفرط للكحول يؤدي إلى انكماش الدماغ الصحيح ذي الحجم الطبيعي.

– غالبية الانكماش الذي يطرأ على الدماغ يقع في القشرة الدماغية، وهي منطقة تلعب دوراً حيوياً في الذاكرة، والمحاكمة، والتحكم بالدوافع، وحل المشكلات، وغيرها من المهارات الذهنية.

– يقع الأذى كذلك على المنطقة الحوفية، وهي بنية توجد عميقاً في الدماغ، تتحكم في الرغبات وحاجات الجسد الأساسية.

– هناك على الأقل أربعون نظام نواقل عصبية في الدماغ يتسبب الاستخدام المزمن للكحول بتشويشها.

– إن الاستهلاك المزمن للكحول يتسبب بإطلاق كميات غزيرة للغاية من النواقل العصبية التي تدعى السيروتينين والدوبامين، والتي تسهم في الشعور بالنشوة وتجعلك راغباً بالانتشاء مرة أخرى.

– إن المعالجة بالمحادثة مجدية إنما فقط إن كان الدماغ مستعداً وقادراً على الانتباه، الاستماع والتذكر. وهي لا تفعل شيئاً بخصوص الضرر الدماغي المتأصل.

– إن الأدوية الحديثة المضادة للإدمان يمكن أن تساعد على ترميم الدماغ وتعزيز قدرة المرء على التركيز والاستفادة من المعالجة الفردية والجماعية على حدٍّ سواء، وكذلك اتباع برنامج الخطوات الاثنتي عشرة.

– في بعض الأحيان تفعل الأدوية فعلها بشكل سريع جداً لدرجة تتراءى معها أنها وسيلة للتداوي السريع. إلا أن المرء سيبقى بحاجة إلى أن يقوم بتغييرات حياتية وإلى تعلم مهارات تمكّنه من تدبّر شؤونه والمحافظة على حالة الصحو.

– الإدمان ليس مرضاً طارئاً خطيراً قصير الأمد بحلول قصيرة الأجل.

– كما هو الحال في مرض السكري والربو وغيرهما من الأمراض المزمنة، فإن الإدمان كذلك يمكن السيطرة عليه إنما لا يمكن أبداً إزالته.

بواسطة الطاقم الطبي

نحن مجموعة من الأطباء والمتخصصين في القطاع الصحي، نقوم بتقديم الاستشارات الطبية مجاناً والمعلومات والنصائح الطبية الموثوقة منذ عام 2005، ونستهدف الجمهور العام، المثقفون والمهتمون بشؤون صحة الإنسان. للتفاصيل، اضغط هنا